← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا، وَأَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا.

стр. 422

والراجح في المسألة: أنه يجوز الاعتكاف في كل مسجد تصلي فيه الصلوات الخمس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويستحب أن يكون مسجدًا جامعًا حتى لا يخرج منه لصلاة الجمعة ولا غيرها، والله أعلم. • المطلب الثالث: أفضل المساجد للاعتكاف: أفضل المساجد للاعتكاف: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى (١). لكونها أفضل المساجد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجِدِ الْأَقْصَى» (٢). وأفضلها: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المسْجِدَ الْحَرَامَ» (٣). ما يدخل في مسمى المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه: الأمر الأول: اتفق العلماء أن ما كان معدًّا للصلاة من البناء أنه يصح الاعتكاف فيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ وهذا داخل في المسجد قطعًا. الأمر الثاني: سطح المسجد: فجمهور العلماء على صحة الاعتكاف فيه، وصعود المعتكف إليه وسطح المسجد منه (٤).

стр. 423

أما رحبة المسجد: أي ساحته، فهل تدخل في مسمى المسجد؟ اختلف أهل العلم في دخول ساحة المسجد في مسمى المسجد وخروج المعتكف إليها على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد فهي منه، وإن كانت غير متصلة به ولا محوطة بسياجه، فليست منه. قال النووي (١): المرَادُ بِالرَّحْبَةِ مَا كَانَ مُضَافًا إلَى المسْجِدِ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ وهو مِنَ المسْجِدِ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صحةِ الِاعْتِكَافِ في الرَّحْبَةِ. القول الثاني: أن الرحبة ليست من المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيها. واستدلوا بما روت عائشة قالت: كُنَّ المعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ المسْجِدِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المسْجِدِ، حَتَّى يَطْهُرْنَ (٢). وجه الدلالة: أن الحائض إذا كان لا يجوز لها الاعتكاف في المسجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن، فعُلم أن الرحبة ليست من المسجد. قلت: هذا الحديث لم أقف عليه في كتب السنن المسندة، وإنما ذُكر في كتب الفقه ثم إن رحبة المسجد ليست محوطة. القول الثالث: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَبِيتُ المعْتَكِفُ إلَّا في المسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ في رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ المسْجِدِ (٣). والراجح: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد؛ فهي منه، وإن كانت غير متصلة

стр. 424

ولا محوطة بسياجه فليست منه، والله أعلم (١). • المطلب الرابع: هل تعتكف المرأة في مسجد بيتها؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وأن الاعتكاف للرجال والنساء لابد أن يكون في المسجد، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ والمراد بالمساجد: المواضع التي بنيت للصلاة فيها، ويجتمع إليها الناس. وفي «الصحيحين» من حديث عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانٍ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلما انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا»، فَنُزِعَتْ، فَلم يَعْتَكِفْ في رمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ في آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ» (٤). فأذن النبي ﷺ لأزواجه بالاعتكاف في المسجد، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزًا لنبههن عليه رسول الله ﷺ .

стр. 425

القول الآخر: ذهب أبو حنيفة (١)، والشافعي إلى أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها: واستدلوا لذلك بما رواه مسلم (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الاِعْتِكَافَ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلما صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ، فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ في شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ في الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ». قال الشافعي: فبهذا كرهت اعتكاف المرأة إلا في مسجد بيتها، وذلك أنها إذا صارت إلى ملازمة المسجد المأهول ليلًا ونهارًا، وأكثر من يراها ومن تراه (٣). الدليل الثانى: قول النبي ﷺ : «صَلَاةُ المرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا في مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا» (٤).

стр. 426

وجه الدلالة منه: أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، كان اعتكافها في بيتها أفضل. واعترض عليه: بأن الاعتكاف عبادة خاصة بالمسجد، كما أن الطواف لا يجوز إلا بالكعبة. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١). فإن كان بيوتهن خيرًا لصلاتهن من المسجد؛ فكذا الاعتكاف في البيت أفضل. واعترض عليه: بأن لفظة: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» لا تصح عن رسول الله ﷺ . الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن اعتكاف النساء لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾، ولحديث عائشة: استأذن أزواجه ﷺ في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن». قال النووي (٢): وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الِاعْتِكَاف لَا يَصح إِلَّا في المسْجِد؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ وَأَزْوَاجه وَأَصحابه إِنَّمَا اِعْتَكَفُوا في المسْجِد مَعَ المشَقَّة في مُلَازَمَته، فَلَوْ جَازَ في الْبَيْت لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّة لَا سِيَّمَا النِّسَاء؛ لِأَنَّ حَاجَتهنَّ إِلَيْهِ في الْبُيُوت أَكْثَر. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِخْتِصَاصه بِالمسْجِدِ، وَأَنَّهُ لَا يَصح في غَيْره - هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور، سَوَاء الرَّجُل وَالمرْأَة. * * *

стр. 427

الفصل الثالث مبطلات الاعتكاف • المبطل الأول: خروج المعتكف بجميع البدن بغير عذر • المبطل الثاني: الجماع • المبطل الثالث: إنزال المني • المبطل الرابع: الردة • المبطل الخامس: قطع نية الاعتكاف

