← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صحابته الكرام. قال الشيخ ابن عثيمين: ليس هناك دليل على الدعاء الذي يكون عند انتهاء القرآن في صلاة التراويح، فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه - فيما أعلم -، وغاية ما ورد في ذلك: ما ذُكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه «كان إذا ختم القرآن؛ جمع أهله ودعا» أما أن يكون ذلك في قيام الليل في التراويح؛ فلا أعلم ذلك، ولكن جرت عادة الناس - اليوم - على أن يقرؤوا هذا الدعاء بعد انتهاء القرآن؛ فمن تابع إمامه في ذلك فلا حرج عليه، أما أن يفعله هو بنفسه؛ فإن الذي أرى أن لا يفعله، لأن شيئًا لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه - لا ينبغي لنا أن نفعله، ولو أن الإمام جعل آخر القرآن في صلاة الوتر، وقنت فيه بعد انتهاء القرآن بنية أنه من القنوت، لكان ذلك طيبًا. والمهم: أنه لم يرد عن النبي ﵊ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يختمون القرآن بهذا الدعاء في صلاة التراويح، وما لم يرد؛ فلا ريب أن الأفضل تركه، وعدم القيام به، لكن متابعة الإمام فيه أَوْلى من مخالفته والخروج من المسجد - بلا شك (١). قال الشيخ مشهور حسن: الدعاء الذي يدعو به من يختم القرآن عند ختمه؛ وإن كان أصله مما ورد بعينه أو بجنسه؛ فإنما ورد عامًّا غير مقيد بختم القرآن، فجعلُ ختم القرآن سببًا للدعاء به تقييد له بسبب لم يرد به الشرع، فإنه من المعلوم أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن ويختمه ولم ينقل عنه أنه كان يدعو عند ختمه، فعُلم أنه لم يفعله، ولما لم يفعله عُلم أنه ليس من سنته، إذ لو كان من سنته لفعله، أو أقر عليه، ثم نقل ذلك للأمة؛ لأن الله تعالى تكفل ببيان شريعته وحفظها، ولم يكن الله تعالى ليدع أمرًا محبوبًا إليه ثابتًا من دينه بدون بيان لعباده فلا يفعله النبي ﷺ ، ولا أحد من أصحابه في عهده فيقر عليه، أو يفعل ذلك ولا ينقل للأمة؛ فإن هذا خلاف قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وخلاف قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). * * *

стр. 352

الفصل الثاني الوتر وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف الوتر • المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر • المبحث الثالث: حكم الوتر • المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر • المبحث الخامس: صفة الوتر • المبحث السادس: القراءة في الوتر • المبحث السابع: مشروعية قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه • المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر • المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر • المبحث العاشر: الوتر على الدابة • المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر.

стр. 353

? الوتر وفيه مباحث (١): • المبحث الأول: تعريف الوتر: تعريف الوتر لغة: الوِتْرُ والوَتْرُ: الفَرْدُ أَوْ ما لم يَتَشَفَّعْ من العَدَدِ، وأَوْتَرَهُ، أَي: أَفَذَّهُ (٢). الوتر شرعًا: الوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، ولثلاث الركعات، وللخمس والسبع والتسع، إذا كانت هذه الركعة متصلة بسلام واحد، فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر، فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها (٣). • المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر: إن صلاة الوتر أفضل الصلاة بعد الفريضة، روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، والوتر من أعظم صلاة الليل. لعظم صلاة الوتر وصى النبي ﷺ بها أصحابه: روى البخاري (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ من كل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قبل أَنْ أَنَام». وروى مسلم (٥) من حديث أبي الدرداء قال: أَوْصَانِى حبيبي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا

стр. 354

عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ». • المبحث الثالث: حكم الوتر: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوتر سنة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١). قال ابن عبد البر (٢): وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا؛ لِشُذُوذِ الْخِلَافِ فِيهِ. واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة منها: ١ - ما رواه البخاري (٣) عن ابن عباس أن رسول الله بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلمهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يوم وَلَيْلَةٍ». وجه الدلالة: ما قاله ابن عبد البر (٤): فِيهِ أَنَّ الصَّلَوَات المكْتُوبَات المفْتَرَضَات خَمْسُ لَا غَيْر، وَهَذَا مَحْفُوظٌ في غَيْرِ مَا حَدِيث. ٢ - وفي الصحيحين (٥) من حديث طلحة قال: جاء رجل يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: «خَمسُ صَلْوات في اليوم والليلةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». قال المارودي (٦): فكان في هذا الخبر ثلاثة أدلة: أحدهما: أنه سأله عن الفرض الذي عليه فقال ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ» لم يقل: ست.

