← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1471

الجامع العام في فقه الصيام

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (577 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واعترض على هذا القول بما قاله ابن عبد البر ﵀: وَأَمَّا الْقَوْلُ: إِنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ بِالْعِيدِ وَلَا تُصَلَّى ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً، فَقَوْلٌ بَيِّنُ الْفَسَادِ وَظَاهِرُ الْخَطَأِ مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وَلم يَخُصَّ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ (١). قال ابن رشد: وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لمكَانِ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ في ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المصِيرُ إِلَيْهِ (٢). والراجح: ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك: أنه إذا اجتمع عيد وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعًا؛ لأن العيد سُنة والجمعة فرض ولا ينوب أحدهما عن الآخر. ودل على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولم يخص الله ورسوله من ذلك يوم عيد من غيره. قال ابن عبد البر (٣): وَإِذَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا، لم يَجُزْ لمسْلم أَنْ يَذْهَبَ إِلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَلم يَخُصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ تَجِبُ حُجَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ ذَهَبَ إِلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ المجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بِأَحَادِيثَ لَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ إِلَّا وَفِيهِ

стр. 527

مَطْعَنٌ لِأَهْلِ الْعِلم بِالْحَدِيثِ؟! وقال ابن المنذر (١): دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَ مِنَ الْخَمْسِ، وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ، لم يَجُزْ تَرْكُ فَرْضٍ بِتَطَوُّعٍ. وأما من قالوا بأن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة فيصلي الظهر. فاستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ . أما القول بأنه يرخص لأهل البوادي في ترك الجمعة إذا شهدوا العيد؛ فقد قال ابن عبد البر (٢): وَأَنَّ الرُّخْصَةُ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مَنْ لم تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ شَهِدَ الْعِيدَ مَنْ أَهْلَ الْبَوَادِي. وأما القول بأنه إذا اجتمع العيد والجمعة فليس عليه جمعة ولا ظهر: فاستدلوا بأثر ابن الزبير قال: عِيدَانِ اجْتَمَعَا في يوم وَاحِدٍ. فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا حَتَّى الْعَصْرَ فصلاهما ركعتين. فهذا الأثر اختلف في سنده ومتنه ألوانًا، وقد حكم عليه ابن عبد البر بالاضطراب. قال ابن عبد البر (٣): لَيْسَ في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَيَانٌ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ، وَإِنْ كَانَ لم يُصَلِّ مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ غَيْرَهَا حَتَّى الْعَصْرِ، فَإِنَّ الْأُصُولَ كُلَّهَا تَشْهَدُ بِفَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا في فَرْضٍ وَاحِدٍ لم يَسْقُطْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَكَيْفَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضٌ لِسُنَّةٍ حَضَرَتْ في يَوْمِهِ؟ هَذَا مَا لَا يَشُكُّ في فَسَادِهِ ذُو فَهْمٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْفِطْرِ

стр. 528

رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ في غير وَقْتَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ. • المبحث الثالث: المسبوق ببعض صلاة العيد. قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عمن أدرك ركعة من صلاة العيد، قال: يكبر في التي يقضي. قيل لأحمد: فأدرك، وقد كبر بعض التكبير؟ قال: يكبر ما أدرك؛ لأنه أدرك الركوع، ولا يكبر ما فاته (١). قال ابن قدامة (٢): وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ في التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلم الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لأنه أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. • المبحث الرابع: صلاة العيد من الغد: إذا علم الناس برؤية الهلال من اليوم التالى، فإن كان قبل الزوال جَمَع الإمام الناس وصلى بهم، وإذا كان بعد الزوال، صلى بهم الإمام من صباح الغد، وهذا قول الشافعية وأحمد والجمهور. واستدلوا بحديث الركب عن جعفر بن أبي وحشية، عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أصحاب النبي ﷺ أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النبي ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ (٣) وذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أنها لا تقضى من الغد. واستدلوا لذلك بأن وقت العيد أول نهار من شوال. فإذا انقضى هذا الوقت فلا يصلى للعيد. والراجح إذا لم يعلم بدخول العيد إلا بعد الزوال فيخرج الناس للصلاة من الغد، والله أعلم.

стр. 529

• مسألة: إذا لم يعلم المنفرد العيد إلا بعد الزوال: قال ابن قدامة (١): فَأَمَّا الْوَاحِد إذَا فَاتَتْهُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَأَحَبَّ قَضَاءَهَا، قَضَاهَا مَتَى أَحَبَّ. وقال ابن عقيل: لا يقضيها إلا من الغد، قياسًا على المسألة التي قبلها، وهذا لا يصح لأن ما يفعله تطوع، فمتى أحبَّ أتى به، وفارق ما إذا لم يعلم الإمام والناس؛ لأن الناس تفَرَّقَوا يومئذٍ على أن العيد في الغد، فلا يجتمعون إلا من الغد، ولا كذلك ها هنا، فإنه لا يحتاج إلى اجتماع الجماعة، ولأنها صلاة فاعتبر لها الوقت. وهذا بخلافه. والراجح: أن المنفرد يقضيها متى علم بذلك، والله أعلم. * * *

стр. 530

الفصل الخامس مستحبات العيدين • المبحث الأول: استحباب الغسل للعيدين • المبحث الثاني: استحباب الزينة والتطيب للعيدين • المبحث الثالث: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج • المبحث الرابع: استحباب التبكير إلى العيدين • المبحث الخامس: استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والرجوع. • المبحث السادس: هل المشي إلى العيدين أفضل من الركوب؟ • المبحث السابع: من السنة صلاة العيدين في المصلى. • المبحث الثامن: استحباب خروج النساء إلى المصلى بالضوابط الشرعية. • المبحث التاسع: خروج الصبيان إلى المصلى. • المبحث العاشر: التهنئة بالعيد.