стр. 428

الفصل الثالث مبطلات الاعتكاف • المبطل الأول: خروج المعتكف بجميع البدن بغير عذر من المسجد: دل على ذلك حديث عائشة: «وكان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا». ويستثنى من ذلك: الخروج ببعض البدن: يجوز للمعتكف أن يخرج ببعض بدنه كيديه ورأسه، دل على ذلك حديث عائشة ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ» (١). • الخروج لأمر لابد منه، وفيه مسائل: • المسألة الأولى: الخروج لقضاء الحاجة كالبول والغائط والقيء وغيرها. قال ابن المنذر (٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى أَنَّ لِلمعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ. وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «إن كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ في المسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا». وزاد في رواية لمسلم (٤): «إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» والمراد بحاجة الإنسان: البول والغائط. • المسألة الثانية: الخروج للغسل من الجنابة، والإتيان بالطعام والشراب وغيرهما ممن لابد منه: قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أنه يجوز للإنسان الخروج إلى ما لابد منه كحاجة الإنسان

стр. 429

والغسل من الجنابة (١). ودليل ذلك ما ورد في «الصحيحين» (٢): عن علي بن الحسين: أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ في المسْجِدِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا .... الحديث. ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ خرج من المسجد وهو معتكف ليقلب زوجته لما خاف عليها أن تسير وحدها ليلًا. قال ابن قدامة (٣): ويخرج المعتكف من معتكفه للْبَوْل وَالْغَائِط، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى المأْكُولِ وَالمشْرُوبِ، إذَا لم يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ المسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ في المسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ مَا لم يُطِلْ. وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ في مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، ويُلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. وَبِهَذَا قال أبو حنيفة. وقال بعض أهل العلم: إن الحاجة ليست مقتصرة على الخروج للبول والغائط، بل يدخل فيها كل ما يحتاج الخروج له، وهو ما يخاف من تركه ضررًا في دينه أو دنياه، فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب، وأداء شهادة تعينت عليه، وإطفاء حريق، ومرض شديد، وخوف على نفسه فتنة وقعت، وجهاد تعين، وشهود صلاة الجمعة، إذا كان المسجد الذى اعتكف فيه لا تقام فيه صلاة الجمعة.

стр. 430

• المسألة الثالثة: هل يجوز خروج المعتكف لقربة من القرب لعيادة المريض واتباع الجنائز؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) ورواية عن أحمد (٤) إلى أنه لا يخرج المعتكف من المسجد، كعيادة مريض، واتباع جنازة. واستدلوا لذلك بالمأثور: عن عمرة قالت: «كَانَتْ عَائِشَةُ في اعْتِكَافِهَا إِذَا خَرَجَتْ إِلَى بَيْتِهَا لِحَاجَتِهَا - تَمُرُّ بِالمرِيضِ، فَتَسْأَلُ عَنْهَ، وَهِيَ مُجْتَازَةٌ لَا تَقِفُ عَلَيْهِ» (٥). وعن عروة بن الزبير قال: «المعتكف لا يجيب دعوة، ولا يعود مريضًا، ولا يتبع جنازة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (٦). وعن الزهري قال: «لا يخرج المعتكف إلا إلى ما لابد له منه، من غائط أو بول، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يجيب دعوة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها» (٧). وعن عطاء قال: «المعتكف لا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا» (٨).

стр. 431

القول الثانى: وهو قول على بن أبى طالب (١)، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير (٢)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (٣)، والشعبى (٤) ورواية عن أحمد (٥) قالوا: إنه يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لعيادة المريض، واتباع الجنائز. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يخرج المعتكف من المسجد، لعيادة مريض، ولا لاتباع جنازة. • المسألة الرابعة: يجوز للمعتكف قبل دخوله أن يشترط أن يخرج من المسجد لفعل شيء مباح: ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم (٦) من حديث عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقال لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً! فَقال لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». وجه الدلالة منه: أنه يجوز الاشتراط في الحج إذا حدث له عذر، أن يخرج وليس عليه شيء، ويقاس عليه الاعتكاف.