стр. 355

والثاني: قوله: هل عليَّ غيرها؟ فقال ﷺ : «لَا» فنفى عنه وجوب غيرها ثم أكد النفي بقوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع». الثالث: قول الأعرابي: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. فقال النبي ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» فلو كان الوتر واجبًا لم يكن بتركه مفلحًا. اه. أخرج البخاري (١) من حديث مالك بن صعصعة في حديث الإسراء الطويل: «جَعَلَهَا خَمْسًا» أي الصلاة، قَالَ الله: «إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَلَى عِبَادِي، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا». قال ابن حزم (٢): فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ الله مَأْمُونٌ تَبَدُّلُه فَصَحَّ أَنَّ الصَّلَوَاتِ لَا تُبَدَّلُ أَبَدًا عَنْ خَمْس، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ. والأحاديث التي تدل على أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير - متوافرة. وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن الوتر واجب، وإليه ذهب طاوس ومجاهد (٤). واستدلوا لذلك بأدلة، منها: ١ - عن بريدة عن رسول الله ﷺ : «الوِتْرُ حَقٌّ، مَنْ لم يُوتِر فَلَيْسَ مِنَّا» (٥).

стр. 356

وجه الدلالة ما قاله التهانوي (١): والحديث فيه دلالة على وجوب الوتر لما فيه من الوعيد الشديد الذي يدل على تركه وهو قوله ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا». ومثل هذا لا يقال إلا في حق تارك فرض أو واجب. واعْتُرِض عليه بما قاله الماوردي: إن هذا الحديث متروك الظاهر بإجماع لأن تارك الوتر

стр. 357

لا يكون كافرًا خارجًا عن الملة، وهذا اللفظ قد يستعمل في ترك المندوب: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لم يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا». واستدلوا بقول النبي ﷺ : «الْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلم» (١). واعْتُرِض عليه بأن في إسناده جابرًا الجعفي وهو ضعيف الحديث. واستدلوا أيضًا بحديث أبي بصرة: «إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْر» (٢). واعْتُرِضَ عليه بما قاله محمد بن نصر (٣): «إن الله زادكم أو أمدكم بصلاة هما سنة النبي ﷺ غير مفروضة ولا مكتوبة. • المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر: وفيه مطالب: • المطلب الأول: وقت جواز الوتر: قال ابن المنذر (٤): أجمعوا على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. وفي الصحيحين (٥) من حديث عائشة ﵂ قالت: «كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ». • المطلب الثاني: آخر وقت صلاة الوتر: اختلف أهل العلم في آخر وقت صلاة الوتر على قولين: • القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر (٦).

стр. 358

واستدلوا لذلك: بما روى مسلم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: إن رجلًا قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قال: «مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». • القول الآخر: ذهب مالك إلى أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر ما لم يصل الصبح (١). واستدل لذلك بقول عائشة: «كَانَ النبي ﷺ يُصْبِحُ فَيُوتِرُ» (٢). واعْتُرِض عليه بأن هذا الحديث لا يصح. عن أبي الدرداء «رُبَّمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يُوتِرُ وَقَدْ قَامَ النَّاسُ لِصَلَاةِ الصُّبْحُ» (٣). واعْتُرِض عليه: بأن هذا الحديث لا يصح. واستدلوا بأدلة لا تصح عن رسول الله. والراجح: أن آخر وقت الوتر يذهب بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء، وما دام الليل باقيًا فإنه وقته باقٍ، وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء. • المطلب الثالث: الوقت المستحب لصلاة الوتر: ذهب أبو حنيفة (٤) ومالك (٥) وأحمد في رواية (٦) إلى أن الوقت المستحب لصلاة الوتر قبل النوم لمن خاف ألا يقوم - آخر الليل، وتأخيره لمن قوي ووثق بنفسه القيام آخر الليل. واستدلوا بما روى مسلم (٧) من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من خَافَ أَنْ لَا

стр. 359

يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فإن صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» قال النووي (١): فِيهِ دَلِيل على أن تَأْخِير الْوِتْر إِلَى آخِر اللَّيْل أَفْضَل لمنْ وَثِقَ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِر اللَّيْل، وَأَنَّ مَنْ لَا يَثِق بِذَلِكَ فَالتَّقْدِيم لَهُ أَفْضَل، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَيُحْمَل بَاقِي الْأَحَادِيث المطْلَقَة عَلَى هَذَا التَّفْصِيل الصَّحِيح الصَّرِيح. • القول الآخر: هو استحباب الوتر قبل النوم. وبهذا قال أبو بكر الصديق (٢) وسعيد بن المسيب (٣) وغيرهم، دليل هذا القول ما رواه البخاري (٤) من حديث أبي هريرة قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: ومنها … وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. والراجح أن من خاف ألا يقوم من آخر الليل استحب له أن يوتر قبل أن ينام، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، ولعموم قول النبي ﷺ : «من خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فإن صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» * * *

