← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الباب الثالث قيام رمضان وفيه تمهيد وفصول التمهيد وفيه مبحثان: المبحث الأول: فضل قيام الليل المبحث الثاني: فضيل قيام رمضان الفصل الأول: التراويح الفصل الثاني: الوتر الفصل الثالث: القنوت

стр. 317

الباب الثالث قيام رمضان • التمهيد: وفيه مباحث: • المبحث الأول: فضل قيام الليل: قال تعالى: ﴿إِنَّ المتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ١٥ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ١٦ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ٦٣ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفَرَّقَ ان: ٦٣، ٦٤]. وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلمونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلمونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. فضل قيام الليل في السنة: قيام الليل أعظم صلاة بعد الفريضة: روى مسلم (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْل». ولعظم قيام الليل كان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، ففي الصحيحين (٢) من حديث عائشة: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فقلت له: لم تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 318

وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟». وفي الصحيحين (١) عن عائشة ﵂: «ما كان يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا غَيْرِهِ على إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا». وروى البخاري (٢) عن عائشة أن رسول الله ﷺ : «كان يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كانت تِلْكَ صَلَاتَهُ، تَعْنِي بِاللَّيْلِ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ من ذلك قَدْرَ ما يَقْرَأُ أحدكم خَمْسِينَ آيَةً قبل أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَه من الركوع». وفي الصحيحين (٣) عن ابن مسعود قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَلم يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ. روى مسلم (٤) عن حذيفة قال: صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فقلت: يَرْكَعُ عِنْدَ المائَةِ. ثُمَّ مَضَى فقلت: يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ. فَمَضَى فقلت: يَرْكَعُ بها. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إذا مَرَّ بِآيَةٍ فيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ. • ولذا أوصى النبي ﷺ أصحابه بقيام الليل: ففي الصحيحين (٥) من حديث عليّ ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة ليلًا فقال: «ألا تُصْليانِ؟». في الصحيحين (٦) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال له: «نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللَّهِ لو كان يُصَلِّي من اللَّيْل».

стр. 319

وروى البخاري (١) من حديث ابن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». وفي الصحيحين (٢) عن ابن مسعود ﵁: ذُكِرَ عِنْدَ النبي ﷺ رَجُلٌ نَامَ ليلة حتى أَصْبَحَ، قال: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنَيْه». وأوصى ﷺ عموم أصحابه في حديث عبد الله بن سلام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (٣). • المبحث الثاني: فضل قيام رمضان: في الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه». وروى البخاري (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَه ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه» * * *

стр. 320

الفصل الأول التراويح وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف التراويح. • المبحث الثاني: مشروعية صلاة التراويح جماعة. • المبحث الثالث: معنى قول عمر: (نعم البدعة هذه) • المبحث الرابع: هل الأفضل صلاة التراويح بانفرادٍ في البيت أم في جماعة في المسجد؟ • المبحث الخامس: ما حد عدد ركعات قيام الليل؟ • المبحث السادس: هل يجوز القراءة من المصحف في التراويح؟ • المبحث السابع: إمامة الغلام الذي لم يحتلم • المبحث الثامن: القراءة في القيام. • المبحث التاسع: حضور النساء للتراويح. • المبحث العاشر: حكم دعاء الختم في التراويح.

стр. 321

الفصل الأول التراويح وفيه مباحث: • المبحث الأول: تعريف التراويح: التروايح: جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام. وسميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التروايح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين (١). • المبحث الثاني: مشروعية صلاة التراويح جماعة: روى البخاري (٢) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مع عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً في رَمَضَانَ إلى المسْجِدِ، فإذا الناس أَوْزَاعٌ مُتَفَرّقونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فقال عُمَرُ: إني أَرَى لو جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ على قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ على أُبَيِّ بن كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هذه وَالَّتِي يَنَامُونَ عنها أَفْضَلُ من التي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وكان الناس يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. • المبحث الثالث: معنى قول عمر (نعم البدعة هذه): قول عمر: (نعم البدعة هذه)، هل يستدل بهذا القول على جواز الابتداع في الدين؟ لا يستدل بذلك لأن الفاروق عمر بفعله لم يكن ابتدع في الدين، بل إنه أحيا سُنة خير المرسلين لأن النبي ﷺ صلى بالصحابة قيام رمضان جماعة، ولكن لم يداوم عليه خشية أن يُفترض عليهم، فلما استقرت الشريعة أحيا عمر هذه السنة.