стр. 432

قال شيخ الإسلام (١): فإذا كان الإحرام الذي هو ألزم العبادات بالشروع يجوز فيه المخالفة بالشرط، فالاعتكاف أَوْلي. وممن قال بجواز الاشتراط للمعتكف: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وقتادة (٢). قال الشافعي (٣): وَلَا بَأْسَ بِالاِشْتِرَاطِ في الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ عَرَضَ لي عَارِضٌ كان لي الْخُرُوجُ» وقيل لأحمد: تُجِيزُ الشَّرْطَ في الِاعْتِكَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت لَهُ: فَيَبِيتُ في أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ تَطَوُّعًا، جَازَ (٤). قال ابن حزم: وَجَائِزٌ لِلمعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا شَاءَ مِنْ المبَاحِ وَالْخُرُوجِ لَهُ،؛ لأنه بِذَلِكَ إنَّمَا الْتَزَمَ الاِعْتِكَافَ في خِلَالِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَهَذَا مُبَاحٌ لَهُ، أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ إذَا شَاءَ؛ لأنَّ الاِعْتِكَافَ طَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ مُبَاحٌ، فَإِنْ أَطَاعَ أُجِرَ، وَإِنْ تَرَكَ لم يَقْضِ. قلت: كره الاشتراط في الاعتكاف مالك. قال: ولم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا. الراجح: جواز الاشتراط في الاعتكاف؛ لأنه إذا كان يجوز الاشتراط في الحج، فالاشتراط في الاعتكاف أَوْلى بالجواز، والله أعلم. • المبطل الثاني: الجماع: وفيه مباحث: • المبحث الأول: إذا جامع المعتكف زوجته بطل اعتكافه. قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾. قال قتادة في تأويل هذه الآية: كَانَ النَّاسُ إِذَا اعْتَكَفُوا يَخْرُجُ الرَّجُلُ فَيُبَاشِرُ أَهْلَهُ ثُمَّ

стр. 433

يَرْجِعُ إِلَى المسْجِدِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ (١). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه (٢). • المبحث الثاني: مباشرة الزوجة: وفيه مطلبان: • المطلب الأول: إذا باشر المعتكف زوجته فإن كان لغير شهوة كاللمس باليد وغيره: فهذا جائز؛ لما في «الصحيحين»، عن عائشة ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهْيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (٣). • المطلب الثاني: إذا باشر المعتكف زوجته بشهوة حرم عليه ذلك؛ لمنافاة ذلك للاعتكاف ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾، وعن عائشة أن النبي ﷺ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ. و هل يبطل مباشرة المعتكف زوجته بشهوة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يبطل اعتكافه إلا بالإنزال (٤). وذهب المالكية إلى أنه يبطل اعتكافه مطلقًا (٥). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أنه لا يبطل اعتكاف من باشر بشهوة إلا بالإنزال كالصوم (٦).

стр. 434

• المبطل الثالث: إنزال المني: وفيه مطالب: • المطلب الأول: إنزاله باحتلام: إذا احتلم المعتكف في منامه لم يفسد اعتكافه (١). • المطلب الثاني: إنزال المني بالفكر: إذا فكر المعتكف في الجماع فأنزل، لم يفسد اعتكافه في قول جمهور العلماء (٢). لما ورد في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لم تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلم بِهِ». • المطلب الثالث: إذا استمنى المعتكف فأمنى، بطل اعتكافه. • المبطل الرابع: الردة: إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه (٤) لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].

стр. 435

• المبطل الخامس: قطع نية الاعتكاف: من نوى قطع الاعتكاف انقطع اعتكافه: لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». الحاصل في مبطلات الاعتكاف: المبطل الأول: خروج المعتكف من المسجد بغير عذر. ويستثنى من ذلك: الخروج للبول والغائط، والخروج للإتيان بالطعام والشراب إذا لم يكن له من يأتيه به، وكذا إن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لابد منه ولم يكن له فعله في المسجد. المبطل الثاني: إذا جامع المعتكف زوجته بطل اعتكافه بالإجماع: المبطل الثالث: إذا باشر المعتكف زوجته فأنزل، أو استمنى بيده فأمنى بطل اعتكافه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾. المبطل الرابع: إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه؛ لأن الكافر لا تُقبل منه صلاة ولا اعتكاف ولا غيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. المبطل الخامس: من نوى قطع الاعتكاف انقطع اعتكافه؛ لعموم قوله ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». * * *

стр. 436

الفصل الرابع ما يباح للمعتكف ١ - يباح للمعتكف الأكل والشرب في المسجد بالإجماع. ٢ - يباح للمعتكف النوم في المسجد بالاتفاق. ٣ - يباح للمعتكف لبس الثياب الحسنة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ٤ - يباح للمعتكف أن يلزم مكانًا في المسجد، دل على ذلك حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر دخل معتكفه. ٥ - يباح للمعتكف أخذ سنن الفطرة في المسجد مع المحافظة عليه وعدم تلويثه. ٦ - يباح للمعتكف الصلاة على الجنازة وعيادة المريض إذا كان ذلك في المسجد ولا يخرج منه. ٧ - يباح للمعتكف غسل رأسه وتسريحه؛ فعن عائشة: أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد. ٨ - يباح للمرأة زيارة زوجها المعتكف؛ ففي «الصحيحين» (١) عن عَلِيّ بْن الحُسَيْنِ: أَنَّ صَفِيَّةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ في المسْجِدِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا. ٩ - يباح للمعتكف أن يشحن هاتفه النقال من كهرباء المسجد؛ لأن هذا استخدام للوقف فيما وُضع له، ولحاجة المعتكف إلى ذلك، إذ هو ممنوع من الخروج، وحديثه في الهاتف النقال بقدر الحاجة يغنيه عن ذلك، وقياسًا على الإفادة من آلات التبريد والإنارة في المسجد (٢).

