← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

• المبحث السادس: مستحبات القنوت، وفيه مطالب: • المطلب الأول: رفع الإمام صوته بالقنوت: لما رواه البخاري (١)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: «اللهم أَنْجِ الْوَلِيدَ بن الْوَلِيدِ وَسَلمةَ بن هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بن أبي رَبِيعَة اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف» يجهر بذلك (٢) • المطلب الثاني: يستحب للإمام القانت أن يأتي بالدعاء بصيغة الجمع: واستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن (٣). قال النووي: واعلم أنه يستحب إذا كان المصلي إمامًا أن يقول: «اللهم اهدنا» بلفظ الجمع. • المطلب الثالث: الصلاة على النبي ﷺ في دعاء القنوت: روى النسائي عن الحسن بن علي، قال: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلماتِ في الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ .. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ» (٤). ولا تصح هذه الزيادة. أخرج إسماعيل القاضي (٥) عن أبي حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري أنه كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت.

стр. 387

وأخرج ابن خزيمة (١) قنوت أُبي بن كعب وفيه: فَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ، وَكَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ: اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ … ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . عن الزهري قال: كَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ من رمضان يقولون: «اللهُمَّ قَاتِل الكَفَرَة» وذكر القنوت، قال: ثُمَّ يصلون عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢). واستحب ذلك الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٣). الراجح: استحباب الصلاة على النبي ﷺ في قنوت الوتر، والله أعلم. • المطلب الرابع: رفع اليدين في دعاء القنوت: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بأنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ معنويًا في وقائع متعددة، فيها رفع النبي يديه في الدعاء (٥). والقنوت في الوتر من مواطن الدعاء: وورد عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه في الوتر ثم أرسلها بعد (٦).

стр. 388

وصح عن ابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر. • القول الآخر: ذهب مالك (١) إلى عدم رفع اليدين في قنوت الوتر. وعن الزهري قال: لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان (٢). وعن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال: لا ترفع يديك. والراجح: جواز رفع اليدين في قنوت الوتر لتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ في رفع اليدين في الدعاء، والقنوت في الوتر من مواطن الدعاء، وكذا صح عن عمر وابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر، وإذا كان ذلك كذلك فيجوز رفع اليدين في قنوت الوتر، والله أعلم. • المطلب الخامس: التأمين خلف الإمام عند دعاء القنوت: ذهب مالك والشافعية وأحمد (٣) إلى استحباب تأمين المأموم خلف الإمام في قنوت الوتر. واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود (٤) عن ابن عباس قال: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالمغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. قال النووي (٥): واحتج المصنف والأصحاب في استجاب تأمين المأموم على قنوت

стр. 389

الإمام بحديث ابن عباس: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ … ) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح. قال الإمام أحمد (١): الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمن من خلفه. وقال ابن قدامة (٢): إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ في الْقُنُوتِ، أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ، لَا نَعْلم فِيهِ خلافًا. وقال النووي (٣): وأما الثناء وهو قوله: (فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ) فيشاركه في قوله أو يسكن، والمشاركة أَوْلى؛ لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين. وسئل الإمام أحمد (٤) (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) ماذا يقول من خلفه؟ قال: يؤمن في موضع التأمين. وقال ابن نصر: الذي اختاره أن يسكن حتى يفرغ، فإذا بلغ بعد ذلك موضع الدعاء أمَّنوا. وقال محمد بن نجيب المطيعي (٥): من البدع التي لم نجد لها أصلًا: قول المأمومين وكأنهم في حلقات التواجد عن عبارات الثناء هذه: «حقًّا» وقولهم عند تباركت ربنا وتعاليت: «يا الله» ويجاريهم في ذلك بعض المتفقهين. الحاصل: أنه لم يصح في هذا عن الرسول خبر ولا عن الصحابة، أما عند الدعاء فيؤمن المأموم، أما عند الثناء فالأظهر أنه يسكت، والله أعلم.

