← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

التمهيد: حكم إزالة النجاسة يختلف حكم إزالة النجاسة من عبادة إلى أخرى، فهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة، فذكرِ الله لا يجب له الطهارة؛ فعن عائشة ﵄ قالت: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). وقال رسول الله ﷺ لعائشة ﵄ حين حاضت: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». فالحائض تفعل كل مناسك الحج من وقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي، وتُكثر من ذكر الله، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر. أما الصلاة فيشترط لها الطهارة من الحدثين، وكذا الطواف. المبحث الأول: التطهير بالماء أو الاستنجاء: وفيه ثمانية مطالب: الأصل في تطهير النجاسات الماء، فالماء يطهر البدن بالاستنجاء، والمذي، والودي بالغسل، وكذا الثوب والبقعة وغير ذلك. المطلب الأول: حكم النية للاستنجاء. نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن طهارة الخبث لا تحتاج إلى نية (١). المطلب الثاني: الاستنجاء من البول والغائط. قد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على نجاسة البول والغائط، ومنهم ابن عبد البر، وابن رشد، وابن المنذر، والطحاوي (٢)، وغيرهم. وأجمع العلماء على جواز الاستجمار (٣)، ودلت على ذلك النصوص المستفيضة.

стр. 107

المطلب الثالث: لا يستنجى من الريح: قال النووي: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ، وَحُكى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ، وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ (١). قال ابن قدامة: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا (٢). المطلب الرابع: هل يستنجى من الحصاة والدود؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الحصاة والدود إذا خرج ناشفًا، فإنه لا يستنجى منه؛ لأن الاستنجاء شُرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا، والحصاة إذا كانت طاهرة وخرجت ناشفة، فهي تشبه الريح، والريح لها رائحة منتنة، فإذا كان لا يستنجى منه فالحصاة الناشفة أَوْلَى. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عن الشافعية، وبعض الحنابلة (٣). وذهب الشافعية في قول، والحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يشرع الاستنجاء؛ لأنه خارج من مخرج الغائط (٤). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أنه لا يجب الاستنجاء إذا خرجت الحصاة ناشفة. المطلب الخامس: هل يكفي في الاستنجاء غلبة الظن أم لا بد من اليقين؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن (٥). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ

стр. 108

الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ … (١). قولها: (حَتَّى إِذَا ظَنَّ)، دل ذلك على غلبة الظن، وغسل الجنابة طهارة. واعترض عليه بأن الظن يأتي بمعنى اليقين: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وأجيب عليه: بأن (ظن) تفيد اليقين بقرينة، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا توجد قرينة هنا. وذهب بعض الحنفية، وقول عند الحنابلة إلى أنه لا بد من اليقين في الاستنجاء (٢). واستدلوا بماروى مسلم عن ابن عباس ﴿: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ» (٣). فإن كان هذا الرجل يعذب لأنه كان لا يستنزه من بوله كان لا بد من اليقين عند قضاء الحاجة أنه تطهر. واعترض عليه بأن معنى الحديث: بأنه لا يهتم بالاستنجاء، أما إذا غلب على ظنه أنه أنقى المحل فقد تطهر، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد تؤدي كثرة الاستنجاء إلى الوسوسة. فالراجح: أنه يكفي في الاستنجاء غلبة الظن، والله أعلم. المطلب السادس: حكم الترتيب بين الاستنجاء والوضوء. ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح الوضوء قبل الاستنجاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٤).

стр. 109

واستدلوا بأن من توضأ ثم لف على يده خرقة حتى لا يمس فرجه واستنجى، فإن طهارته صحيحة. واستدلوا بما روى البخاري عن علي، قال النبي ﷺ : «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» (١). واعترض عليه: بأنه وردت عند مسلم «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (٢). ثم إن الواو لا تقتضي الترتيب، والأصل هو الاستنجاء قبل الوضوء، ولو توضأ ثم لف على يده خرقة واستنجى من غير أن يمس ذكره، فهو جائز على قول جماهير أهل العلم. قال الحافظ: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر ولكن من يقول بمسه يشترط أن يكون ذلك بحائل. والسنة أن يستنجى قبل الوضوء ليخرج من الخلاف، وليأمن من عدم انتقاض طهره (٣). المطلب السابع: نَضْح الماء على الفرج والسراويل بعد الوضوء: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب نضح الفرج أو السراويل بشيء من الماء (٤). واستدلوا بما ورد عَنْ أَبِي الْحَكَمِ، أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ» (٥).

