← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

• القول الأول: ذهب مالك (١) والشافعي (٢): أنها تخرج من غالب قوت البلد. قالوا: إن هذه الأصناف المذكورة في الحديث ليست تعبدية وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة. ومما يستدل به لهذا القول: ما رواه البخاري ومسلم (٣) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وجه الدلالة منه: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، تدل على عموم الطعام، وغالب قوت أهل البلد. ونوقش هذا الاستدلال بأن المراد بالطعام الحنطة، قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ المرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وأجيب عنه بما رواه البخاري (٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ.

стр. 457

قال ابن حجر (١): «وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْنُ المنْذِرِ وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» حُجَّةٌ لمنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ المذْكُورَةَ في الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ، وَلَفْظُهُ: «كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ». فدل قوله: «وَكَانَ طَعَامَنَا» أن الزكاة تخرج من غالب قوت أهل البلد. • القول الثاني: قال ابن قدامة (٢): «وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ، أَوْ الزَّبِيبِ، أَوْ الْبُرِّ، أَوْ الشَّعِيرِ، أَوْ الْأَقِطِ فَأَخْرَجَ غَيْرَهُ لم يُجْزِهِ». واستدلوا لهذا القول: بما ورد في الصحيح عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. وجه الدلالة منه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلم يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا. • القول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من غير التمر والشعير (٣). واستدل لذلك بأثر ابن عمر: فعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرُّ أفضل من التمر؟ يعني في صدقة الفطر، فقال له ابن عمر: إن أصحابي سلكوا

стр. 458

طريقًا فأنا أحب أن أسلكه (١). واعترض بما قاله العلامة أحمد شاكر (٢): «من تأمل طريق الأحاديث الواردة في زكاة الفطر وفقه معناها، مع اختلاف في ألفاظها عن الصحابة﴾، عَلم أن ابن حزم لا حجة له في الاقتصار على إخراج التمر والشعير، وهذا معاوية بحضرة الصحابة﴾ رأى مُدَّين من سمراء الشام، بدل صاع من شعير أو غيره، ولم ينكر عليه ذلك أحد، أي إخراج القمح موضع الشعير، وإنما أنكر أبو سعيد المقدار، فرأى إخراج صاع من قمح. وابن عمر إنما كان يُخرج من خاصة نفسه ما كان يُخرج على عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينكر على من أخرج غير ذلك، ولو رأى عمل الناس باطلًا وهم الصحابة والتابعون لأنكره أشد إنكار، وقد كان ﵁ يتشدد في أشياء، لا على سبيل التشريع، بل على سبيل الحرص على الاتباع فقط، كما كان ينزل في مواضع نزول رسول الله ﷺ ، ولم ير أحد من المسلمين ذلك واجبًا. والراجح: أن زكاة الفطر تخرج من غالب قوت البلد، وأما الأصناف المذكورة في الحديث فإنها ليست تعبدية، وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة، والله أعلم. سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: هل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟ فأجاب: الواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كانت: تمرًا، أو شعيرًا أو بُرًّا، أو ذرة، أو غير ذلك، نوعًا معينًا، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته (٣). وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله:

стр. 459

ما الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها؟ فأجاب: ورد في الحديث أنها تخرج من خمسة أشياء وهي: ١ - البُر ٢ - والشعير ٣ - والتمر ٤ - والزبيب ٥ - والأقط. لكن ذكر بعض العلماء المحققين أن تخصيص هذه الخمسة، حيث إنها المستعملة في ذلك الوقت، وأجاز إخراجها من غالب قوت البلد كالأرز مثلًا والذرة في البلاد التي تقتاتها ونحو ذلك، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (١). • المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلًا من البر والشعير دقيقًا أو سويقًا، أو بدلًا من التمر دبسًا وغيره من الأشياء؟ • أقوال أهل العلم: أجاز أبو حنيفة ذلك، على أصله؛ جواز القيم في الزكوات. وأجاز مالك الدقيق بدلًا من الحب، مع وفاقه أن القيم في الزكوات لا تجوز. وقال الشافعي: ولا يؤدي إلا الحب نفسه. وجه الشافعية ما قاله الماوردي: «الْحَبّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَامِلُ المنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْبَذْرِ وَالطَّحْنِ وَالْهَرْسِ وَالِادِّخَارِ، وَالدَّقِيقُ مَسْلُوبُ المنَافِعِ إِلَّا الِاقْتِيَاتَ، فَلم يَجُزْ إِخْرَاجُهُ لِنَقْصِ مَنَافِعِهِ». والراجح، والله أعلم: أن الدقيق يجوز إخراجه بدلًا من الحب؛ لأن الفقير غالبًا ما يستعمله في الأكل، والدقيق أسهل، ولأن الفقير ربما يحتاج إلى طحن الغلال، فيكون الدقيق أسهل وأيسر. • المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده، أو غالب قوته في نفسه؟ على وجهين - ذكرهما النووي -: • أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي ها هنا وفي «الأم»، وبه قال أبو سعيد

стр. 460

الإصطخري، وأبو عبيد بن حربويه من أصحابنا: إن الاعتبار بغالب قوته في نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأنه مخاطب بفرض نفسه، فوجب أن يكون اعتباره بقوت نفسه. • القول الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي: إن الاعتبار بغالب قوت بلده؛ لأن رسول الله ﷺ خاطب أهل المدينة جميعًا بغالب أقواتهم. ولأن في اعتبار غالب قوت البلد توسعة ورفقًا، وفي اعتبار كل واحد مشقة وضيق، وما أدى إلى التوسعة والرفق في المواساة أَوْلى. قلت (محمد): وهذا هو الراجح، وأما من استدل بالآية فالآية في كفارة اليمين، وأما الحديث الوارد في زكاة الفطر فهو خاص، والرسول ﷺ حدد فيه أصنافًا على الغني والفقير والصغير والكبير، وهي من غالب قوت أهل البلد، ولكن ينبغي للغني أن يكثر من الصدقات مع زكاة الفطر، ولا يكتفي بها وحدها، والله أعلم. • المبحث الثاني عشر: وهل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؟ (١) اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من النقود (٢). واستدلوا لذلك بالقرآن والسنة والمعقول: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فهذا أمر، والأمر يقتضي