стр. 390

• المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟ الأحاديث الواردة في الباب: ١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ لم يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (١). واعْتُرِضَ عليه بما قاله أبو زرعة الرازي: منكر، أخاف أن يكون لا أصل له (٢). ٢ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ فَادْعُ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» (٣). واعْتُرِض عليه بأن في إسناده صالح بن حسان متروك، تابعه عيسى بن ميمون على ذلك. ٣ - عن السائب بن يزيد عن أبيه: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ (٤). واعْتُرِض عليه بأن في إسناده حفص بن هشام مجهول. وفي الباب حديث ابن عمر (٥) وفي إسناده الجارود بن يزيد متروك. وحديث الوليد بن عبد الله (٦)، ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل (٧). فالحاصل: أنه لم يصح في هذا الباب حديث ولا يُقوي بعضها بعضًا.

стр. 391

أما الآثار: فروى البخاري في «الأدب المفرد» بإسناده عن أبي نعيم قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ يَدْعُوَانِ، يُدِيرَانِ بِالرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ) (١). واعْتُرِض عليه بأنه لا يصح. وورد عن الحسن أنه إذا فرغ من دعائه يمسح بها وجهه (٢). وفيه عنعنة ابن جريج، ولم يصرح بالتحديث. وصح المسح عن معمر بن راشد (٣)، وعبد الرزاق (٤) وإسحاق بن راهويه (٥) وفي رواية عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس ولم يفعله (٦). وهذه الآثار قد أجاب عنها البيهقي بأنها خارج الصلاة وليست صريحة في قنوت الوتر. وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم مشروعية المسح على الوجه عند القنوت في الوتر. ١ - سئل ابن المبارك عَنِ الَّذِى إِذَا دَعَا مَسَحَ وَجْهَهُ، قَالَ: لم أَجِدْ لَهُ ثَبَتًا (٧). ٢ - وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك وقال: ما علمت (٨). ٣ - قال ابن نصر: وكره ذلك سفيان (٩). ٤ - وقال البيهقي: لم يَثْبُتْ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ وَلَا أَثَرٍ ثَابِتٍ وَلَا قِيَاسٍ (أي المسح على

стр. 392

الوجه عند الدعاء). فَالأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى مَا فَعَلَهُ السَّلَفُ (١). ٥ - قال النووي: ولا يمسح (أي على الوجه عند الدعاء) وهذا هو الصحيح (٢). ٦ - قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيده إذا فرغ من الوتر: قال: لم أسمع فيه بشيء ورأيت أحمد لا يفعله (٣). وذكره الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في «تصحيح الدعاء» عن العز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام وغيرهما، وهذا هو الراجح والله أعلم. • المبحث الثامن: من نسي القنوت: عن الأوزاعي (٤) فيمن ترك قنوت الوتر: إنما ترك سنة لا شيء عليه. قال أبو داود (٥): سمعت أحمد قال: سألت ابن علية عن الرجل ينسى القنوت في الوتر، قال: لا شيء عليه. وذهب أصحاب الرأي وإسحاق (٦) وأحمد في رواية (٧) إلى أن من نسي القنوت عليه سجدتا السهو. وعن حماد قال: إذا سها قيل أن يقنت، فليسجد سجدتي السهو، يعني في الوتر (٨).

стр. 393

قال ابن نصر عن حماد وسفيان (١): إذا نسي القنوت في الوتر فعليه سجد السهو. والراجح: أن من نسي القنوت فلا شيء عليه، والله أعلم. • ملخص ما سبق: ١ - القنوت في الشرع: اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. ٢ - القنوت مشروع في صلاة الوتر عند جماهير العلماء. ٣ - يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة. ٤ - الأفضل في قنوت الوتر أن يكون بعد الركوع قياسًا على القنوت في الفريضة. وإن قنت قبل الركوع كبعض الصحابة فلا بأس. ٥ - الأفضل في دعاء القنوت الالتزام بالوارد في حديث الحسن بن علي، ولو زاد في دعاء القنوت على ذلك جاز، لكن هذه الزيادة لها ضوابط سبق ذكرها، والله أعلم. * * *

стр. 394

الباب الرابع الاعتكاف وفيه تمهيد وفصول التمهيد وفيه مباحث: • المبحث الأول: معنى الاعتكاف • المبحث الثاني: حكمة الاعتكاف • المبحث الثالث: حكم الاعتكاف • المبحث الرابع: فضل الاعتكاف • المبحث الخامس: استحباب الاجتهاد في العشر ا لأواخر من رمضان • المبحث السادس: أقسام الاعتكاف