стр. 110

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . وبالتالي لا يستحب نضح الفرج بعد الوضوء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على نضح الفرج بعد الوضوء والأصل براءة الذمة، والله أعلم. المطلب الثامن: إذا تجاوز الخارج موضع العادة هل لا بد من الاستنجاء أم يكفي الاستجمار؟ ذهب جمهور العلماء (١) إلى أن الغائط إذا تجاوز الحد المعتاد فإن الحجارة لا تجزئ لأنها لا تنقي، ويتعين الماء الطهور. أما الحنفية فقالوا: يكفي بكل مائع مزيل (٢). والراجح: أن النجاسة تُزال بأي مزيل بالماء أوبالحجارة أوبالمناديل وغيرذلك، ويُشترط أن تُزال عين النجاسة، والأفضل هو الماء لأنه أفضل في الإنقاء، وقد تكون المناديل الورقية أفضل من الأحجار، وإذا تعذر استخدام الماء، فالأحجار تجزئ إذا كانت تنقي، والأمر على حَسَب الاستطاعة. قال شيخ الإسلام: ويجزي الاستجمار ولو بواحدة في الصفحتان والحشفة وغير ذلك

стр. 111

لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (١). المبحث الثاني: تطهير الإناء من ولوغ الكلب. روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ». المبحث الثالث: تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض: في الصحيحين من حديث أسماء ﵄ قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال ﷺ : «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ» (٢). المبحث الرابع: تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة. لتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان: الوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (٣). الوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (٤). قال الحافظ ابن حجر: وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: «لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى،

стр. 112

فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ» (١). المبحث الخامس: تطهير الأشياء الصقيلة كالسيف، والمرآة والسكين بالمسح: وذلك لأن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، وكذلك فإن الصحابة﴾ كانوا يقاتلون، وكان يصيب سيوفهم الدم، ولم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بغسلها. وكذا فالأجسام الصقيلة ليس فيها مسام؛ فلا تدخل فيها النجاسة، فإذا مُسحت طهرت. المبحث السادس: تطهير جلد الميتة بالدباغ: روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢). قال أبو داود: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَه: إِهَابٌ، إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً (٣). قال الجوهري: والإهاب: الجلد ما لم يُدبغ (٤). المبحث السابع: التطهير بالدلك:: عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» (٥). قال الخطابي: قال مالك: إن الأرض يُطهر بعضها بعضًا، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يُطهر بعضها، فأما النجاسة مثل البول ونحوه

стр. 113

يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، وهذا إجماع (١). المبحث الثامن: التطهير بالاستحالة: قال ابن القيم: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَطَهَارَةُ الْخَمْرِ بِالِاسْتِحَالَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ لِوَصْفِ الْخُبْثِ، فَإِذَا زَالَ الْمُوجِبُ زَالَ الْمُوجَبُ، وَهَذَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا بَلْ وَأَصْلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ، وَقَدْ نَبَشَ النَّبِيُّ ﷺ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ التُّرَابَ، وَقَدْ أَخْبَرَ الله سُبْحَانَهُ عَنْ اللَّبَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ، حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ إذَا سُقِيَتْ بِالْمَاءِ النَّجَسِ ثُمَّ سُقِيَتْ بِالطَّاهِرِ حَلَّتْ لِاسْتِحَالَةِ وَصْفِ الْخُبْثِ وَتَبَدُّلِهِ بِالطَّيِّبِ، وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الطَّيِّبَ إذَا اسْتَحَالَ خَبِيثًا صَارَ نَجَسًا كَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا اسْتَحَالَ بَوْلًا وَعَذِرَةً، فَكَيْفَ أَثَّرَتِ الِاسْتِحَالَةُ فِي انْقِلَابِ الطَّيِّبِ خَبِيثًا وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي انْقِلَابِ الْخَبِيثِ طَيِّبًا؟! وَاَلله تَعَالَى يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنْ الْخَبِيثِ وَالْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَصْلِ، بَلْ بِوَصْفِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ (٢). قال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا (٣).

стр. 114

المبحث التاسع: الأسآر، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سؤر الآدمي: سؤر الآدمي طاهر، سواء كان محدثًا أو غير محدث، وسواء كان رجلًا أو امرأة، دل على ذلك النصوص المستفيضة، وقد كان الصحابة﴾ يشرب بعضهم من سؤر بعض، ولو كان سؤر الآدمي نجسًا لبين ذلك النبي ﷺ لأمته. في الصحيحين عن أَنَسِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ البِئْرِ، فَتَنَاوَلَ القَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ» (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ (٢). وسؤر الكافر طاهر؛ لأن الله أباح طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم، والأكل من آنيتهم. وصح أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأن أحد الصحابة كان جنبًا فاغتسل من ذلك الماء. المطلب الثاني: طهارة سؤر ما يؤكل لحمه: قال ابن قدامة: أجمع الفقهاء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه (٣). المطلب الثالث: طهارة سؤر الهرة: عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، أَنَّهَا صَبَّتْ لِأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بْنَةَ أَخِي أَتَعْجَبِينَ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ أَوالطَّوَّافَاتِ».

