← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام وفيه مباحث: المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، فماذا عليه؟ المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أمعلى التراخي؟ المبحث الثالث: حكم صيام التطوع لمن عليه قضاء. المبحث الرابع: من مات وعليه صيام. المبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟ المبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدًا في نهار رمضان، هل يجب عليه القضاء؟ المبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟ المبحث الثامن: إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان فقامت النية بأنه يوم من رمضان ماذا عليه؟

стр. 212

الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام • المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر، فماذا عليه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، أنه يصوم الذي أدركه، ويقضي ما فاته، ويطعم عن كل يوم مسكينًا. وهو قول ابن عباس (١) وأبي هريرة (٢)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد (٣) واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (٤) من حديث عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ». قال الحافظ في شرح حديث عائشة: يؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر. واعتُرِض عليه بما قاله ابن التركماني: فعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي

стр. 213

أن تأخير القضاء ليس بمقيد إلى مجيء رمضان آخر، وتأخير عائشة ﵂ إنما كان لأنه ﵊ كان يستمتع بها، وكان في شعبان يشتغل بالصوم فتشغل هي بالقضاء، وفي غير رمضان تتفرغ لخدمته. وأُجيبَ عنه بما روى أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ» (١). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . • القول الآخر: أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر - يقضي الذي فاته ولا شيء عليه (أي: لا إطعام عليه)، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، والبخاري في صحيحه (٣)، وابن حزم، وهو قول إبراهيم النخعي والحسن وطاوس وحماد بن أبي سليمان (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وجه الدلالة ما قاله القرطبي: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. الراجح في المسألة والله أعلم: أنه من كان عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه إلا القضاء فقط، ولا كفارة عليه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ولم يَحُدَّ الله تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ في ذلك وَقْتًا بِعَيْنِهِ، فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عليهم أَبَدًا حتى يُؤَدَّي أَبَدًا ولم يَأْتِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ بِإِيجَابِ إطْعَامٍ في ذلك، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ ذلك

стр. 214

أَحَدًا؛ لأنه شَرْعٌ وَالشَّرْعُ لَا يُوجِبُهُ في الدِّينِ إلاَّ الله تَعَالَى على لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَطْ. • المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أم على التراخي؟ قال النووي في «شرح مسلم»: وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف: أَنَّ قَضَاء رَمَضَان فِي حَقّ مَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَسَفَرٍ - يَجِب عَلَى التَّرَاخِي، وَلَا يُشْتَرَط الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّل الْإِمْكَان، لَكِنْ قَالُوا: لَا يَجُوز تَأْخِيره عَنْ شَعْبَان الْآتِي؛ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ إِلَى زَمَانٍ لَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ رَمَضَانُ الْآتِي، فَصَارَ كَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَوْت. قال القرطبي (١): قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان؛ لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَه إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قال: ولنا أن الله تعالى أمر بالقضاء مطلقًا، والأمر المطلق لا يوجب على الفور بل على التراخي، ولهذا لو تطوع جاز بالاتفاق (٢). وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (٣). قال الكاساني (٤): قال أَصْحَابُنَا: إنه لَا يُكْرَهُ لِمَنْ عليه قَضَاءُ رَمَضَانَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، وَلَوْ كَانَ الوُجُوبُ على الْفَوْرِ لَكُرِهَ له التَّطَوُّعُ قبل الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ الْمَضِيقِ وأَنَّهُ مَكْرُوهٌ. الخلاصة: على المسلم أن يبادر بقضاء الواجب عليه لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولقول الله في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٥).

стр. 215

• المبحث الثالث: جواز التطوع لمن عليه قضاء: أولًا: إن قضاء رمضان على التراخي؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها، كما في السنن الرواتب، كراتبة الفجر والظهر القَبْلية. ثانيًا: لم يأت نص من الكتاب أو السنة يمنع من الاشتغال بالتطوع لمن عليه قضاء. • المبحث الرابع: من مات وعليه صيام لم يَخْلُ من حالين: • الحال الأولى: أن يموت قبل إمكان القضاء. قال ابن قدامة (١): أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنِ الصَّوْمِ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ; لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْه، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِله تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ. قال النووي (٢): لو كان عليه قضاء شيء من رمضان، فلم يصم حتى مات، نظرت: فإن أخره لعذر اتصل به الموت، لم يجب عليه شيء؛ لأنه فَرْض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج. • الحال الثاني: من مات وعليه صيام بعد إمكان القضاء، هل يصوم عنه وليُّه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصام عن الميت، بل يطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد (٣). واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعن عبادة بن نسي قال: قال النبي ﷺ : «من مرض فلم يزل