стр. 395

الباب الرابع الاعتكاف التمهيد: وفيه مباحث: • المبحث الأول: معنى الاعتكاف: قال ابن قدامة: الِاعْتِكَافُ في اللُّغَةِ: لُزُومُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (١). والاعتكاف في الشرعِ: لزوم المسجد بنية التقرب إلى الله، على صفة مخصوصة، من شخص مخصوص (٢). • المبحث الثاني: حكمة الاعتكاف: قال ابن القيم: لما كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى - مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلم شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلمهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ المنَامِ، مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ في كُلِّ وَادٍ، وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ

стр. 396

الشَّهَوَاتِ المعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ المصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ في دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ. وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ في مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ في تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيَعُدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ في الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ، فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمُ (١). قال: ابن رجب (٢): فمعنى الاعتكاف وحقيقته قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق. وفى موضع آخر: فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله، وذكره، وقَطَع عن نفسه عن كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه، وما يقربه منه، فما بقى له سوى الله، وما يرضيه عنه. وقال شيخ الإسلام: لما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم، شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم ، وأخص البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوته المبنية لذلك؛ فلذلك كان الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله (٣).

стр. 397

• المبحث الثالث: حكم الاعتكاف: قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا، إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذرًا فيجب عليه (١). وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (٢). وفي هذا الحديث دليل على سنية الاعتكاف للرجال والنساء. • المبحث الرابع: فضل الاعتكاف: مما لا شك فيه أن للاعتكاف أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا، ولعظمه عهد الله ﵎ إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهير المسجد الحرام للطائفين والعاكفين والركع السجود، فقال ﵎: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. ولفضل الاعتكاف كانت مريم ﵍ تعتكف في المسجد الأقصى، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ وقال تعالى: ﴿كُلما دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال شيخ الإسلام ﵀ (٣): ولأن مريم ﵍ قد أخبر الله سبحانه أنها جعلت محررة له، وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب، وأنها انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا فاتخذت من دونهم حجابًا، وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه، ا-هـ ولأن الاعتكاف معلوم في الشرائع القديمة، فقد كان أهل الجاهلية يعتكفون، وقد

стр. 398

نذر عمر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ولذا حرص عليه النبي ﷺ حتى توفاه الله، ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: «كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» وكان النبي ﷺ يعتكف ويلتمس ليلة القدر وهي ليلة تحسب بالعمر، فمواظبة النبي ﷺ دليل على استحبابه وحرصه عليه و قضائه إياه، كل ذلك دليل على عظيم أجره وفضل ثوابه، والأدلة على فضل الاعتكاف متوافرة ومتضافرة. ووردت في الباب أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ ، أردت التنبيه عليها، منها: ما روى أبو الدرداء مرفوعًا: «من اعتكف ليلة كان له كأجر عمرة، ومن اعتكف ليلتين كان له كأجر عمرتين … » (١). • المبحث الخامس: استحباب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان: يستحب للمعتكف الإكثار من الطاعات، من تلاوة للقرآن، وذكر لله تعالى، والدعاء، والصدقات، وغيرها من النوافل والقربات. روى مسلم (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا

стр. 399

يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ». وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ (١) وَأَحْيَا لَيْلَهُ (٢) وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ (٣) (٤). • المبحث السادس: أقسام الاعتكاف: الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وواجب: • فالمسنون: ما تطوع به المسلم تقربًا إلى الله، وطلبًا لثوابه، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويتأكد ذلك في العشر الأواخر. • والواجب: هو ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفا الله مريضى لأعتكفن كذا (٥). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا، إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذرًا فيجب عليه (٦). * * *

стр. 400

الفصل الأول أقل زمن للاعتكاف ووقت دخول المعتكف وخروجه • المبحث الأول: أقل زمن الاعتكاف: اختلف أهل العلم في أقل زمن الاعتكاف على أقوال: • القول الأول: ذهب أبو حنيفة في رواية، وبعض المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١): إلى أن أقل الاعتكاف يوم. واستدلوا لذلك بأنه لا يصح الاعتكاف بدون صوم، وأن أقل الصوم يوم. واعترض على هذا الاستدلال: بأن الاعتكاف يصح بدون صوم؛ لأن عمر بن الخطاب نذر أن يعتكف ليلة فقال له النبي ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، والليل لا صوم فيه. • القول الثاني: أن أقل مدة للاعتكاف هو يوم وليلة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢). واستدلوا بما ورد عن ابن عمر أنه قال: «لا اعتكاف أقل من يوم وليلة» (٣). ولم أقف عليه في كتب الأثر. واستدلوا بحديث عمر: «اعتكف ليلة» أي: يومًا وليلة (٤)، وقالوا: إن هذا أقل