стр. 437

الفصل الخامس ما ينهى عنه المعتكف وقضاء الاعتكاف عنه ينهى المعتكف عن البيع والشراء في المسجد: لا يجوز للمعتكف البيع والشراء في المسجد؛ لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ في المسْجِدِ (١). قال مالك: يشترى ويبيع إذا كان خفيفًا (٢). قال الشافعي: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيَخِيطَ، وَيَتَحَدَّثَ، مَا لم يَكُنْ مَأْثَمًا (٣). قال أحمد: المعْتَكِفُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، طَعَامٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَأَمَّا التِّجَارَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. قال ابن المنذر: عندي لا يبيع ولا يشترى إلا ما لابد منه، إذا ما لم يكن له من يكفيه ذلك، فأما سائر التجارات، فإن فعلها في المسجد كُره، وإن خرج لها بطل اعتكافه، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان، فباع واشترى في مروره لم يُكره. والراجح أن المعتكف لا يتشاغل بالبيع والشراء؛ لأن الاعتكاف قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، ولكن يشترى ما لابد منه، كشراء الأكل والشرب من

стр. 438

خارج المسجد إذا لم يكن له من يأتي به. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾. وعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ المسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (١). ولحديث عبد الله بن عمرو قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ في المسْجِدِ. قضاء الاعتكاف الواجب على الميت من نذر وغيره يستحب للولي أن يقضي عن الميت الاعتكاف الواجب، قياسًا على الصيام، دل على ذلك ما في «الصحيحين» من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢). * * *

стр. 439

الفصل السادس ليلة القدر • فضل ليلة القدر: قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال القرطبى: أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وفي «الصحيحين» (١): قال النبي ﷺ : «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». • الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر: ١ - ورد أنها في العشر الأواخر من رمضان: عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٢). ٢ - ورد أنها في الوتر من العشر الأواخر: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (٣). ٣ - ورد أنها في السبع الأواخر من رمضان: عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٤). ٤ - ورد أنها في ليلة سبع وعشرين: عن أبى ذر ﵁ قال: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلم يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْهُ، حَتَّى بَقِيَ سَبْعُ لَيَالٍ، فَقَامَ بِنَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ كَانَتِ اللَّيْلَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا، فَلم يَقُمْهَا، حَتَّى كَانَتِ

стр. 440

الْخَامِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا، ثُمَّ قَامَ بِنَا، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ الَّتِي تَلِيهَا، فَلم يَقُمْهَا، حَتَّى كَانَتِ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَلِيهَا. قَالَ: فَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ. قَالَ: فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قِيلَ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ (١). عَنْ عَبْدَةَ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِى النَّجُودِ سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَقال ﵀: أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلم أَنَّهَا في رَمَضَانَ وَأَنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقُلْتُ: بِأَىِّ شَىْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا المنْذِرِ؟ قال: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالآيَةِ الَّتِى أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يومئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا (٢). ٥ - ورد أنها ليلة إحدى وعشرين: عن عبادة بن الصامت قال: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المسْلمينَ فَقال: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» (٣). ٦ - ورد أنها ليلة ثلاث وعشرين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِى صُبْحَهَا أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ». قال: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الماءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ.

стр. 441

قال: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. (١). ٧ - ورد أنها في ليلة أربع وعشرين: عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ أربع وَعِشْرِينَ» (٢). قال ابن المنذر: يتحراها مع ذلك في الوتر من ليالى العشر، وفى ليلة سبع وعشرين خاصة، وأحوط الأمر أن لا يغفل عن إحياء الليالى العشر، رجاءً أن لا تفوته؛ لأن النبي ﷺ عَظَّم من أمرها فقال «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قولًا عامًّا، يُرْجَى دخول جميع الذنوب كبيرها وصغيرها في ذلك. قال المباركفورى (٣): وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال «اِلْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ في كُلِّ وِتْرٍ»؛ فَالْأَرْجَحُ وَالْأَقْوَى أَنَّ كَوْنَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُنْحَصِرَة في رَمَضَان في الْعَشْرِ الْأَخِيرِة مِنْهُ ثُمَّ في أَوْتَارِهِ لَا في لَيْلَةٍ مِنْهُ بِعَيْنِهَا. قال الحافظ ابن حجر: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَقَالَ: قَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلماءُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ في ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأقوالٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَرْجَحُهَا كُلِّهَا أَنَّهَا في وِتْرٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُ الْعَشْرِ، وَأَرْجَى أَوْتَارِ الْعَشْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ، وَأَرْجَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْلَةُ سَبْع وَعِشْرِينَ. * * *

стр. 442

الباب الخامس زكاة الفطر وفيه تمهيد وفصول • التمهيد: وفيه مباحث: • المبحث الأول: لماذا سميت بصدقة الفطر • المبحث الثاني: ما الحكمة من مشروعية صدقة الفطر؟ • المبحث الثالث: حكم زكاة الفطر

стр. 443

الباب الخامس زكاة الفطر زكاة الفطر التمهيد: وفيه مباحث: المبحث الأول: لماذا سُميت بصدقة الفطر؟ سميت بصدقة الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان. قال ابن حجر (١): وَأُضِيفَتْ الصَّدَقَةُ لِلْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: المرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. • المبحث الثاني: ما الحكمة من مشروعية صدقة الفطر؟ • الحكمة من صدقة الفطر: طهرة للصائم من اللغو والرفث (٢)، وطعمة للمساكين (٣). عن ابن عباس ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ».