стр. 216

مريضًا حتى مات، لم يطعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات، أطعم عنه» (١). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . وعن عبد الله بن عمر ﴿عن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا» (٢). أما دليلهم من المأثور: ١ - فأثر عبد الله بن عباس ﴿قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يوم مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ» (٣). وقد صح من حديث ابن عباس قضاء الصيام عن الميت. فلما أفتى ابن عباس بخلاف ما رواه، دل ذلك على أن العمل بقوله لا بما رواه، وأجيب عنه بأن العبرة بما روى لا بما رأى (٤). • القول الثاني: أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وبه قال أصحاب الحديث والشافعي في القديم وأبو ثور وطاوس (٥). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٦) عن عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».

стр. 217

وفي «الصحيحين» (١) عن ابن عباس ﴿قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». • القول الثالث: ذهب أحمد (٢) والليث وإسحاق وأبو عبيد إلى أنه لا يصام عن الميت إلا في النذر (٣). واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور والمعقول: أولًا دليلهم من السنة: فعَنِ ابن عباس ﴿قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكِ عَنْهَا؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ» (٤). الدليل الثاني: عموم ما في «الصحيحين» (٥) عن عبد الله بن عباس ﴿أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا». قال الحافظ (٦): وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد: لَا يُصَام عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ، حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة - أي قول النبي ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» - عَلَى الْمُقَيَّد فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس. اعترض عليه بما قاله الحافظ: وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنهمَا، فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ، وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ

стр. 218

عَامَّةٍ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَى نَحْو هَذَا الْعُمُوم حَيْثُ قِيلَ فِي آخِرِهِ: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». قال الشوكاني: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، فَلَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِهِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (١). والراجح أن قوله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور. وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه (٢)، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته، قلت: والصارف عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (وَلِيُّهُ) قِيلَ: كُلّ قَرِيب، وَقِيلَ: الْوَارِث خَاصَّة، وَقِيلَ: عَصَبَتُهُ. وَالْأَوَّل أَرْجَح وَالثَّانِي قَرِيب (٣). • المبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر أيامًا أنه يستحب أن يقضيها متتابعة، ويجوز تفريقها. وهو قول ابن عباس وأبي هريرة (٤) وأنس (٥) وعروة بن الزبير (٦) وأبي حنيفة ومالك

стр. 219

والشافعي وأحمد (١). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولا يشترط أن تكون متتابعة. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «ذَاكَ إلَيْك»، فَقَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَى الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، أَلَمْ يَكُ قَضَى؟ وَالله أَحَقّ أَنْ يَعْفُوَ وَيَغْفِرَ» (٢). • القول الثاني: قال ابن عمر وعائشة والحسن البصري وداود الظاهري: إنه يجب التتابع في قضاء رمضان (٣). عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ) فَسَقَطَتْ (مُتَتَابِعَاتٍ) (٤). الراجح: مذهب الجمهور أنه يستحب تتابعه، ويجوز تفريقه لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. • المبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدًا في نهار رمضان، هل يجب عليه القضاء؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: • القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الصحيح والحنابلة إلى أن من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان متعمدًا، وجب عليه القضاء (٥). • واستدلوا بالسنة والمعقول:

стр. 220

دليلهم من السنة: الزيادة الواردة في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي وقع على أهله في نهار رمضان وهي قوله ﷺ : «صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» (١). أما دليلهم من المعقول: فهو أنه أفسد يومًا من رمضان فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل؛ لأنه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران، فعلى المجامع أَوْلى، ولأن القضاء بدل اليوم الذي أفسده، والكفارة عقوبة الذنب الذي ارتكبه (٢). • القول الثاني: وهو قول بعض الشافعية واختيار ابن تيمية أن من أفسد صومه بالجماع لا يجب عليه القضاء (٣). استدلوا بما ورد في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعائشة في الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، ولو كان أمَره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم، وهو حكم شرعي. وأما دليلهم من المعقول: فهو أن المُجامع ارتكب إثمًا عظيمًا وذنبًا كبيرًا، ولا ينفعه الندم. وأُجيب عن استدلالهم بالحديث: بأن عدم أمره بالقضاء لا يدل على سقوط القضاء، بل هو آكد من الكفارة، ووجوب الكفارة دليل على وجوب القضاء، وأما قولهم بأن القضاء لا ينفعه، فهذا غير مسلَّم؛ لأنه بالقضاء تبرأ ذمته من اليوم الذي أفسده، إلى جانب الندم والاستغفار. • أما القول الثالث: فهو قول بعض الشافعية، وحكي عن الأوزاعي أنه قال: من كَفَّر بالصيام فلا قضاء عليه؛ لأنه صام شهرين متتابعين (٤). قال ابن العربي (٥): كلام الأوزاعي ليس بشيء. الراجح في المسألة: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من وجوب القضاء على المجامع

