← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وورد عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة بعد الفراغ من الطعام، ولكنها غير مقيدة بالصيام وهي عامة. فروى مسلم عن عَبْد الله بْنِ بُسْرٍ قال: نَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِى. قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَرَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِىَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِى النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى. قال شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ الله إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ. ثُمَّ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قال: فَقال أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ الله لَنَا. فَقال: «اللهمَّ بَارِكْ لَهُمْ في مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» (١). وروى مسلم من حديث المقداد ﵁ وفيه قال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِى، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِى» (٢). فأرى أن يحافظ المسلم على الأذكار الصحيحة، وفيه غنية عن الضعيفة، ثم إن الدعاء لصاحب الطعام جائز بما تشاء، ولكن أسانيد حديث «أفطر عندكم الصائمون» فيها مقال. فما الدافع إلى ذلك، مع وجود الأحاديث الصحيحة، ولذلك ترى الأكثر يحافظ على هذا الذكر، ويترك الأذكار التى وردت في الصحيح، ولا يحافظ عليها إلا النادر القليل من الناس، وإن كان بعض أهل العلم يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بالشروط المذكورة في كتب المصطلح، ولكن إذا ورد في الباب أحاديث صحيحة فينبغي

стр. 247

المحافظة عليها أولاً، ولا ينبغى أبدًا أن يحافظ على الحديث الضعيف مع وجود الصحيح الوارد في نفس هذا الباب. فعلى سبيل المثال: أذكار الصباح والمساء، فيها الصحيح والسقيم، فينبغى للمسلم أن يحافظ على الأذكار الصحيحة أولاً، خاصة أن بعض الناس قد لا يستطيع أن يكمل الأذكار، وقد يتأتى بجزء من الصحيح مع جزء من السقيم. • المبحث الثالث: في السحور وما يتعلق به من أحكام، وفيه مطالب: • المطلب الأول: في فضائل السحور: ١ - السحور بركة: ففي «الصحيحين» (١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». قال ابن حجر (٢): وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَة، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ. قَالَ: وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اِسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اِعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ

стр. 248

كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ. قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، كَاَلَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ. «تكميل»: يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. • المطلب الثاني: في حكم السحور: قال ابن المنذر: وأجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب، لا إثم على من تركه (١). قال النووي (٢): ويستحب أن يتسحر للصوم؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، ولأنه فيه معونة على الصوم. • المطلب الثالث: في وقت السحور: قال النووي (٣): وقت السحور بين نصف الليل، وطلوع الفجر. وقال أيضا (٤): ويستحب تأخير السحور؛ لما روي أنه قيل لعائشة: إن عبد الله يعجل الفطر، ويؤخر السحور. فقالت: «هكذا كان النبي ﷺ يفعل»، ولأن السحور يراد للتقوِّي على الصوم والتأخير أبلغ في ذلك، فكان أَوْلى. • كم بين السحور وصلاة الفجر؟ روى البخاري (٥) عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.

стр. 249

• المطلب الرابع: نداء «ارفع الماء» ما حكمه؟ قال ابن حجر: مِنَ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان، وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام، زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة، وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُو، ا فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر كَثِيرٌ فِيهِمْ الشَّرُّ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (١). • المطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. والمعنى إذا طلع الفجر فلا تأكلوا ولا تشربوا، سواء كان الإناء على فِيه أم لا. واستدلوا بقول النبي ﷺ : «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (٣). أي إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا. قال النووي (٤): قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يسمى الفجر الأول. والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني والفجر الصادق، فالفجر الأول يطلع مستطيلاً نحو السماء كذَنَب السِّرحان وهو الذئب، ثم يغيب ذلك ساعة ثم يطلع الفجر الثاني

стр. 250

الصادق مستطيرًا (بالراء) أى منتشرًا عَرَضًا في الأفق. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثانى، فبه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين. قال صاحب الشامل: «سُمي الفجر الأول كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يسْوَد ويذهب، وسُمي الثانى صادقًا؛ لأنه صدق عن الصبح وبَيَّنه». • القول الثاني: قال ابن القيم (١): فروى إسحاق بن راهويه، عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لَوْلَا الشُّهْرَةُ لَصَلَّيْت الْغَدَاةَ ثُمَّ تَسَحَّرْت». ثم ذكر إسحاق، عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة (٢). أي أن من سمع نداء الفجر والإناء في يده في رمضان فليشرب. واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور. أما دليلهم من السنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ

стр. 251

النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» (١). ١ - شاهد جابر: عن أبي الزبير قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ. قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ» (٢). ٢ - شاهد أبي أمامة: قال: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالإِنَاءُ فِي يَدِ عُمَرَ، قَالَ: أَشْرَبُهَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَشَرِبَهَا (٣). ٣ - شاهد بلال: قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ - قال أَبُو أَحْمَدَ: وَهُوَ يُرِيدُ الصِّيَامَ - فَدَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَسَقَانِي، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ، فَقَامَ يُصَلِّي بِغَيْرِ وُضُوءٍ يُرِيدُ الصَّوْمَ (٤).

стр. 252

٤ - وعن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة: «أَيُّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» (١). وجه الدلالة منه ما قاله أبو جعفر: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ

стр. 253

الْفَجْرِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَيَحْكِي مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). واعترض عليه بأنه هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ . • الحاصل في مسألة من سمع النداء والإناء على يده: ذهب جمهور العلماء إلى امتناع الأكل والشرب بطلوع الفجر، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. يُفهم من الآية أنه إذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فلا يجوز الأكل ولا الشرب لمن أراد الصوم. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». أي إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا. وذهب بعض العلماء إلى العمل بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ». واعترض عليه من وجهين: الأول: أن الحديث أعله ابن القطان لأنه مشكوك في اتصاله، وقال أبو حاتم: الحديث ليس بصحيح. الآخر: ما قاله البيهقي في حديث إذا سمع أحدكم النداء؛ قال: وَهَذَا إِنْ صح فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ الْمُنَادِيَ كَانَ يُنَادِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. واستدلوا بما روى أحمد عن زر قال: قلت لحذيفة: أي ساعة تسحرتم مع رسول الله؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. واعترض عليه بما قاله الطحاوي: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زرًّا هو الذي تسحر مع حذيفة، والصحيح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من امتناع الأكل والشرب بطلوع الفجر. قال الطحاوي: فَلَا يَجِبُ تَرْكُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى نَصًّا، وَأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ

стр. 254

مُتَوَاتِرَةً قَدْ قَبِلَتْهَا الْأُمَّةُ، وَعَمِلَتْ بِهَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ - إِلَى حَدِيثٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا. • المبحث الرابع: الوصال، وفيه مطالب: • المطلب الأول: تعريف الوصال: قال النووي (١): حقيقة الوصال المنهى عنه أن يصوم يومين فصاعدًا، ولا يتناول في الليل شيئًا لا ماء ولا مأكولاً، فإن أكل شيئًا يسيرًا أو شرب فليس وصالاً، وكذا إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح فليس بوصال. وقال الماوردي: أَمَّا الْوِصَالُ فِي الصِّيَامِ فَهُوَ أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ يومه، فَإِذَا دَخَلَ اللَّيْلُ امْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ صَائِمًا، فَيَصِيرُ وَاصِلًا بَيْنَ اليوميْنِ بِالْإِمْسَاكِ لَا بِالصَّوْمِ؛ لأنه قَدْ أَفْطَرَ بِدُخُولِ اللَّيْلِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ، قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٢). • الوصال منهي عنه بالنص والإجماع: ففي «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂ قالت: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ. فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». قال أبو عبد الله: لم يذكر عثمان «رَحْمَةً لَهُمْ». والأحاديث متوافرة وكثيرة في هذا الباب. وقد أجمع العلماء على أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال (٤). • المطلب الثاني: هل يجوز الوصال إلى السحر؟ ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية - إلى جواز