стр. 461

الوجوب، وهذه الزكاة تؤدى كما كان النبي ﷺ يؤديها، والزكاة عبادة كالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وقال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فكذا فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ المفْرُوضَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ». وَهُوَ وَارِدٌ بَيَانًا لمجْمَلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَتَكُونُ الشَّاةُ المذْكُورَةُ هِيَ الزَّكَاةُ المأْمُورُ بِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ الصَّدَقَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، فَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَتَبَهُ في الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: «هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى. وَكَانَ فِيهِ: في خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لم تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا لِتَسْمِيَتِهِ إيَّاهَا. وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ لم تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» وَلَو أَرَادَ المالِيَّةَ أَوْ الْقِيمَةَ لم يَجُزْ; لِأَنَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَا تَخْلُو عَنْ مَالِيَّةِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ المالِيَّةَ لَلَزِمَهُ مَالِيَّةُ بِنْتِ مَخَاضٍ (١). أما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين (٢) من حديث ابن عمر ﴿قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. والدليل الثاني: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ» (٣). وجه الدلالة منه: أنه تجب الزكاة من العين، ولا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها. قال ابن قدامة: وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ المالِ،

стр. 462

وَالْحَاجَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالموَاسَاةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلِأَنَّ مُخْرِجَ الْقِيمَةِ قَدْ عَدَلَ عَنْ المنْصُوصِ، فَلم يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ مَكَانَ الْجَيِّدِ (١). أما دليلهم من القياس: فكما أن الأضحية عبادة في وقت محدد، ولا تجزئ من غير الأنعام الثمانية، ولا يجزئ دفع قيمة الأضحية للفقراء عن الأضحية، وإن كانت حاجات الفقراء تتنوع مع أنه يوم عيد يحتاج الفقير أن يتزين فيه، وغير ذلك من الضروريات، فإذا كان ذلك لا يجزئه عن الأضحية، فكذا صدقة الفطر فَرَضها رسول الله ﷺ من الطعام وهي عبادة، فتقاس على الأضحية. قال النووي (٢): ولا يجوز أخذ القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز ذلك إلى غيره كالأضحية. • القول الآخر: القائلون بجواز دفع القيمة (المال) في زكاة الفطر: قال الثوري وأبو حنيفة: يجوز. وقد رُوى عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقد رُوي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة (٣). بعض الآثار التي تؤيد هذا القول: عَنْ قُرَّةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ: نِصْفُ صَاعٍ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، أَوْ قِيمَتُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ (٤).

стр. 463

عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ، في صَدَقَةِ رَمَضَانَ - الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ (١). أثر الحسن البصري: قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطَى الدَّرَاهِمُ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ (٢). واستدلوا لهذا القول بالسنة: الدليل الأول: عن ابن عمر ﴿قال: فَرَض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ» (٣). وجه الدلالة منه: (أَغْنُوهُمْ) والغنى يحصل بالمال كما يحصل بالأعيان. قال السرخسي (٤): «فَإِنْ أَعْطَى قِيمَةَ الْحِنْطَةِ جَازَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ المعْتَبَرَ حُصُولُ الْغِنَى وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحِنْطَةِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رحمه الله تَعَالَى يَقُولُ:

стр. 464

أَدَاءُ الْقِيمَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَنْفَعَةِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ لِلْحَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ كَانَ لِأَنَّ الْبِيَاعَاتِ في ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالمدِينَةِ يَكُونُ بِهَا فَأَمَّا في دِيَارِنَا الْبِيَاعَاتُ تُجْرَى بِالنُّقُودِ، وَهِيَ أَعَزُّ الْأَمْوَالِ، فَالْأَدَاءُ مِنْهَا أَفْضَلُ». قال ابن الهمام (١): لِلْإِنْسَانِ حَاجَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إبْطَالَ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بَلْ إبْطَالَ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الشَّاةِ يَنْفِي غَيْرَهَا مِمَّا هُوَ قَدْرُهَا في المالِيَّةِ. واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . الثاني: أن النبي ﷺ حدد أصنافًا معينة ولو كانت تجزئ القيمة لقال: أو قيمته. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فدل ذلك على أن المراد الطعام وليس المال. الدليل الثاني: عن الصُّنَابِحِيِّ الأحمسي قال: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً مُسِنَّةً فَغَضِبَ وَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ مِنْ حَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ - فَسَكَتَ -. (٢). وفي هذا الحديث دلالة على جواز أخذ القيمة، فإن استبدال الناقة بالبعيرين هذا إنما يكون باعتبار القيمة. واعترض عليه بأن الحديث لا يصح عن النبي ﷺ . ثم لو صح الحديث فليس فيه دلالة لهم.

стр. 465

قال الشنقيطي (١): «أما الناقة الحسنة التي رآها ﷺ ، وأنها بدل من بعيرين، فهو من جنس الاستبدال بالجنس عملًا للمصلحة وهي لم تخرج عن جنس الواجب». الدليل الثالث: روى البخاري (٢) عن أنس بن مالك ﵁ أن أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ المصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». قال ابن حجر (٣): «وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَبُول مَا هُوَ أَنْفَسُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى المتَصَدِّقِ وَإِعْطَاؤُهُ التَّفَاوُتَ مِنْ جِنْسٍ غَيْر الْجِنْسِ الْوَاجِبِ، وَكَذَا الْعَكْس. لَكِنْ أَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في الْقِيمَةِ، فَكَانَ الْعَرْضُ يَزِيدُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ في الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، فَلما قَدَّرَ الشَّارِعُ التَّفَاوُت بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ في الْأَصْلِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْت المخَاض مَثَلًا، وَلم يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُون مَعَ التَّفَاوُتِ. وَاللَّهُ أَعْلم». قال الشنقيطي: أما التعويض بين الجذعة والمسنة بشاتين أو عشرين درهمًا، فليس في هذا دليل على قبول القيمة في زكاة الفطر؛ لأن نص الحديث فيمن وجبت عليه سن معينة وليست عنده، أو عنده أعلى أو أنزل منها، فللعدالة بين المالك والمسكين جعل

стр. 466

الفرق لعدم الحيف، ولم يخرج عن الأصل، وليس فيه أخذ القيمة مستقلة. بل فيه أخذ الموجود ثم جبر الناقص، فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها ﷺ ، ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب، والأصناف المطلوبة في زكاة الفطر إذا عُدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسه لا إلى القيمة، وهذا واضح (١). وقال ابن حجر ﵀ في «الفتح»: لو كانت القيمة مقصودة لاختلفت حسب الزمان والمكان، ولكنه تقدير شرعي. الدليل الرابع: عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ جَبَلٍ - بِالْيَمَنِ: ائْتُونِى بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ (٢) آخُذْهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلمهَاجِرِينَ بِالمدِينَةِ (٣). الدليل الخامس: قال الإمام البخاري (٤): وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». فَلم يَسْتَثْنِ صَدَقَة الْفَرْض مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المرْأَة تُلْقِي خُرْصَهَا (٥) وَسِخَابَهَا (٦) وَلم يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْعُرُوضِ. وجه الدلالة منه: قول النبي ﷺ : «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فنص على الحُلي، فجعلت المرأة تلقي خرصها هذا من الحلي «وسخابها» هذه قلادة ليست من الحلي، وبالرغم من ذلك أجزأت. وكأنه يشير إلى جواز القيمة، وهذا مُصَيَّرٌ من البخاري على قول النبي ﷺ : «تصدقن»