стр. 360

المبحث الخامس صفة الوتر وفيه مطالب: • المطلب الأول: الوتر بركعة: • مشروعية الوتر بركعة واحدة: يصح الوتر بركعة لما ورد في البخاري (١) من حديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لك ما صَلَّيْتَ» وفي رواية عند البخاري (٢) كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة. • إذا أوتر بركعة، فهل يشترط أن يتقدم هذه الركعة شفع؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: جواز الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شفع، وإليه ذهب الشافعي (٣) وأحمد في رواية (٤). واستدلوا لذلك بما روى البخاري (٥) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. قال ابن رشد (٦): وظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمْ عَلَى وِتْرَهَا شَفْعًا، وقد صح

стр. 361

الوتر بركعة واحدة عن عثمان بن عفان (١)، وسعد بن أبي وقاص (٢) ومعاوية بن أبي سفيان (٣)، وغيرهم. • القول الثاني: يُكره الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شفع: وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا لذلك بأنه روي أن النبي ﷺ نهى عن البتيراء، أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها (٥).

стр. 362

واعْتُرِض عليه: بأنه ضَعَّفه ابن عبد البر وعبد الحق وابن القطان وابن حزم والنووي وغيرهم. واستدلوا بما ورد في البخاري في حديث ابن عمر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدكم الصُّبْحَ صلى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ له». والراجح: جواز الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شيء. قال ابن المنذر (١): وَالَّذِي نُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ جَازَ ذَلِكَ. • المطلب الثاني: الوتر بثلاث ركعات: • مشروعية الوتر بثلاث ركعات: أخرج البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يُصَلِّي ثلاثًا». وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ (٣). • من أراد أن يوتر بثلاث ركعات فله صفتان: الأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة، وهو مذهب مالك (٤) وأجاز أحمد الفصل وتركه، والفصل عنده أحسن، وقال: الأحاديث فيه أقوى وأكثر وأثبت (٥).

стр. 363

واستدلوا لذلك بما روى أحمد (١) بإسناد صحيح: من حديث ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الوِتْرِ والشَّفْعِ بِتَسْلِيمَة وَيسْمعناهَا. وصح ذلك عن ابن عمر (٢) ومعاذ القارئ (٣) والحسن (٤). الكيفية الثانية: أن يسرد الثلاث بتشهد واحد، وهو مذهب الحنفية (٥). قال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ خبرًا صحيحًا ثابتًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت أنه أوتر بثلاث لكن لم يبين الراوي هل موصولة أو مفصولة. اه. وقد صح الوتر بثلاث موصولة بتشهد واحد عن عمر بن الخطاب (٦) وأنس (٧)، وعطاء (٨) ومكحول (٩) وعمر بن عبد العزيز (١٠) وغيرهم. • المطلب الثالث: الوتر بخمس ركعات لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة: أخرج مسلم (١١) من حديث عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا».

стр. 364

• المطلب الرابع: الوتر بسبع ركعات: روى مسلم (١) من حديث عائشة: فَلما سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ. وفي رواية النسائي (٢) من حديث عائشة، قالت: لما أَسَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْعُدُ إِلاَّ في آخِرِهِنَّ. • المطلب الخامس: الوتر بتسع ركعات: أخرج مسلم (٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: «كنا نُعِدُّ له سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ الله ما شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ من اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فيها إلا في الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ ولا يُسَلم، ثُمَّ يَقُومُ فيصلي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا». • المطلب السادس: أي صفات الوتر أفضل؟ الوتر بركعة أو ثلاث أو خمس؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: • القول الأول: جواز الوتر بأي صفة من الصفات، وإليه ذهب الشافعي (٤)، وأحمد (٥). قال شيخ الإسلام بن تيمية: (٦) الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ العِلم أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِز، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ ظَاهِرَ الأَحَادِيثَ يقْتَضِي التَّخْيير في صِفَةِ الوِتْر مِنَ الوَاحِدَة إِلَى التِّسْع. قال ابن رشد (٧): وَالْحَقُّ في هَذَا أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في صِفَةِ