стр. 255

الوصال إلى السحر (١). واستدلوا لذلك بما روى البخاري (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي». قال ابن حجر (٣): وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْوِصَال مِنْ خَصَائِصه ﷺ ، وَعَلَى أَنَّ غَيْره مَمْنُوع مِنْهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيص مِنَ الْإِذْن فِيهِ إِلَى السَّحَر. • القول الآخر: القائلون بتحريم الوصال مطلقًا: قال ابن عبد البر (٤): وكره مالك والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة من أهل الفقه، والآثار - الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره، ولم يجيزوا الوصال لأحد. في «الصحيحين» (٥) عن ابن عمر ﴿عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال «لا تُوَاصِلُوا» قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى. أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى». وجه الدلالة: ما قاله ابن عبد البر: وقَدْ نَهَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْوِصَالِ وَثَبَتَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ، عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ». وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ. وفي «الصحيحين» (٦) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». وجه الدلالة ما قاله ابن حجر (٧): إِذْ لَمْ يَجْعَل اللَّيْل مَحَلًّا لِسِوَى الْفِطْر، فَالصَّوْم فِيهِ

стр. 256

مُخَالَفَةٌ لِوَضْعِهِ كَيَوْمِ الْفِطْر. قال ابن عبد البر: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُصُوصٌ، وَأَنَّ الْوَاصِلَ لَا يَنْتَفِعُ بِوِصَالِهِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصِّيَامِ. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن مواصلته ﷺ بعد نهيه لهم، فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا. واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروا ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك. «رحمة لهم» استدل به من قال: إن الوصال مكروه غير محرم. أجابوا بأن قوله: «رحمة لهم» لا يمنع التحريم، فإنه من رحمته لهم أن حرمه عليهم (١). • المطلب الرابع: معنى «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»: قال الماوردي (٢): «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ حَقِيقَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمُدُّهُ مِنَ الْقُوَّةِ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْوِصَالُ مَكْرُوهٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْوِصَالَ يُورِثُ ضَعْفًا، وَيُقَاسِي فِيهِ مَشَقَّةً وَجُهْدًا، فَرُبَّمَا أَعْجَزَهُ عَنْ أَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ، فَإِنْ وَاصَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَوْمُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ زَمَانِ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِيَامِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَاصَلَ الصِّيَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يومًا، ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى سَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصَبِرٍ، وَتَأَوَّلَ فِي السَّمْنِ أَنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَمْعَاءَ، وَفِي اللَّبَنِ أَنَّهُ أَلْطَفُ غِذَاءٍ، وَفِي الصَّبِرِ أَنَّهُ يُقَوِّي الْأَعْضَاءَ.

стр. 257

قال ابن حجر (١): وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله: «يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي»: فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِ وَشَرَاب مِنْ عِنْد الله كَرَامَةً لَهُ فِي لَيَالِي صِيَامه. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا، وَبِأَنَّ قَوْله «يَظَلُّ» يَدُلُّ عَلَى وُقُوع ذَلِكَ بِالنَّهَارِ فَلَوْ كَانَ الْأَكْل وَالشُّرْب حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ صَائِمًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاجِح مِنْ الرِّوَايَات لَفْظ «أَبِيت» دُون «أَظَلُّ»، وَعَلَى تَقْدِير الثُّبُوت فَلَيْسَ حَمْلُ الطَّعَام وَالشَّرَابِ عَلَى الْمَجَاز بِأَوْلَى لَهُ مِنْ حَمْلِ لَفْظ أَظَلُّ عَلَى الْمَجَازِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ الرَّسُولُ عَلَى سَبِيل الْكَرَامَة مِنْ طَعَام الْجَنَّة وَشَرَابِهَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ، كَمَا غُسِلَ صَدْرُهُ ﷺ فِي طَسْت الذَّهَب، مَعَ أَنَّ اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب الدُّنْيَوِيَّة حَرَامٌ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة: الَّذِي يُفْطِرُ شَرْعًا إِنَّمَا هُوَ الطَّعَام الْمُعْتَادُ، وَأَمَّا الْخَارِق لِلْعَادَةِ كَالْمُحْضَرِ مِنَ الْجَنَّة فَعَلَى غَيْر هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ الْجُمْهُور: قَوْله: «يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي» مَجَاز عَنْ لَازِم الطَّعَام وَالشَّرَاب وَهُوَ الْقُوَّة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُعْطِينِي قُوَّة الْآكِل وَالشَّارِب، وَيُفِيض عَلِيّ مَا يَسُدّ مَسَد الطَّعَام وَالشَّرَاب وَيَقْوَى عَلَى أَنْوَاع الطَّاعَة مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الْقُوَّة وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاس، أَوْ الْمَعْنَى إِنَّ الله يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب، فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْأَوَّل أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّل يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْر شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوع وَالظَّمَأ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّة مَعَ الشِّبْع وَالرِّيّ، وَرَجَّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَال الصَّائِم وَيُفَوِّت الْمَقْصُود مِنْ الصِّيَام وَالْوِصَال؛ لِأَنَّ الْجُوع هُوَ رُوح هَذِهِ الْعِبَادَة بِخُصُوصِهَا (٢).