стр. 401

الاعتكاف. واعترض عليه من وجهين: الأول: أن هذا التأويل خلاف الظاهر. الثاني: أن قوله: «اعتكفت ليلة» لا يدل على أنه لا يجوز الاعتكاف أقل من ليلة. • القول الثالث: أن أقل مدة للاعتكاف عشرة أيام، وهو رواية عن الإمام مالك (١)، واستدلوا لهذا القول بأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأواخر من رمضان. واعترض عليه بأن عمر نذر أن يعتكف ليلة، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره، فدل ذلك على جواز اعتكاف ليلة وهي أقل من عشرة. الوجه الثاني: ما قاله ابن حزم ﵀: فَإِنْ قِيلَ: لم يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلم يَمْنَعْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لم يَعْتَكِفْ قَطُّ في غَيْرِ مَسْجِدِ المدِينَةِ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ في غَيْرِ مَسْجِدِهِ ﵇ وَلَا اعْتَكَفَ قَطُّ إلَّا في رَمَضَانَ، وَشَوَّالٍ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ في غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ وَالِاعْتِكَافُ فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَا يَجُوزُ المنْعُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ (٢). • القول الرابع: ذهب جمهور العلماء إلى أن أقل الاعتكاف ما يسمى به المرء معتكفًا ولو ساعة (٣). واستدلوا بعموم القرآن والسنة والمأثور: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.

стр. 402

قال ابن حزم (١): فَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ خَاطَبَنَا رسول اللَّهِ ﷺ . والاعتكاف في لغة العرب: الإقامة … فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف … مما قل من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسنة عددًا من عدد، ووقتًا من وقت. أما دليلهم من السنة: فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة من ولد إسماعيل» (٢). واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . أما دليلهم من المأثور: فعن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف (٣). قلت: الراجح والله أعلم: أن أقل الاعتكاف هو ما يسمى به المرء معتكفًا ولو ساعة، قال النووي: ينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف، فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى. • المبحث الثاني: وقت دخول المعتكف المسجد: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه (٤)، والأوزاعى، والثوري، والليث في أحد قوليه (٥)، وجماعة إلى أن المعتكف يدخل المسجد بعد صلاة فجر يوم عشرين من رمضان.

стр. 403

واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم (١) عن عائشة ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. وجه الدلالة: ما قاله الحافظ ابن حجر (٢): وفيه (أي: في حديث عائشة): أَنَّ أَوَّل الْوَقْت الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ المعْتَكِفُ، بَعْد صَلَاة الصُّبْح، وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَطَائِفَةٌ: يَدْخُل قُبَيْل غُرُوب الشَّمْس. وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل، وَلَكِنْ إِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ في المكَان الَّذِي أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاة الصُّبْح. • القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أن وقت دخول المعتكف المسجد قبل غروب شمس يوم عشرين من رمضان. قال النووي (٣): قال مالك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ المعْتَكَف، وَانْقَطَعَ فِيهِ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاته الصُّبْح، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الِاعْتِكَاف، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْل المغْرِب مُعْتَكِفًا لَابِثًا في جُمْلَة المسْجِد، فَلما صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ. • المبحث الثالث: وقت خروج المعتكف من المسجد: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب الإمام مالك (٤)، والإمام أحمد (٥) إلى أن المعتكف يبيت في