стр. 365

الْوِتْرِ مِنَ الْوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ. وقال محمد بن نصر: فالأمر عندنا أن الوتر بواحدة وبثلاث وخمس وسبع وتسع، كل ذلك جائز على ما روينا من الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه من بعده. • القول الثاني: أن الأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ويوتر بواحدة. قال ابن المنذر: (الأكثر من الأخبار والأعم منها أنه ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: «مثنى مثنى، فإن خفت الصبح فأوتر بواحدة». • القول الثالث: أن الثلاث أفضل من الواحدة، والخمس أفضل من الثلاث، والسبع أفضل من الخمسة، وصح هذا القول عن علي بن أبي طالب (١)، وسعد بن أبي وقاص (٢). قال النووي (٣): مذهبنا أن أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة في وجه ثلاث عشرة، وما بين ذلك جائز، وكلما قرب من أكثره كان أفضل، بهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. والراجح: أن ظاهر الأحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر من الواحدة إلى التسع. والأفضل أن يصلي مثنى ثم يوتر بواحدة لقوة الأحاديث. • المبحث السادس: القراءة في الوتر: يُستحب أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإليه ذهب الجمهور (٤). أخرج الطيالسي عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ

стр. 366

رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ. واستحب المالكية (١)، والشافعية (٢) أن يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويضيف إلى الثالثة سورة الفلق وسورة الناس. واستدلوا لهذا القول بحديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين (٣). واعْتُرِض عليه بأن هذا الحديث أنكره يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وقال يحيى بن سعيد: لا أعرفه. وقال العقيلي: لا يصح، وضَعَّفه ابن الجوزي (٤). والراجح أنه يقرأ بعد الفاتحة في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط، والحديث الذي فيه ذكر

стр. 367

المعوذتين بعد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يصح (١). وصح عند النسائي أن النبي ﷺ قرأ أية من سورة النساء في الوتر، والله أعلم. • المبحث السابع: مشروعة قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه: ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه، وقد صح القول بذلك عن علي بن أبي طالب (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن عمر (٤)، وعبادة (٥)، وابن عباس (٦). وبه قال الحنيفة ومالك والشافعي في الصحيح عنه وأحمد (٧). واستدلوا لذلك بما روى أبو داود (٨) عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَامَ

стр. 368

عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ» ويشهد له عموم قوله ﷺ : «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١). وفي لفظ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٢) فيدخل في عمومه الوتر. قال ابن حزم (٣): وأما من نَسِيَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵇: «من نَسِيَ صَلَاةً أو نَامَ عنها، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا»، وَهَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُ فيه كُلُّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ بِالْفَرْضِ أَمْرُ فَرْضٍ وهو بِالنَّافِلَةِ أَمْرُ نَدْبٍ وَحَضٍّ لأن النَّافِلَةَ لَا تَكُونُ فَرْضًا. قال شيخ الإسلام: وَقَدْ صح عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» وَهَذَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَنَ الرَّاتِبَةَ. أما دليلهم من القياس: فقد صح أن النبي ﷺ قضى بعض النوافل كركعتي الفجر (٤)، وقضاء ركعتي الظهر بعد العصر (٥) وقضاء صلاة الليل (٦) فكذا يجوز قضاء الوتر. • القول الآخر: هو عدم مشروعية قضاء الوتر. قال المزني: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ لم يَقْضِ (٧). واستدلوا بالسنة والمعقول: أما دليلهم من السنة: فروى مسلم عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ إذا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ من

стр. 369

اللَّيْلِ من وَجَعٍ أو غَيْرِهِ، صلى من النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَة). فدل ذلك على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر. واستدلوا بحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوع الشمس». واعْتُرِضَ عليه بأن في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. أما دليلهم من المعقول: فما قاله شيخ الإسلام: الوتر لا يُقضى لفوات محله، فهو كتحية المسجد. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب قضاء الوتر إذا استيقظ أو ذكره، لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ» (١). • المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر: وفيه مطالب: • المطلب الأول: هل تُشرع الصلاة بعد الوتر؟ ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الصلاة بعد الوتر، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بما روى مسلم (٣) عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: «كان يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ

стр. 370

يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وهو جَالِسٌ، فإذا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قام فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بين النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ من صَلَاةِ الصُّبْحِ». قال النووي (١): هذا الحديث محمول على أنه ﷺ صلى الركعتين بعد الوتر بيانًا لجواز الصلاة بعد الوتر. وممن قال بمشروعية الصلاة بعد الوتر من أصحاب رسول الله ﷺ : عثمان بن عفان (٢)، وعلي بن أبي طالب (٣)، وسعد بن أبي وقاص (٤) وعمار بن ياسر (٥)، وعبد الله بن عباس (٦) وعبد الله بن عمر (٧) وأبو هريرة (٨). • المطلب الثاني: كيفية الصلاة بعد الوتر: ذهب جمهور العلماء إلى أن المصلي إذا أوتر من أول الليل فقد قضى وتره، فإن بدا له