стр. 115

خلاصة ما ورد في النجاسات المبحث الأول: تعريف النجاسة في الشرع: هي قذر مخصوص وهي ما يمنع من الصلاة كالبول والغائط. المبحث الثاني: أقسام النجاسات: القسم الأول: النجاسة التي تخرج من الآدمي: المخرج الأول: خروج الغائط من الدبر. نجس بالإجماع، ولعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]. المخرج الثاني: النجاسة التي تخرج من القُبل كالبول والمذي والودي ١ - نجاسة البول: بول الآدمي الكبير نجس بالإجماع، وبول الصبي الصغير نجس عند الجمهور، وبعض الحنابلة والظاهرية يقول بطهارة بول الصبي الصغير الذي لم يأكل الطعام. واستدلوا بأن النبي ﷺ نضح من بول الصبي الرضيع ولم يغسله. واعترض عليه بأن التخفيف في تطهير النجاسة لا يدل علي الطهارة فثوب المرأة الطويل إذا أصابه نجاسة يطهره ما بعده من التراب، وقيل: إن هذا تخفيف في رش الماء من بول الصبي دون الجارية لكثرة حمل الذكران لفرحهم بهم. ٢ - نجاسة المذي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي وهو الذي يخرج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ ابْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ». ٣ - نجاسة الودي: وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول، وحكمه حكم البول فهو يخرج

стр. 116

عقباه ويجري مجراه فهو نجس بالإجماع. ٤ - خروج دم الحيض من فرج المرأة نجس بالإجماع. ٥ - الدم المسفوح نجس لعموم قوله تعالى: ﴿قلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نجس. المخرج الثالث: خروج البول والغائط من غير السبيلين نجس لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]. القسم الثاني: نجاسة الحيوان غير الأنسان: ١ - نجاسة لعاب الكلب: لعموم قول النبي ﷺ : «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ». يدل على النجاسة التي حلت بولوغ الكلب فيه، فإذا كان الماء ينجس بلعاب الكلب، فلعابه نجس. ٢ - نجاسة الخنزير: نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ٣ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى نجاسة سباع البهائم والطير. واستدلوا بحديثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ» ومعنى الحديث أن السباع إذا ولغت وشربت من الماء فإن كان قليلًا فإنها تنجسه، فهذا دليل على نجاسة السباع. ٤ - نجاسة الميتة: نُقل الإجماع على نجاسة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي إذا مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية. ٥ - والجلالة: هي التي تأكل العَذِرة، من الإبل، والغنم، والدجاج، وغيرها، حتى يتغير ريحها، فإن حُبست بعيدة عن العذرة زمنًا وعُلفت طاهرًا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها، حلت؛ لأن علة النهي قد زالت.

стр. 117

الفصل الثاني أشياء مختلف في نجاستها والراجح طهارتها القسم الأول: طهارة الآدمي، وفيه: ١ - طهارة المسلم سواء كان محدثًا أو غير محدث لعموم قول النبي ﷺ : «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». ٢ - طهارة بدن المشرك: لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإذا كان طعامهم حِلًا لنا لزم من ذلك طهارة أيديهم التي يباشرون بها الطعام، وإذا كان يجوز للمسلم الزواج بالعفيفة من أهل الكتاب وبالطبع يباشر جسدها ويصاب من عرقها، ولو كان المشرك نجس البدن لما ربط رسول الله ﷺ ثمامة بن أثال، بسارية في المسجد وهو لا يزال مشركا فدل ذلك على طهارة بدن المشرك، أما المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فهو نجاسة معنوية، أي نجاسة الشرك، وأنه لو تشهد بالشهادتين صار طاهرًا بإيمانه لأن المؤمن لا ينجس. ٣ - طهارة المني: لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وإذا كان مبتدأ خلق بني آدم ومنهم الأنبياء والرسل فهل يكون أصل هؤلاء نجسًا، وصح عن ابن عباس ﵁ قال: «الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ» قلت: وإذا كان المخاط طاهرًا فكذا المني. والله أعلم. ٤ - طهارة رطوبة فرج المرأة: قال ابن عابدين: وأما رطوبة الفرج الخارج فطاهرة اتفاقًا. ولو كانت رطوبة فرج المرأة نجسة لبينها النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا أمهات المؤمنين، فلما لم يرد ذلك علم طهارة رطوبة الفرج. ٥ - طهارة اللبن: فلَّبن المرأة طاهر بالإجماع، وكذا لبن مأكول اللحم، قال تعالى ممتنًا على عباده: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [المائدة: ٦٦]. ٦ - طهارة القيء: أن القيء مما تبتلى به الأمهات، ويكثر من الأطفال، ولو كان هذا