стр. 258

قال ابن القيم (١): وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذَا الطّعَامِ وَالشّرَابِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنّهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسّيّ لِلْفَمِ. قَالُوا: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ اللّفْظِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهَا. الثّانِي: أَنّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُغَذّيهِ الله بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذّةِ مُنَاجَاتِهِ وَقُرّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ وَتَنَعّمِهِ بِحُبّهِ وَالشّوْقِ إلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النّفُوسِ وَالرّوحِ وَالْقَلْبِ - بِمَا هُوَ أَعْظَمُ غِذَاءً وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الْغِذَاءُ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدّةً مِنَ الزّمَانِ، كَمَا قِيلَ: لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشّرابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزّادِ لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ … وَمِنْ حَدِيثِك فِي أَعْقَابِهَا حَادِي إذَا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السّيْرِ أَوْعَدَهَا … رَوْحَ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ - عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيّ، وَلَا سِيّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ، الّذِي قَدْ قَرّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ وَتَنَعّمَ بِقُرْبِهِ وَالرّضَى عَنْهُ وَأَلْطَافِ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفِهِ - تَصِلُ إلَيْهِ كُلّ وَقْتٍ وَمَحْبُوبُهُ حَفِيّ بِهِ مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ مَعَ الْمَحَبّةِ التّامّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءً لِهَذَا الْمُحِبّ؟ فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الّذِي لَا شَيْءَ أَجَلّ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ إحْسَانًا، إذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبّ بِحُبّهِ، وَمَلَكَ حُبّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ؟! • المبحث الخامس: بعض الأحاديث الضعيفة المشهورة في الصيام: ١ - عن أبي مسعود عن النبي ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا رَمَضَانُ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ السَّنَةَ كُلَّهَا … إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يوم مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ … فَتَنْظُرُ الْحُورُ الْعِينُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ

стр. 259

اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَزْوَاجًا تُقِرُّ أَعْيُنَنَا بِهِمْ، وَتُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ بِنَا … » إلخ حديث طويل (١). ٢ - عن سلمان ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ الله صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ … » إلخ الحديث (٢). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوَّلُ شَهْرِ رَمَضانَ رَحمَةٌ، وأوْسَطهُ مَغْفِرَةٌ، وآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ» (٣). ٤ - عن ابن عباس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «سَافِرُوا تَصحوا، وَصُومُوا تَصحوا،

стр. 260

وَاغْزُوا تَغْنَمُوا» (١). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ الله كُلَّ يوم جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَخْلُصُوا فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ» (٢). ٦ - وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَفْطَرَ يومًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا الله لَهُ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ» (٣).

стр. 261

٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال صيام العبد معلقًا بين السماء والأرض، حتى يؤدى زكاة فطره» (١). ٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى رَمَضَانَ» (٢). ٩ - عن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تَسَحَّرُوا وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَأَفْطِرُوا وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ» (٣). ١٠ - عن عبيد الله مولى رسول الله ﷺ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا وَأَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ

стр. 262

سَكَتَ، ثُمَّ عَادَ، وَأُرَاهُ قَالَ: بِالْهَاجِرَةِ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّهُمَا وَالله قَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا. قَالَ: «ادْعُهُمَا» قَالَ: فَجَاءَتَا، قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ فَقال لِإِحْدَاهُمَا: «قِيئِي» فَقَاءَتْ قَيْحًا أَوْ دَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، ثُمَّ قال لِلأُخْرَى: «قِيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى مَلأَتِ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ الله لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى، فَجَعَلَتَا يَأكلًانِ لُحُومَ النَّاسِ» (١). ١١ - عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : «خمسٌ يُفطِرن الصّائِم، وتنقُض الوُضُوء: الغِيبةُ، والنّمِيمةُ، والكذِبُ، والنّظرُ بِالشّهوةِ، واليمِينُ الكاذِبةُ» (٢).