стр. 371

أن يصلي لا ينقض وتره ويصلي ما شاء شفعًا شفعًا من غير أن يوتر، أي: يصلي ما بدا له مثنى مثنى. وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (١). قال ابن حجر (٢): فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي شَفْعًا مَا أَرَادَ، وَلَا يَنْقُض وِتْره عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا وِتْرانِ في لَيْلةٍ» (٣). وممن صح عنه هذه الكيفية من أصحاب النبي ﷺ : عمار بن ياسر (٤) وسعد (٥) وابن عباس (٦) وعائذ بن عمرو (٧) وعائشة (٨). • القول الآخر: إذا أوتر قبل أن ينام، ثم أراد أن يصلي بعد ذلك، فله أن يصلي إلى الركعة التي أوتر بها أخرى مفردة، ثم يصلي ما بدا له ثم يوتر في آخر صلاته، وهذا يسمى عند أهل العلم نقض الوتر (٩). صح هذا القول عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عمر (١٠) وابن عباس وأسامة

стр. 372

بن زيد (١) من الصحابة وصح عن عروة بن الزبير وعمرو بن ميمون من التابعين. قال الترمذي (٢): فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلم مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ - نَقْضَ الوِتْرِ، وَقَالُوا: يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ يُوتِرُ في آخِرِ صَلَاتِهِ؛ لأنه لَا وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ. وقال ابن حزم (٣): وقد رُوِيَ عن عُثْمَانَ ﵁ وَغَيْرِهِ شَفْعُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بعد ما يُوتِرُ وَلَا حُجَّةَ إلاَّ في رسول اللَّهِ ﷺ . قلت: وقد ورد في «صحيح مسلم» من حديث عائشة أنه ﷺ أوتر ثم صلى ركعتين وهو جالس ولم ينقض الوتر. وإذا كان ذلك كذلك، فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء أن من أوتر في أول الليل ثم بدا له أن يصلي، فيصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح (٤). • المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر: أخرج البخاري (٥) عن ابن عمر قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي في السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يومئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قال شيخ الإسلام (٦): كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المكْتُوبَةَ.

стр. 373

وقال ابن رجب (١): الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر. • المبحث العاشر: الوتر على الدابة: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الوتر على الراحلة. أخرج البخاري عن سعيد بن يسار أنه قال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقال سَعِيدٌ: فَلما خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ فَقال عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ في رَسُولِ اللهِ ﷺ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ. قال: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ. • المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر: أخرج الطيالسي بسند صحيح عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ. • ملخص ما سبق: ١ - الوتر لغة: الفرد. وشرعًا: الوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث والخمس إذا كانت متصلة بتشهد واحد. ٢ - وفضل صلاة الوتر عظيم وأجرها جزيل؛ لذا أوصى بها النبي الأمين أصحابه الطيبين، قال أبو هريرة: أوصاني خليلي بثلاث ومنها: «وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» ولفضلها حافظ عليها خير المرسلين حتى في السفر. ٣ - وأما حكم صلاة الوتر، فمستحبة عند جمهور العلماء؛ لعموم قوله ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ» فدل ذلك على أن المفترضات خمس لا غير، والوتر ليس منها، فدل على أن الوتر سنة مؤكدة. ٤ - أما وقت الوتر فما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت الوتر بالإجماع، وآخر

стр. 374

وقته طلوع الفجر، والوقت المستحب لصلاة الوتر قبل النوم لمن خاف ألا يقوم آخر الليل، وتأخيره لمن وثق بنفسه القيام آخر الليل، لأن في هذا الوقت تتنزل الرحمات بنزول رب البريات القائل: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ ٥ - أما صفة الوتر: فيشرع الوتر بركعة واحدة، ولا يشترط أن يسبقها شفع، والأفضل لمن أوتر بركعة أن يكون قبلها صلاة شفع. ٦ - من أراد الوتر بثلاث ركعات يشرع له صفتان: الأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة. الثانية: أن يسرد الثلاث بتشهد واحد. ٧ - مشروعية الوتر بخمس سردًا متصلة، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن. ٨ - من أوتر بسبع له أن يصلي سبع ركعات، يجلس في آخر السادسة يتشهد ثم يقوم دون أن يسلم، فيأتي بالسابعة ثم يجلس يتشهد ويسلم، وله أن يسرد السبع متصلة ولا يجلس إلا في السابعة، يتشهد ويسلم. ٩ - وإن أوتر بتسع سرد ثمانيًا يجلس يتشهد ولا يسلم، ثم ينهض ولا يسلم فيأتي بالركعة التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم. ١٠ - الوتر بأي صفة من هذه الصفات السابقة جائز، فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك عليه جماهير أهل العلم. ١١ - المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. إن قرأ بما تيسر من القرآن مع الفاتحة جاز ذلك. ١٢ - يستحب أن يقال بعد الوتر: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات يرفع بالثالثة صوته. ١٣ - استحباب قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه. ويقضي الوتر إذا استيقظ أو ذكره في