стр. 444

• المبحث الثالث: حكم زكاة الفطر: ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن زكاة الفطر فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ولقول ابن عمر ﴿: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ … » (١). ومعنى فرض: ألزم وأوجب: فزكاة الفطر فرض واجب (٢). * * *

стр. 445

الفصل الأول • وفيه مباحث: • المبحث الأول: على من تجب زكاة الفطر؟ • المبحث الثاني: زكاة فطر المرأة • المبحث الثالث: زكاة فطر الصغير • المبحث الرابع: هل على الجنين زكاة فطر؟ • المبحث الخامس: هل الدين يمنع الزكاة؟ • المبحث السادس: المقدار الواجب في صدقة الفطر • المبحث السابع: هل يشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر؟ • المبحث الثامن: ما مقدار الصاع؟ • المبحث التاسع: من أي الأصناف تخرج زكاة الفطر؟ • المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلًا من البر والشعير دقيقًا أو سويقًا؟ • المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده أو غالب قوته في نفسه؟ • المبحث الثاني عشر: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؟ • المبحث الثالث عشر: متى تجب زكاة الفطر؟ • المبحث الرابع عشر: هل يجوز تقديم زكاة الفطر؟ • المبحث الخامس عشر: هل يجوز تأخير صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟ • المبحث السادس عشر: هل يجوز تأخير زكاة الفطر بعد يوم العيد؟ • المبحث السابع عشر: مصارف صدقة الفطر

стр. 446

المبحث الأول: على من تجب زكاة الفطر؟ تجب زكاة الفطر على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. روى البخاري ومسلم (١)، عن ابن عمر ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المسْلمينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ». المبحث الثاني: زكاة فطر المرأة لابد أن نفرق بين حالتين: • الحالة الأولى: على من تجب زكاة فطر المرأة قبل الزواج؟ قال ابن المنذر (٢): وأجمعوا على أن المرأة قبل أن تُنكح تُخرج زكاة الفطر عن نفسها. قلت: وذلك إذا كان عندها مال خاص بها، وإلا فيخرجها الأب، والله أعلم. • الحالة الثانية: هل تجب على الزوجة زكاة الفطر عن نفسها، أم تجب على زوجها تبعًا للنفقة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: قال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر: يجب على الزوجة إخراج زكاة الفطر عن نفسها، ولا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن امرأته (٣). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (٤)، عن ابن عمر ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 447

زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المسْلمينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. وجه الدلالة منه ما قاله الشوكاني: قَوْلُهُ: (الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى المرْأَةِ، سَوَاءً كَانَ زَوْجٌ أَوْ لَا (١). • القول الثاني: قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب زكاة فطر المرأة على زوجها تبعًا للنفقة. واستدلوا بحديث ابن عمر ﴿أن النبي ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى عمَّنْ تَمُونُونَ (٢). واعترض عليه بما قاله ابن التركماني (٣): الحديث الذي فيه (ممَّن تمونون) لا يخلو من ضعف كما بينه البيهقي. وقوله ﷺ في صحيح البخاري: «على الذكر والأنثى». من حديث ابن عمر - دليل على سقوط صدقة الزوجة عن الزوج ووجوبها عليها، فلا تسقط عنها إلا بدليل، ولأنه يلزمها الإخراج عن عبيدها، فلأن يلزمها عن نفسها أَوْلى، ويلزم الشافعي الإخراج عن أجيره ورقيقه الكافر لأنه يمونهما. قال ابن حزم (٤): وَلَيْسَ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلا عَنْ أُمِّهِ، وَلا عَنْ زَوْجَتِهِ، وَلا عَنْ وَلَدِهِ، وَلا أَحَدٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وذكر قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واستدل بحديث البخاري (الذكر والأنثى).

стр. 448

• المبحث الثالث: زكاة فطر الصغير: لابد أن نفرق بين حالتين: • الحالة الأولى: الأطفال الذين لا أموال لهم لا تجب عليهم زكاة الفطر بالإجماع، إنما تجب على الأب. قال ابن المنذر (١): وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه وأولاده الأطفال الذين لا أموال لهم. • الحالة الثانية: هل تجب زكاة الفطر على الأطفال الذين لهم أموال؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: قال ابن رشد (٢): «وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى المرْءِ في أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ زَكَاةُ فِطْرٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ». حجة الجمهور: روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وجه الدلالة منه: ما قاله الشوكاني (٣): قَوْلُهُ: (الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) وُجُوبُ فِطْرَةِ الصَّغِيرِ في مَالِهِ، وَالمخَاطَبُ بِإِخْرَاجِهَا وَلِيُّهُ إنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. • القول الثاني: قال ابن رشد: قال الحسن: هي على الأب، وإن أعطاها من مال الابن فهو ضامن (٤). قال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه (٥).