стр. 531

المبحث الأول استحباب الغسل للعيدين وفيه مطلبان: • المطلب الأول: استحباب الغسل للعيدين: قال ابن رشد (١): أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. قال ابن عبد البر (٢): «وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لمنْ فَعَلَهُ، وَالطِّيبُ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَيْسَ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، آكَدُ في سَبِيلِ السُّنَّةِ». ووردت عن النبي ﷺ أحاديث تدل على استحباب الغسل للعيدين، ولا يصح منها حديث (٣).

стр. 532

• المطلب الثاني: وقت الغسل للعيدين: اتفق العلماء على أن غسل العيدين يجزئ بعد الفجر، واختلفوا هل يجزئ قبل الفجر؟ (١) والذين قالوا: (لا يجزئ قبل الفجر) قاسوه على صلاة الجمعة. واعْتُرِضَ عليه: بأن هذا قياسٌ مع الفارق لأن وقت العيد أضيق من وقت الجمعة، ولأنه مأمور بالبكور بعد الغسل، وَلَا يُمْكِنُ الْبُكُورُ غَالِبًا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِلَّا بِتَقَدُّمِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ (٢)، وإذا كان المقصود من الغسل هو التنظيف فقد حصل قبل الفجر فجاز الغسل من الليل. قال الزركشي (٣): أن وقت الغسل بعد الفجر، وهو قول القاضي وغيره وظاهر الحديث، إذ اليوم إنما يدخل بذلك، وجوزه ابن عقيل بعد نصف ليلته، نظرًا إلى أن المقصود التنظيف وهو حاصل بذلك، ولأنه وقت ضيق، فلو تقيد الاغتسال بالفجر لفات غالبًا، بخلاف الجمعة فإن وقتها متسع. قال ابْنُ عَقِيلٍ: المنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ وُقِفَ عَلَى الْفَجْرِ رُبَّمَا فَاتَ، وَلِأَنَّ المقْصُودَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ في اللَّيْلِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ، وَيَكُونَ أَبْلَغَ في النَّظَافَةِ؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّلَاةِ (٤). • المبحث الثاني: استحباب الزينة والتطيب للعيدين: في «الصحيحين» من حديث ابْنِ عُمَرَ (٥) قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ في السُّوقِ

стр. 533

فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ. فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». قال ابن رجب الحنبلي (١): وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادًا بينهم .. روى البيهقي بإسناد صحيح عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ في الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ (٢). قال الإمام الشافعي (٣): وَأُحِبُّ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ ما يَجِدُ في الْأَعْيَادِ: الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَمَحَافِلِ الناس وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ. وقد ذهب مالك وأحمد في رواية (٤) إلى أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك. قال الشيخ ابن عثيمين (٥): ولكن هذا القول ضعيف أثرًا ونظرًا أي خروج المعتكف

стр. 534

في ثيابه. أما بالأثر: فإن النبي ﷺ كان يعتكف، ومع ذلك يلبس أحسن الثياب. وأما بالنظر: فإن توسخ ثياب المعتكف ليس من أثر اعتكافه، ولكن من طول بقائها عليه، ولهذا لو لبس ثوبًا نظيفًا ليلة العيد أو في آخر يوم من رمضان ما أثر، ولا يصح قياسه على دم الشهيد؛ لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا. والراجح: أنه يستحب الزينة والطيب، وتنظيف الجسد بالاغتسال وحلق العانة ونتف الإبط، وقلم الأظافر وقطع الرائحة الكريهة، والسواك، ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، والإمام أحق بذلك لأنه المنظور إليه من بينهم، والنبي ﷺ كان يعتكف، وكان يلبس أجمل الثياب للعيدين، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقول عمر (تجمل بها للعيد) يدل على ذلك. • المبحث الثالث: الأكل قبل وبعد الخروج للعيدين: وفيه مطلبان: • المطلب الأول: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى. قال ابن رشد (١): وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ في عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى المصَلَّى. قلت: والأفضل أن يكون من تمر. ودلت على ذلك السنة: روى البخاري (٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». ووردت زيادة من طريق أنس: وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (٣). وهذه الزيادة لا تصح عن رسول الله ﷺ .

стр. 535

الحاصل: أنه يستحب أن يفطر على تمر يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، فإن لم يجد تمرًا أكل ما تيسر. • المطلب الثاني: هل يستحب الأكل بعد الأضحى؟ قد نقل ابن رشد الإجماع على استحباب الإفطار يوم الأضحى بعد الانصراف من الصلاة فقال (١): وأجمعوا أَنْ لَا يُفْطِرَ يَوْمَ الْأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ. ولكن هذا الإجماع منخرم فقد خالف مالك وغيره بأنه ليس من السنة الأكل بعد الأضحى ولا بدعة، وإنما الأمر على الإباحة (٢) ولا يصح حديث في أن الأكل بعد الأضحى من السنة (٣) قال ابن قدامة: قَالَ أَحْمَدُ: وَالْأَضْحَى لَا يَأْكُلُ فِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إذَا كَانَ لَهُ ذِبْحٌ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِهِ، وَإِذَا لم يَكُنْ لَهُ ذِبْحٌ لم يُبَالِ أَنْ يَأْكُلَ.