стр. 221

في نهار رمضان؛ لأن من أفسد يومًا من رمضان لزمه قضاؤه، ولأن في القضاء براءة الذمة، ولأن إباحة الجماع للصائم بالليل دليل على تحريمه بالنهار، ومَن فَعَله بطل صومه وعليه قضاء ذلك اليوم. أما من استدل بحديث «الصحيحين» فلا يلزم من عدم ذكر القضاء أنه لا قضاء؛ لأن الحديث حكاية حال لا عموم فيها، والله أعلم. • المبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟ قال ابن قدامة (١): فَإِنْ تَسَاحَقَتِ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يُنْزِلَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ أَنْزَلَتَا فَسَدَ صَوْمُهُمَا. • المبحث الثامن: إذا أصبح مفطرًا يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بأنه يوم من رمضان ماذا عليه؟ قال ابن قدامة (٢): إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. * * *

стр. 222

الفصل العاشر مباحات الصيام وفيه مباحث • المبحث الأول: الاغتسال. • المبحث الثاني: صب الماء البارد على الرأس. • المبحث الثالث: القبلة للصائم. • المبحث الرابع: هل يباح السواك للصائم؟ • المبحث الخامس: ذوق الطعام للصائم. • المبحث السادس: العلك.

стр. 223

المبحث الأول: الاغتسال يباح للصائم إذا جامع امرأته ليلًا أن يغتسل نهارًا، وصومه صحيح. قال الخطابي (١): أجمع عامة العلماء على أنه إذا أصبح جنبًا في رمضان، فإنه يُتم صومه ويجزئه. وقال النووي (٢): أَجْمَعَ أَهْل هَذِهِ الْأَمْصَار عَلَى صحة صَوْم الْجُنُب، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ اِحْتِلَام أَوْ جِمَاعٍ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِير الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ودليل ذلك من الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وجه الدلالة من الآية: ما قاله النووي: فَإِنَّ الله تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْل وَالْمُبَاشَرَة إِلَى طُلُوع الْفَجْر. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفَجْر لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُصْبِح جُنُبًا، وَيَصِحّ صَوْمُه، وإذا كان الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام بالإجماع، فتَرْك الاغتسال من جنابة تكون ليلًا أَوْلى أن لا يفسد بها الصوم. وفي «الصحيحين» (٣) عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﴿أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ

стр. 224

وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. المبحث الثاني: صب الماء البارد على الرأس عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْكُبُ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ بِالسُّقْيَا، إِمَّا مِنَ الْحَرِّ وَإِمَّا مِنَ الْعَطَشِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صَائِمًا حَتَّى أَتَى كَدِيدًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ، وَهُوَ عَامُ الْفَتْحِ (١).

стр. 225

المبحث الثالث: القُبلة للصائم اختلف أهل العلم في حكم القبلة للصائم على أقوال: • القول الأول: أن القبلة تباح للصائم: وهذا قول عائشة (١) وابن مسعود (٢) وأبي هريرة (٣) وسعد بن مالك (٤) وأبي سعيد (٥) وابن عباس (٦). وفي «الصحيحين» (٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ ضَحِكَتْ».

стр. 226

روى مسلم (١) عَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ». وروى البخاري (٢) عن أم سلمة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. • القول الثاني: أن القُبلة تحرم للصائم: واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، فإنه منع المباشرة في النهار. وأجيب بأن المراد في الآية الجماع، وقد بَيَّن ذلك فعله ﷺ ، كما في أحاديث الباب (٣). قال ابن حزم (٤): وأما من أبطل الصوم بالقُبلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلنا: قد صح عن رسول الله إباحة المباشرة، وهو المبين عن الله تعالى مراده منا، فصَحَّ أن المباشرة المحرمة في الصوم إنما هي الجماع فقط. أما دليلهم من السنة فاستدلوا بحديث مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النبي ﷺ قَالَتْ: سُئِلَ النبي ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ قَالَ: «قَدْ أَفْطَرَا» (٥). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . أما دليلهم من المأثور: ١ - فأثر عمر بن الخطاب: كان ينهى عن قبلة الصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم! فقال: ومَن ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ ؟! (٦). ٢ - وعنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَنْهَوْنَ

стр. 227

عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ (١). ٣ - أثر عبد الله بن عمر: أنه كان ينهى عن القُبلة للصائم (٢). ٤ - أثر عروة بن الزبير: قال: لم أر القُبلة تدعو إلى خير (٣). قلت: وأما الآثار التي وردت عن الصحابة تنهى عن القبلة فلأنها ربما تدعو إلى الجماع، ولذلك لما قيل لعمر: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم، قال: من له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله؟! وقال عروة بن الزبير: لم أر القبلة تدعو إلى خير، وقد صح عن عدد كبير من الصحابة إباحة القبلة (٤). قال الشافعي: وهذا عندي ليس اختلافًا والله أعلم، على ما وصفت ليس اختلافًا منهم، ولكن على الاحتياط؛ لئلا يشتهي فيجامع، وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به. • القول الثالث: أن القبلة مباحة للشيخ محرمة على الشاب. واستدلوا بالسنة والمأثور. أما دليلهم من السنة: فعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النبي ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ. فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ (٥).

стр. 228

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . أثر عبد الله بن عباس: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ، وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ (١). واعترض عليه بأن الرسول ﷺ كان يقبل عائشة، وكانت عائشة إذ مات ﵊ بنت ثمان عشرة سنة، فظهر بطلان من فرَّق بين الشيخ والشاب. قلت: وورد بسند صحيح أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو صائم في رمضان، فقالت له عائشة: من يمنعك من أن تدنو من أهلك تلاعبها وتُقبلها؟ قال: أُقبلها وأنا صائم؟! قالت: نعم. وعائشة بنت طلحة وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر كانا في الشباب (٢). • القول الرابع: أن القبلة والمباشرة للصائم خاصة بالنبي ﷺ ، ولا تجوز لأحد غيره. واستدلوا بما ورد في «الصحيحين» (٣) من حديث عائشة قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يُثبت الخصوصية. ودل على ذلك ما رواه مسلم (٤) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ : أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : «سَلْ هَذِهِ» - لأُمِّ سَلَمَةَ - فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ «أَمَا وَالله إِنِّى لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ».

стр. 229

• القول الخامس: لا يجوز تقبيل المرأة وهي صائمة. واستدلوا لذلك بحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ لا يمس من وجهي شيئًا وأنا صائمة» (١). واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر، وقد صح عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ (٢). • القول السادس: أن القُبلة مكروهة. قال مالك: لَا أُحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُقَبِّلَ أَوْ يُبَاشِرَ (٣). • القول السابع: أن القُبلة مستحبة. قال ابن حزم (٤): وأما الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ له، فَهُمَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ نَسْتَحِبُّهَا لِلصَّائِمِ شَابًّا كانَ أو كَهْلاً أو شَيْخًا، وَلَا نبالي أَكَانَ مَعَهَا إنْزَالٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ أو لم يَكُنْ.

стр. 230

• القول الثامن: أن من مَلَك نفسه جازت له القُبلة، وإلا فلا. قال الشافعي (١): وَمَنْ حَرَّكَتِ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا له، وَإِنْ فَعَلَهَا لم يُنْقَضْ صَوْمُهُ، وَمَنْ لم تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ فَلَا بَأْسَ له بِالْقُبْلَةِ، وَمِلْكُ النَّفْسِ في الْحَالَيْنِ عنها أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ شَهْوَةٍ يُرْجَى من الله تَعَالَى ثَوَابُهَا .... وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُنْقَضُ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ لو كانت تَنْقُضُ صَوْمَهُ لم يُقَبِّلْ رسولُ الله ﷺ . وقال أيضًا: أخبرنا مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كانت إذَا ذَكَرَتْ ذلك قالت: وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لأربه من رسول الله ﷺ ؟! وَهَذَا عِنْدِي وَالله أَعْلَمُ على ما وَصَفْتُ - ليس اخْتِلَافًا منهم وَلَكِنْ على الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يَشْتَهِيَ فَيُجَامِعَ وَبِقَدْرِ ما يَرَى من السَّائِلِ أو يَظُنُّ بِهِ (٢). الراجح في المسألة: أن حال المقبل والمباشر لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن تكون القُبلة والمباشرة بدون شهوة، كأن يمس امرأته أو جسمها ليعرف مرضها أو يقبلها، فهذا جائز لأن الأصل فيه الحل (٣). الأمر الثاني: أن تكون القبلة والمباشرة بشهوة، وهذه لها صورتان: • الصورة الأولى: أن يغلب على ظنه الإنزال، كالشاب قوي الشهوة، أو حديث عهد بزواج.