стр. 263

الباب الثاني صيام التطوع (١) وفيه فصلان • الفصل الأول: الصوم المستحب. • الفصل الثاني: الصوم المحرم والمكروه.

стр. 264

الفصل الأول: الصوم المستحب وفيه مباحث • المبحث الأول: صوم يوم وإفطار يوم. • المبحث الثاني: صوم الإثنين والخميس. • المبحث الثالث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر. • المبحث الرابع: صوم ستة من شوال. • المبحث الخامس: صوم عشر ذي الحجة. • المبحث السادس: صوم يوم عرفة. • المبحث السابع: صوم المحرم وتأكيد صوم عاشوراء. • المبحث الثامن: صوم شعبان. • المبحث التاسع: صوم الأشهر الحرم.

стр. 265

الفصل الأول: الصوم المستحب وفيه مباحث: • المبحث الأول: صوم يوم وإفطار يوم: صوم يوم وإفطار يوم هو أفضل الصوم، وأحبه إلى الله تعالى. ففى «الصحيحين» (١) من حديث عبد الله بن عمرو أن النبى ﷺ قال «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يومًا وَيُفْطِرُ يومًا». وفى رواية الصحيحين (٢): أن النبى ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: «صُمْ يومًا وَأَفْطِرْ يومًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ». قال: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال رسول الله ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». قال الشيخ ابن عثيمين (٣): ولكن هذا مشروط - أى: صوم يوم، وفطر يوم - بما إذا لم يضيع ما أوجب الله عليه، فإن ضيع ما أوجب الله عليه، كان هذا منهيًّا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تضاع فريضة من أجل نافلة، فلو فُرض أن هذا الرجل إذا صام يومًا وأفطر يومًا، تخلَّف عن الجماعة في المسجد؛ لأنه يتعب في آخر النهار، ولا يستطيع أن يصل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعل؛ لأن إضاعة الواجب أعظم من إضاعة المستحب، فهذا لا

стр. 266

تأثم بتركه فاتركه. كذلك لو انشغل بذلك عن مؤونة أهله، أى: انقطع عن البيع والشراء والعمل، فإننا نقول له: لا تفعل؛ لأن القيام بالواجب أهم من القيام بالتطوع. • المبحث الثاني: صوم الإثنين والخميس: يستحب صوم الإثنين والخميس، دلت على ذلك أحاديث عن النبي ﷺ ، منها: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الإثنين وَالْخَمِيسِ» (١). الدليل الثانى: عن أبي قتادة الأنصارى ﵁، عن النبي ﷺ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يوم الإثنين

стр. 267

قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيه» (١). الدليل الثالث: عن أسامة بن زيد ﴿قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَصُومُ لَا تَكَادُ أَنْ تُفْطِرَ، وَتُفْطِرَ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ إِلاَّ يومين إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلاَّ صُمْتَهُمَا. قَالَ: «أَيُّ يومين؟» قَالَ: قُلْتُ: يوم الإثنين، وَيوم الْخَمِيسِ. قَالَ: «ذَانِكَ يومًانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (٢). • المبحث الثالث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وفيه مسائل: • الأولى: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر: وذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد دل على ذلك السنة والإجماع. ففي الصحيحين (٣) عن أبى هريرة ﵁ قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. وفي «الصحيحين» (٤) عن عبد الله بن عمرو قال رَسُولُ الله ﷺ : «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». روى مسلم عن أبى قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ».

стр. 268

أما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (١) الإجماع على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فقال: لا نعلم فيه خلافًا. • الثانية: كيفية صوم النبي ﷺ لهذه الأيام الثلاثة: الأول: يستحب أن يجعل صيام هذه الأيام الثلاثة صيام الأيام البيض: وهى (الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر) دل على ذلك أدلة منها: ١ - عن جرير بن عبد الله ﵁: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (٢). ٢ - عن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِصِيَامِ الْبِيضِ، ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَيَقُولُ: «هُوَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، أَوْ كَهَيْئَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ» (٣).