стр. 536

قال ابن حزم: وَإِنْ أَكَلَ يوم الأَضْحَى قبل غُدُوِّهِ إلَى المصَلَّى فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لم يَأْكُلْ حتى يَأْكُلَ من أُضْحِيَّتِهِ فَحَسَنٌ. • المبحث الرابع: استحباب التبكير إلى العيدين: يستحب للمأموم أن يبكر لصلاة العيد، ويكون التبكير بعد صلاة الفجر. قال الشافعي (١): أَمَّا الناس فَأُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمُوا، حين يَنْصَرِفُونَ من الصُّبْحِ لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَلِيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ؛ فَيَكُونُوا في أَجْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ما دَامُوا يَنْتَظِرُونَهَا وَأَمَّا الْإِمَامُ فإنه إذَا غَدَا لم يَجْعَلْ وَجْهَهُ إلَّا إلَى المصَلَّى فيصلي. قال ابن قدامة (٢): يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلَى الْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، إلَّا الْإِمَامَ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ. روى البخاري (٣): حديثًا عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يوم النَّحْرِ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ في يومنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا». وجه الدلالة: ما قاله ابن بطال (٤). وقيل قوله: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى) يدل أنه لا يجب أن يشتغل بشاء غير التأهب للعيد والخروج إليه، وأن لا يفعل قبل صلاة العيد شيئًا غيرها. وَعَنْ نَافِعٍ قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي الصُّبْحَ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ يَغْدُو كَمَا هُوَ إِلَى المصَلَّى (٥). عن يزيد بن أبي عبيد الله قال: صليت مع سلمة بن الأكوع في مسجد النبي ﷺ صلاة

стр. 537

الصبح، ثم خرجت معه حتى أتينا المصلى فجلس، وجلست حتى جاء الإمام (١). الحاصل في المسألة: أنه يستحب للمأموم التبكير إلى صلاة العيد بعد الفجر، ويستحب للإمام أن يخرج بقدر ما إذا بلغ المصلى حلت الصلاة، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (٢). • المبحث الخامس: استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والرجوع: قال ابن رشد (٣): وأجمعوا على أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊. روى البخاري (٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يوم عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. • المبحث السادس: هل المشي إلى العيدين أفضل من الركوب؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب المشي إلى العيدين (٥) ولا بأس بالركوب في الرجوع (٦).

стр. 538

واستدلوا لذلك بالسنة: عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ (١). عن سَعْدٍ الْقَرَظِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا (٢). عن ابن عمر: «كَانَ رسول ﷺ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا» (٣). عن أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي الْعِيدَ مَاشِيًا» (٤). قال الزهري: «ما رَكِبَ رسول اللَّهِ ﷺ في عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ» (٥). الحاصل: ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب المشي إلى صلاة العيدين، واستدلوا بأحاديث، ولكن لا يصح منها حديث، ولكن يشهد لها عموم، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» فهذا عام في كل صلاة تشرع فيها الجماعة، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء (٦). ولا بأس بالركوب في الرجوع.

стр. 539

• المبحث السابع: من السنة صلاة العيدين في المصلى، وفيه مطالب: • المطلب الأول: من السنة صلاة العيدين في المصلى: ففي الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ». قال ابن المنذر (٢): «وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ إِلَى المصَلَّى في الْعِيدِ». قال ابن قدامة (٣): السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ في المصَلَّى، أَمَرَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ وَاسِعًا، فَالصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إلَى المصَلَّى وَيَدَعُ مَسْجِدَهُ»، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَا يَتْرُكُ النَّبِيُّ ﷺ الْأَفْضَلَ مَعَ قُرْبِهِ، وَيَتَكَلَّفُ فِعْلَ النَّاقِصِ مَعَ بُعْدِهِ، وَلَا يَشْرَعُ لِأُمَّتِهِ تَرْكَ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّنَا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المأْمُورُ بِهِ هُوَ النَّاقِصَ، وَالمنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْكَامِلَ. وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعُ المسْلمينَ. • المطلب الثاني: صلاة العيد في المسجد لعذر: ذهب جمهور العلماء إلى أن من السنة الصلاة في المصلى، إلا إذا كان عليه مشقة في البروز إلى المصلى صلوا في المسجد. وروى أبو داود وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ في يوم عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ في المسْجِدِ» (٤).

стр. 540

قال ابن حزم (١): وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةٌ في الْبُرُوزِ إلَى المصَلَّى صَلوا جَمَاعَةً في الْجَامِعِ. قال ابن قدامة (٢): وَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ، مِنْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّوْا في الْجَامِعِ. قال الماوردي (٣): فَإِنْ لم يَقْدِرِ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى المصَلَّى لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ ريحٍ، صَلَّى بِالنَّاسِ في المسْجِدِ. الحاصل: أن السنة أن يصلى العيد في المصلى أو الفضاء، إلا إذا كان هناك عذر من مطر أو خوف أو غيره، صلوا في المسجد. • المطلب الثالث: استخلاف من يصلي بضعفة الناس إذا أصبح الإمام في مكان بعيد عن البلدة. قال الكاساني (٤): يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ إلَى الْجَبَّانَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ أَنْ يَخْلُفَ رَجُلًا يُصَلِّي بِأصحاب الْعِلَلِ في المصْرِ صَلَاةَ الْعِيدِ. قال النووي (٥): قال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الإمام إلى الصحراء استخلف من يصلي في المسجد بالضعفة. • المبحث الثامن: استحباب خروج النساء إلى المصلى بالضوابط الشرعية: اختلف أهلُ العلم في خروج النساء لمصلى العيدين على أقوال، أهمها: • القول الأول: أن خروج النساء لصلاة العيدين مستحب لا فرق بين الشابة والعجوز وذات الهيئة، أي الجميلة، وغيرها …