стр. 231

قال ابن قدامة (١): إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ; لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ، فَحَرُمَتْ. وقال ابن عبد البر (٢): لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ. • الصورة الثانية: أن يُقبل ويباشر بشهوة، ولكنه يأمن على نفسه عدم نزول المني، فهذه الصورة جائزة، والله أعلم. المبحث الرابع: هل يباح السواك للصائم؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: إباحة السواك للصائم في أول النهار وآخره. وهو قول عمر (٣) وابن عمر (٤) وابن الزبير (٥) وبه قال أبو حنيفة ومالك (٦). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٧) عن أبى هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».

стр. 232

وَلَمْ يَسْتَثْنِ مُفْطِرًا دُونَ صَائِمٍ، فَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَضِيلَةٌ فَهُوَ كالمُفْطِرِ (١). وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ» (٢). وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» (٣). وعن أَبي إِسْحَاقَ الْخَوَارِزْمِيِّ قال: سَأَلْتُ عَاصِمًا الأَحْوَلَ: أَيَسْتَاكُ الصَّائِمُ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: بِرَطْبِ السِّوَاكِ وَيَابِسِهِ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٤). • القول الثاني: ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى القول بكراهة السواك بالعشي للصائم (٥). واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (٦) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». وجه الدلالة: ما قَالَه الإمام أَحْمَدُ: لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لَا يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ. الدليل الثانى: قول النبي ﷺ : «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلاَّ كَانَتَا نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يوم الْقِيَامَةِ» (٧).

стр. 233

والراجح أنه يرخص للصائم استعمال السواك بالغداة والعشي؛ لعموم قوله ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». وأما حديث «لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهى عن السواك. وأما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيٍّ»، فلا يصح عن رسول الله ﷺ ، والله أعلم. كل هذا في السواك اليابس، وهل يجوز للصائم استعمال السواك بالعود الرطب في نهار رمضان؟ ذهب جمهور العلماء إلى جواز استعمال السواك بالعود الرطب في نهار رمضان، وهو قول ابن عمر (١) وابن الزبير (٢) وعطاء (٣) وبه قال أبو حنيفة والشافعي. قال الماوردي (٤): فلِأَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُحِبَّ لَهُ السِّوَاكُ بِالْعُودِ الْيَابِسِ اسْتُحِبَّ لَهُ السِّوَاكُ بِالْعُودِ الرَّطْبِ، كَغَيْرِ الصَّائِمِ، وَلِأَنَّ رُطُوبَةَ الْعُودِ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ رُطُوبَةِ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ، ثُمَّ لَمْ يُمْنَعِ الصَّائِمُ مِنْهَا، كَذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةِ الْعُودِ. وذهب مالك وأحمد إلى كراهية استعمال السواك بالعود الرطب للصائم؛ لأنه يحلب الفم ويجلب العطش. والراجح جواز استعمال السواك الرطب من غير كراهة في أول النهار وآخره.

стр. 234

المبحث الخامس: ذوق الطعام أولاً: لم يَرد عن رسول الله ﷺ خبر في هذا الباب. ثانيًا: وردت بعض الآثار في الباب: ١ - عن ابن عباس ﴿قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الْخَلَّ أَوِ الشَّيْءَ مَا لَمْ يَدْخُلْ حَلْقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ» (١). ٢ - عن مسروق قال: أتيت عائشة أنا ورجل معى، وذلك يوم عرفة، فدعت لنا بشراب، ثم قالت: «لَوْلَا أَنِّي صَائِمَةٌ لَذُقْتُهُ» (٢). ٣ - عن الضحاك بن عثمان قال: رَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَائِمًا أَيَّامَ مِنًى، وَهُوَ يَذُوقُ عَسَلاً» (٣). ٤ - عن الحسن البصرى أنه «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَطَاعَمَ الصَّائِمُ الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ وَنَحْوَهُ، ثُمَّ يَمُجَّهُ» (٤). ٥ - عن شعبة قال: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنِ الصَّائِمِ يَلْحَسُ الأَنْقَاسَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ (٥). ٦ - عن معمر قال: سألت حمادًا عن المرأة الصائمة تذوق المرقة؟ فلم ير عليها في ذلك