стр. 322

دل على ذلك ما رواه البخاري (١) عن عائشة ل أن رسول الله ﷺ خرج من الليل فصلى في المسجد وصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ المسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلما كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلما قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لم يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. قال شيخ الإسلام (٢): وَلَا يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِجَمْعِ التَّرَاوِيحِ وَيَقُولُ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّة، لَكِنَّهُمْ فَعَلُوا مَا لم يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ في حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ هَذِهِ وَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ. وَهَكَذَا إخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمِصْرِ الْأَمْصَارِ كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَجَمْعُ الْقُرْآنِ في مُصحفٍ وَاحِدٍ وَفَرْضُ الدِّيوَانِ، فَقِيَامُ رَمَضَانَ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً عِدَّةَ لَيَالٍ، وَكَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، لَكِنْ لم يُدَاوِمْ عَلَى جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِئَلَّا يَفْتَرِضَ عَلَيْهِمْ، فَلما مَاتَ ﷺ اسْتَقَرَّتِ الشَّرِيعَةُ. فَلما كَانَ عُمَرُ ﵁ جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَاَلَّذِي جَمَعَهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعُمَرُ هُوَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حَيْثُ يَقُولُ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» يَعْنِي الْأَضْرَاسَ؛ لأنها أَعْظَمُ في الْقُوَّةِ. • المبحث الرابع: هل الأفضل صلاة الرجل التراويح منفردًا في بيته أم جماعة في المسجد؟ حكى النووي الخلاف في هذه المسألة فقال: المرَاد بِقِيَامِ رَمَضَان صَلَاة التَّرَاوِيح، وَاتَّفَقَ الْعُلماء عَلَى اِسْتِحْبَابهَا، وَاخْتَلَفُوا في أَنَّ الْأَفْضَل صَلَاتهَا مُنْفَرِدًا في بَيْته أَمْ في

стр. 323

جَمَاعَة في المسْجِد؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَبَعْض المالِكِيَّة وَغَيْرهمْ: الْأَفْضَل صَلَاتهَا جَمَاعَة، كَمَا فَعَلَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَالصَّحَابَة﴾، وَاسْتَمَرَّ عَمَل المسْلمينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِر الظَّاهِرَة (١). وفي «السنن» (٢) بإسناد صحيح عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». قال أبو داود: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ، وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا، يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» (٣). • القول الآخر: ما قاله الحافظ ابن حجر (٤): وَعَنْ مَالِك في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُف وَبَعْض الشَّافِعِيَّة: الصَّلَاة في الْبُيُوت أَفْضَل. واستدلوا لذلك بعموم قوله ﷺ : «أَفْضَلَ صَّلَاةِ المرْءِ في بَيْتِهِ إلا المكْتُوبَةَ» (٥). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الأفضل أن تصلي التراويح جماعة مع الإمام، لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». وهذا هو فعل عمر بن الخطاب، واستمر عليه عمل المسلمين، ولأنه من الشعائر

стр. 324

الظاهرة، والله أعلم. • المبحث الخامس: ما حد عدد ركعات قيام الليل؟ (١) • لا حد لعدد ركعات الليل بالنص والإجماع دل على ذلك ما ورد في الصحيحين (٢) من حديث ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدكم الصُّبْحَ، صلى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ له ما قد صلى». وجه الدلالة من هذا الحديث وجوه: الأول ما قاله بدر الدين العيني (٣): قَوْله: (عَنْ صَلَاة اللَّيْل) أَي: عَنْ عَددها، لِأَن جَوَابه بقوله: (مثنى) يدل على ذَلِك، لِأَن من شَأْن الْجَواب أَنْ يكون مطابقًا للسؤال. قال الحافظ ابن حجر (٤): وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْجَوَاب أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ عَدَدهَا أَوْ عَنْ الْفَصْل وَالْوَصْل … اه. الثاني: قول النبي ﷺ : «مثنى مثنى» يدل على الفصل بين كل ركعتين، ولا غاية لأكثره ولم يحد النبي ﷺ ذلك بحد، إنما ذلك على قدر استطاعة المصلي. الثالث: قول النبي ﷺ : «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة» فجعل النبي ﷺ غاية ذلك أن يخشى الصبح ولم يجعل غايته عددًا. قال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ: «مَثْنَى مَثْنَى» يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ،