стр. 467

على الوجوب. قال ابن حجر (١) ردًّا على هذا الكلام: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْإِيجَابِ هُنَا لَكَانَ مُقَدَّرًا، وَكَانَتْ المجَازَفَة فِيهِ وَقَبُول مَا تَيَسَّرَ غَيْر جَائِز. الدليل السادس: روى مسلم (٢): عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، - فَلم نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلم النَّاسَ عَلَى المنْبَرِ فَكَانَ فِيمَا كَلم بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أُرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. وجه الدلالة: أن معاوية عَدَل بمُدين من الحنظة بصاع من التمر. واعترض عليه بما قاله النووي: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالمدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلم بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ وَتَرْكٍ لِلْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةُ النَّاسِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ (٣). الراجح في المسألة - والله أعلم - قول الجمهور: قال ابن قدامة (٤): وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ لم تُجْزِئْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ:

стр. 468

أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي في صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ لِي أَحْمَدُ: لَا يُعْطِي قِيمَتَهُ، قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ. قَالَ: يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُونَ قَالَ فُلَانٌ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وَقَالَ قَوْمٌ يَرُدُّونَ السُّنَنَ: قَالَ فُلَانٌ، قَالَ فُلَانٌ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ في شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ. قال ابن حزم (١): مَسْأَلَةٌ: وَلا يُجْزِئُ إخْرَاجُ بَعْضِ الصَّاعِ شَعِيرًا وَبَعْضِهِ تَمْرًا، وَلا تُجْزِئُ قِيمَةٌ أَصْلًا؛ لأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْقِيمَةُ في حُقُوقِ النَّاسِ لا تَجُوزُ إلا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلزَّكَاةِ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ رِضَاهُ، أَوْ إبْرَاؤُهُ. قال الشنقيطي (٢): القول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين: الجهة الأولى: أن النبي ﷺ لما ذكر تلك الأصناف لم يذكر معها القيمة، ولو كانت جائزة لذكرها مع ما ذكر، كما ذكر العوض في زكاة الإبل، وهو ﷺ أشفق وأرحم بالمسكين من كل إنسان. الجهة الثانية: وهي القاعدة العامة، أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل. وكذلك لو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكان الفرع الذي هو القيمة سيعود على الأصل الذي هو الطعام بالإبطال، فيبطل. ومثل ما يقوله بعض الناس اليوم في الهدي بمنى، مثلًا بمثل، عملًا بأن الأحناف لا يجيزون القيمة في الهدي؛ لأن الهدي فيه جانب تعبد، وهو النسك. ويمكن أن يقال لهم أيضًا: إن زكاة الفطر فيها جانب تعبد، طهرة للصائم، وطعمة للمساكين، كما أن عملية شرائها ومكيلتها وتقديمها فيه إشعار بهذه العبادة. أما تقديمها نقدًا فلا يكون فيها فرق عن أي صدقة من الصدقات من حيث الإحساس

стр. 469

بالواجب والشعور بالإطعام. سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يجوز إخراج زكاة الفطر ريالات؟ فأجاب: لا يجوز إخراجها نقودًا عند جمهور أهل العلم، وإنما الواجب إخراجها من الطعام كما أخرجها النبي ﷺ وأصحابه﴾. وَالْأَظْهَرُ في هَذَا أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلم يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ المالِكُ إلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ في التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الموَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ في قَدْرِ المالِ وَجِنْسِهِ. وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا؟ مع تفصيل الأدلة. فأجاب: زكاة الفطر لا تجوز إلا من الطعام، ولا يجوز إخراجها من القيمة؛ لأن النبي ﷺ فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. وقال أبو سعيد: كنا نخرجها على عهد النبي ﷺ صاعًا من طعام. فلا يحل لأحد أن يُخرج زكاة الفطر من الدراهم أو الملابس أو الفرش، بل الواجب إخراجها بما فرض الله على لسان محمد ﷺ . ولا عبرة باستحسان من استحسن ذلك من الناس؛ لأن الشرع ليس تابعًا للآراء، بل هو من لدن حكيم خبير، الله أعلم وأحكم. وإذا كانت مفروضة بلسان محمد ﷺ صاعًا من طعام، فلا يجوز أن تتعدى ذلك، مهما استحسناه بعقولنا، بل الواجب على الإنسان إذا استحسن شيئًا مخالفًا للشرع أن يتهم عقله ورأيه (١). • المبحث الثالث عشر: متى تجب زكاة الفطر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٢): • القول الأول: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد: وبه قال أبو حنيفة ورواية عن مالك والليث والشافعي في القديم وابن حزم.

стр. 470

• القول الآخر: وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من رمضان. وبه قال أحمد والثوري وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك. فائدة هذا الاختلاف: قال ابن رشد: وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ في الموْلُودِ يُولَدُ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَبَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا تَجِبُ؟ (١) قلت: وإذا مات رجل قبل فجر يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجب أم لا تجب؟ الاختلاف في هذه المسألة مبني على المسألة التي سبقتها. السبب في الاختلاف: قال ابن رشد: وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَوْمِ الْعِيدِ، أَوْ بِخُرُوجِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان. القول الأول: قال أبو حنيفة: وَقْتُهَا انْشِقَاقُ الْفَجْرِ من يَوْمِ الْفِطْرِ فَمَنْ مَاتَ قبل ذلك أو وُلِدَ بَعْدَ ذلك أو أَسْلم بَعْدَ ذلك، فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عليه (٢). قال ابن رشد: قال مالك في رواية ابن القاسم عنه: تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمِ رَمَضَانَ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣). قال الشوكاني: قيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد. وبه قال أبو حنيفة والليث والشافعي في القديم (٤). قال ابن حزم: وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي من يَوْمِ الْفِطْرِ.