стр. 404

المسجد ليلة العيد. استدلوا لذلك بما في «الصحيحين» (١) عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا. وجه الدلالة منه: أنه ﷺ حين اعتكف العشر الأوسط من رمضان، خرج من اعتكافه في صبيحة عشرين، وليس بعد غروب ليلة التاسع عشر. وقياسًا على ذلك فمن اعتكف العشر الأواخر، يخرج صبيحة يوم العيد. واعْتُرِضَ عليه بما قاله ابن عبد البر (٢): قَدْ أَجْمَعُوا في المعْتَكِفِ في الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يوم مِنِ اعْتِكَافِهِ. • القول الآخر: ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والليث، والأوزاعى، وابن المنذر إلى أن المعتكف يخرج من المسجد إذا غربت شمس ليلة العيد. (آخر يوم من رمضان). قال ابن عبد البر (٣): وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقُولَانِ: يَخْرُجُ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَقَدْ أَتَمَّ الْعَشْرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ. الراجح في المسألة والله أعلم: هو قول جمهور العلماء، أن المعتكف يخرج من اعتكافه إذا غربت الشمس من آخر أيامه، وأن هذه الليلة من شوال وليست من رمضان، وأنه بغروب شمس آخر يوم من رمضان قد اعتكف العشر. وأما مالك وأحمد وغيرهما فكانوا يستحبون أن يبيت المعتكف في المسجد ليلة العيد،

стр. 405

ولا يوجبونه. قال ابن عبد البر (١): وَالصَّحِيحُ في تَحْصِيلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يُقُومَ المعْتَكِفُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ في مُعْتَكَفِهِ، وَخُرُوجُهُ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ اسْتِحْبَابٌ وَفَضْلٌ لَا إِيجَابٌ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ في مُوَطَّئِهِ، بَلْ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قال ابن قدامة (٢): مَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ في مُعْتَكَفِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. ولم يذكر عن مالك وأحمد أنه من خرج من اعتكافه بعد غروب شمس آخر أيامه أنه انتقض اعتكافه، ولكنهم كانوا يستحبون ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 406

الفصل الثاني شروط صحة الاعتكاف • الشرط الأول: الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من الكافر حتى يسلم. • الشرط الثاني: العقل: فلا يصح الاعتكاف من مجنون حتى يفيق. • الشرط الثالث: التمييز. • الشرط الرابع: النية. • الشرط الخامس: هل يشترط الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة؟ • الشرط السادس: شرط الصوم. • الشرط السابع: شرط إذن الزوج. • الشرط الثامن: أن يكون الاعتكاف في المسجد.

стр. 407

الفصل الثاني شروط صحة الاعتكاف • الشرط الأول: الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من الكافر حتى يسلم. • الشرط الثاني: العقل: فلا يصح الاعتكاف من مجنون حتى يفيق. • الشرط الثالث: التمييز: فلا يصح الاعتكاف من صبي غير مميز، فإنه لا قصد له، والنبي ﷺ يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». • الشرط الرابع: النية: فإن لبث المرء في المسجد بغير قصد الاعتكاف فإنه لا يكون معتكفًا. قال ابن هبيرة (١): واتفقوا على أنه لا يصح إلا بنية، وقال ابن رشد (٢): وأما النية فلا أعلم فيها اختلافًا. • الشرط الخامس: هل يشترط الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة؟ أعني هل يجوز للحائض المكث في المسجد للاعتكاف وغيره؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد، وبه قال الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، ................................................

стр. 408

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلموا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. وجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان الصلاة، أي: مواضع الصلاة، وهي المساجد إلا مجتازًا (٣). وإذا نهى الجنب عن المكث في المسجد؛ فكذا الحائض والنفساء. واعترض عليه: بأنه ذكر في أول الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلي وأنت جنب، والضمير يعود إلى الصلاة، أي أن الجنب وهو مسافر لا يقرب الصلاة إلا إذا لم يجد الماء فيتيمم ويصلي. وأجيب عنه بما قاله الشافعي (٤): قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلم بِالْقُرْآنِ: معناها: لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال لِأَنَّهُ ليس في الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ في مَوْضِعِهَا وهو المسْجِدُ. واعترض عليه: بأنه لا يقاس الحائض على الجنب؛ لأن الجنب له أن يسرع في التطهر، أما الحائض فليس لها ذلك، واستدلوا بما روى البخاري (٥) من حديث أم عطية قالت:

стр. 409

«أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ». «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: مكان الصلاة، فدل ذلك على منع الحائض من دخول المسجد. واعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: تعتزل الحائض الصلاة. دل على ذلك ما رواه مسلم (١) عن أم عطية قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ». أي: أن المراد باعتزال الحيض المصلى هو حال الصلاة ليتسع المكان للنساء الطاهرات ثم يختلطن بهن بعد الصلاة (٢). ثم إن الصلاة كانت في الفضاء وليست في المسجد. حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جَاءَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ في المسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ المسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» (٣)

стр. 410

وهذا أصرح ما ورد في الباب وليته صح. عن عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (١). وهذا الحديث لم أقف له على إسناد. الدليل الثالث: في الصحيحين (٢) قول النبي ﷺ لعائشة، وفيه: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِى». منع الطواف للحائض، وذلك لئلا تلوث المسجد. واعترض على هذا الاستدلال بأن المنع من الطواف فقط ليس فيه المنع من دخول المسجد، بل الطواف أخص. واستدلوا بما ورد في الصحيحين (٣) من حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ، ولو كان يجوز للحائض دخول المسجد لدخلت المسجد ورجلته فيه. واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأنه قد يكون في المسجد رجال أجانب أو أن المسجد ليس محلًّا للترجل أو غير ذلك من الأسباب، فليس فيه دلالة على منع

стр. 411

الحائض من دخول المسجد. • القول الآخر: يجوز للحائض المكث في المسجد. وهو قول المزني من الشافعية (١) وقول الظاهرية (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة قال: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فقال له، فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». فإذا كان المؤمن لا ينجس، فهو طاهر، فلا يُمنع من دخول المسجد. وقد يقال: إن المؤمن لا ينجس، أي: طاهر بإيمانه طهارة معنوية، وإن المشرك نجس بالشرك. واستدلوا بما روى سعيد بن منصور (٤) عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة. وجه الدلالة: أنه إذا كان الجنب يجلس ويمكث في المسجد إذا توضأ، فكذا الحائض. واعترض عليه: بأن الحديث في إسناده هشام بن سعد، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ … ﴾ الآية، أي: أن الجنب لا يمكث في المسجد إلا مارًّا به، وهذا أرجح الأقوال في تفسير الآية، والله أعلم. واستدلوا بما روى مسلم (٥) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ».

стр. 412

وجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين: الأول: أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض. واعترض عليه: بأن إتيان عائشة بالخمرة من المسجد ليس بمكث، ولكنه مرور، والمرور للحائض في المسجد جائز. وأجيب: بأن الحديث مطلق «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ من المسْجِدِ» فدخول عائشة المسجد يشمل المرور والمكث. قوله ﷺ : «إن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» أي أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة أو الثوب، ويدك طاهرة فليست الحيضة في اليد. وإن كان منع الحائض من المسجد هو تلويثه؛ فلتستثفر بثوب لتمنع. واعترض عليه: بما نقل النووي عن عياض قال: معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد، أي: وهو في المسجد؛ لتناوله إياها من خارج المسجد؛ لأن النبي ﷺ أمرها أن تُخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض؛ لقوله ﷺ : «إن حيضتك ليست في يدك» فإنها خافت من إدخال يدها في المسجد، ولو كان أمرَها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. واستدلوا بما راه البخاري (١) عن عائشة: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، وفيه: .. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلمتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في المسْجِدِ - أَوْ حِفْشٌ … فهذه امرأة تنظف المسجد وتمكث فيه، والحيض كتبه الله على بنات آدم، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها بالخروج من المسجد وقت الحيض. قال ابن رجب (٢): استدل بحديث عائشة طائفة من أهل الظاهر على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من

стр. 413

المحيض. وأجيب عنه بما قاله ابن حزم (١): فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ في مَسْجِدِ النبي ﷺ ، وَالمعْهُودُ من النِّسَاءِ الْحَيْضُ، فما مَنَعَهَا ﵇ من ذلك وَلَا نهى عنه وَكُلُّ ما لم يَنْهَ ﵇ عنه فَمُبَاحٌ. واستدلوا بما روى البخاري (٢) عن أبي هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فإذا كان المشرك يمكث في المسجد يومًا واثنين وثلاثًا فمن باب أَوْلى جواز مكث الحائض في المسجد. والأصل جواز مكث الحائض في المسجد، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد. وقالوا: لأن الصوم شرط للاعتكاف، والحائض لا يحل لها الصوم، فليس لها أن تعتكف. واعترض عليه بما ورد عن عمر أنه قال: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ لي النبي ﷺ : «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». والليل ليس محلًّا للصيام، والله أعلم. ويجوز للمستحاضة الاعتكاف؛ لما روت عائشة قالت: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي (٣). ويشترط عدم تلويث المسجد؛ ولذا وضعت الطست تحتها، والله أعلم.