стр. 325

فَتَكُونُ صَلَاتُهُ تَامَّةً، وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ المصَلِّي، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى» فَلم يَحُدَّ بِحَدٍّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً» فَجَعَلَ غَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ، وَلم يَجْعَلْ غَايَتَهُ عَدَدًا (١). وقال العراقي: وَإِنَّمَا المرَادُ أَنَّهُ يُسَلم مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ في هَذَا الْعَدَدِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ بِحَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ مِنْ الْعَدَدِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ، فَيَضِيقَ حِينَئِذٍ وَقْتُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْيَانُ بِآخِرِهَا وَخَاتِمَتِهَا وَهُوَ الْوِتْرُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلم (٢). نقل الإجماع ابن عبد البر وغيره على أن صلاة الليل نافلة مطلقة وغير مقيدة بعدد. قال ابن عبد البر (٣): فَلَا خِلَافَ بَيْنَ المسْلمينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَفِعْلُ خَيْرٍ وَعَمَلُ بِرٍّ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ. وقال أيضًا (٤): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا شَيْءَ مُقَدَّرًا في صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَمَنْ شَاءَ أَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ وَقَلَّتْ رَكَعَاتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. قال النووي (٥): قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ حَدّ لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ، وَأَنَّ صَلَاة اللَّيْل مِنَ الطَّاعَات الَّتِي كُلما زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْر، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَمَا اِخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلم. وقال ابن القطان الفاسي (٦): وجُل الآثار أن صلاته ﵇ بالليل إحدى عشرة ركعة،

стр. 326

وأجمعوا أنه لا حد في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء صلى كيف شاء، استقل أو استكثر. وقال العراقي (١): وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْصُورٌ، وَلَكِن اخْتَلَفَت

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 328

الرِّوَايَاتُ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ. اه. الدليل الثاني: العبرة في صلاة الليل بزمن القيام: فهذه عمومات من الكتاب والسنة تدل على أن التعويل في قيام الليل على زمن القيام لا على عدد الركعات. أما الكتاب العزيز فالظاهر في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، أن التعويل في قيام الليل على زمن القيام، وكذلك الناظر في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يرى التعويل على زمن القيام أيضًا، وكذلك المتأمل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] يرى أن التعويل أيضًا على زمن القيام، وكذلك، قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] يرى أيضًا المعنى المشار إليه، وهو أن المراد زمن القيام والسجود، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وكذلك ممعن النظر في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] والآيات في هذه الباب كثيرة. أما السنة: ففي «الصحيحين» من حديث ابن عمرو: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ

стр. 329

﵇، كان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ». فالعبرة بزمن القيام وذلك في قوله: «ويقوم ثلثه» (١). ثالثًا: ذكر بعض الآثار التي تدل على أن صلاة الليل نفل مطلق ليست محدودة بحد: ١ - عن أَسْلم: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ. يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ. ثُمَّ يَتْلُو هذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). قال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ: (إنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ) يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ. ٢ - فعَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّانِيَةَ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِنْ شئت حَدَّثْتُكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُهَا هُنَا بِخَمْسٍ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَرْقُدُ، فَإِنِ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى أُصْبِحَ (٣). ٣ - عن خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، كَيْفُ تَقُولُ في الْوِتْرِ؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: «أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، فَإِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ شَيْئًا صَلَّيْتُ شَفْعًا شَفْعًا حَتَّى الصُّبْحِ» (٤). ٤ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ، أَنَّهُ رَأَى حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُسَبِّحُ في السَّفَرِ وَمَعَهُمْ في ذَلِكَ السَّفَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقِيلَ: إِنَّ خَالَكَ يَنْهَى عَنْ هَذَا. فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ، لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا»

стр. 330

قُلْتُ: أُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «صَلِّ بِاللَّيْلِ مَا بَدَا لَكَ» (١). ٥ - وعن عطاء قال: «أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ» (٢). ٦ - وعن نافع عن ابن عمر قال: «كَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يُصَلِّي بِنَا في رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَيَقْرَأُ بِحَمْدِ الملَائِكَةِ في رَكْعَةٍ» (٣). ٧ - وعن سعيد بن عبيد: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ في رَمَضَانَ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ» (٤). ٨ - وعن الحسن بن عبيد قال: «كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ يُصَلِّي بِنَا في رَمَضَانَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ» (٥). ٩ - عن داود بن قيس: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمدِينَةِ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - يُصَلُّونَ سِتَّة وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ» (٦). • دليل من قال بأنه لا يزاد في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة: استدلوا بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: ففي «الصحيحين» (٧): عَنْ أَبِى سَلمةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنْ عَوْف أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من وجوه:

стр. 331

الوجه الأول: أن عائشة روت صفات أخرى عن النبي ﷺ تفيد أنه زاد في صلاته بالليل على إحدى عشرة ركعة. روى البخاري عن عائشة: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (١). وروى مسلم عن عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا (٢). وقد جمع العلماء بين روايات عائشة: قال القرطبي: والصحيح أن كل ما ذكَرَتْه صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حَسَب النشاط واليُسْر، وليبين أن كل ذلك جائز (٣). وقال الصنعاني: الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ النَّادِرِ (٤). الوجه الثاني: أنه ورد أن النبي ﷺ قام الليل ثلاث عشرة ركعة من طريق غير واحد من الصحابة والمثبت مقدم على النافي. ففي الصحيحين (٥) من حديث ابن عباس ﴿: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ وِسَادَةٍ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ في طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى

стр. 332

رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. ففي هذا الحديث صلى النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر. روى مسلم (١) عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: لأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دَونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. الوجه الثالث: ما قاله ابن عبد البر: وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بِالْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا زِيَادَةٌ حَفِظَهَا مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ بِمَا نَقَلَ مِنْهَا، وَلَا يَضُرُّهَا تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ المسْلمينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَفِعْلُ خَيْرٍ، وَعَمَلُ بِرٍّ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ (٢). وقَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْعُلماء: في هَذِهِ الْأَحَادِيث إِخْبَار كُلّ وَاحِد مِنْ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد وَعَائِشَة بِمَا شَاهَدَهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ حَدّ لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ، وَأَنَّ صَلَاة اللَّيْل مِنْ الطَّاعَات الَّتِي كُلما زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْرُ، وَإِنَّمَا الْخِلَاف في فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَمَا اِخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلم (٣). الوجه الرابع: أن النبي ﷺ صلى بعد الوتر، وهذا دليل على جواز الزيادة. روى مسلم عَنْ أَبِي سَلمةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ،

стр. 333

فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» (١). قال النووي ﵀: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ بَيَانًا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوِتْرِ (٢). فالنبي ﷺ صلى بعد انتهاء وتره من الليل، فهذا يدل على أن صلاة الليل نفل مطلق ولا حد لها. قال شيخ الإسلام: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ (٣). واستدلوا بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة بما رواه مالك عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالمئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا في بُزُوغِ الْفَجْرِ (٤). واعترض عليه من وجوه: الأول: أن فعل عمر ليس فيه النهي عن الزيادة.

стр. 334

الوجه الآخر: أنه ورد خلاف هذا عن عمر: فَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ في شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَإِنْ كَانُوا لَيَقْرَءُونَ بِالمئِينَ مِنَ الْقُرْآن (١).

стр. 335

واستدلوا أيضًا لهذا القول: بأن صلاة التراويح نافلة مقيدة كالسنن الرواتب وغيرها كصلاة الكسوف، فقد التزم النبي ﷺ فيها عددًا معينًا من الركعات، لا يجوز الزيادة عليه، فكذا عدد ركعات قيام الليل إنما هو إحدى عشرة ركعة لا يجوز الزيادة. واعترض على هذا الاستدلال: بأنه لو صح هذا القياس بأنه لا يجوز الزيادة على إحدى عشرة كما لا يجوز الزيادة في صلاة الظهر عن أربع ركعات - فإذا كان يجوز النقصان بالاجماع في صلاة الليل على إحدى عشرة ظهر بطلان هذا القياس. وقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن صلاة الليل نافلة مطلقة لا حد فيها. وقال ابن العربي ﵀: ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض، وإنما هو قيام كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع على قدر ما تنتهي إليه قدرته. وقال ابن المنذر ﵀: الصَّلَاةُ في كُلِّ وَقْتٍ جَائِزَةٌ إِلَّا وَقْتًا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَالْأَوْقَاتُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الزَّوَالِ، وَوَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالصَّلَاةُ في سَائِرِ الْأَوْقَاتِ طَلْقٌ مُبَاحٌ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ فِيهَا إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ (١). الحاصل: أن عدد ركعات الليل لا حد لها، وأنها من النوافل المطلقة بالإجماع. نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن صلاة الليل نافلة مطلقة وغير مقيدة بعدد. قال أبو عمر ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا شَيْءَ مُقَدَّرًا في صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَمَنْ شَاءَ أَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ وَقَلَّتْ رَكَعَاتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ الرُّكُوعَ

стр. 336

وَالسُّجُودَ (١).

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 340

وفي «الصحيحين» من حديث ابن عمر ﴿: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵍: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». وجه الدلالة: أن قول النبي ﷺ : «مَثْنَى مَثْنَى» يدل على الفصل بين كل ركعتين، ولا غاية لأكثره، ولم يحد النبي ﷺ ذلك بحد، وإنما ذلك على قدر استطاعة المصلي. قول النبي ﷺ : «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً». فجعل النبي ﷺ غاية ذلك أن يخشى الصبح ولم يجعل لغايته عددًا. • المبحث السادس: هل يجوز القراءة من المصحف في التراويح؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ: • القول الأول: ذهب مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) إلى جواز القراءة من المصحف. واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:

стр. 341

أما دليلهم من السنة: فعن أبي قتادة قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا) (١). إذا كان يجوز حمل جارية في الصلاة، فكذا يجوز حمل المصحف من باب أَوْلى. أما دليلهم من المأثور: ١ - فعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ غُلَامًا لَهَا عَنْ دُبُرٍ، فَكَانَ يَؤُمُّهَا في رَمَضَانَ في المصحفِ. قال: وكان «يؤم» من يدخل عليها إلا أن يدخل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فيصلى بها (٢). ٢ - عن ثابت البناني قال: «كَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي وَغُلَامُهُ يُمْسِك المصحفَ خَلْفَهُ، فَإِذَا تَعَايَا في آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ» (٣). ٣ - سئل ابن شهاب عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُنْذُ كَانَ الإِسْلَامُ، كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ في المصَاحِفِ في رَمَضَانَ (٤). ٤ - عَنِ الْحَكَمِ «فِي الرَّجُلِ يَؤُمُّ في رَمَضَانَ يَقْرَأُ في المصحفِ، رَخَّصَ فِيهِ» (٥). ٥ - عن قتادة عن سعيد بن المسيب «فِي الَّذِي يَقُومُ في رَمَضَانَ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَقْرَأْ بِهِ في لَيْلَةِ، وإِلَّا فَلْيَقْرَأْ مِنَ المصْحَفْ، فَقال الحَسَنْ: لِيَقْرَأْ بِما مَعَهُ وَلَا يُرَدِّدْ وَلَا يَقْرَأْ مِنَ المصْحَفْ كَمَا تَفْعَلْ اليَهُودْ. قال قَتَادَة: وَقَوْلُ سَعِيدُ: أَعْجَبُ إِلَيَّ (٦). • القول الثاني: كراهة القراءة من المصحف:

стр. 342

عن ابن عباس ﴿قال: نَهَانَا أَمِيرُ المؤْمِنِينَ عُمَرُ أَنْ نَؤُمَّ الناس في المصْحَفِ (١). عن الأعمش عن إبراهيم: أَنْهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَمَّ في المصْحَفْ وَقَالَ: لَا نَتَشَبَّه بِأَهْلِ الكِتَاب (٢). • القول الثالث: ذهب أبو حنيفة (٣) وابن حزم (٤) إلى أن المصلي لو قرأ من المصحف، فصلاته فاسدة. واستدلوا لذلك بالسنة والمعقول: أما دليلهم من السنة: ففي «الصحيحين» (٥) من حديث عبد الله قال: كُنَّا نُسَلم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ في الصَّلَاة قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إلَى النَّجَاشِيِّ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلما رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلمت عَلَيْهِ فَلم يَرُدَّ، وَقال: «إنَّ في الصَّلَاة شُغْلًا». وجه الدلالة: أن حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه - يشغله عن الصلاة والنبي يقول: «إنَّ في الصَّلَاة شُغْلًا». أما دليلهم من المعقول: فما قاله الكاساني: إنَّ هذا يُلَقَّنُ من المصْحَفِ فَيَكُونُ تَعَلما منه، أَلَا تَرَى أَنَّ من يَأْخُذُ من المصْحَفِ يُسَمَّى مُتَعَلما، فَصَارَ كما لو تَعَلم من مُعَلم، وَذَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كذا هذا وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا تُوجِبُ الْفَصْلَ بين ما إذَا كان حَامِلًا لِلمصْحَفِ مُقَلِّبًا لِلْأَوْرَاقِ وَبَيْنَ ما إذَا كان مَوْضُوعًا بين يَدَيْهِ وَلَا يُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ.

стр. 343

واعْتُرِض عليه بما قاله محمد بن نصر المروزي (١): ولا نعلم أحدًا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته، إنما كره ذلك قوم؛ لأنه مِنْ فعل أهل الكتاب فكرهوا، لأهل الإسلام أن يتشبهوا بأهل الكتاب، فأما إفساد صلاته فليس لذلك دليل نعلمه؛ لأن قراءة القرآن من عمل الصلاة ونظره في المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، وهذا لا يفسد صلاته بذلك. والراجح في المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز حمل المصحف في قيام الليل، وذلك لأن النبي ﷺ حمل أمامة وهو يصلي، فكذا يجوز حمل المصحف، ولأن ذكوان كان يؤم عائشة ﵂ يقرأ من المصحف في رمضان، فإذا كان ثم حاجة كافتقاد إمام حافظ لكتاب الله فيجوز ذلك، والله أعلم. • المبحث السابع: إمامة غلام لم يحتلم بعد: روى البخاري (٢) عن عمرو بن سلمة قال: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فَلم يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي؛ لما كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي. قال الشافعي (٣): (إذَا أَمَّ الْغُلَامُ الذي لم يَبْلُغْ الذي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَيَقْرَأُ الرِّجَالَ الْبَالِغِينَ، فإذا أَقَامَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُمْ إمَامَتُهُ، وَالاِخْتِيَارُ أَنْ لَا يَؤُمَّ إلاَّ بَالِغٌ، وَأَنْ يَكُونَ الإِمَامُ الْبَالِغُ عَالما بِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِضُ له في الصَّلَاةِ). والراجح: جواز إمامة الغلام إذا كان أقرأ القوم، وعالمًا بما يعرض له في الصلاة لحديث عمرو بن سلمة، والله أعلم.