стр. 471

دليل هذا القول: روى البخاري ومسلم (١): عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بزكاة الفطر أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. وجه الدلالة: قال ابن حزم (٢): فَهَذَا وَقْتُ أَدَائِهَا بِالنَّصِّ وَخُرُوجُهُمْ إلَيْهَا إنَّمَا هو لإدراكها. القول الثاني: قال الشوكاني (٣): وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر، وهو قول الثوري وإسحاق وأحمد والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك. قال ابن حزم: أَمَّا مَنْ رَأَى وَقْتَهَا غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ جُمْلَةً. والأحوط والله أعلم: أنه لو وُلد مولود في أول ليلة من شوال وقبل الفجر، أو مات رجل قبل يوم العيد وبعد مغيب الشمس، فإنه يخرج عنه زكاة. • المبحث الرابع عشر: هل يجوز تقديم زكاة الفطر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ; لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَأَشْبَهَتْ زَكَاةَ المالِ (٤). • القول الثاني: قال مالك والناصر والحسن بن زياد: لا يجوز مطلقًا، كالصلاة قبل الوقت. وبه قال ابن حزم: لا يجوز تقديمها قبل فجر يوم العيد (٥). واعترض عليه بأنه ورد عن ابن عمر أنه كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ (٦).

стр. 472

قال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر فيه. فإن وُجد أحد السببين جاز تعجيلها. واعترض عليه بأن صدقة الفطر من رمضان، وليس بدخول رمضان. قال الشوكاني: قال أحمد بن حنبل: لا تُقدم على وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين. قال ابن قدامة: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِهِ، فَيُقْسَمُ - قَالَ يَزِيدُ: أَظُنُّ هَذَا يَوْمَ الْفِطْرِ - وَيَقُولُ: «أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّوَافِ في هَذَا الْيَوْمِ» (١). وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمَتَى قَدَّمَهَا بِالزَّمَانِ الْكَثِيرِ لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْفِطْرُ؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ، وَزَكَاةُ المالِ سَبَبُهَا مِلْكُ النِّصَابِ، وَالمقْصُودُ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ بِهَا في الْحَوْلِ كُلِّهِ، فَجَازَ إخْرَاجُهَا في جَمِيعِهِ، وَهَذِهِ المقْصُودُ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فَلم يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ. فَأَمَّا تَقْدِيمُهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَائِزٌ؛ لما رَوَى الْبُخَارِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ». وَقَالَ في آخِرِهِ: «وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُخِلُّ بِالمقْصُودِ مِنْهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَبْقَى أَوْ بَعْضَهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ، فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَجَازَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، كَزَكَاةِ المالِ، وَاللَّهُ أَعْلم. سئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله: متى تخرج زكاة الفطر؟ فأجاب: الأفضل أن تخرج قبل الخروج لصلاة العيد، ويجوز تقديمها قبل ذلك بيوم أو يومين، ولا يجوز بأكثر من ذلك. وذلك لأنه لو أعطاها الفقير قبل العيد بأيام، لأمكن أن ينفقها، فيأتيه العيد وليس عنده شيء، فيحتاج إلى التسول وإلى الاستجداء، فأُمر المسلم أن يخرجها قبل الخروج لصلاة العيد أو قبل العيد بيوم أو يومين.

стр. 473

• المبحث الخامس عشر: وهل يجوز تأخير صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟ ذهب الجمهور إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر (١). وقال ابن حزم: وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي من يَوْمِ الْفِطْرِ مُمْتَد إلَى أَنْ تَبْيَضَّ الشَّمْسُ وَتَحِلَّ الصَّلَاةُ من ذلك الْيَوْمِ. • القول الأول: قال ابن قدامة (٢): المسْتَحَبُّ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الصَّلَاةِ تَرَكَ الْأَفْضَلَ؛ لما ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ المقْصُودَ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ في هَذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى أَخَّرَهَا لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ في جَمِيعِهِ، لَا سِيَّمَا في وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَمَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَخْرَجَهَا في بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لم يَكُنْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِحُصُولِ الْغَنَاء بِهَا في الْيَوْمِ. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نُخْرِجَ … وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَكَانَ يُؤْمَرُ أَنْ يُخْرِجَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِذَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ: أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّلَبِ في هَذَا الْيَوْمِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالمعْنَى مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة. حجة الجمهور: روى البخاري ومسلم (٣): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ.

стр. 474

وجه الدلالة منه: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر. واليوم يطلق على جميع اليوم. • القول الآخر: إن وقتها طلوع الفجر من يوم العيد إلى الصلاة. قَالَ ابن حزم: فَهَذَا وَقْتُ أَدَائِهَا بِالنَّصِّ، وَخُرُوجُهُمْ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ لإِدْرَاكِهَا، وَوَقْتُ صَلاةِ الْفِطْرِ هُوَ جَوَازُ الصَّلاةِ بِابْيِضَاضِ الشَّمْسِ، يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَمَّ الْخُرُوجُ إلَى صَلاةِ الْفِطْرِ بِدُخُولِهِمْ في الصَّلاةِ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا. فَمَنْ لم يُؤَدِّهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَدْ وَجَبَتْ في ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ لمنْ هِيَ لَهُ، فَهِيَ دَيْنٌ لَهُمْ، وَحَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَقَدْ وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالٍ وَحَرُمَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا في مَالِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا أَبَدًا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّهُمْ، وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى في تَضْيِيعِهِ الْوَقْتَ، لا يَقْدِرُ عَلَى جَبْرِهِ إلا بِالاسْتِغْفَارِ وَالنَّدَامَةِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ (١). أدلة الظاهرية: الدليل الأول: ففي الصحيحين (٢) عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. الدليل الثاني: عن ابن عباس ﴿قال: فَرَضَ رسول الله ﷺ زكاة الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ (٣).

стр. 475

قال زين الدين أبو الفضل (١) في قوله: «وأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»: إن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى الصلاة، وقد صرح بذلك الفقهاء من المذاهب الأربعة، وزاد الحنابلة على ذلك فجعلوا تأخيرها عن الصلاة مكروهًا، وذلك أعلى درجات الاستحباب، هذا هو المشهور عندهم، وقال القاضي منهم: ليس ذلك بمكروه. وزاد ابن حزم الظاهرى على ذلك فقال بالوجوب، وأنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة، وعبارته: ووقت زكاة الفطر أثر طلوع الفجر الثاني ممتد إلى أن تبيض الشمس وتحل الصلاة من ذلك اليوم. ثم استدل بهذا الحديث. ولا حجة له فيه؛ لأنه صيغة أمر محتملة للاستحباب، كاحتمالها للإيجاب، وليست ظاهرة في إحداهما للإيجاب، بخلاف صيغة فإنها ظاهرة في الوجوب، فلما ورد هذا الحديث بصيغة الأمر اقتصرنا على الاستحباب؛ لأنه الأمر المتيقن، والزيادة على ذلك مشكوك فيها. • المبحث السادس عشر: هل يجوز تأخير زكاة الفطر بعد يوم العيد؟ لا يجوز ذلك. قال الشوكاني: وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: إنَّهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ في تَأْخِيرِهَا إثْمٌ، كَمَا في إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. قال ابن قدامة: إِنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ.