стр. 235

بأسًا، قال: وإنهم ليقولون: «ما شيء أبلغ في ذلك من الماء يمضمض به الصائم؟» (١). ٧ - عن إبراهيم: «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تَمْضُغَ الْمَرْأَةُ الصَّائِمَةُ لِصَبِيِّهَا» (٢). • وهذه طائفة من أقوالٍ أهل العلم: قال السرَخسي (٣): وَإِذَا ذَاقَ الصَّائِمُ بِلِسَانِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَدْخُلْ حَلْقَهُ، لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَالْفَمُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّائِمَ يَتَمَضْمَضُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؟ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا؛ لأنه لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ حَلْقَهُ بَعْدَ مَا أَدْخَلَهُ فَمَه، فَيَحُومَ حَوْلَ الْحِمَى، قال ﷺ : «فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ». فى المدونة: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَذُوقَ الصَّائِمُ الشَّيْءَ مِثْلَ الْعَسَلِ وَالْمِلْحِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَا يُدْخِلُهُ جَوْفَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا يَذُوقُ شَيْئًا (٤). قال ابن قدامة: قال أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ وَالْخَلَّ وَالشَّيْءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ. وَالْحَسَنُ كَانَ يَمْضُغُ الْجَوْزَ لِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ. قال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْطِرْ (٥). وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله (٦): هل يجوز لطاهى الطعام أن يتذوق طعامه ليتأكد من صلاحيته وهو صائم؟

стр. 236

فأجاب: لا بأس بتذوق الطعام للحاجة، بأن يجعله على طرف لسانه ليعرف حلاوته، وملوحته وضدها، لكن لا يبتلع منه شيئًا بل يمجه أو يُخرجه من فيه، ولا يفسد بذلك صومه على المختار، والله أعلم. المبحث السادس: العِلْك (١) قال ابن قدامة (٢): الْعِلْكُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا: مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الَّذِي إذَا مَضَغَهُ يَتَحَلَّلُ، فَلَا يَجُوزُ مَضْغُهُ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَنَزَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ. وَالثَّانِي: الْعِلْكُ الْقَوِيُّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ صَلُبَ وَقَوِيَ، فَهَذَا يُكْرَهُ مَضْغُهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأصحاب الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ؛ لأنه يَحْلُبُ الْفَمَ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ. وَرَخَّصَتْ عَائِشَةُ فِي مَضْغِهِ (٣). وَبِهِ قال عَطَاءٌ (٤)؛ لأنه لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، فَهُوَ كَالْحَصَاةِ يَضَعُهَا فِي فِيهِ، وَمَتَى مَضَغَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ. قال السرخسي (٥): «وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغُ الْعِلْكِ وَلَا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّ مَضْغَ الْعِلْكِ يَدْبُغُ

стр. 237

الْمَعِدَةَ وَيُشَهِّي الطَّعَامَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُ فَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَالنَّاظِرُ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَيَتَّهِمُهُ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا مِنْهُ حَلْقَهُ فَيَكُونُ مُعَرِّضًا صَوْمَهُ لِلْفَسَادِ، وَلَكِنْ لَا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْعِلْكِ لَا تَصِلُ إلَى حَلْقِهِ، إنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ طَعْمُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْعِلْكُ مُصْلَحًا مُلْتَئِمًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَئِمًا فَمَضَغَهُ حَتَّى صَارَ مُلْتَئِمًا يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَتَفَتَّتْ أَجْزَاؤُهُ فَيُدْخِلُ حَلْقَهُ مَعَ رِيقِهِ». • مسألة: ما حكم اللبان؟ اللبان يفطر، ولا يقاس على العلك، لأن العلك إذا مُضغ لا ينقص وزنه، وليس له طعم يدخل إلى الجوف. قال الحافظ ابن حجر (١): وَالْعِلْك بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا كَافٌ: كُلُّ مَا يُمْضَغُ وَيَبْقَى فِي الْفَمِ كَالْمُصْطَكَّى وَاللُّبَانِ، فَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْفَم فَيَدْخُلُ الْجَوْفَ فَهُوَ مُفْطِرٌ. * * *

стр. 238

الفصل الحادى عشر الإفطار والسحور وفيه مباحث: • المبحث الأول: وقت الصوم • المبحث الثاني: في الإفطار وفيه مطالب: المطلب الأول: في فضائل تعجيل الفطر. المطلب الثاني: في دعاء الصائم عند فطره. المطلب الثالث: في القول عند الإفطار. المطلب الرابع: في إطعام الصائم. المطلب الخامس: على ماذا يفطر. المطلب السادس: الدعاء بعد الفراغ من الطعام. • المبحث الثالث: في السحور، وفيه مطالب: المطلب الأول: في فضائل السحور. المطلب الثاني: في حكم السحور. المطلب الثالث: في وقت السحور. المطلب الرابع: نداء ارفع الماء ما حكمه؟ المطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟ • المبحث الرابع: الوصال. • المبحث الخامس: بعض الأحاديث الضعيفة التي تنتشر في الصيام.