стр. 414

• الشرط السادس: الصوم: هل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف؟ اختلف أهل العلم في اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف على أقوال: • القول الأول: عدم اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف، وهو قول بعض المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية (١). واستدلوا بالكتاب والسنة والمأثور: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾. والاعتكاف في الآية مطلق، فدل على عدم اشتراط الصوم للاعتكاف. وأما دليلهم من السنة: ففي «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﴿أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». وجه الدلالة منه: قال ابن عبد البر (٣): وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَذَرَ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ. وعن ابن عباس ﴿أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى المعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» (٤).

стр. 415

واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ، والصحيح فيه الوقف على ابن عباس. • القول الآخر: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، وهو قول أبي حنيفة ومالك (١)، وبه قال بعض الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). واستدلوا لهذا القول بأدلة، منها: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر ﴿أَنَّ عُمَرَ ﵁، جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ في الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ» (٥). واعترض عليه بأن زيادة: «وصم» منكرة.

стр. 416

والراجح: أنه لا يشترط الصوم للاعتكاف؛ لما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ، وكذلك فإن العكوف في اللغة: الإقبال على الشيء على وجه المواظبة، وهذا يحصل من الصائم والمفطر. وكذا العاكفون على الأصنام ولهًا، سُموا بذلك بمجرد احتباسهم عليها، وإن لم يصوموا، فالمحتبس لله في بيته عاكف له وإن لم يصم (١)، والله أعلم. • الشرط السابع: شرط إذن الزوج: يجب على المرأة أن تستأذن من زوجها، دل على ذلك حديث عائشة، وفيه: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا. وفي لفظ: أذن النبي ﷺ لأزواجه بالاعتكاف ثم منعهن بعد ذلك. • الشرط الثامن: أن يكون الاعتكاف في المسجد: وفيه مطالب: • المطلب الأول: شرط المسجد: قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد (٢). وقال ابن قدامة (٣): لا نعلم في ذلك خلافًا. وقال ابن رشد (٤): وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة فأجازه في كل مكان.

стр. 417

• المطلب الثاني: ضابط المسجد الذي يُشرع فيه الاعتكاف: اتفق العلماء على اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف، واختلفوا في ضابط المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف على أقوال: القول الأول: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، وبه قال جمهور العلماء (١). قال شيخ الإسلام (٢): وهو قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه، إلا من قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد النبي (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾. ولفظ «المسَاجِدِ» وإن كان في الآية عامًّا؛ لكنه خص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة، وذلك لوجوب صلاة الجماعة، ولأن اعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه

стр. 418

الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مُنافٍ للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه. حتى لو قيل بعدم وجوب الجماعة، فإن الجماعة من أعظم العبادات، وهي أوكد من مجرد الاعتكاف الخالي عنها بلا ريب، والمداومة على تركها مكروه كراهة شديدة (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لما لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ» وفي لفظ: «إِلَّا في مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ» (٢). واعترض عليه بأنه ضعيف. وروى الدارقطني بسنده عن حذيفة مرفوعًا: «كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ وَإِمَامٌ، فَالِاعْتِكَافُ

стр. 419

فِيهِ يَصْلُحُ» (١). واعترض عليه بأن في إسناده جويبرًا وهو هالك، والضحاك لم يدرك حذيفة (٢). القول الثاني: أن الاعتكاف يصح في كل ما يطلق عليه مسجد، سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن لفظ: ﴿المسَاجِدِ﴾ في الآية عام يشمل كل مسجد، ولم يخص الله مسجدًا دون آخر. واعترض عليه بأن المسجد إذا كانت لا تقام فيه الجماعة فالمعتكف بين أمرين: إما ترك الجماعة، وإما كثرة الخروج من المسجد لأداء صلاة الجماعة، وهو مُناف لركن الاعتكاف (٤). القول الثالث: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جامع تصلى فيه الجماعة والجمعة: ودليل هذا القول: قول عائشة: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا … » وفيه: «وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ» (٥). واعترض عليه بأنه ضعيف.