стр. 476

• المبحث السابع عشر: مصارف صدقة الفطر، وفيه مسائل: • المسألة الأولى: هل تُصرف صدقة الفطر على الفقراء فقط؟ • أولًا: تُصرف صدقة الفطر لفقراء المسلمين بالإجماع. قال ابن رشد (١): وَأَمَّا لمنْ تُصْرَفُ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ تُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ المسْلمينَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَغْنَوْهُمْ عَنِ السُّؤَالِ في هَذَا الْيَوْمِ». • ثانيًا: هل تجوز زكاة الفطر لفقراء أهل الذمة؟ قال ابن رشد: وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَجُوزُ لِفُقَرَاءِ الذِّمَّةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لَهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ لَهُمْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ سَبَبُ جَوَازِهَا هُوَ الْفَقْرُ فَقَطْ، أَوِ الْفَقْرُ وَالْإِسْلَامُ مَعًا؟ فَمَنْ قَالَ الْفَقْرُ وَالْإِسْلَامُ لم يُجِزْهَا لِلذِّمِّيِّينَ، وَمَنْ قَالَ الْفَقْرُ فَقَطْ أَجَازَهَا لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ في أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا رُهْبَانًا. وَأَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ تَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتَرُدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ». قال ابن قدامة (٢): وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ. وَلَنَا أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلم يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ المسْلمينَ، كَزَكَاةِ المالِ، وَلَا خِلَافَ في أَنَّ زَكَاةَ المالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ المسْلمينَ. قَالَ ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى أَنْ لَا يُجْزِئَ أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ المالِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّة. • المسألة الثانية: هل تفرق صدقة الفطر على الأصناف الثمانية أم على الفقراء فقط؟ اختلف أهل العلم في الأصناف الذين تُفرق عليهم زكاة الفطر على قولين: •القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن زكاة الفطر تُقسم على الأصناف الثمانية

стр. 477

كزكاة المال، وإليه ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٦٠﴾ [التوبة: ٦٠] ولأن صدقة الفطر زكاة فتدخل في عموم الآية، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات (٤). قال الماوردي: وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ فَجَعَلَ مَا انْطَلَقَ اسْمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ مُسْتَحِقًّا لمنِ اشْتَمَلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهَا صِنْفٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ كَزَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ. •القول الثاني: ذهب مالك (٥) وابن تيمية (٦) وابن القيم (٧) إلى أن صدقة الفطر تُصرف للمساكين فقط، ولا تقسم على الأصناف الثمانية. واستدلوا لذلك بالسنة والقياس: أما دليلهم من السنة: فعن ابن عباس ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ». فدل هذا الحديث على أن زكاة الفطر طعمة للمساكين، فيقتصر على ما ورد في الحديث ولا يتعدى ذلك للأصناف الثمانية. واعترض عليه بأن هذا الحديث ليس لبيان مصرف الزكاة، ولكنه إشارة إلى الحكمة من مشروعية الزكاة كما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس قال النبي ﷺ لمعاذ:

стр. 478

«صدقة تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» مع أن هذه الصدقات تُصرف للأصناف الثمانية. أما دليلهم من القياس: فقاسوا زكاة الفطر على كفارة اليمين وغيرها من الكفارات، فكما أن كفارة اليمين لا تصرف إلا للمساكين ولا يطعم منها غيرهم، فكذا زكاة الفطر، ولأنها زكاة على الأبدان. قال ابن تيمية (١): فَإِنَّ المقْصُودَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي، وَهُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَإِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ أَوْ صَدَقَةِ الْأَبْدَانِ كَالْكَفَّارَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، أَوْجَبَ الِاسْتِيعَابَ فِيهَا، وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَنْبَنِي مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَمَنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلماءِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ دَفْعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى وَاحِدٍ، كَمَا عَلَيْهِ المسْلمونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجْرِي مَجْرَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ في رَمَضَانَ وَمَجْرَى كَفَّارَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّ سَبَبَهَا هُوَ الْبَدَنُ لَيْسَ هُوَ المالَ كَمَا في السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ. مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ عَنْ المسْأَلَةِ». وَلِهَذَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ طَعَامًا كَمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ طَعَامًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُهَا إلَّا لمنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ وَهُمْ الْآخِذُونَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يُعْطِي مِنْهَا في المؤَلَّفَةِ وَلَا الرِّقَابِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى في الدَّلِيلِ. قال ابن القيم (٢): وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَخْصِيصُ المسَاكِينِ بِهَذِهِ الصّدَقَةِ، وَلم يَكُنْ يَقْسِمُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثّمَانِيَةِ قَبْضَةً قَبْضَةً، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ بَلْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا: إنّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلّا عَلَى المسَاكِينِ خاصة،

стр. 479

وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. • المسألة الثالثة: هل يجوز إعطاء الأقارب من صدقة الفطر؟ قال المزني: قال الشافعي: وأَحب إلى ذوي رحمه الأقارب إذا كان لا تلزمه نفقتهم. قَالَ الماوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَقَارِبُ وَذُوُوا الْأَرْحَامِ هل تدفع إليهم زكاة الفطر؟ على وجهين: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ نَفَقَاتُهُمْ وَاجِبَةً كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ إِذَا كَانُوا فَقُرَاءَ زَمْنَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْهُمْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ نَفَقَاتُهُمْ وَاجِبَةً، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، فَالْأَوْلَى إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِهَا، صِلَةً لِرَحِمِهِ وَبِرًّا لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٢] فَجَمَعَ بَيْنَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْإِفْسَادِ في الْأَرْضِ ثُمَّ عَقَّبَهَا بِاللَّعْنَةِ إِبَانَةً لِعِظَمِ الْإِثْمِ (١). • فتاوى وتوصيات المجمع الفقهي بشأن زكاة الفطر: ١ - زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك قوت نفسه ومن تلزمه نفقته يوم العيد وليلته فاضلًا عن حوائجه الأصلية، ويلزمه إخراج صدقة زوجته وأولاده الصغار الذين لا مال لهم، ولا يلزمه صدقة الفطر عن أولاده الذين لا تجب نفقتهم عليه أو خدمه أو من تبرع بمؤنته أو كفله يتيمًا أو فقيرًا أو غير ذلك. ٢ - الواجب في صدقة الفطر صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو صاع من بُر القمح. ٣ - الأصل إخراج زكاة الفطر من الأجناس المنصوص عليها في الحديث، كما يجوز إخراجها من غالب قوت أهل البلد مثل الأرز واللحم والحليب. ٤ - الأصل إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد، ويجب قضاؤها، كما يجوز عند الحاجة إخراجها من أول شهر رمضان. ٥ - يجوز التوكيل في إخراج صدقة الفطر.