стр. 118

القيء نجسًا لبينه النبي ﷺ لأمته، ونقله لنا أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين ﷺ ؛ لأن هذا الفعل يكثر ويتكرر وقوعه، فلما لم يُحفظ دليل على نجاسته عُلم أنه طاهر، إذ إن الأصل الطهارة، والله أعلم. القسم الثاني: أنواع الحيوان الطاهر: ١ - طهارة الحيوان مأكول اللحم: وقد نقل ابن حزم الإجماع على طهارة لحمه. ٢ - طهارة الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان المأكول اللحم. ٣ - طهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم: لأن النبي ﷺ أَمَر بعض المرضى بالشرب من أبوال الإبل. فهذا يدل على طهارتها، وطاف النبي ﷺ على بعير وقد يبول البعير أثناء الطواف، ولو كان بوله وروثه نجسًا لما أدخله النبي ﷺ المسجد، والحمَام يسكن في المسجد الحرام من غير نكير مع أنه يبول. ٤ - طهارة ما لا نفس له سائلة: لعموم قوله ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً». ٥ - ذهب جمهور العلماء إلى طهارة سؤر الهرة: لعموم ما ورد عن أبي قتادة أنه أصغى الإناء للهرة حتى شربت منه ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ». ٦ - طهارة بدن الحيوان المركوب كالحمار والبغل: لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [المائدة: ٨]. فسَخَّر الله الخيل، والبغال، والحمير لتُركب، ولا شك أن من ركبها فإنه قد يصاب من عرقها ولعابها، ولو كانت نجسة لما أباحها الله لهم. ٧ - طهارة دم الكبد والطحال والسمك: لعموم قول ابْنِ عُمَرَ، «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ». ٨ - إنفحة الميتة طاهرة. وهل الخمر نجسة؟ الأصل في الأعيان الطهارة ولم يأت دليل صحيح صريح يدل على نجاسة الخمر، والأدلة التي وردت تفيد تحريم الخمر وعدم الانتفاع بها وغير ذلك، وليس فيها ما يفيد النجاسة، والله أعلم.

стр. 119

الفصل الثالث: تطهير النجاسات ١ - حكم ازالة النجاسة: هناك عبادات يشترط لها إزالة النجاسة كالصلاة، وهناك عبادات لا يشترط لها إزالة النجاسة كالذكر، فكان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. ٢ - الأصل في تطهير النجاسات الماء، فالماء يطهر البدن بالاستنجاء وكذا يُطَهِّر من المذي والودي بغسل، ويُطَهّر الثوب والمكان وغير ذلك. ٣ - تطهير الإناء من ولوغ الكلب: لما روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». ٤ - تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض: في الصحيحين من حديث أسماء ﵄ قالت: إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال ﷺ : «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقُرُضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصلي فِيهِ». ٥ - تطهير الأرض التي أصابتها النجاسة: لتطهير الأرض التي أصابتها النجاسة وجهان: الوجه الأول: صَبُّ الماء عليها؛ لما ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». الوجه الثاني: جفاف الأرض: روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ قال: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. ٦ - تطهير جلد الميتة بالدباغ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ».

стр. 120

٧ - التطهير بالدلك: فعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ». ٨ - التطهير بالاستحالة: قال شيخ الإسلام: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ نَفْسَ النَّجِسِ لَمْ يَطْهُرْ لَكِنْ اسْتَحَالَ، وَهَذَا الطَّاهِرُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ النَّجِسَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا مِنْهُ وَالْمَادَّةُ وَاحِدَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ هُوَ الزَّرْعَ وَالْهَوَاءَ وَالْحَبَّ وَتُرَابُ الْمَقْبَرَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَيِّتَ وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ هُوَ الْمَنِيَّ، وَاَلله تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامَ الْعَالَمِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيُحِيلُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَهِيَ تُبَدَّلُ مَعَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ هَذَا هَذَا. * * *

стр. 121

الباب الثالث: الآنية وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما إلا الذهب والفضة. المبحث الثاني: الآنية المتخذة من الذهب والفضة، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب. المطلب الثالث: حكم الطهارة في أواني الذهب والفضة. المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة. المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب. المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة. المبحث الثالث: في طهارة آنية الكفار. المبحث الرابع: الآنية المتخذة من الميتة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأواني المتخذة من جلود الميتة. المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها. المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها.

стр. 122

المبحث الأول حكم استعمال الأواني من الجواهر النفيسة كالياقوت والفيروز وغيرهما إلا الذهب والفضة حُكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة. قال ابن حجر: وَقد نَقَل ابن الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ (١). قلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد حدث خلاف في المسألة. وهذا القول ذهب إليه الحنفية والمشهور عند المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بأن الأصل في الأشياء الإباحة، دل على الأصل عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٢٩]. قال ابن حزم: فَصَحَّ أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم أو أمر فهو مباح (٣). وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. قال بعض المالكية: وحكى قولًا في مذهب الشافعية أنه يحرم الأكل والشرب وسائر الاستعمال في الأواني النفيسة (٤).