стр. 344

• المبحث الثامن: القراءة في القيام، وفيه مطلبان: • المطلب الأول: تحسين الصوت: ينبغي للإمام أن يحسن صوته بتلاوة القرآن، ويعتني بإجادة القرآن على الوجه المطلوب محتسبًا الأجر عند الله لا من أجل الرياء والسمعة، وأن يتلو القرآن بخشوع وحضور قلب؛ لينتفع بقراءته وينتفع به من يسمعه. وينبغي أن يُختار للإمامة من هو: أقرأ القوم وهو مع ذلك حسن الصوت، ولأن في ذلك تنشيطًا للمصلين خلفه وسببًا لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما أَذِنَ الله لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» (١). عن أبي موسى ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (٢). • المطلب الثاني: هدي النبي ﷺ أثناء القراءة في الصلاة: ١ - الاستعاذة: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاستعاذة قبل القراءة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وهذا أمر، والأمر للوجوب وصرفه للاستحباب فعل النبي ﷺ كما في مسلم (٣) عن أنس قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. فلو كانت الاستعاذة واجبة لفعلها النبي ﷺ في هذا الحديث. ٢ - مد الآيات: عن قتادة قال: سئل أنس: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقال: كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ (٤).

стр. 345

٣ - تدبر القرآن: قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ والآيات في ذلك كثيرة. وروى مسلم (١) عن حذيفة بن اليمان قال: صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فقلت: يَرْكَعُ عِنْدَ المائَةِ. ثُمَّ مَضَى فقلت: يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ. فَمَضَى فقلت: يَرْكَعُ بها ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا (٢) إذا مَرَّ بِآيَةٍ فيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وإذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا من قِيَامِهِ ثُمَّ قال: «سَمِع اللهُ لمنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قام طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فقال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلى» فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا من قِيَامِهِ». • المطلب الثالث: هل يطيل القراءة في التراويح؟ ورد بإسناد صحيح (٣) عن السائب بن يزيد قال: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِىَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالمئِينَ، حَتَّى كَنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِىِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كَنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ في الْفَجْرِ. لكن لا بد من مراعاة أحوال المأمومين في صلاة التراويح، وعدم الإفراط في التطويل وعدم التخفيف الزائد وقد قال ﷺ : «إِنِّي لَأَدْخُلُ في الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ في صَلَاتِي؛ مِمَّا أَعْلم مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (٤). • المطلب الرابع: هل يجوز القراءة من وسط السور أو آخرها؟ يجوز القراءة بأواخر السور وأوسطها لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قال شيخ الإسلام: وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِأَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا فَلم يَكُنْ غَالِبًا عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا يُتَوَرَّعُ في كَرَاهَةٍ ذَلِكَ، وَفِيهِ النِّزَاعُ المشْهُورُ في مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَمِنْ أَعْدَلِ الْأقوالٍ

стр. 346

قَوْلُ مَنْ قال: يُكْرَهُ اعْتِيَادُ ذَلِكَ دُونَ فِعْلِهِ أَحْيَانًا؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَمَّا مَضَتْ بِهِ السُّنَّة، وَعَادَةُ السَّلَفِ مِنْ الصحابَةِ وَالتَّابِعِينَ. • المبحث التاسع: حضور النساء للتراويح: يجوز حضور النساء إلى الصلاة في المسجد؛ لعموم قوله ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله». ولكن يجب على المرأة أن تلتزم بالحجاب الشرعي، ولا تتبرج إذا خرجت، فإذا أمنت الفتنة في خروجها، يستحب لأن في صلاة الجماعة والتراويح، تنشيطًا للمصلين، ويكتب لها قيام ليلة إذا انصرفت مع الإمام. ويجوز للمرأة أن تؤم النساء ولكن تقوم في وسط الصف الأول. • المبحث العاشر: حكم دعاء الختم في التراويح: اختلف أهل العلم في حكم دعاء الختم في التروايح على قولين: • القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية إلى المنع من دعاء الختم في التراويح. واستدلوا بأن هذا لم ينقل عن النبي ﷺ . قال في الفتاوى الهندية: يُكْرَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النبي ﵌ (١). وعن الإمام مالك أنه سُئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو، فقال: ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس (٢)، (وما أرى أن يُفعل) (٣). فالحاصل أن دليل هذا القول هو أن دعاء الختم في الصلاة عمل في عبادة (وهي