стр. 480

٦ - يجوز للمؤسسات الزكوية تحويل زكاة الفطر من عين إلى نقد وعكسه بما تقتضيه الحاجة أو المصلحة. ٧ - يجوز نقل زكاة الفطر إلى خارج البلد الذي وجبت فيه على المزكي إلى من هو أقرب أو أحوج. كما يجوز نقل زكاة الفطر عند عدم وجود محتاجين في البلد الذي وجبت فيه الزكاة. ٨ - لابد من النية لإخراج صدقة الفطر، ويقوم مقام النية الإذن الثابت ولو عادة. ٩ - إذا اقتضت المصلحة أو الحاجة يجوز للمؤسسات الزكوية تأخير صرف ما اجتمع لديها من زكاة الفطر إلى ما بعد يوم العيد. ١٠ - الأَوْلى صرف زكاة الفطر للفقراء والمساكين، ويجوز صرفها في مصارف الزكاة العامة (١). * * *

стр. 481

الباب السادس فقه العيدين وقد قسمت هذا الباب إلى تمهيد و فصول التمهيد: وفيه: تعريف، ومشروعية، وحكم صلاة العيدين • الفصل الأول: شروط صلاة العيدين • الفصل الثاني: بين يدي صلاة العيد • الفصل الثالث: صفة صلاة العيدين • الفصل الرابع: أحكام مهمة تتعلق بصلاة العيدين • الفصل الخامس: مستحبات العيدين • الفصل السادس: خطبة العيدين وما يتعلق بها من أحكام • الفصل السابع: التكبير وما يتعلق به من أحكام • الفصل الثامن: ما يباح في العيدين • الفصل التاسع: ما يُكره ويحرم في العيدين

стр. 482

التمهيد وفيه مباحث • المبحث الأول: تعريف العيدين • المبحث الثاني: مشروعية صلاة العيدين • المبحث الثالث: حكم صلاة العيدين • المبحث الرابع: هل يجب قتال بلد تركت صلاة العيدين؟

стр. 483

? فقه العيدين (١) • المبحث الأول: تعريف العيدين: سمي العيد عيدًا لأنه يعود كل سنة بفرح جديد (٢). وقيل: سمي العيد عيدًا لأنه يعود كل عام (٣). قال النووي ﵀: وَسُمِّيَ عِيدًا لِعَوْدِهِ وَتَكَرُّره، وَقِيلَ: لِعَوْدِ السُّرُور فِيهِ، وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا بِعَوْدِهِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ (٤). والمراد بالعيدين: عِيدُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ أَوَّلُ يوم مِنْ شَوَّالٍ، وَيوم الأَضْحَى وَهُوَ اليوم الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لَيْسَ لِلمسْلمينَ عِيدٌ غَيْرُهُمَا إلاَّ يوم الْجُمُعَةِ. وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يوم الأَضْحَى; لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يَجْعَلْ لَهُمْ عِيدًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَلَا رَسُولُهُ ﷺ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلَامِ في ذَلِكَ (٥).

стр. 484

• المبحث الثاني: مشروعية صلاة العيدين: قال ابن قدامة (١): الْأَصْلُ في صَلَاةِ الْعِيدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، المشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أَنَّ المرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ … وَأَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (٢). • المبحث الثالث: حكم صلاة العيدين: قال النووي (٣): وأجمع المسلمون على أن صلاة العيدين مشروعة، وعلى أنها ليست فرض عين. وقال ابن حزم (٤): واتفقوا على أن صلاة العيدين وكسوف الشمس وقيام ليالي رمضان ليست فرضًا. وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء (٥) إلى أن صلاة العيدين سنة مؤكدة، وبه قال مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (٦).

стр. 485

واستدلوا لذلك بالسنة: ففِي «الصحيحين» (١) من حديث طلحة يقول: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ». قال ابن المنذر: دل خبر طلحة … على أن صلاة العيد تطوع غير مفروض (٢). قال الشوكاني (٣): واستدل القائلون بأنها سُنة بحديث «هل علي غيرها؟» قال: «لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» قلت: وحديث الأعرابي هو الصارف عند الجمهور من الوجوب إلى السنية. قال ابن قدامة (٤): وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقْتَضِي نَفِي وُجُوبِ صَلَاةٍ سِوَى الْخَمْسِ. والأدلة على ذلك كثيرة ومتوافرة تدل على أن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس لا غير. • القول الثاني: أن صلاة العيد فرض عين، وهذا قول أحمد في رواية (٥) وابن حبيب المالكي (٦). واستدلوا لهذا القول بعموم القرآن والسنة. أما دليلهم من القرآن: فعموم قول الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قالوا: فصلِّ لربك: أي: صلاة العيد، وانحر: أي: اذبح، فصلِّ لربك، هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب (٧). قال الكاساني (٨): قيل في التفسير: صَلِّ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَانْحَر الْجَزُورَ، وَمُطْلَق الْأَمْر لِلْوُجُوبِ.