стр. 123

واستدلوا بأنه إذا كانت العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهي محرمة، فمن باب أَوْلى هذه الأواني النفيسة التي هي أغلى ثمنًا من الذهب والفضة. واعترض عليه بأن هذه الأواني من الياقوت والزبرجد نادرة ولا يعرفها إلا خواص الناس، والحكم للغالب. والراجح: جواز استعمال الأواني النفيسة من الزبرجد والياقوت غير الذهب والفضة. * * *

стр. 124

المبحث الثاني الآنية المتخذة من الذهب والفضة وفيه ستة مطالب المطلب الأول: حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة: حكى الإجماع على تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. واعترض عليه بأن هذا الإجماع منخرم فقد ورد خلاف في المسألة (١). ولكن ذهب إلى التحريم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إن الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ- إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٣).

стр. 125

واعترض عليه بأن ذكر الأكل والذهب ليس محفوظًا من حديث أم سلمة، وأن المحفوظ ما ورد في الصحيحين عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». واستدلوا بما روي عن حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (١). المطلب الثاني: حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب. نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كالادهان والتطيب والوضوء وغيرها من سائر الاستعمالات. فقال ابن عبد البر: وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ لَا يُجِيزُونَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنَ الذَّهَبِ، كَمَا لَا يُجِيزُونَ

стр. 126

ذَلِكَ مِنَ الْفِضَّةِ (١). وقال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (٢) (٣). قلت: ورد خلاف في المسألة: قال الشوكاني: وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَتِمُّ مَعَ مُخَالَفَةِ دَاوُدَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ (٤). فالصحيح أن هذا قول الجمهور وليس في المسألة إجماع. واستدلوا لذلك بأن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة محرم، وعلة التحريم هي السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، ويقاس عليه سائر الاستعمال؛ لأن العلة في تحريم الأكل والشرب موجودة في الاستعمال. وذهب الصنعاني (٥) والشوكاني (٦) إلى أنه لا يحرم إلا الأكل والشرب؛ لأن الأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، دل ذلك على أن ما عداهما جائز، ولو كان الاستعمال حرامًا لبينه رسول الله ﷺ وما كان ربك نسيًّا.

стр. 127

واعترض عليه بأن ذكر الأكل والشرب لا يدل على التخصيص؛ لأنه خرج مخرج الغالب وأن الله حرم الأكل والشرب لأنه نوع من الاستعمال، ولهذا شواهد: قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وليس المحرم أكل مال اليتيم فقط ولكن المحرم سائر الاستعمالات، وذِكْر بعض أفراد العام لا يخصصه. فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه. المطلب الثالث: حكم الطهارة في آنية الذهب والفضة. اختلف العلماء على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد (١). واستدلوا لذلك بأن حقيقة الوضوء هو جريان الماء على الأعضاء فليس هذا بمحرم، كما أنه لو أكل في إناء الذهب لم يكن المأكول حرامًا، إنما المحرم إناء الذهب، فكذا الطهارة. قال الشافعي: وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي شَرِبَ وَلَا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ فِيهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَكَانَ الْفِعْلُ مِنْ الشُّرْبِ فِيهَا مَعْصِيَةً، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهَا وَلَا يَحْرُمُ الْمَاءُ فِيهَا؟ قِيلَ لَهُ - إنْ شَاءَ اللهُ-: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْفِعْلِ فِيهَا لَا عَنْ تِبْرِهَا، وَقَدْ فُرِضَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَتَمَوَّلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا لَمْ يَتَمَوَّلْهَا أَحَدٌ وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا (٢). القول الثاني: لا تصح الطهارة في آنية الذهب والفضة، وهو قول في مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة، وبه قال داود الظاهري (٣).

стр. 128

واستدلوا بأنه لما حرم استعمال الإناء كان التطهر به معصية، دل ذلك على أنه لا يجزئ التطهر منه. واعترض عليه: بأنه لا تلازم بين التحريم والصحة إلا إذا كان في ركن العبادة أو شرطها، أما إذا كان في أجنبي عنها لم يؤثر، كما لو صلى رجل وفي يده خاتم ذهب فهو محرم ويأثم مع صحة الصلاة. قال شيخ الإسلام: وَالْإِنَاءُ فِي الطَّهَارَةِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا؛ فَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا (١). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة الطهارة مع الإثم، والنهي عن استعمال الآنية لم يكن عائدًا للوضوء وإنما هو لأمر خارج، والله أعلم. المطلب الرابع: حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة. ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المشهور عنهم (٢). استدلوا بعموم قوله ﷺ : «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ»، مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا (٣)، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ (٤)، والاتخاذ ذريعة للاستعمال. قال ابن عبد البر: مَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهَا لَا يَسْلَمُ مِنْ بِيعَهَا أَوِ اسْتِعْمَالِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَأْكُولَةً وَلَا مَشْرُوبَةً، فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا غَيْرَ اسْتِعْمَالِهِ (٥).