стр. 375

أي وقت. ١٤ - إذا نسي الوتر وذكره في صلاة الصبح، فإنه لا يقطع ويتمادى في صلاة الصبح، ثم إن شاء صلى الوتر قضاء. وأن من تعمد ترك الوتر حتى فات وقته، لا يشرع له قضاؤه لأن الأمر بالقضاء في الحديث جاء مقيدًا بمن نام عنه أو نسيه. ١٥ - الصلاة بعد الوتر جائزة: إذا أوتر من أول الليل أو في أي ساعة من الليل فقد قضى وتره، فإن بدا له أن يصلي لا ينقض وتره ويصلي ما شاء شفعًا من غير أن يوتر، أي يصلي ما بدا له مثنى مثنى. ١٦ - الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر، فقد كان النبي ﷺ يوتر سفرًا وحضرًا. ١٧ - جواز الوتر على الدابة في السفر، وهو قول الجمهور، والله أعلم. * * *

стр. 376

الفصل الثالث القنوت وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف القنوت • المبحث الثاني: مشروعية القنوت في الوتر • المبحث الثالث: هل للقنوت وقت معين؟ • المبحث الرابع: هل القنوت قبل الركوع أم بعده؟ • المبحث الخامس: صفة دعاء القنوت • المبحث السادس: مستحبات القنوت • المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟ • المبحث الثامن: من نسي القنوت

стр. 377

الفصل الثالث القنوت وفيه مباحث: • المبحث الأول: تعريف القنوت: • القنوت في اللغة: يطلق على معانٍ، منها: ١ - يطلق القنوت على الإمساك عن الكلام، ففي الصحيحين (١)، قال زيد بن أرقم: كُنَّا نَتَكَلم في الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. ٢ - ويطلق القنوت على إطالة القيام في الصلاة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وروى مسلم (٢) من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ». ٣ - قال ابن سِيده: القنوت: الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ ويطلق على معانٍ آخرى (٣). • القنوت في الشرع: اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. • المبحث الثاني: مشروعية القنوت في الوتر: ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية القنوت في صلاة الوتر، وبه قال الحنفية ورواية عن المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 378

واستدلوا لذلك بما رواه الترمذي (١) عن الحسن بن علي ﵁: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلماتٍ أَقُولُهُنَّ في الوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِى فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِى

стр. 379

فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِى فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِى وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». • القول الآخر: رُوي عن ابن عمر (١) وطاوس (٢) ومالك (٣) القول بعدم مشروعية القنوت في صلاة الوتر. واستدلوا لذلك بأنه لم يصح في قنوت الوتر حديث (٤). واعْتُرِضَ عليه بأن حديث الحسن بن علي إسناده صحيح. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: مشروعية القنوت في صلاة الوتر. وممن قال بمشروعية القنوت في الوتر من أصحاب النبي ﷺ : ابن مسعود (٥)، وأُبي بن كعب (٦) وابن عباس (٧) وابن عمر (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 380

وهؤلاء هم أفهم الناس لسنة النبي ﷺ . • المبحث الثالث: هل للقنوت وقت معين؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ: • القول الأول: أن القنوت في الوتر يكون في السَّنة كلها. وروي هذا القول عن عمر (١) وعلي (٢) وابن مسعود (٣) ولكنه لا يصح عنهم. وبه قال الحنفية ووجه عند الشافعية ورواية عن أحمد (٤). • القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أن القنوت في الوتر في النصف الثاني من رمضان (٥). صح هذا عن أُبي بن كعب وعبد الله بن عمر (٦)، وحكاه النووي عن ابن سيرين والزهري (٧). • القول الثالث: أن القنوت في الوتر يكون في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان. ورد ذلك عن الحسن وقتادة وصح عن معمر • القول الرابع: أن القنوت في الوتر يكون في شهر رمضان كله، وبه قال الأوزاعي، وهو قول الشافعية.

стр. 381

قال الإمام أحمد: (١) لا بأس إن قنت كل ليلة، ولا بأس إن قنت السنة كلها. قال: وإن قنت في النصف من شهر رمضان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَمَّا الْقُنُوتُ في الْوِتْرِ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمِ، فَمِنْ أَصحابِهِ ﷺ مَنْ لم يَقْنُتْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ في النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ السَّنَةَ كُلَّهَا. وَالْعُلماءُ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْأَوَّلَ كَمَالِكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّانِيَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد في رِوَايَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّالِثَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد في رِوَايَةٍ، وَالْجَمِيعُ جَائِزٌ. فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلم. • المبحث الرابع: محل القنوت: أي: هل القنوت قبل الركوع أو بعده؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب الشافعي وأحمد إلى أن القنوت بعد الركوع في صلاة الوتر (٢). واستدلوا لذلك بما رواه مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلمةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمسْتَضْعَفِينَ مِنَ المؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ». ٢ - وروى البخاري (٤) عن ابن عمر: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ في الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».