стр. 420

القول الرابع: أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوى، ومسجد بيت المقدس) وهذا قول حذيفة بن اليمان، وبه قال سعيد بن المسيب (١). وعن عطاء: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة والمدينة (٢). عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قال حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ: عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى لَا تُغَيِّرُ، وَقَدْ عَلمتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا في المسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ» (٣).

стр. 421

قال عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا، وَأَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا.

стр. 422

والراجح في المسألة: أنه يجوز الاعتكاف في كل مسجد تصلي فيه الصلوات الخمس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويستحب أن يكون مسجدًا جامعًا حتى لا يخرج منه لصلاة الجمعة ولا غيرها، والله أعلم. • المطلب الثالث: أفضل المساجد للاعتكاف: أفضل المساجد للاعتكاف: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى (١). لكونها أفضل المساجد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجِدِ الْأَقْصَى» (٢). وأفضلها: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المسْجِدَ الْحَرَامَ» (٣). ما يدخل في مسمى المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه: الأمر الأول: اتفق العلماء أن ما كان معدًّا للصلاة من البناء أنه يصح الاعتكاف فيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ وهذا داخل في المسجد قطعًا. الأمر الثاني: سطح المسجد: فجمهور العلماء على صحة الاعتكاف فيه، وصعود المعتكف إليه وسطح المسجد منه (٤).

стр. 423

أما رحبة المسجد: أي ساحته، فهل تدخل في مسمى المسجد؟ اختلف أهل العلم في دخول ساحة المسجد في مسمى المسجد وخروج المعتكف إليها على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد فهي منه، وإن كانت غير متصلة به ولا محوطة بسياجه، فليست منه. قال النووي (١): المرَادُ بِالرَّحْبَةِ مَا كَانَ مُضَافًا إلَى المسْجِدِ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ وهو مِنَ المسْجِدِ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صحةِ الِاعْتِكَافِ في الرَّحْبَةِ. القول الثاني: أن الرحبة ليست من المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيها. واستدلوا بما روت عائشة قالت: كُنَّ المعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ المسْجِدِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المسْجِدِ، حَتَّى يَطْهُرْنَ (٢). وجه الدلالة: أن الحائض إذا كان لا يجوز لها الاعتكاف في المسجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن، فعُلم أن الرحبة ليست من المسجد. قلت: هذا الحديث لم أقف عليه في كتب السنن المسندة، وإنما ذُكر في كتب الفقه ثم إن رحبة المسجد ليست محوطة. القول الثالث: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَبِيتُ المعْتَكِفُ إلَّا في المسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ في رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ المسْجِدِ (٣). والراجح: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد؛ فهي منه، وإن كانت غير متصلة

стр. 424

ولا محوطة بسياجه فليست منه، والله أعلم (١). • المطلب الرابع: هل تعتكف المرأة في مسجد بيتها؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وأن الاعتكاف للرجال والنساء لابد أن يكون في المسجد، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ والمراد بالمساجد: المواضع التي بنيت للصلاة فيها، ويجتمع إليها الناس. وفي «الصحيحين» من حديث عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانٍ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلما انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا»، فَنُزِعَتْ، فَلم يَعْتَكِفْ في رمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ في آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ» (٤). فأذن النبي ﷺ لأزواجه بالاعتكاف في المسجد، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزًا لنبههن عليه رسول الله ﷺ .

стр. 425

القول الآخر: ذهب أبو حنيفة (١)، والشافعي إلى أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها: واستدلوا لذلك بما رواه مسلم (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الاِعْتِكَافَ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلما صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ، فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ في شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ في الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ». قال الشافعي: فبهذا كرهت اعتكاف المرأة إلا في مسجد بيتها، وذلك أنها إذا صارت إلى ملازمة المسجد المأهول ليلًا ونهارًا، وأكثر من يراها ومن تراه (٣). الدليل الثانى: قول النبي ﷺ : «صَلَاةُ المرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا في مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا» (٤).
следующие страницы →