стр. 129

وذهب الحنفية وقول عند المالكية وبعض أصحاب الشافعي ورواية عند أحمد (١) إلى جواز اتخاذ أواني الذهب والفضة. واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين أن حذيفة ﵁ اقْتَنَى إِنَاءٍ مِنْ الفِضَّةٍ. واستدلوا بأن الأحاديث وردت بتحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والاتخاذ غير ذلك فلا يدخل في هذه النصوص. واستدلوا بجواز اتخاذ أواني الفضة بالقياس على جواز اتخاذ ثياب الحرير. واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فإن ثياب الحرير إذا كانت محرمة للرجال فقد أبيحت للنساء، أما تحريم آنية الذهب والفضة فمحرمة على النساء والرجال. فالراجح: حرمة اتخاذ أواني الذهب والفضة؛ لعموم قوله ﷺ : «فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال هي السرف والخيلاء فهو موجودة في الاتخاذ، وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه فهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني، والله أعلم. المطلب الخامس: حكم الأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: بجواز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، وهو قول أبي حنيفة وبعض المالكية وقول عند الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بأن المحرم هو آنية الذهب والفضة، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب.

стр. 130

واستدلوا بالقياس، فكما أنه يحرم على الرجل لبس الحرير وأبيح إن كان يسيرًا وكان تابعًا، فكذا المضبب بالذهب إذا كان كذلك. وكما أنه يحرم إناء الفضة وإذا كان مضببًا جاز، فكذا الذهب. واعترض عليه بأن النص أباح المضبب بالفضة، والفضة أقل ثمنًا من الذهب وأوسع ولذا أبيح الخاتم من الفضة. القول الثاني: يحرم التضبيب بالذهب، وهو المشهور عن المالكية، والشافعية، والحنابلة (١)، واستدلوا بعموم النصوص التي تدل على تحريم آنية الذهب والفضة، فيدخل في النص القليل والكثير من الضبة، واستثنى الفضة بالنص فبقي ضبة الذهب على التحريم. واعترض عليه بأنه إذا أبيحت ضبة الفضة فيقاس عليه الذهب لأن النص المحرم جَمَع بين حكمها، فلما أبيح ضبة الفضة أبيحت ضبة الذهب. المطلب السادس: حكم الإناء المضبب بالفضة: ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة، وإليه ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، واستدلوا لذلك بما روى البخاري (٣) من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قَالَ عَاصِمٌ: رَأَيْتُ القَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ. فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز. وذهب مالك في قول ورواية عن أحمد أنه لا يجوز التضبيب بالفضة مطلقًا (٤). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ

стр. 131

فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (١). واعترض عليه بأن زيادة (أو إناء فيه شيء من ذلك) منكرة. أما دليلهم من المأثور: ١ - فعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنه كَانَ لَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ، وَلَا ضَبَّةُ فِضَّةٍ» (٢). ٢ - وعَن عمْرَة أَنَّهَا قَالَتْ: كنا مع عائشة فما زلنا بها حتى رخصت لنا فِى الحلي ولم ترخص لنا فِي الْإِنَاء المفضض (٣). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو جواز الوضوء في الإناء المضبب بالفضة؛ لما ورد أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، ولأن النبي ﷺ نهى عن الشرب في آنية الفضة، ولا يقال للإناء المضبب بالفضة إنه إناء من فضة فلا يدخل في عموم النهي. * * *

стр. 132

المبحث الثالث في طهارة آنية الكفار اختلف أهل العلم في طهارة آنية الكفار على خمسة أقوال: القول الأول: يُكره استعمال أواني المشركين قبل غسلها، وهو قول الحنفية (١). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (٢). نهى النبي ﷺ عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها والنهي إذا كان للتحريم فقد وردت أدلة تصرف النهي للكراهة كقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (٥)﴾ [المائدة]، وقد أكل النبي ﷺ من طعام أهل الكتاب. القول الثاني: ذهب مالك إلى أنه يجب غسل ما استعملوه من الآنية، ولا يجب غسل ما صنعوه ولم يستعملوه (٣) لعموم قول النبى ﷺ : «فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا»، والنهي للتحريم، وأهل الكتاب يأكلون الميتة فيغلب على آنيتهم النجاسة. واعترض عليه بأن النبي ﷺ أكل من طعام أهل الكتاب، ولو كان محرمًا ما فعله ﷺ . وأما التفريق الذي فرقوه فليس عليه دليل.