стр. 541

واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (١) عن أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ (٢) وَذَوَاتِ الْخُدُورِ (٣). قال ابْنُ عَوْنٍ: (أَوِ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ) فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ. وفي هذا الحديث استحباب خروج جميع النساء إلى شهود العيدين، والعواتق وذوات الخدور؛ ليشهدن الدعاء والخير، وللإمام أن يخصهن بموعظة. قال الشوكاني (٤): إن خروج النساء إلى المصلى مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب، ولم يفَرِّقُوا بين الشابة والعجوز. • القول الثاني: الذين منعوا من خروج النساء إلى العيدين: استدلوا بعموم القرآن والسنة: أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾. والأمر بالقرار نهي عن الانتقال ولأن خروجهن سبب الفتنة والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام. واعْتُرِضَ عليه: بأن هذا دليل عام، والنبي ﷺ أمر النساء بالخروج إلى مصلى العيدين وهذا خاص وإذا تعارض العام والخاص، يُقدم الخاص. أما دليلهم من السنة: فما ثبت في «الصحيحين» عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. واعْتُرِضَ عليه: بأن المرأة إذا خرجت من بيتها إلى صلاة العيدين لأمر النبي ﷺ مع التزامها بالحجاب الشرعي وعدم مخالطة الرجال، وكذا التزامها بالضوابط الشرعية، فإن هذا لا يتعارض مع قول عائشة.

стр. 542

والراجح والله أعلم: استحباب خروج جميع النساء إلى صلاة العيدين لحديث أم عطية: (أمَرنا - أي النبي - أن نخرج فنُخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور). فدل هذا على استحباب خروج جميع النساء. وعلى المرأة أن تلتزم بالحجاب الشرعي من ستر جميع البدن، وأن تجتنب الطيب، ولا تختلط بالرجال، كذا يستحب للإمام أن يعظهن في خطبته، وأن يُذكرهن بالله ؛ لفعل النبي ﷺ ذلك. قال الشوكاني (١) والحديث وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب، والشابة والعجوز، والحائض وغيرها، ما لم تكن معتدة أو كان خروجها فتنة أو كان لها عذر .. وحملوا الأمر فيه على الندب. قال الحافظ (٢): وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ، سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا، وَذَوَاتِ هَيْئَاتٍ أَمْ لَا. قال ابن قدامة (٣): وظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب .. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ

стр. 543

الْخُرُوجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ وَلَا زِينَةٍ، وَلَا يَخْرُجْنَ في ثِيَابِ الْبِذْلَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ». وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ، بَلْ يَكُنَّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ. • المبحث التاسع: خروج الصبيان إلى المصلى: وفيه مطلبان: • المطلب الأول: استحباب خروج الصبيان إلى المصلي: روى البخاري (١) عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: نَعَمْ. وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ (٢). قال ابن بطال (٣): خروج الصبيان للمصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه عن اللعب، ويعقل صلاته، ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة؟ وفيه نظر؛ لأن مشروعية إخراج الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شُرع للحُيض كما سيأتي، فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا. وعلى هذا إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عما ذكر من اللعب ونحوه، سواء صلوا أم لا. وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه. • المطلب الثاني: يستحب التزين للصبيان ذكورًا وإناثًا يوم العيد بأحسن الثياب وهل يحرم على الصبيان الذكور لبس الحرير والذهب في يوم العيد وغيره؟ قال الماوردي (٤) وَأَمَّا الصِّبْيَانُ وإخراجهم لصلاة العيد فَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَيُخْتَارُ زِينَتُهُمْ بِالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى ذُكُورِهِمْ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ؟ الصِّبْيَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَى ذُكُورِ الْأُمَّةِ

стр. 544

مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ صَغِيرٍ مِنْ كَبِيرٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِيمَنْ يَصح تَكْلِيفُهُ وَتَتَوَجَّهُ الْعِبَادَةُ نَحْوَهُ. والراجح: أنه يستحب التزين للصبيان الذكور والإناث ويحرم على ذكور الأمة صغارًا أو كبارًا لبس الحرير والذهب لعموم الأدلة الناهية، ولعدم وجود مخصص بين الصغير والكبير، وأما قولهم: (إن النهي فيمن يصح تكليفه وتتوجه العبارة نحوه). فاعترض عليه: بأن الصغير يُؤْمَرُ بالصلاة والصيام ويبتعد عن المحرمات، ففي «الصحيحين» من حديث أبى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا في فِيهِ فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «كِخْ كِخْ» لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قال: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»؟!. • المبحث العاشر: التهنئة بالعيد: عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: لَقِيتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ في يوم عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. فَقَالَ: نَعَمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. قال وَاثِلَةُ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يوم عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. فَقَالَ: «نَعَمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ» (١). وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ في الْعِيدَيْنِ: «تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ» قَالَ: «ذَاكَ فِعْلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ» (٢) وَكَرِهَهُ.