стр. 382

قال الإمام أحمد (١): اختيار القنوت بعد الركعة لأن كل شيء يثبت عن رسول الله في القنوت إنما هو في الفجر لما رفع رأسه من الركعة. وقال ابن نصر: قال أحمد: القنوت بعد الركوع ويرفع يديه، وذلك على قياس فعل النبي في الغداة. وقال البيهقي (٢): وَقَدْ رُوِّينَا في قُنُوتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مَا يُوجِبُ الاِعْتِمَادَ عَلَيْهِ، وَقُنُوتُ الْوِتْرِ قياسٌ عَلَيْهِ. • القول الآخر: ذهب الحنفية (٣) إلى أن محل القنوت قبل الركوع بعد القراءة. وبه قال الحسن وابن سيرين (٤)، والأسود (٥)، وسعيد بن جبير (٦). ورد القنوت قبل الركوع في صلاة القنوت في أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع. وكذا ابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب، ولكن لا يصح منها حديث. قال الإمام أحمد: ولم يصح عن النبي في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. قلت: وصح هذا القول عن ابن مسعود، والحسن وابن سيرين والأسود وسعيد بن جبير. والراجح: الرفع بعد الركوع بعد قول سمع الله لمن حمده، قياسًا على الفريضة فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قنت بعد الركوع في الفريضة، فكذا الوتر. ومن قنت قبل الركوع فلا بأس (٧) والله أعلم.

стр. 383

• المبحث الخامس: صفة دعاء القنوت: اختلف أهل العلم في صفة دعاء القنوت على قولين: • القول الأول: الالتزام بالوارد عن النبي ﷺ : «اللهم اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ من وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». قال النووي: الأفضل ما جاءت به السنة (١). • القول الثاني: أن القنوت ليس فيه شيء مؤقت، فأي دعاء دعا به حصل القنوت. قال النخعي: لَيْسَ في قُنُوتِ الْوِتْرِ شَيْءٌ مُؤقَّتٌ، إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ (٢). وقد صح عن بعض أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم القنوت بغير دعاء الحسن بن علي ﵁. ١ - قنوت عمر بن الخطاب ﵁ -: كان يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِلمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ وَالمسْلمينَ وَالمسْلماتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ

стр. 384

أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكُذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلمتِهِمَ، وَزَلْزِلْ أَقدامهمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِى لَا تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ المجْرِمِينَ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُثْنِى عَلَيْكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّى وَنَسْجُدُ، وَلَكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَخْشَى عَذَابَكَ الْجَدَّ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ» (١). ٢ - قنوت أبي بن كعب ﵁ -: أخرج ابن خزيمة: ثُمَّ عَزَمَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يَقُومَ لَهُمْ في رَمَضَانَ، فَخَرَجَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، فَقال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هِيَ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ - يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ - فَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ، وَكَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ: اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِوَعْدِكَ، وَخَالِفْ بَيْنَ كَلمتِهِمْ، وَأَلْقِ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَلْقِ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، إِلَهَ الْحَقِّ. ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدْعُو لِلمسْلمينَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِلمؤْمِنِينَ. قال: وَكَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ لَعْنَةِ الْكَفَرَةِ، وَصَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ، وَاسْتِغْفَارِهِ لِلمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ، وَمَسْأَلَتِهِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ رَبَّنَا، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ لمنْ عَادَيْتَ مُلْحِقٌ. ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَهْوِي سَاجِدًا (٢).

стр. 385

• الحاصل في هذه المسألة: أنه ورد عن النبي ﷺ في القنوت: «اللهم اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ … » الحديث. ووردت زيادات في الأدعية في القنوت عن الصحابة والتابعين. والراجح: جواز ذلك، والله أعلم. قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله (١): وإن زاد على الوارد المذكور فعليه خمسة أمور: ١ - أن تكون الزيادة من جنس المدعو به في دعاء القنوت المذكور. ٢ - أن تكون الزيادة من الأدعية العامة من القرآن والسنة. ٣ - أن يكون محلها بعد القنوت الوارد في حديث الحسن. ٤ - أن لا يتخذ الزيادة فيه شعارًا يداوم عليه. ٥ - أن لا يطيل إطالة تشق على المأمومين.