стр. 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 270

الثاني: صوم غرة الشهر: أي صوم الثلاثة أيام الأول من كل شهر. فعن ابن مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ (١)، وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ (٢). الثالث: صوم الإثنين والخميس من هذه الجمعة والإثنين من المقبلة: عن أم سلمة ﵂ قالت «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: الإثنين وَالْخَمِيسَ مِنْ هَذِهِ الْجُمُعَةِ، وَالإثنين مِنَ المقْبِلَةِ» (٣).

стр. 271

الثالثة: استحباب ألا يخلو شهر من صيام: إذا كان العبد لا يستطيع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فعليه أن يصوم الإثنين والخميس، فإن عجز عن ذلك، فعليه أن يصوم الأيام البيض، فإن عجز فعليه أن يصوم ما استطاع، وألا يخلى شهرًا من صيام. روى مسلم (١) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ النبي ﷺ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: «وَاللَّهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ». وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ لم يصم شهرًا كاملًا سوى رمضان، ولم يُخل شهرًا إلا وله حظ ونصيب من الصوم صلوات الله وسلامه عليه. قال النووي (٢): في هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يُخْلِيَ شَهْرًا مِنْ صِيَام، وَفِيهَا: أَنَّ صَوْم النَّفْل غَيْر مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلّ السَّنَة صَالِحَة لَهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ. والحاصل في هذه المسألة: أن في هذا الحديث من الفقه أن الصوم مستحب في كل

стр. 272

وقت إلا الأوقات المنهى عنها، كإفراد يوم الجمعة بالصوم، ويومى العيد، وأيام التشريق؛ ولذلك ورد في الصحيح: «أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ». • يُقسم صيام التطوع على مراتب: • المرتبة الأولى: هى التى حث فيها النبي ﷺ على الصوم، كصوم يوم وإفطار يوم، وصوم الإثنين والخميس، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، وست أيام من شوال، والأيام البيض، فهذه أفضل المراتب. • المرتبة الثانية: هى الأيام التى نهى النبي ﷺ عن الصوم فيها، كيومى العيد، وأيام التشريق، فهذه يحرم صومها. • المرتبة الثالثة: هى الأيام التى لم يرد فيها استحباب خاص ولا نهى خاص، فهذه صومها مستحب لما ورد عن النبي ﷺ أنه لم يفطر شهرًا حتى يصيب منه «أى يصوم منه» وورد عنه أيضًا أنه كان يصوم حتى يقال: إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: إنه لا يصوم، والله أعلم. • المبحث الرابع: صوم ست من شوال، وفيه مسائل: • الأولى: هل يستحب صوم ست من شوال؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب صوم ستة أيام من شوال، وهو قول الشافعي (١)، وأحمد (٢). قال النووي: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها،

стр. 273

فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين (١). واستدلوا لذلك بحديث أبى أيوب الأنصارى أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (٢).

стр. 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 275

القول الثانى: ذهب الحسن البصرى، (١) وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومالك، إلى كراهة صيامها. واستدلوا لذلك أنه يلحق بالفريضة، ما ليس منها فيظن الناس وجوبها (٢). قال أبو يوسف: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُتْبِعُوا رَمَضَانَ صَوْمًا؛ خَوْفًا أَنْ يَلْحَقَ ذَلِكَ بِالْفَريضَةِ (٣). واعْتُرِض عليه بأن صيام ستة أيام من شوال ليس فيها إلحاق النافلة بالفريضة، ولكن بينهما فاصل، وهو يوم العيد. قال شيخ الإسلام (٤): وكان أحمد ينكر على من يكرهها؛ كراهة أن يلحق برمضان ما ليس منه، لأن السنة وردت بفضلها، والحض عليها، ولأن الإلحاق إنما خيف في أول الشهر؛ لأنه ليس بين رمضان وغيره فصل، أما في آخره، فقد فصل بينه وبين غيره بيوم العيد، وكان نهيه عن صوم يوم العيد وحده ليلًا، على أن النهى مختص به، وأن ما بعده وقت إذن وجواز، ولو شاء لنهى عن أكثر من يوم، كما قال في أول الشهر: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين» (٥). واستدل الإمام مالك على الكراهة بما قاله في «الموطأ» (٦) قال يَحْيَى: وسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ في صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إِنَّهُ لم يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلم وَالْفِقْهِ