стр. 133

القول الثالث: إذا تيقن طهارتها لم يُكره له استعمالها، وإن لم يَتَقن طهارتها كره استعمالها حتى تُغسل، وبه قال الشافعية (١). القول الرابع: يباح استعمال آنية الكفار حتى يُعلم نجاستها، وبه قال الحنابلة (٢)، واستدلوا لذلك بما روي في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: «فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا» (٣). والجراب إناء من آنية أهل الكتاب، ولو كان غسله واجبًا لبينه رسول الله ﷺ . وروى البخاري عن أبي هريرة وفيه: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ (٤). فالنبي ﷺ أكل من طعام اليهود في آنيتهم، وصح أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها. واستدلوا أيضًا بأن الأصل في أواني المشركين الطهارة حتى يُعلم نجاستها. القول الخامس: يجب غسل أواني المشركين ولا يجب غسل أواني أهل الكتاب، وهو قول عند الحنابلة (٥). واستدلوا بأن أهل الكتاب تحل ذبيحتهم بخلاف المشركين، فكذا لا يجب غسل أوانيهم بخلاف المشركين. واعترض عليه: بما ورد في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ وأصحابه شربوا من مزادة امرأة مشركة. والراجح: أنه يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب جمعًا بين حديث أبي ثعلبة والأدلة التي تُجوز ذلك، والله أعلم.

стр. 134

المبحث الرابع الآنية المتخذة من الميتة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: هل الدباغ يطهر جلود الميتة أم لا؟ اختلف أهل العلم في هذه المسالة على أقوال: القول الأول: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ مطلقًا، وبه قال مالك، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة: أما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. فإذا كان الجلد جزء من الميتة فلا يطهر بالدباغ كاللحم. واعترض عليه بأن الذي يحرم بالموت هو اللحم. أما الشعر فهو طاهر على قول الجمهور اذا جز سواء في حال الحياة أو بعد الموت، أما الجلد فقد صح فيه قول النبي ﷺ «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» (٢).

стр. 135

أما دليلهم من السنة فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنِ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ (١). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ .

стр. 136

القول الثاني: أن الدباغ يطهر جميع الجلود حتى جلد الكلب والخنزير وهو قول الظاهرية (١) واستدلوا بما روى مسلم عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ» (٢). وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» فقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ: قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» (٣). وانفرد مسلم في رواية بلفظ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟» فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وزيادة: «فَدَبَغْتُمُوهُ» شاذة (٤). عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «طَهُورُ كُلِّ أَدِيمٍ دِبَاغُهُ» (٥).

стр. 137

القول الثالث: إن الدباغ لا يطهر ما تحله الذكاة وهو قول مالك في رواية وقول عند الحنابلة (١). عن سلمة أن النبي ﷺ أَتَى عَلَى بَيْتٍ قُدَّامُهُ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ النَّبِيُّ الشَّرَابَ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا». وفي لفظ: «ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ»، وفي لفظ: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» (٢). وجه الدلالة بأن ذكاة الأديم دباغه، فإن الدباغ ينزل منزلة الذكاة فالذي يحل جلده إذا مات حتف أنفه، وما لا يحل أكل لحمه إذا ذكى ذكاة شرعية كالحمار الدباغ لا يحل جلده إذا مات حتف أنفه. واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف. الثاني: أن قد ورد لفظة: «دِبَاغُهُ طَهُورُهُ» فهو يدل على أن الدباغ يطهر كل إهاب، وهو يوافق حديث: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ». قال أبو ثور: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ فِي جِلْدِ خِنْزِيرٍ وَإِنْ دُبِغَ فَلَمَّا كَانَ الْخِنْزِيرُ حَرَامًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَكَانَتْ السِّبَاعُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَإِنْ ذُكِّيَتْ كَانَ حَرَامًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِجِلُودِهَا وَإِنْ دُبْغَتْ قِيَاسًا عَلَى ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً (٣). عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ (٤).

стр. 138

القول الرابع: أن الدباغ يطهر جميع جلود الميتة بما في ذلك ما لا يؤكل لحمه إلا الكلب والخنزير وبه قال الشافعية (١) (٢). قال الشافعي: وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسًا حيًّا (٣). فالشافعي استدل بطهارة جميع الجلود لعموم قول النبي ﷺ «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ». واستثنى الكلب والخنزير لأنهما مما إذا كانا نجاسان وهم حيّان فكذا بعد الموت. أما الحنفية فيرون طهارة جلد الكلب بالدباغ أما الخنزير فلا يطهر بالدباغ. وكذا استثنى جلد الإنسان فلا يجوز الانتفاع به لاحترامه (٤). المطلب الثاني: حكم الأواني المتخذة من عظام الميتة وقرنها (٥). اختلف أهل العلم في حكم الآنية المتخذة من عظام الميتة على قولين:

стр. 139

القول الأول: ذهب الحنفية إلى جواز اتخاذ الآنية من عظام الميتة (١). واستدلوا بأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى بعدم التنجيس. القول الآخر: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن عظام الميتة نجسة مثل لحم الميتة (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والعظم من جملتها فيكون محرمًا، وعموم قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨]، وما يحيا فهو يموت، ولأن دليل الحياة الإحساس والألم، والألم في العظم أشد من الألم في اللحم والجلد. واعترض عليه بما قاله شيخ الإسلام: وَأَمَّا الْعِظَامُ وَنَحْوُهَا فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ لِأَنَّهَا تُحِسُّ وَتَأْلَمُ. قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ لَا يُنَجِّسُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَعَ أَنَّهَا مَيِّتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ». وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يُنَجِّسُ. فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يُنَجِّسُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَكَيْفَ يُنَجِّسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ! (٣).

стр. 140

المطلب الثالث: حكم الأواني المتخذة من شعر الميتة ووبرها وصوفها. أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُز من حيوان طاهر وهو حي، فإنه طاهر، واختلفوا فيما إذا جز من حيوان ميت: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل]. وجه الدلالة: أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها، وهي أصواف الشاة، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، وبهذا يجوز اتخاذ الآنية من الشعر والصوف والوبر. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٥﴾ [النحل: ٨٠]. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ والدفء الذي يحصل من الأنعام ما يتدفأ به من شعرها وصوفها ووبرها، وذلك يقتضي إباحة الانتفاع بالشعر والصوف والوبر من الأنعام حال الحياة والموت. وفي الصحيحين عن عَبْدِ الله بْنَ عَبَّاسٍ ﴿قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: «هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟»، قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» (٢)، أما الشعر والصوف والوبر فلا بأس بذلك. قال ابن القيم: وَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بَيْعُ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ، وَتُفَارِقُهَا بِالْمَوْتِ، كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْعَصَبِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةِ، وَلَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ (٣).

стр. 141

وقال ابن تيمية: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا (١). قلت: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه حال الحياة. وذهب الشافعية في المشهور عنهم، ورواية عن أحمد أن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل أجزاء الميتة من شعر وصوف ووبر وغيره. واعترض عليه من وجهين: الأول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] هذا عام، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] هذا خاص في طهارة الشعر والصوف والوبر، والخاص مقدم على العام. الثاني: أن الشعر لا تدخله الحياة (٣). * * *

стр. 142

خلاصة الآنية (١) يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة. (٢) يحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة لعموم قول النبي ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». (٣) ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم. (٤) ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة. دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةٍ» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ، والاتخاذ ذريعة للاستعمال. وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه وهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني. (٥) يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، لأن المحرم هو آنية الذهب، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب. (٦) ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة؛ لما روى البخاري من حديث أنس أن قدح النبي ﷺ : «انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز. (٧) يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب قبل الأكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقد أكل النبي ﷺ من طعام أهل الكتاب، روى البخاري من حديث أبي هريرة: وفيه «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ،. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى

стр. 143

ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. والرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها وكان جنبًا. أما ما ورد عن أبي ثعلبة: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» فنهى النبي ﷺ عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها وقد يكونون يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فدل ذلك على استحباب غسل آنية المشركين. الآنية المتخذة من الميتة: ١ - يطهر جلد الميتة بالدباغ؛ لما روى مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فدل الحديث على أن الدباغ يُطهر كل إهاب. ٢ - يجوز اتخاذ الآنية المتخذة من عظام الميتة لأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى. ٣ - أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُزَّ من حيوان طاهر وهو حي؛ فإنه طاهر، وذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ٨٠﴾ [النحل: ٨٠]. أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها وهي أصواف الشاة. * * *

стр. 144

الباب الرابع قضاء الحاجة وفيه تمهيد و أربعة فصول التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مقدمة لا بد منها. المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء. المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة. الفصل الأول: ما يستحب عند قضاء الحاجة، وفيه ثلاثة عشر مبحثًا: المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء. المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث. المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء. المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند دخول الخلاء. المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج. المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا. المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض. المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.

стр. 145

المبحث الثامن: يستحب عند الاستنجاء أن يبدأ بغسل القبل قبل الدبر حتى لا تتنجس يده. المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر. المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة. المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة. المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان: الأول: قول: غفرانك. الثاني: قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء. الفصل الثانى: ما يُكره عند قضاء الحاجة، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء. المطلب الثاني: الكلام في الخلاء. المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى. المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا. المبحث الرابع: البول قائمًا. المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر. الفصل الثالث: ما يباح عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة. المبحث الثاني: يباح البول في الإناء. المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع. الفصل الرابع: ما يحرم عند قضاء الحاجة.
следующие страницы →