стр. 449

• القول الثالث: لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ صَامَ، قاله سَعِيد بْن المسَيِّبِ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ. واستدل لهذا القول بحديث ابن عباس ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ. وجه الدلالة منه: (طهرة للصائم) والصغير لا يجب عليه صيام فلا تجب عليه زكاة فطر. واعترض عليه بما قاله ابن حجر (١): وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لم يُذْنِبْ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ، أَوْ مَنْ أَسْلم قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ. والراجح: أنه لا يجب على المرء في أولاده الصغار زكاة الفطر إذا كان لهم مال، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، والله أعلم. • المبحث الرابع: هل على الجنين زكاة فطر؟ قال ابن المنذر (٢): وأجمعوا على أن لا زكاة على الجنين في بطن أمه، وانفرد ابن حنبل فكان يحبه ولا يوجبه. قلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن الإمام أحمد في رواية أن زكاة الفطر تجب على الجنين (٣). قلت: وكذا ذهب ابن حزم إلى الوجوب (٤). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الصغير والكبير … ».

стр. 450

وجه الدلالة منه: أن الجنين يقع عليه اسم صغير. واعترض عليه بأن الجنين غير الصغير، وإذا أُطلق الصغير فإنما يطلق على المولود. أمادليلهم من المأثور: فعن بكر بن عبد الله المزني وقتادة: أن عثمان كان يعطي زكاة الفطر عن الصغير والكبير والحمل (١). والراجح والله أعلم: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا تجب الزكاة على الجنين في بطن أمه، وإن أخرجها على وجه الاستحباب فَحَسَن. قال ابن قدامة (٢): وَمَنْ أَخْرَجَ عَنِ الْجَنِينِ فَحَسَنٌ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ. • المبحث الخامس: هل الدَّين يمنع الزكاة؟ إذا كان دينًا مؤجلًا لم يمنع الزكاة وإذا كان دينًا حالًّا يمنع الزكاة. قال ابن قدامة: وَمَنْ كَانَ في يَدِهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إنَّمَا لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الْفِطْرَةَ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ وُجُوبًا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلم قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا، وَوُجُوبِ تَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مِنْ المالِ فَجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ زَكَاةَ المالِ تَجِبُ بِالملْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في الملْكِ، فَأَثَّرَ فِيهَا، وَهَذِهِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَتَسْقُطُ الْفِطْرَةُ عِنْدَ المطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ

стр. 451

لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ المطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، وَكَوْنُهُ أَسْبَقَ سَبَبًا وَأَقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ غَيْرَ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ لم يُطَالَبْ بِهِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ المطَالَبَةِ إنَّمَا هُوَ في إلْزَامِ الْأَدَاءِ وَتَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ (١). • المبحث السادس: المقدار الواجب في صدقة الفطر: • إخراج صاع من كل الأصناف بالإجماع عدا الحنطة والزبيب، فمختلف فيهما: قال النووي (٢): فأما إن كان غير حنطة وزبيب، وجب صاع بالإجماع. قال ابن رشد (٣): فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يؤدي في زكاة الفطر من التمر والشعير أقل من صاع؛ لثبوت ذلك في حديث ابن عمر. المقدار الواجب في الحنطة والزبيب: اختلف أهل العلم في المقدار الواجب في الحنطة والزبيب على قولين: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ من الحنطة والزبيب أقل من صاع، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد (٤). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المسْلمينَ. وجه الدلالة منه: ما قاله الحافظ ابن حجر (٥): وَكَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لما كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً في مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مَعَ مَا يُخَالِفُهَا في الْقِيمَةِ - دَلَّ عَلَى أَنَّ المرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا المقْدَارِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذِهِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.

стр. 452

وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا بَدَلَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ قِيَمَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ مُتَسَاوِيَةٌ، وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ إِذْ ذَاكَ غَالِيَةَ الثَّمَنِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ في كُلِّ زَمَانٍ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ وَلَا يَنْضَبِطُ. • القول الآخر: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجزئ من البُر نصف صاع (١). واستدلوا لذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العُذْري: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَقَالَ: «أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» (٢). واعترض عليه: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . الدليل الثاني: روى مسلم (٣): عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلم نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلم النَّاسَ عَلَى المنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلم بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أُرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. وجه الدلالة: فعل معاوية ﵁ يدل على أنه يجزئ نصف صاع من البُر. واعترض عليه من أوجه: الأول: قَالَ النَّوَوِيُّ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالمدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ

стр. 453

وَأَعْلم بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ وَتَرْكٍ لِلْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةُ النَّاسِ لَهُ - دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ (١). والثاني: حُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث أَبِي سَعِيد بَعْد هَذَا في قَوْله: (صَاعًا مِنْ طَعَام أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِط أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيب). وَالدَّلَالَة فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ الطَّعَام في عُرْف أَهْل الْحِجَاز اِسْم لِلْحِنْطَةِ خَاصَّة، لَاسِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِبَاقِي المذْكُورَات. وَالثَّاني: أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاء قِيَمُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَأَوْجَبَ في كُلّ نَوْع مِنْهَا صَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المعْتَبَر صَاع وَلَا نَظَرَ إِلَى قِيمَتِهِ، وَوَقَعَ في رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ: «أَوْ صَاعًا مِنْ حِنْطَة» قَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. قلت: هذا هو الراجح، والله أعلم. • المبحث السابع: هل يُشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: قال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مُخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم وليلة (٢). واستدلوا لهذا القول بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ - عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى». وجه الدلالة: «على العبد والحر»، ويشمل الغني والفقير الذي لا يملك نصابًا، وخاصة

стр. 454

أن العبد لا يملك نصابًا. • القول الثاني: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على الغني (١). واستدلوا لذلك بما يلي: روى البخاري ومسلم واللفظ له (٢): عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ - أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ - عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». قال ابن قدامة (٣): استدلوا بقوله ﷺ : «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَالْفَقِيرُ لَا غِنَى لَهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. واعترض عليه بأن هذا الحديث عام، وقد ورد في زكاة الفطر أنها تجب على العبد والحر، والعبد لا يملك نصابًا؛ لأنه هو وماله لسيده، فدل ذلك على أن صدقة الفطر تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة ولو كان فقيرًا، ولأن الحديث الذي ذكرناه خاص بزكاة الفطر، وإذا تعارض الخاص والعام، قُدِّم الخاص على العام، والله أعلم. واستدلوا أيضًا بالقياس على زكاة المال، فقالوا: كما أن زكاة الأموال لا تجب إلا على الغني، فكذا زكاة الفطر. واعترض عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الزكاة متعلقة بالأموال بينما زكاة الفطر متعلقة بالأبدان ولأنها تجب بالفطر من رمضان. قال الشوكاني: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ إذْ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَبْدَانِ، وَالزَّكَاةِ بِالْأَمْوَالِ. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنه لا يشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر، بل يعتبر أن يكون مُخرج زكاة الفطر مالكًا لقوت يوم وليلة؛ لقول ابن عمر: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ.

стр. 455

والعبد لا يملك نصابًا؛ لأنه هو وماله لسيده، فدل ذلك على أن صدقة الفطر تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة ولو كان فقيرًا. قال الشوكاني: الحق أن الزكاة تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ أُطْلِقَتْ وَلم تَخُصَّ غَنِيًّا وَلَا فَقِيرًا، وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ في تَعْيِينِ المقْدَارِ الَّذِي يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجُ الْفِطْرَةِ مَالِكًا لَهُ، لَا سِيَّمَا الْعِلَّةُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا الْفِطْرَةُ مَوْجُودَةٌ في الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَهِيَ التَّطْهِرَةُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَاعْتِبَارُ كَوْنِهِ وَاجِدًا لِقُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ المقْصُودُ مِنْ شَرَعِ الْفِطْرَةِ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ في ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقَالَ: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ». وقد أفتى المجمع الفقهي بأن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك قوت نفسه ومن تلزمه نفقته يوم العيد وليلته فاضلًا عن حوائجه الأصلية (١). • المبحث الثامن: ما مقدار الصاع؟ قال الشوكاني (٢): قال في البحر: الصاع: أربعة أمداد إجماعًا. قال النووي (٣): قال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكَفَّيْ رجل معتدل الكفين. قال الماوردي (٤): فأما مقدار الصاع المؤدى فهو أربعة أمداد بمُد النبي ﷺ . • المبحث التاسع: من أي الأصناف تُخرج زكاة الفطر؟ اختلف أهل العلم في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر على أقوال (٥):

стр. 456

• القول الأول: ذهب مالك (١) والشافعي (٢): أنها تخرج من غالب قوت البلد. قالوا: إن هذه الأصناف المذكورة في الحديث ليست تعبدية وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة. ومما يستدل به لهذا القول: ما رواه البخاري ومسلم (٣) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وجه الدلالة منه: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، تدل على عموم الطعام، وغالب قوت أهل البلد. ونوقش هذا الاستدلال بأن المراد بالطعام الحنطة، قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ المرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وأجيب عنه بما رواه البخاري (٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ.