стр. 239

الفصل الحادى عشر الإفطار والسحور وفيه مباحث: • المبحث الأول: وقت الصوم: يجب الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. دل على ذلك القرآن والسنة: قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١)، فدلت الآية على أنه يجب الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وروى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ

стр. 240

هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (١). دل هذا الحديث على أنه إذا تحقق غروب الشمس فإنه يجب على الصائم الفطر. أما عن كيفية ضبط أوقات الصيام في البلدان التي يستمر فيها النهار أو يطول، فقد أفتى المجمع الفقهي بأنه إذا كانت البلاد يتمايز فيها الليل والنهار وجب الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وإن طال النهار، أما إذا كان النهار يستمر فالواجب الاعتماد في ضبط مواقيت الصيام على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل والنهار (٢). • المبحث الثانى: في الإفطار، وفيه مطالب: • المطلب الأول: في فضائل تعجيل الفطر: ١ - تعجيل الفطر يجلب الخير: ففي «الصحيحين» (٣) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٤). قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَار مِنَ اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَة، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلُ وَاحِدٍ فِي الْأَرْجَح، قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرهمْ الْفِطْر إِلَى ظُهُور النُّجُوم، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْر بِتَعْجِيلِ الْفِطْر؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُل فِي فِعْلِ خِلَاف السُّنَّةِ (٥).

стр. 241

٢ - تعجيل الإفطار من سنة خير المرسلين (١): روى مسلم عن أبي عَطِيَّةَ قال: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلَانِ مِنْ أصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِى يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قال: قُلْنَا: عَبْدُ الله يَعْنِى ابْنَ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله ﷺ . ٣ - تعجيل الفطر مخالفة للمغضوب عليهم والضالين: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» (٢). ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُ سُحُورًا (٣). • المطلب الثاني: في دعاء الصائم عند فطره: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (٤).

стр. 242

وورد بلفظ: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرد» ولكنه لا يخلو من مقال، ولكن عمومات الشريعة تؤيده، خاصة وأن الله تعالى ذكر في وسط آيات الصيام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وهذا من أسرار القرآن العظيم أن ذكر آيات الدعاء بعد إكمال الصيام إلى الليل، وهذا والله أعلم، إيماء وإشعار للصائم بالاجتهاد في الدعاء في هذا الشهر المبارك، وبخاصة عند إكمال العدة، وعند كل فطر (١). وكذلك فإنه من أعظم أوقات إجابة الدعوات عند ختام الطاعات، كما صح عن النبي العدنان ﵊ أنه كان يدعو في دبر الصلوات، وتحرى الدعاء في ليالى العشر الأواخر رجاء ليلة القدر. • المطلب الثالث: في القول عند الإفطار: عن مَرْوَان بْنَ سَالِمٍ الْمُقَفَّع قال: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ وَقال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» (٢). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ويكفي قول باسم الله. • المطلب الرابع: في إطعام الصائم: عن زيد بن خالد الجُهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، وَلَا

стр. 243

يُنْتَقَصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْء» (١). وإن كان هذا الحديث فيه مقال لكن ليس معنى هذا أن إطعام الطعام لا يثاب المؤمن عليه، بل إطعام الطعام له ثواب عظيم وأجر جزيل. قال تعالى وهو يصف الأبرار المتقين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو: أن رجلاً سأل النبي أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». فإطعام الصائم فضله عظيم وأجره جزيل لا يعلم مقداره إلا العليم الخبير، وقد يصل الأجر مع إخلاص النية وحسن الطوية لرب البرية- إلى أضعاف الأجر المذكور في الحديث أما تحديد الأجر بأنه مثل أجر الصائم، فالحديث فيه مقال، ولكن النبي ﷺ كان في رمضان أجود من الريح المرسلة، ولعل الله يثيب مَنْ فطَّر صائمًا ثوابًا عظيمًا، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم. • المطلب الخامس: على ماذا يفطر الصائم؟ عن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ

стр. 244

يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (١).

стр. 245

عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (١). • المطلب السادس: الدعاء بعد الفراغ من الطعام: عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر عند أهل بيت قال: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» (٢).