стр. 347

الصلاة) لا تثبُت الأعمال فيها إلا بتوقيف (١). • القول الآخر: استحباب دعاء الختم في صلاة التراويح بعد ختم القرآن وقبل الركوع. قال ابن قدامة (٢): قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت: أَخْتِمُ الْقُرْآنَ، أَجْعَلُهُ في الْوِتْرِ أَوْ في التَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ في التَّرَاوِيحِ حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ. قُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: إذَا فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ في الصَّلَاةِ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ. قُلْت: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شئت. قَالَ: فَفَعَلْت بِمَا أَمَرَنِي وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. واستدلوا لهذا القول بعمومات السنة والمأثور وفعل أهل مكة. أما دليلهم من السنة: فعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله إذا ختم القرآن دعا قائما» (٣).

стр. 348

وبعدة أحاديث، منها «عند كل ختمة دعوة مستحابة» وهي أحاديث واهية وتالفة لا تصح عن رسول الله ﷺ (١).

стр. 349

أما دليلهم من المأثور: ١ - فعن ثابت قال: كَانَ أَنَسٌ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ وَلَدَهُ وَأَهَلَ بَيْتِهِ فَدَعَا لَهُمْ (١). قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الدعاء عند ختم القرآن قائمًا أو قاعدًا، فقال: يقال إن أنسًا كان يجمع عياله عند الختم، وكان المعتمر بن سليمان إذا أراد أن يختم اجتمع إليه جماعة (أراه قال) يدعو ويدعون (يعني إذا ختم) (٢). واعترض عليه بأن هذا الأثر إنما هو دعاء خارج الصلاة لا في الصلاة. وقال الحكم بن عتيبة: كَانَ مُجَاهِدٌ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ وَنَاسٌ يَعْرِضُونَ المصَاحِفَ، فَلما كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يَخْتِمُوا أَرْسَلُوا إلى وَإِلَى سَلمةَ بْنِ كُهَيْلٍ فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا نَعْرِضُ المصَاحِفَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتِمَ الْيَوْمَ فَأَحْبَبْنَا أَنْ تَشْهَدُونَا، إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إذَا خُتِمَ الْقُرْآنُ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عِنْدَ خَاتِمَتِهِ (٣). وفي رواية: إن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن. وفي رواية: قال الحكم: أرسل مجاهد وعبدة قالا: إنا أرسلنا إليك نريد أن نختم القرآن، فلما فرغوا من ختم القرآن دعوا بدعوات (٤). وعن عبد الرحمن بن الأسود «يذكر أنه إذا ختم القرآن يصلى عليه» (٥). ومعنى «يصلى عليه» المراد بالصلاة هنا هو: دعاء الملائكة، ويترتب عليه حضور الرحمة، وهو مظنة استجابة الدعاء، ويلاحظ هنا قول التابعين: قيل: الرحمة ..

стр. 350

وكنا نذكر .. فيه إشارة إلى تلقيه عمن قبلهم من الصحابة. ونزول الملائكة والرحمة عند مطلق القرآن ثابت في غير ما حديث، فكيف عند ختمه؟! (١). وقال مالك بن دينار: كان يقال: «اشهدوا ختم القرآن» (٢). وقال محمد بن جُحادة: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن من الليل أن يختموه في الركعين اللتين بعد المغرب، وإذا ختموه من النهار أن يختموه في الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر (٣). وقد استدل الإمام أحمد على استحباب دعاء الختم في صلاة التراويح بفعل أهل مكة: قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع. قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة. قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئًا وذكر عن عثمان بن عفان (٤). والراجح: المنع من دعاء الختم في التراويح؛ لأن هذا لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن

стр. 351

صحابته الكرام. قال الشيخ ابن عثيمين: ليس هناك دليل على الدعاء الذي يكون عند انتهاء القرآن في صلاة التراويح، فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه - فيما أعلم -، وغاية ما ورد في ذلك: ما ذُكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه «كان إذا ختم القرآن؛ جمع أهله ودعا» أما أن يكون ذلك في قيام الليل في التراويح؛ فلا أعلم ذلك، ولكن جرت عادة الناس - اليوم - على أن يقرؤوا هذا الدعاء بعد انتهاء القرآن؛ فمن تابع إمامه في ذلك فلا حرج عليه، أما أن يفعله هو بنفسه؛ فإن الذي أرى أن لا يفعله، لأن شيئًا لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه - لا ينبغي لنا أن نفعله، ولو أن الإمام جعل آخر القرآن في صلاة الوتر، وقنت فيه بعد انتهاء القرآن بنية أنه من القنوت، لكان ذلك طيبًا. والمهم: أنه لم يرد عن النبي ﵊ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يختمون القرآن بهذا الدعاء في صلاة التراويح، وما لم يرد؛ فلا ريب أن الأفضل تركه، وعدم القيام به، لكن متابعة الإمام فيه أَوْلى من مخالفته والخروج من المسجد - بلا شك (١). قال الشيخ مشهور حسن: الدعاء الذي يدعو به من يختم القرآن عند ختمه؛ وإن كان أصله مما ورد بعينه أو بجنسه؛ فإنما ورد عامًّا غير مقيد بختم القرآن، فجعلُ ختم القرآن سببًا للدعاء به تقييد له بسبب لم يرد به الشرع، فإنه من المعلوم أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن ويختمه ولم ينقل عنه أنه كان يدعو عند ختمه، فعُلم أنه لم يفعله، ولما لم يفعله عُلم أنه ليس من سنته، إذ لو كان من سنته لفعله، أو أقر عليه، ثم نقل ذلك للأمة؛ لأن الله تعالى تكفل ببيان شريعته وحفظها، ولم يكن الله تعالى ليدع أمرًا محبوبًا إليه ثابتًا من دينه بدون بيان لعباده فلا يفعله النبي ﷺ ، ولا أحد من أصحابه في عهده فيقر عليه، أو يفعل ذلك ولا ينقل للأمة؛ فإن هذا خلاف قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وخلاف قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). * * *

стр. 352

الفصل الثاني الوتر وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف الوتر • المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر • المبحث الثالث: حكم الوتر • المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر • المبحث الخامس: صفة الوتر • المبحث السادس: القراءة في الوتر • المبحث السابع: مشروعية قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه • المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر • المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر • المبحث العاشر: الوتر على الدابة • المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر.

стр. 353

? الوتر وفيه مباحث (١): • المبحث الأول: تعريف الوتر: تعريف الوتر لغة: الوِتْرُ والوَتْرُ: الفَرْدُ أَوْ ما لم يَتَشَفَّعْ من العَدَدِ، وأَوْتَرَهُ، أَي: أَفَذَّهُ (٢). الوتر شرعًا: الوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، ولثلاث الركعات، وللخمس والسبع والتسع، إذا كانت هذه الركعة متصلة بسلام واحد، فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر، فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها (٣). • المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر: إن صلاة الوتر أفضل الصلاة بعد الفريضة، روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، والوتر من أعظم صلاة الليل. لعظم صلاة الوتر وصى النبي ﷺ بها أصحابه: روى البخاري (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ من كل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قبل أَنْ أَنَام». وروى مسلم (٥) من حديث أبي الدرداء قال: أَوْصَانِى حبيبي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا

стр. 354

عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ». • المبحث الثالث: حكم الوتر: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوتر سنة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١). قال ابن عبد البر (٢): وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا؛ لِشُذُوذِ الْخِلَافِ فِيهِ. واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة منها: ١ - ما رواه البخاري (٣) عن ابن عباس أن رسول الله بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلمهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يوم وَلَيْلَةٍ». وجه الدلالة: ما قاله ابن عبد البر (٤): فِيهِ أَنَّ الصَّلَوَات المكْتُوبَات المفْتَرَضَات خَمْسُ لَا غَيْر، وَهَذَا مَحْفُوظٌ في غَيْرِ مَا حَدِيث. ٢ - وفي الصحيحين (٥) من حديث طلحة قال: جاء رجل يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: «خَمسُ صَلْوات في اليوم والليلةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». قال المارودي (٦): فكان في هذا الخبر ثلاثة أدلة: أحدهما: أنه سأله عن الفرض الذي عليه فقال ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ» لم يقل: ست.

стр. 355

والثاني: قوله: هل عليَّ غيرها؟ فقال ﷺ : «لَا» فنفى عنه وجوب غيرها ثم أكد النفي بقوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع». الثالث: قول الأعرابي: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. فقال النبي ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» فلو كان الوتر واجبًا لم يكن بتركه مفلحًا. اه. أخرج البخاري (١) من حديث مالك بن صعصعة في حديث الإسراء الطويل: «جَعَلَهَا خَمْسًا» أي الصلاة، قَالَ الله: «إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَلَى عِبَادِي، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا». قال ابن حزم (٢): فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ الله مَأْمُونٌ تَبَدُّلُه فَصَحَّ أَنَّ الصَّلَوَاتِ لَا تُبَدَّلُ أَبَدًا عَنْ خَمْس، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ. والأحاديث التي تدل على أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير - متوافرة. وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن الوتر واجب، وإليه ذهب طاوس ومجاهد (٤). واستدلوا لذلك بأدلة، منها: ١ - عن بريدة عن رسول الله ﷺ : «الوِتْرُ حَقٌّ، مَنْ لم يُوتِر فَلَيْسَ مِنَّا» (٥).
следующие страницы →