стр. 276

يَصُومُهَا، وَلم يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلم يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ. قال الشوكانى (١): قال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها. واستدلا على ذلك بأنه ربما ظُن وجوبها، وهو وباطل، لا يليق بعاقل، فضلًا عن عالم نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضًا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها، ولا قائل به. قلت: وقد اعتذر ابن عبد البر (٢) عن مالك في قوله فقال لم يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ، وَالْإِحَاطَةُ بِعِلم الْخَاصَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَالَّذِي كَرِهَهُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَرْضِ رَمَضَانَ وَأَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّةِ، وَكَانَ ﵀ مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ. • الثانية: هل يشترط التتابع في هذه الأيام؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يستحب التتابع، وهوقول الشافعية: واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» الحديث. قال النووي (٣): قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال، لهذا الحديث، قالوا: يستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، فإن فَرَّقَها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد، وداود.

стр. 277

القول الثانى: لا يشترط التتابع، وهو قول الحنابلة. قال شيخ الإسلام (١)، «ولا يشترط تتابعها، فسواء صامها عقيب الفطر أو فصل بينهما، وسواء تابعها أو فَرَّقَها؛ لأن النبي ﷺ قال: «وأتبعه بست من شوال»، وفى رواية: «ستًّا من شوال»، فجعل شوالًا كله محلًا لصومها، ولم يخصص بعضه من بعض، ولو اختص ذلك ببعضه لقال: ستًّا من أول شوال، أو من آخر شوال، وإتباعه بست من شوال يحصل بفعلها من أوله، أو آخره؛ لأنه لابد من الفصل بينها وبين رمضان بيوم الفطر، وهو من شوال. • الثالثة: هل يجوز تقديم الست من شوال على قضاء رمضان؟ يجوز صوم الست من شوال قبل قضاء ما عليه، من رمضان، والأصل في ذلك أن قضاء رمضان وقته موسع كما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وفى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ في شَعْبَانَ». أما صيام الست من شوال، فالوقت فيها خاص بشوال، ولكن لم يحز الفضل الوارد في حديث النبي ﷺ ، شهرًا بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال، ذلك تمام السنة إلا بعد قضاء ما عليه من رمضان. أما من استدل بحديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» والذى عليه من أيام من رمضان ما يكون صام رمضان، فتقول: أحيانًا تطلق هذه الألفاظ على التغليب. «وكان الرسول يصوم شعبان كله» أي إلا قليلًا. قال الترمذي (٢): جَائِزٌ في كَلَامِ العَرَبِ، إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، اه. وقضاء رمضان موسع كما ذكرنا، فمتى قضى الذي عليه من رمضان، مع صيام ست أيام من شوال، حصل له الأجر إن شاء الله. مع أن الأصل أن المسلم يبادر بقضاء ما عليه أولًا، ثم

стр. 278

يصوم الست من شوال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال الله في الحديث القدسى: «وَمَا تَقَرَّبَ إلى عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلى مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». ولكن إذا كان يشق عليه القضاء، مع صوم ستة أيام من شوال، وأراد أن لا يفوته الأجر والمثوبة، فله أن يصوم الستة أيام من شوال، ثم يقضى ما عليه بعد ذلك فله ذلك والله أعلم، لأن قضاء رمضان وقته موسع وصيام الستة الوقت فيها محدود، وهذا كثيرًا ما يحدث للنساء فيكون عليهن قضاء سبعة أيام أو ثمانية من رمضان، وتريد ألا تُحرم الأجر، وترى المشقة في القضاء مع التطوع، فنقول: صومى التطوع، ثم عجِّلى بصيام القضاء، أما إذا لم يكن هناك مشقة، فيبدأ بالقضاء، ثم التطوع، والله أعلم بالصواب. • المبحث الخامس: صوم عشر ذى الحجة (١): وفيه مسائل: • الأولى: أفضلية العمل الصالح في العشر الأُول: وردت بعض العمومات التى تدل على أفضلية العمل الصالح في العشر الأُول من ذى الحجة، ويدخل فيها الصيام، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢]. قال النووي: المراد بالعشر: الأيام التسعة من أول ذي الحجة (٢) وأقسم الله بها لعظمها. روى البخاري (٣) عن ابن عباس ﴿قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا الْعَمَلُ في أَيَّامٍ