стр. 246

وورد عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة بعد الفراغ من الطعام، ولكنها غير مقيدة بالصيام وهي عامة. فروى مسلم عن عَبْد الله بْنِ بُسْرٍ قال: نَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِى. قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَرَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِىَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِى النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى. قال شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ الله إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ. ثُمَّ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قال: فَقال أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ الله لَنَا. فَقال: «اللهمَّ بَارِكْ لَهُمْ في مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» (١). وروى مسلم من حديث المقداد ﵁ وفيه قال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِى، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِى» (٢). فأرى أن يحافظ المسلم على الأذكار الصحيحة، وفيه غنية عن الضعيفة، ثم إن الدعاء لصاحب الطعام جائز بما تشاء، ولكن أسانيد حديث «أفطر عندكم الصائمون» فيها مقال. فما الدافع إلى ذلك، مع وجود الأحاديث الصحيحة، ولذلك ترى الأكثر يحافظ على هذا الذكر، ويترك الأذكار التى وردت في الصحيح، ولا يحافظ عليها إلا النادر القليل من الناس، وإن كان بعض أهل العلم يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بالشروط المذكورة في كتب المصطلح، ولكن إذا ورد في الباب أحاديث صحيحة فينبغي

стр. 247

المحافظة عليها أولاً، ولا ينبغى أبدًا أن يحافظ على الحديث الضعيف مع وجود الصحيح الوارد في نفس هذا الباب. فعلى سبيل المثال: أذكار الصباح والمساء، فيها الصحيح والسقيم، فينبغى للمسلم أن يحافظ على الأذكار الصحيحة أولاً، خاصة أن بعض الناس قد لا يستطيع أن يكمل الأذكار، وقد يتأتى بجزء من الصحيح مع جزء من السقيم. • المبحث الثالث: في السحور وما يتعلق به من أحكام، وفيه مطالب: • المطلب الأول: في فضائل السحور: ١ - السحور بركة: ففي «الصحيحين» (١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». قال ابن حجر (٢): وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَة، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ. قَالَ: وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اِسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اِعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ

стр. 248

كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، كَاَلَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ. «تكميل»: يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. • المطلب الثاني: في حكم السحور: قال ابن المنذر: وأجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب، لا إثم على من تركه (١). قال النووي (٢): ويستحب أن يتسحر للصوم؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، ولأنه فيه معونة على الصوم. • المطلب الثالث: في وقت السحور: قال النووي (٣): وقت السحور بين نصف الليل، وطلوع الفجر. وقال أيضا (٤): ويستحب تأخير السحور؛ لما روي أنه قيل لعائشة: إن عبد الله يعجل الفطر، ويؤخر السحور. فقالت: «هكذا كان النبي ﷺ يفعل»، ولأن السحور يراد للتقوِّي على الصوم والتأخير أبلغ في ذلك، فكان أَوْلى. • كم بين السحور وصلاة الفجر؟ روى البخاري (٥) عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.

стр. 249

• المطلب الرابع: نداء «ارفع الماء» ما حكمه؟ قال ابن حجر: مِنَ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان، وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام، زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة، وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُو، ا فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر كَثِيرٌ فِيهِمْ الشَّرُّ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (١). • المطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. والمعنى إذا طلع الفجر فلا تأكلوا ولا تشربوا، سواء كان الإناء على فِيه أم لا. واستدلوا بقول النبي ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (٣). أي إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا. قال النووي (٤): قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يسمى الفجر الأول. والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني والفجر الصادق، فالفجر الأول يطلع مستطيلاً نحو السماء كذَنَب السِّرحان وهو الذئب، ثم يغيب ذلك ساعة ثم يطلع الفجر الثاني

стр. 250

الصادق مستطيرًا (بالراء) أى منتشرًا عَرَضًا في الأفق. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثانى، فبه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين. قال صاحب الشامل: «سُمي الفجر الأول كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يسْوَد ويذهب، وسُمي الثانى صادقًا؛ لأنه صدق عن الصبح وبَيَّنه». • القول الثاني: قال ابن القيم (١): فروى إسحاق بن راهويه، عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لَوْلَا الشُّهْرَةُ لَصَلَّيْت الْغَدَاةَ ثُمَّ تَسَحَّرْت». ثم ذكر إسحاق، عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة (٢). أي أن من سمع نداء الفجر والإناء في يده في رمضان فليشرب. واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور. أما دليلهم من السنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ
следующие страницы →