стр. 545

واعترض بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ . قال الباجي (١): وَسُئِلَ مَالِكٌ أَيُكْرَهُ، لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، وَغَفَرَ لَنَا وَلَك، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَخُوهُ مِثْلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يُكْرَهُ. قال أبو داود (٢): سمعت أحمد سئل عن قولهم يوم العيد: تقبل الله منا ومنك؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وسئل شيخ الإسلام (٣): هَلْ التَّهْنِئَةُ في الْعِيدِ وَمَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: «عِيدُك مُبَارَكٌ» وَمَا أَشْبَهَهُ هَلْ لَهُ أَصْلٌ في الشَّرِيعَةِ؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ في الشَّرِيعَةِ فَمَا الَّذِي يُقال؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. فَأَجَابَ: أَمَّا التَّهْنِئَةُ يوم الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إذَا لَقِيَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ: (تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَأَحَالَهُ اللَّهُ عَلَيْك) وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصحابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. لَكِنْ قال أَحْمَد: أَنَا لَا أَبْتَدِئُ أَحَدًا فَإِنْ ابْتَدَأَنِي أَحَدٌ أَجَبْته، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَوَابَ التَّحِيَّةِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالتَّهْنِئَةِ فَلَيْسَ سُنَّةً مَأْمُورًا بِهَا وَلَا هُوَ أيضًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ، فَمَنْ فَعَلَهُ فَلَهُ قُدْوَةٌ وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَهُ قُدْوَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلم. الحاصل: أنه لا بأس أن يقول الرجل لأخيه «تقبل الله منا ومنك» أو «عيد مبارك» أو ما أشبه بذلك. ولكن لا يسن ذلك؛ لأنه لم يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء والله أعلم. * * *

стр. 546

الفصل السادس خطبة العيد وما يتعلق بها من أحكام جعلت الخطبة فصلًا مع أنها من مستحبات العيدين لكثرة ما يتعلق بها من أحكام • المبحث لأول: من السنة صلاة العيد قبل الخطبة • المبحث الثاني: هل يخطب للعيد على المنبر؟ • المبحث الثالث: من السنة حضور خطبة العيد والاستماع لها • المبحث الرابع: هل خطبة العيد واحدة أم خطبتان يجلس بينهما؟ • المبحث الخامس: هل تفتتح خطبة العيد بالتكبير أو بالحمد؟ • المبحث السادس: موضوع خطبة العيد

стр. 547

المبحث الأول: من السنة صلاة العيد قبل الخطبة أجمع العلماء على أن السنة في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة (١). روى البخاري من حديث ابن عباس ﴿قال: شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ (٢). المبحث الثاني: هل يخطب للعيد على المنبر؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يخطب على المنبر في العيدين، وبه قال الحنفية والمالكية، والحنابلة (٣). قال السرخسي (٤): وَلَا يُخْرِجُ المنْبَرَ في الْعِيدَيْنِ … وَالنَّاسُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ إخْرَاجِ المنْبَرِ. قال ابن القيم (٥): وَلم يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْبَرٌ يَرْقَى عَلَيْهِ، وَلم يَكُنْ يُخْرِجُ مِنْبَرَ المدِينَةِ، وَإِنّمَا كَانَ يَخْطُبُهُمْ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ. وفي «الصحيحين» من حديث أبي سعيد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى المصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ

стр. 548

وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ». قال أَبُو سَعِيدٍ: فَلم يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ المدِينَةِ في أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلما أَتَيْنَا المصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ. فَقال: أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلم. فَقُلْتُ: مَا أَعْلم وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلم. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لم يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ. قال الشافعي (١): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ، فَمَعْلُومٌ عنه أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ على المنْبَرِ يوم الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ ذلك كان يَخْطُبُ على رِجْلَيْهِ قَائِمًا إلَى جِذْعٍ. • الحاصل: أنه لم يصح أن النبي ﷺ خطب للعيد على منبر، وهذا هو السنة، ولكن إذا كثر الناس، ودعت الحاجة إلى المنبر لبروز الإمام للناس، فقد قال الشافعي ﵀: لا بأس بذلك، والله أعلم. المبحث الثالث: من السنة حضور خطبة العيد والاستماع لها قال الشوكاني (٢): وقد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلًا بوجوبها. وورد في الباب حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله الْعِيدَ، فَلما قَضَى الصَّلَاةَ قال: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» (٣).

стр. 549

• ويستحب سماع الخطبة: قال الشافعي (١): وَأُحِبُّ لمنْ حَضَرَ خُطْبَةَ عِيدٍ أو اسْتِسْقَاءٍ أو حَجٍّ أو كُسُوفٍ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ أَحَدٌ حتى يَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ، فَإِنْ تَكَلم أو تَرَكَ الِاسْتِمَاعَ أو انْصَرَفَ كَرِهْتُ ذلك له، وَلَا إعَادَةَ عليه وَلَا كَفَّارَةَ. المبحث الرابع: هل خطبة العيد واحدة أم خطبتان يجلس بينهما؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن للعيد خطبتين يجلس بينهما (٢). واستدلوا لهذا القول بالسنة والقياس: أما دليلهم من السنة: فعَنْ جَابِرٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يوم فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ (٣). وعن سعد بن أبي وقاص: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ» (٤).