стр. 386

• المبحث السادس: مستحبات القنوت، وفيه مطالب: • المطلب الأول: رفع الإمام صوته بالقنوت: لما رواه البخاري (١)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: «اللهم أَنْجِ الْوَلِيدَ بن الْوَلِيدِ وَسَلمةَ بن هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بن أبي رَبِيعَة اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف» يجهر بذلك (٢) • المطلب الثاني: يستحب للإمام القانت أن يأتي بالدعاء بصيغة الجمع: واستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن (٣). قال النووي: واعلم أنه يستحب إذا كان المصلي إمامًا أن يقول: «اللهم اهدنا» بلفظ الجمع. • المطلب الثالث: الصلاة على النبي ﷺ في دعاء القنوت: روى النسائي عن الحسن بن علي، قال: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلماتِ في الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ .. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ» (٤). ولا تصح هذه الزيادة. أخرج إسماعيل القاضي (٥) عن أبي حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري أنه كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت.

стр. 387

وأخرج ابن خزيمة (١) قنوت أُبي بن كعب وفيه: فَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ، وَكَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ: اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ … ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . عن الزهري قال: كَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ من رمضان يقولون: «اللهُمَّ قَاتِل الكَفَرَة» وذكر القنوت، قال: ثُمَّ يصلون عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢). واستحب ذلك الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٣). الراجح: استحباب الصلاة على النبي ﷺ في قنوت الوتر، والله أعلم. • المطلب الرابع: رفع اليدين في دعاء القنوت: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بأنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ معنويًا في وقائع متعددة، فيها رفع النبي يديه في الدعاء (٥). والقنوت في الوتر من مواطن الدعاء: وورد عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه في الوتر ثم أرسلها بعد (٦).

стр. 388

وصح عن ابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر. • القول الآخر: ذهب مالك (١) إلى عدم رفع اليدين في قنوت الوتر. وعن الزهري قال: لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان (٢). وعن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال: لا ترفع يديك. والراجح: جواز رفع اليدين في قنوت الوتر لتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ في رفع اليدين في الدعاء، والقنوت في الوتر من مواطن الدعاء، وكذا صح عن عمر وابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر، وإذا كان ذلك كذلك فيجوز رفع اليدين في قنوت الوتر، والله أعلم. • المطلب الخامس: التأمين خلف الإمام عند دعاء القنوت: ذهب مالك والشافعية وأحمد (٣) إلى استحباب تأمين المأموم خلف الإمام في قنوت الوتر. واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود (٤) عن ابن عباس قال: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالمغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. قال النووي (٥): واحتج المصنف والأصحاب في استجاب تأمين المأموم على قنوت

стр. 389

الإمام بحديث ابن عباس: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ … ) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح. قال الإمام أحمد (١): الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمن من خلفه. وقال ابن قدامة (٢): إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ في الْقُنُوتِ، أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ، لَا نَعْلم فِيهِ خلافًا. وقال النووي (٣): وأما الثناء وهو قوله: (فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ) فيشاركه في قوله أو يسكن، والمشاركة أَوْلى؛ لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين. وسئل الإمام أحمد (٤) (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) ماذا يقول من خلفه؟ قال: يؤمن في موضع التأمين. وقال ابن نصر: الذي اختاره أن يسكن حتى يفرغ، فإذا بلغ بعد ذلك موضع الدعاء أمَّنوا. وقال محمد بن نجيب المطيعي (٥): من البدع التي لم نجد لها أصلًا: قول المأمومين وكأنهم في حلقات التواجد عن عبارات الثناء هذه: «حقًّا» وقولهم عند تباركت ربنا وتعاليت: «يا الله» ويجاريهم في ذلك بعض المتفقهين. الحاصل: أنه لم يصح في هذا عن الرسول خبر ولا عن الصحابة، أما عند الدعاء فيؤمن المأموم، أما عند الثناء فالأظهر أنه يسكت، والله أعلم.

стр. 390

• المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟ الأحاديث الواردة في الباب: ١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ لم يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (١). واعْتُرِضَ عليه بما قاله أبو زرعة الرازي: منكر، أخاف أن يكون لا أصل له (٢). ٢ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ فَادْعُ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» (٣). واعْتُرِض عليه بأن في إسناده صالح بن حسان متروك، تابعه عيسى بن ميمون على ذلك. ٣ - عن السائب بن يزيد عن أبيه: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ (٤). واعْتُرِض عليه بأن في إسناده حفص بن هشام مجهول. وفي الباب حديث ابن عمر (٥) وفي إسناده الجارود بن يزيد متروك. وحديث الوليد بن عبد الله (٦)، ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل (٧). فالحاصل: أنه لم يصح في هذا الباب حديث ولا يُقوي بعضها بعضًا.
следующие страницы →