стр. 279

أَفْضَلَ مِنْهَا في هَذِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ». وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ رغّب في الأعمال الصالحة في العشر الأُول من ذى الحجة، والصيام من جملة الأعمال الصالحة، بل من أفضلها. قال ابن حزم: ويستحب صيام العشر من ذي الحجة - قبل يوم النحر - ثم ساق حديث ابن عباس وهى عشر ذى الحجة، والصوم عمل بر، وصوم عرفة يدخل فيها أيضًا.

стр. 280

• الثانية: الأدلة الخاصة في المسألة: ورد عن النبي ﷺ في هذا الباب حديثان: الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا في الْعَشْرِ قَطُّ» (١). الثانى: عن حفصة ﵂ قالت: «أَرْبَعٌ لم يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُنَّ: صِيَامَ الْعَشْرِ،

стр. 281

وَعَاشُورَاءَ، وَصَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» (١).

стр. 282

• الثالثة: إذا كان صيام العشر من ذى الحجة مستحبًّا، فلماذا لم يفعله النبي ﷺ ؟ ذكر العلماء لذلك سببين: الأول: أنه ربما إذا صام ضعف أن يعمل ما هو أعظم منزلة من الصوم، كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن (١). الثانى: أن النبي ﷺ يترك العمل وهو يحبه؛ خشية أن يفرض على أمته (٢). • المبحث السادس: صوم يوم عرفة، وفيه مسائل: • الأولى: صوم يوم عرفة لغير الحاج: يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج، دل على ذلك السنة والمأثور: أما الدليل من السنة: فهو ما رواه مسلم (٣) عن أبى قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 283

«صِيَامُ يوم عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ». أما الدليل من المأثور: فعن عائشة ﵂ قالت: «مَا مِنَ السَّنَةِ يَوْمٌ أَحَبُّ إلى أَنْ أَصُومَهُ مِنْ يوم عَرَفَةَ» (١). معنى أن صيام يوم عرفة يكفر السنة التى قبله، والسنة التى بعده: قال الماوردي في «الحاوى»: فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ في هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا (٢).

стр. 284

الثانية: هل يستحب صوم يوم عرفة للحاج؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصام يوم عرفة بعرفات وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بالسنة: فعن عكرمة قال: دخلت على أبى هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات، فقال أبو هريرة: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ» (٢). وفي «الصحيحين» (٣). عن أم الفصل بنت الحارث ﴿: «أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يوم عَرَفَةَ في صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقال بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقال بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ».

стр. 285

وفي «الصحيحين» (١). عن ميمونة ﵂: «أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا في صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ في الموْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ». وسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقال: حَجَجْتُ مَعَ النبي ﷺ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلم يَصُمْهُ. وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ (٢). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن الفطر أفضل لأهل عرفة لاختياره ﷺ لنفسه ولأصحابه، واختيار خلفائه بعده، وفى الفطر قوة على الدعاء، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة (٣)، روي عن مالك أنه كان يأمر بالفطر يوم عرفة في الحج، ويذكر أن النبي ﷺ كان مفطرًا (٤). قال أحمد: يستحب صيام عرفة هنا، وأما بعرفة فلا، يروون عن النبي ﷺ أنه أفطر (٥). قال الشافعي: أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج، فأَحَب إلى أن يفطر؛ ليقويه الفطر على الدعاء. وقد ورد عن بعض السلف كعائشة، والزبير بن العوام، والحسن البصرى - أنهم يستحبون صيام يوم عرفة بعرفات. ١ - عن القاسم بن محمد، قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ عَشِيّةَ عَرَفَةَ، يَدْفَعُ الإمَامُ وَتَقِفُ حَتّى يَبْيَضّ مَا بَيْنَها وَبيْنَ النّاسِ مِنَ الأَرْضِ، ثُمّ تَدْعُو بالشَّرَابِ فَتُفْطِرُ» (٦).
следующие страницы →