стр. 550

الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى أن خطبة العيد خطبتان. واستدلوا: بأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يخطب للعيد خطبتين يفصل بينهما بجلسة، ولكنها لا تصح عن رسول الله ﷺ ، والظاهر من الأحاديث الصحيحة أن خطبة العيد واحدة، كما في حديث أبي سعيد أنَّ النَّبِيَّ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ. وَكذا حديث جابر وابن عباس وكلها في «الصحيحين». قال الشيخ ابن عثيمين (١): إن النبي لم يخطب إلا خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهن، فإن جعلنا هذا أصلًا في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه لا يصح؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهن؛ لعدم وصول الخطبة إليهن، وهذا احتمال. ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن، ولكن أراد أن يخصهن بخصيصة، ولهذا ذكرهن ووعظهن بأشياء خاصة بهن. المبحث الخامس: هل تفتتح خطبة العيد بالتكبير أو بالحمد؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن التكبير في ابتداء الخطبة الأولى والثانية مستحب، واختلفوا في عدد التكبيرات، فأكثرهم يرى افتتاح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات. والثانية بسبع

стр. 551

تكبيرات، وهو قول الأئمة الأربعة (١). واستدلوا لهذا القول بالسنة: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السُّنَّةُ في تَكْبِيرِ يوم الأَضْحَى وَالْفِطْرِ عَلَى المنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ الإِمَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى المنْبَرِ بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً ثُمَّ يَقُومُ في الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فَيَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ ثُمَّ يَخْطُبُ (٢). واعترض عليه: بأنه لم يصح في الباب حديث. قال الشوكاني ﵀: لم يرد في ذلك دليل صحيح للمستمسك به. واختار ابن تيمية: افتتاح خطبة العيد بالحمد؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغيره. وقال ابن القيم (٣): وَكَانَ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ كُلّهَا بِالْحَمْدِ لِلّهِ وَلم يصح عَنْهُ في حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِالتّكْبِيرِ، والله أعلم. الحاصل في هذه المسألة: ذهب حمهور العلماء إلى استحباب التكبير في ابتداء الخطبة الأولى والثانية، واستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ . والصحيح أن النبي ﷺ كان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير. والله أعلم.

стр. 552

المبحث السادس: موضوع خطبة العيد ينبغى للإمام في خطبة العيد أن يعظ الناس ويذكرهم بتقوى الله، واذا كان عيد فطر أن يعلم الناس أحكام صدقة الفطر وصلة الأرحام، وإذا كان عيد أضحى أن يبين لهم فقه الأضاحي (١). ويستحب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام وحثهن على الصدقة، ولهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما، وفيه أن النساء إذا حضرت صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل عنهم خوفًا من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه. * * *

стр. 553

الفصل السابع التكبير وما يتعلق به من أحكام من سنن أيام العيدين التكبير وفيه مباحث: • المبحث الأول: قسما التكبير • المبحث الثاني: حكم التكبير المطلق في ليلة عيد الفطر ويومه حتى صلاة العيد • المبحث الثالث: الجهر بالتكبير • المبحث الرابع: هل يشرع التكبير الجماعي؟ • المبحث الخامس: التكبير المقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى دون الفطر • المبحث السادس: ابتداء التكبير وانتهاؤه للحاج • المبحث السابع: هل التكبير المقيد خلف الفرائض يختص بالجماعة؟ • المبحث الثامن: محل التكبير المقيد • المبحث التاسع: صيغ التكبير في العيد

стр. 554

المبحث الأول: قسما التكبير ينقسم التكبير إلى قسمين: القسم الأول: تكبير مقيد، وهو ما كان مقيدًا بأدبار الصلوات الخمس، وهو مختص بعيد الأضحى على قول جمهور العلماء، وليس في عيد الفطر تكبير مقيد. القسم الآخر: تكبير مطلق، وهو ما كان غير مقيد بأدبار الصلوات (١). • المبحث الثاني: حكم التكبير المطلق في ليلة عيد الفطر ويومه حتى صلاة العيد: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: • القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب التكبير ليلة عيد الفطر، ويكبر الناس في خروجهم من منازلهم في الطرقات وفي المصلى حتى صلاة العيد. واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وجه الدلالة: ما قاله الشافعي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عِدَّةَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتُكَبِّرُوا اللَّهُ عِنْدَ إكْمَالِهِ على ما هَدَاكُمْ وَإِكْمَالُهُ مَغِيبُ الشَّمْسِ من آخِرِ يوم من أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ (٢). • القول الثاني: وقال مالك: يكبر في المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع التكبير (٣). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ في الْعِيدَيْنِ … رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (٤).

стр. 555

وَعَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ المصَلَّى، وَحَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَطَعَ التَّكْبِيرَ» (١). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ . أما دليلهم من المأثور: فعن ابن عمر «أنه كَانَ يُكَبِّرُ إذا غدا إلى المصلى يوم الْعِيدِ» (٢). وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُكَبِّرُ يوم الْعِيدِ (٣). • القول الثالث: أنه لا يكبر في يوم الفطر وليلته، ويكبر في يوم الأضحى، وهو قول الحنفية. قال الطحاوي: قال أصحابنا: إنه يكبر في طريق الأضحى ويجهر في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، ويحتمل قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ تعظيم الله تعالى بالأفعال والأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقد روى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون فيقول: ما شأن الناس أكبر الإمام؟ فأقول: لا فيقول أمجانين الناس؟ قال أبو جعفر: القياس أن يكبر في العيدين جميعًا؛ لأن صلاة العيدين لا يختلفان في التكبير والخطبة بعدهما وسائر سننها كذلك في سنة التكبير في الخروج إليهما، قال: وكان أبو عمران يحكي عن أصحابنا جميعًا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبروا في الطريق إلى المصلى حتى يأتوه، ولم يكن يعرف عندهم ما حكاه المعلى (٤).