стр. 486

واعْتُرِض عليه: بأنه قد اختلف أهل التفسير في ذلك: فمنهم من قال: ﴿فصل لربك﴾ أي: صلاة الصبح، ومنهم من قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اجعل الصلاة لله، والنحر لله، ولا تشرك به أحدًا، ومنهم من قال: المراد ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ الصلاة هنا بمعنى الدعاء، وليس تأويل هذه الآية بأحد التأويلات أَوْلى من غيره. ثم لو سلمنا أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ أي: صلاة العيد، والأمر للوجوب، لكان له صارف، وهو قول الأعرابي للنبي ﷺ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». فدل ذلك على أن صلاة العيد تطوع وليست فريضة. قال الباجي (١): وَهَذَا نَصٌّ في أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنَ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا وَتْرٌ وَلَا غَيْرُهُ. واستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وهذا أمر بالتكبير في العيدين، أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب، وهي صلاة العيدين (٢). واعْتُرِض عليه: بأن هذا التأويل على خلاف ما عليه جمهور المفسرين. قال القرطبي (٣): ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل. قال ابن الهمام (٤): الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأنه ظَاهِرٌ في التَّكْبِيرِ لَا صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى التَّعْظِيمِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى خُصُوصِ لَفْظِهِ كَانَ التَّكْبِيرُ الْكَائِنُ في صَلَاةِ الْعِيدِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ إيجَابِ شَيْءٍ في مَسْنُونٍ، بِمَعْنَى مَنْ فَعَلَ سُنَّةَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ. واستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي: صلاة العيد.

стр. 487

واعْتُرِض عليه بأن أهل التفسير اختلفوا في تأويل هذه الآية: قال الطبري: قوله: ﴿فَصَلَّى﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِى بِهِ: فَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخُمْسَ. وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِي بِهِ: صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَدَعَا؛ وَقَالُوا: الصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ. ثم قال: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَلَّى﴾: الصَّلَوَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهَ فِيهَا بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالدُّعَاءِ. وليس تأويل هذه الآية بأحد التأويلات أَوْلى من غيره، فسقط الاستدلال بها. أما دليلهم من السنة: فقد روى البخاري (١) عن أُمِّ عَطِيَّةَ قالت: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، قال ابْنُ عَوْنٍ: أَوْ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ، وجه الدلالة: «أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ» والأمر يقتضي الوجوب. قال الحافظ (٢): وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ من جُمْلَة من أَمْرِ بِذَلِكَ من ليس بِمُكَلَّف فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إظْهَارَ شِعَارِ الإِسْلَامْ بِالمبَالغَة في الِاجْتِمَاعِ ولِتَعُمَّ الجَمِيعَ البَرَكَةُ والله أَعَلم. الدليل الثاني: عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أصحاب النبي ﷺ أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النبي ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ (٣).

стр. 488

فأمرهم النبي ﷺ أن يغدوا لمصلاهم لصلاة العيد في اليوم الثاني للعيد، فدل ذلك أن صلاة العيد فرض. ولكن اعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بأن النبي ﷺ واظب على صلاة العيدين حتى مات، وهذا يدل على وجوبها. واعْتُرِض عليه: بأن المواظبة على الشيء لا تدل على وجوبه، ولذا فالمواظبة على صلاة الوتر لا توجبه، وكذا حديث الأعرابي «هل عليَّ غيرها؟» دل على الاستحباب. واستدلوا بأن العيد إذا جاء يوم الجمعة، تسقط الجمعة، وإذا كانت الجمعة واجبة ولا يسقط الواجب إلا الواجب. واعْتُرِض عليه: بأن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فإن أبا حنيفة لا يسقط الجمعة إذا جاء العيد في يومها، ثم لو صح ذلك؛ فإن العيد لا يُسقط الجمعة ولكنه ينقلها إلى بدل وهو الظهر. • القول الثالث: أن صلاة العيدين واجبة عند الحنفية (١) على التفريق الذي عندهم بين الفرض والواجب (٢). • القول الرابع: أن صلاة العيدين فرض كفاية: أي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وهو قول أحمد في ظاهر المذهب. قال ابن قدامة (٣): وَصَلَاةُ الْعِيدِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، في ظَاهِرِ المذْهَبِ، إذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ .... واستدلوا بالقياس، أي قياس صلاة العيدين على صلاة الجنازة، والجهاد. قال ابن قدامة (٤): فَلم تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ.

стр. 489

قال الشوكاني (١): استدل القائلون بأنه فرض كفاية بالقياس على صلاة الجنازة بجامع التكبير. قال الماوردي (٢): فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لأنها مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ حَتَّى يُقِيمَهَا مَنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِإِقَامَتِهِ. والراجح، والله أعلم: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أن صلاة العيدين سنة مؤكدة. قال ابن المنذر: في خَبَر طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَقال رسول اللهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهُ غَيْرُ آثَمٍ. • المبحث الرابع: هل يجب قتال بلد تركت صلاة العيدين؟ أولًا: من قالوا بأن صلاة العيدين فرض، قالوا: يقاتَلون. ثانيًا: قال العظيم آبادي (٣): فَإِنْ قُلْنَا: فَرْضُ كِفَايَة، فَامْتَنَعَ أَهْلُ مَوْضِعِ مِنْ إقَامَتُهَا قُوتِلُوا عليها كَسَائِرِ فُرُوض الْكِفَايَةِ. ثالثًا: من قال: إنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّة مُؤَكَّدَة، هل يُقَاتِلَ أَهْلُ بَلَد عَلَى تَرَكَهَا؟ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ: القول الأول: لا يقاتلون؛ لأنه تطوع، فلا يقاتلون على تركها كسائر التطوع، ولأن القتل عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب فلا إثم ولا قتال على تركها. القول الآخر: يقاتلون؛ لأنها من شعائر الإسلام، وفِي تركها تهاون بالشرع، بخلاف سائر التطوع؛ لأنها تُفعل فرادى فلا يظهر تركها كما يظهر في صلاة العيد (٤)، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

стр. 490

الفصل الأول شروط صلاة العيدين وفيه مباحث • المبحث الأول: هل إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين؟ • المبحث الثاني: هل يُشترط المصر الجامع في صلاة العيدين؟ • المبحث الثالث: هل يُشترط الاستيطان لصلاة العيدين أم تُفعل في السفر؟ • المبحث الرابع: هل يُشترط لصلاة العيدين أن تكون جماعة أم تصح من المنفرد؟ • المبحث الخامس: هل يُشترط لصلاة العيدين الحرية والذكورة والبلوغ؟

стр. 491

الفصل الأول شروط صلاة العيدين • المبحث الأول: هل إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: ذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، ورواية عن الحنابلة (١) إلى أن إذن الإمام ليس شرطًا في صحة صلاة العيدين. واستدلوا لذلك بالمأثور والقياس: أما دليلهم من المأثور: فعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «صَلَّيْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَعُثْمَانُ ﵁ مَحْصُورٌ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ» (٢). وجه الدلالة: ما قاله الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؛ لما رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ كَانَ مَحْصُورًا بِالمدِينَةِ وصَلَّى عَلِيٌّ ﵁ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَلم يُرْوَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَمْرِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ الْأَمَرُ بِيَدِهِ. ٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ في مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لم يَشْهَدِ الْعِيدَ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» (٣). أما دليلهم من المعقول: فكما أنه يجوز صلاة الجمعة وسائر الصلوات بغير إذن الإمام، فكذا صلاة العيدين؛ لأنها عبادة لا تختص بفعل الإمام، وإذا كانت تصح من