стр. 457

قال ابن حجر (١): «وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْنُ المنْذِرِ وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» حُجَّةٌ لمنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ المذْكُورَةَ في الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ، وَلَفْظُهُ: «كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ». فدل قوله: «وَكَانَ طَعَامَنَا» أن الزكاة تخرج من غالب قوت أهل البلد. • القول الثاني: قال ابن قدامة (٢): «وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ، أَوْ الزَّبِيبِ، أَوْ الْبُرِّ، أَوْ الشَّعِيرِ، أَوْ الْأَقِطِ فَأَخْرَجَ غَيْرَهُ لم يُجْزِهِ». واستدلوا لهذا القول: بما ورد في الصحيح عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وجه الدلالة منه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلم يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا. • القول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من غير التمر والشعير (٣). واستدل لذلك بأثر ابن عمر: فعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرُّ أفضل من التمر؟ يعني في صدقة الفطر، فقال له ابن عمر: إن أصحابي سلكوا

стр. 458

طريقًا فأنا أحب أن أسلكه (١). واعترض بما قاله العلامة أحمد شاكر (٢): «من تأمل طريق الأحاديث الواردة في زكاة الفطر وفقه معناها، مع اختلاف في ألفاظها عن الصحابة﴾، عَلم أن ابن حزم لا حجة له في الاقتصار على إخراج التمر والشعير، وهذا معاوية بحضرة الصحابة﴾ رأى مُدَّين من سمراء الشام، بدل صاع من شعير أو غيره، ولم ينكر عليه ذلك أحد، أي إخراج القمح موضع الشعير، وإنما أنكر أبو سعيد المقدار، فرأى إخراج صاع من قمح. وابن عمر إنما كان يُخرج من خاصة نفسه ما كان يُخرج على عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينكر على من أخرج غير ذلك، ولو رأى عمل الناس باطلًا وهم الصحابة والتابعون لأنكره أشد إنكار، وقد كان ﵁ يتشدد في أشياء، لا على سبيل التشريع، بل على سبيل الحرص على الاتباع فقط، كما كان ينزل في مواضع نزول رسول الله ﷺ ، ولم ير أحد من المسلمين ذلك واجبًا. والراجح: أن زكاة الفطر تخرج من غالب قوت البلد، وأما الأصناف المذكورة في الحديث فإنها ليست تعبدية، وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة، والله أعلم. سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: هل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟ فأجاب: الواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كانت: تمرًا، أو شعيرًا أو بُرًّا، أو ذرة، أو غير ذلك، نوعًا معينًا، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته (٣). وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله:

стр. 459

ما الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها؟ فأجاب: ورد في الحديث أنها تخرج من خمسة أشياء وهي: ١ - البُر ٢ - والشعير ٣ - والتمر ٤ - والزبيب ٥ - والأقط. لكن ذكر بعض العلماء المحققين أن تخصيص هذه الخمسة، حيث إنها المستعملة في ذلك الوقت، وأجاز إخراجها من غالب قوت البلد كالأرز مثلًا والذرة في البلاد التي تقتاتها ونحو ذلك، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (١). • المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلًا من البر والشعير دقيقًا أو سويقًا، أو بدلًا من التمر دبسًا وغيره من الأشياء؟ • أقوال أهل العلم: أجاز أبو حنيفة ذلك، على أصله؛ جواز القيم في الزكوات. وأجاز مالك الدقيق بدلًا من الحب، مع وفاقه أن القيم في الزكوات لا تجوز. وقال الشافعي: ولا يؤدي إلا الحب نفسه. وجه الشافعية ما قاله الماوردي: «الْحَبّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَامِلُ المنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْبَذْرِ وَالطَّحْنِ وَالْهَرْسِ وَالِادِّخَارِ، وَالدَّقِيقُ مَسْلُوبُ المنَافِعِ إِلَّا الِاقْتِيَاتَ، فَلم يَجُزْ إِخْرَاجُهُ لِنَقْصِ مَنَافِعِهِ». والراجح، والله أعلم: أن الدقيق يجوز إخراجه بدلًا من الحب؛ لأن الفقير غالبًا ما يستعمله في الأكل، والدقيق أسهل، ولأن الفقير ربما يحتاج إلى طحن الغلال، فيكون الدقيق أسهل وأيسر. • المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده، أو غالب قوته في نفسه؟ على وجهين - ذكرهما النووي -: • أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي ها هنا وفي «الأم»، وبه قال أبو سعيد

стр. 460

الإصطخري، وأبو عبيد بن حربويه من أصحابنا: إن الاعتبار بغالب قوته في نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأنه مخاطب بفرض نفسه، فوجب أن يكون اعتباره بقوت نفسه. • القول الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي: إن الاعتبار بغالب قوت بلده؛ لأن رسول الله ﷺ خاطب أهل المدينة جميعًا بغالب أقواتهم. ولأن في اعتبار غالب قوت البلد توسعة ورفقًا، وفي اعتبار كل واحد مشقة وضيق، وما أدى إلى التوسعة والرفق في المواساة أَوْلى. قلت (محمد): وهذا هو الراجح، وأما من استدل بالآية فالآية في كفارة اليمين، وأما الحديث الوارد في زكاة الفطر فهو خاص، والرسول ﷺ حدد فيه أصنافًا على الغني والفقير والصغير والكبير، وهي من غالب قوت أهل البلد، ولكن ينبغي للغني أن يكثر من الصدقات مع زكاة الفطر، ولا يكتفي بها وحدها، والله أعلم. • المبحث الثاني عشر: وهل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؟ (١) اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من النقود (٢). واستدلوا لذلك بالقرآن والسنة والمعقول: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فهذا أمر، والأمر يقتضي
следующие страницы →