стр. 556

الحاصل: اتفقت المذاهب الأربعة على استحباب التكبير في الطريق، وفي المصلى يوم الأضحى. وذهب جمهور العلماء إلى استحباب التكبير المطلق ليلة الفطر ويومه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي لتكملوا عدة رمضان، وتكبروا الله يوم العيد وليلته. وإليه ذهب ابن عمر وعروة بن الزبير وغيرهما. وينتهي التكبير يوم الفطر إذا خرج الإمام إلى صلاة العيد. قال الشافعي (١): يُكَبِّرُ الناس في الْفِطْرِ حين تَغِيبُ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فُرَادَى وَجَمَاعَةً في كل حَالٍ حتى يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ. • المبحث الثالث: الجهر بالتكبير: قال النووي: يستحب رفع الصوت بالتكبير بلا خلاف (٢). وقال في شرح مسلم: وقولها «يُكِبِّرنَ مَعَ النَّاس» دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه (٣). قال ابن تيمية: وَيَشْرَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (٤). • المبحث الرابع: هل يشرع التكبير الجماعي؟ لم تُطرق مسألة التكبير الجماعي بشيء من التوسع في كتب الفقه، ويُشعر قول الشافعي بجواز ذلك، قال (٥): فإذا رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُكَبِّرَ الناسُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى في

стр. 557

المسْجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَالمنَازِلِ وَمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ، في كل حَالٍ وَأَيْنَ كَانُوا وَأَنْ يُظْهِرُوا التَّكْبِيرَ. قال في بلغة السالك (١): ويستحب الانفراد في التكبير حالة المشي للمصلى، وأما التكبير جماعة وهم جالسون في المصلى فهذا هو الذي أستحسن. واستدل لهذا القول بعمومات، منها: ما أخرجه البخاري (٢) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يوم الْعِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليوم وَطُهْرَتَهُ». وفي رواية مسلم «يُكَبِّرُونَ مَعَ النَّاس» أثر عمر ﵁: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ السُّوقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا (٣). كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك (٤).

стр. 558

عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلمةَ قال: خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يوم النَّحْرِ فَلم يَرَهُمْ يُكَبِّرُونَ فَقال: مَا لَهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ؟! أَمَا وَاللَّهِ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ رَأَيْتُنَا في الْعَسْكَرِ مَا يُرَى طَرَفَاهُ، فَيُكَبِّرُ الرَّجُلُ فَيُكَبِّرُ الَّذِى يَلِيهِ، حَتَّى يَرْتَجَّ الْعَسْكَرُ تَكْبِيرًا، وَإِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ كَمَا بَيْنَ الأَرْضِ السُّفْلَى إِلَى السَّمَاءِ الْعُلْيَا (١). الحاصل: أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير، أما عن مشروعية التكبير الجماعي، فقول الشافعي يُشعر بجواز ذلك قال: فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى. وأيضًا نُقل ذلك عن بعض المالكية، ويمكن أن يستدل لهذا بما ورد في «الصحيحين» من حديث أم عطية وفي رواية مسلم: «ويكبرون مع الناس». فأثر عمر ﵁ يدل على ذلك فكان يكبر فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا، وكذا ورد عن ابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير، وينبغي أن لا يصحب ذلك تلحين أو تطريب، وهذه الأدلة التي أوردناها وإن كانت ليست صريحة ولكن فهم لبعض علمائنا كالإمام الشافعي. وفي هذا المقام ننصح إخواننا النبلاء الأماجد الذين يحرصون على السنة وجزاهم الله خيرًا على ذلك بألا يتسرعوا في التبديع، إلا إذا جمعوا الأدلة وسبقهم إلى ذلك الأئمة والعلماء، ولقد حذرَنا ربنا فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلمونَ﴾ وإن كان من قال بعدم مشروعية التكبير الجماعي له وجهة قوية؛ لأن الأدلة غير صريحة، ولكن المسألة لا تصل إلى التبديع، والله أعلم. • المبحث الخامس: التكبير المقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى دون الفطر. قال النووي (٢): وَأَمَّا التَّكْبِيرُ المقَيَّدُ فَيُشْرَعُ في عِيدِ الْأَضْحَى بِلَا خِلَافٍ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. قال ابن رشد (٣): وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى التَّكْبِيرِ في أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الْحَجِّ.

стр. 559

واختلف العلماء في ابتداء وانتهاء التكبير المقيد بأدبار الصلوات على أقوال: • القول الأول: أن ابتداء وقت التكبير المقيد بأداء الصلوات من صبح يوم عرفة وينتهي بعد عصر آخر التشريق. وهو قول عند الشافعية (١) وأحمد (٢). واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلم مِنَ المكْتُوبَاتِ» (٣). عَنْ أَبِي الطُّفَيْلٍ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ في المكْتُوبَاتِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ يَقْنُتُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ يوم عَرَفَةَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَقْطَعُهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (٤). أما دليلهم من المأثور: فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ» (٥)

стр. 560

• القول الثاني: أن ابتداء التكبير المقيد بأدبار الصلوات من ظهر يوم النحر، وانتهاؤه صبح آخر أيام التشريق، وهو قول مالك (١)، والمشهور عند الشافعية (٢). واستدلوا لذلك بما روى الطبراني عَنْ شُرَيْحِ بْنِ أَبْرَهَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مِنًى، يُكَبِّرُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ (٣). • القول الثالث: ذهب أبو حنيفة إلى أن التكبير المقيد بأدبار الصلوات من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم النحر (٤). • القول الرابع: عن الزهري: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (٥). قال شيخ الإسلام (٦): أصح الْأقوالٍ في التَّكْبِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ

стр. 561

الصحابَةِ وَالْأَئِمَّةِ: أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ فَجْرِ يوم عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُشْرَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. • المبحث السادس: ابتداء التكبير وانتهاؤه للحاج: قال الشافعي (١): «وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ خَلْفَ صَلَاةِ الظُّهْرِ من يوم النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ من آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ». قال ابن قدامة (٢): وَأَمَّا المحْرِمُونَ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يوم النَّحْرِ؛ لما ذَكَرُوهُ؛ لأنهمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ يَبْتَدِئُ مِنْ يوم عَرَفَةَ؛ لِعَدَمِ المانِعِ في حَقِّهِمْ مَعَ وُجُودِ المقْتَضِي. وَقَوْلُهُمْ: (إنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لَهُمْ في هَذَا)، دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَلَا تُسْمَعُ. الحاصل: ذهب الشافعي وأحمد إلى أن التكبير للحاج يبدأ بعد ظهر يوم النحر؛ وذلك لأن الحاج مشغول بالتلبية. واختلفوا في انتهائه: فذهب الشافعي إلى أن التكبير ينتهي بعد صبح آخر أيام التشريق، وذهب أحمد إلى انتهائه بعد عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح، والله أعلم. • المبحث السابع: هل التكبير المقيد خلف الفرائض يختص بالجماعة، أم يكبر خلف الفرائض من صلى وحده؟ وهل التكبير في الفريضة فقط أو النافلة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: • القول الأول: ذهب أبو حنيفة وأحمد (٣) في المشهور عنه إلى أن التكبير المقيد مختص بالصلوات المكتوبات في جماعة، ولا يكبر من صلى الفريضة وحده. واستدلوا لهذا القول بأثر ابن مسعود: «لَيْسَ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاثنين تَكْبِيرٌ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ،

стр. 562

إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى في جَمَاعَةٍ» (١). أثر ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لم يُكَبِّرْ» (٢). قال ابن قدامة (٣): المشْرُوعُ عِنْدَ إمَامِنَا التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ في الْجَمَاعَاتِ، في المشْهُورِ عَنْهُ. قال الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَذْهَبُ إلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ؟ قال أَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقال ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى في جَمَاعَةٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ». وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلم يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ في الصحابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ؛ فَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلْفَرَائِضِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلنَّوَافِلِ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. • القول الثاني: قال مالك (٤): لا يكبر إلا في دبر الفرائض، سواء كان منفردًا أو جماعة. وهذا قول محمد بن الحسن وأبي يوسف من الحنفية (٥)، ورواية عن أحمد (٦).

стр. 563

• القول الثالث: قال الشافعي: يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة، منفردًا صلاها أو في جماعة (١). الحاصل: اتفق الأئمة الأربعة على استحباب التكبير خلف الفريضة المؤداة في جماعة، واختلفوا في غير ذلك، والراجح هو قول الشافعي أن التكبير يكون خلف الفرائض والنوافل، سواء كان منفردًا أو جماعة، رجلًا كان أو امرأة؛ لعموم الأدلة، ومَن اقتصر على التكبير المقيد خلف الصلاة المكتوبة في جماعة فله وجه، والله أعلم. • المبحث الثامن: محل التكبير المقيد: قال الشيخ ابن عثيمين (٢): واختلف في محل هذا التكبير المقيد، هل هو قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام، أو بعدهما؟ قال بعض العلماء: يكون قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام، فإذا سَلم الإمام وانصرف، كبّر رافعًا صوته حسب ما سيذكر المؤلف، ثم يستغفر ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام». والصحيح أن الاستغفار وقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ» مقدم؛ لأن الاستغفار وقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ» ألصق بالصلاة من التكبير، فإنَّ الاستغفار يسنّ عقيب الصلاة مباشرة؛ لأن المصلي لا يتحقق أنه أتقن الصلاة، بل لا بد من خلل، ولا سيما في عصرنا هذا، فالإنسان لا يأتيه الشيطان إلا إذا كبّر للصلاة.

стр. 564

• المبحث التاسع: صيغ التكبير في العيد: اختلف أهل العلم في صيغ التكبير في العيد على قولين: • القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة (١) إلى أن صيغة التكبير في العيد: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد». واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ غَدَاةَ عَرَفَةَ قال لِأَصحابِهِ: «عَلَى مَكَانِكُمْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» فَيُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيام التَّشْرِيقِ» (٢). واعترض عليه بأنه حديث واهٍ. وعَنِ الأَسْوَدِ قال: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ يوم النَّحْرِ، يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (٣). قال ابن قدامة: وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قال الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ المبَارَكِ.

стр. 565

• القول الثاني: ذهب مالك والشافعي إلى استحباب التكبير ثلاثًا (أي: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) (١). عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ قال: كَانَ سَلمانُ ﵁ يُعَلمنَا التَّكْبِيرَ يَقُولُ: كَبِّرُوا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا. أَوْ قال تَكْبِيرًا اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ … (٢). عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَا يُكَبِّرُ في المغْرِبِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (٣). الحاصل: ورد في هذا الباب حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ غَدَاةَ عَرَفَةَ قال لِأَصحابِهِ: «عَلَى مَكَانِكُمْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» فَيُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيام التَّشْرِيقِ. ولكن إسناده ضعيف جدًا، فعمرو بن شمر متروك، وجابر الجعفي ضعيف. وصح عن ابن مسعود أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، يقول: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولله الحمد. ورجاله ثقات.
следующие страницы →