стр. 492

الواحد فلا يلزم إذن الإمام (١). • القول الآخر: ذهب أبو حنيفة (٢)، وأحمد في رواية (٣) إلى أن إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين. واستدلوا لذلك بالسنة، والمأثور: أما دليلهم من السنة: فروى ابن ماجه (٤) من حديث جابر الطويل وفيه قول النبي ﷺ : «وَاعْلموا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ في مَقَامِي هَذَا، في يومي هَذَا، في شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، إِلَى يوم الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا في حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ في أَمْرِهِ». وجه الدلالة: أن الجمعة لا تكون إلا بإذن الإمام، والعيد كالجمعة. واعْتُرِضَ عليه: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . أما دليلهم من المأثور: فقال الحسن: «أَرْبَعٌ إلَى السُّلْطَانِ … »، وَذَكَرَ مِنْهَا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (٥). واعْتُرِضَ عليه: بأنه لا يصح. واستدلوا بأدلة أخرى نظرية، منها: أنه لو لم يشترط السلطان لأدى ذلك إلى الفتنة؛ لأنها تقام بجمع عظيم، فَإِنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ المصْرِ يُعَدُّ شَرَفًا وَرِفْعَةً، فَيَتَسَارَعُ

стр. 493

إلَيْهِ، كُلُّ مَنْ مَالَتْ هِمَّتُهُ إلَى الرِّيَاسَةِ فَيَقَعُ التَّجَاذُبُ وَالتَّنَازُعُ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّقَاتُلِ (١). واعْتُرِضَ عليه: بأن صلاة الجمع والجماعات تقام بغير إمام، وهي آكد من صلاة العيد، ولا يحدث هذا التنازع، وإنما يكفِي الإمام الراتب الذي يصلي به الجمع. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن إذن الإمام ليس شرطًا في صحة صلاة العيدين. • المبحث الثاني: هل يُشترط المصر الجامع (٢) في صلاة العيدين؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: • القول الأول: عدم اشتراط المصر الجامع في صلاة العيدين، وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد (٣). واستدلوا بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُرَى عُرَيْنَةَ، وَفَدَكَ، وَيَنْبُعَ وَنَحْوِهَا مِنَ الْقُرَى مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ المدِينَةِ أَنْ يُجَمِّعُوا وَيَشْهَدُوا الْعِيدَيْنِ» (٤). أما دليلهم من المأثور: ١ - فعَنْ يُونُسَ، قَالَ: حدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا كَانَ رُبَّمَا جَمَعَ أَهْلَهُ وَحَشَمَهُ يوم الْعِيدِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ رَكْعَتَيْنِ (٥).

стр. 494

٢ - عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلَهُ عَنِ الْقَوْمِ يَكُونُونَ في الرُسْتَاقِ وَيَحْضُرُهُمَ الْعِيدُ، هَلْ يَجْتَمِعُونَ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ؟ وَعَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَمَّا الْعِيدُ فَإِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا عِلم لِي بِهَا (١). ٣ - أثر عكرمة: قال في القوم يكونون في السواد في السفر يوم عيد الفطر أو أضحى: يجتمعون فيصلون ويؤمهم أحدهم (٢). ٤ - أثر الزهري: قال: كان يستحب لأهل البادية أن يخرجوا يوم العيد فيؤمهم أحدهم (٣). أما دليلهم من المعقول: فهو إذا كانت الجمعة تقام في القرى فالعيد أَوْلى. قال ابن رجب: جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى، فالعيد أَوْلى. قال: ولا خلاف أنه لا يجب على أهل القرى والمسافرين، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم، والأكثرون على صحته وجوازه، ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك، فإنه كان يسكن خارجًا من البصرة على أميال منها (٤). وكذلك من الأدلة: أن الدين يسر، واشتراط المصر فيه مشقة، والصلاة عمل خير، والله يقول: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ولو كان اشتراط المصر واجبًا لبينه ﷺ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. • القول الآخر: ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط المصر الجامع في صلاة العيدين (٥). واستدل لذلك بما روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قال عَلِيٌّ: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ» (٦).

стр. 495

قال ابن الهمام (١): لم يُنْقَلْ عَنِ الصحابَةِ أَنَّهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ المنَابِرِ وَالْجُمَعِ إلَّا في الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ آحَادًا، وَلَوْ مَصَّرَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا وَأَمَرَهُمْ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ جَازَ، وَلَوْ مَنَعَ أَهْلَ مِصْرٍ أَنْ يُجْمِعُوا لم يُجْمِعُوا .. واعترض عليه بأنه ورد عن أنس وغيره. فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من عدم اشتراط المصر لما صح عن أنس أنه كان يكون في منزله بالزاوية، فإن لم يشهد العيد بالبصرة جَمَع أهله وحشمه، يوم العيد، فصلى بهم عبد الله بن أبي عتبة ركعتين … الأثر، ولو كان لابد من اشتراط المصر لما فعل أنس ذلك وهو خادم رسول الله ﷺ ، ثم إذا كانت الجمعة تقام في القرى وهي آكد فالعيد أَوْلى لأنه يوم فرح وسرور، واجتماع الناس في القرى الصغيرة إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، وشهود الخير ودعوة المسلمين، واشتراط المصر الجامع يكون فيه مشقة لبعض الناس، وربما آل ذلك إلى عدم شهود كثير من المسلمين لصلاة العيد، ولقد كان الرسول ﷺ أمَر الناس بالخروج حتى الحُيض لشهود بركة هذا اليوم، ولو كان المصر شرط لبينه ﷺ ، وصلاة العيد فعل خير فتقام في القرى، والله أعلم. تنبيه: إذا كان لا يشترط المصر الجامع، فإنه لا ينبغي أن يكون في القرية الواحدة أكثر من مصلى؛ لأنه كلما كثر العدد كان أظهر لتلك الشعيرة، وينعقد العيد بما تنعقد به الجماعة، والله أعلم. • المبحث الثالث: هل يُشترط الاستيطان لصلاة العيدين أم تُفعل في السفر؟ أجمع العلماء على أن المسافرين لا تجب عليهم صلاة العيدين (٢). واختلفوا في جوازها، أو هل تشرع للمسافرين على قولين:
следующие страницы →