← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال ابن تيمية: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا (١). قلت: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه حال الحياة. وذهب الشافعية في المشهور عنهم، ورواية عن أحمد أن الشعر والوبر والصوف من الميتة نجس (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا عام في كل أجزاء الميتة من شعر وصوف ووبر وغيره. واعترض عليه من وجهين: الأول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] هذا عام، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] هذا خاص في طهارة الشعر والصوف والوبر، والخاص مقدم على العام. الثاني: أن الشعر لا تدخله الحياة (٣). * * *

стр. 142

خلاصة الآنية (١) يجوز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة غير الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة. (٢) يحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة لعموم قول النبي ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». (٣) ذهب جمهور العلماء إلى أن الطهارة في آنية الذهب والفضة صحيحة مع الإثم. (٤) ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة. دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةٍ» مفهومه أنها ليست لكم في الدنيا، دل ذلك على تحريم الاتخاذ والاستعمال للمؤمنين في الدنيا، وإذا كانت العلة في الاستعمال السرف والخيلاء فهي موجودة في الاتخاذ، والاتخاذ ذريعة للاستعمال. وإذا رآها الفقير فقد ينكسر قلبه وهو لا يجد ما يسد جوعته ويواري سوءته وهذا الغني يتخذ هذه الأواني. (٥) يجوز الأكل والشرب بالإناء المضبب بالذهب، لأن المحرم هو آنية الذهب، والمضبب بالذهب لا يطلق عليه إناء ذهب. (٦) ذهب جمهور العلماء إلى جواز التضبيب بالفضة؛ لما روى البخاري من حديث أنس أن قدح النبي ﷺ : «انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه، فدل ذلك على أن المضبب بالفضة جائز. (٧) يستحب غسل آنية المشركين وأهل الكتاب قبل الأكل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقد أكل النبي ﷺ من طعام أهل الكتاب، روى البخاري من حديث أبي هريرة: وفيه «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ،. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى

стр. 143

ذَلِكَ؟»، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. والرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم شربوا من مزادة امرأة مشركة، وأحدهم اغتسل منها وكان جنبًا. أما ما ورد عن أبي ثعلبة: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» فنهى النبي ﷺ عن استعمال أواني الكفار مع وجود غيرها وقد يكونون يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فدل ذلك على استحباب غسل آنية المشركين. الآنية المتخذة من الميتة: ١ - يطهر جلد الميتة بالدباغ؛ لما روى مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فدل الحديث على أن الدباغ يُطهر كل إهاب. ٢ - يجوز اتخاذ الآنية المتخذة من عظام الميتة لأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم؛ ولذا ما لا نفس له سائلة كالذباب إذا وقع في الإناء فمات فلا يتنجس الإناء، فالعظم أَوْلى. ٣ - أجمع العلماء على أن الشعر والصوف والوبر إذا جُزَّ من حيوان طاهر وهو حي؛ فإنه طاهر، وذهب جمهور العلماء إلى طهارة الشعر والصوف والوبر؛ لأنها لا تدخلها الحياة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ٨٠﴾ [النحل: ٨٠]. أن الله ذكر بعض النعم والانتفاع بها وهي أصواف الشاة. * * *

стр. 144

الباب الرابع قضاء الحاجة وفيه تمهيد و أربعة فصول التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مقدمة لا بد منها. المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء. المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة. الفصل الأول: ما يستحب عند قضاء الحاجة، وفيه ثلاثة عشر مبحثًا: المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء. المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث. المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء. المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند دخول الخلاء. المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج. المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا. المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض. المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة.

стр. 145

المبحث الثامن: يستحب عند الاستنجاء أن يبدأ بغسل القبل قبل الدبر حتى لا تتنجس يده. المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر. المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة. المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة. المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان: الأول: قول: غفرانك. الثاني: قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء. الفصل الثانى: ما يُكره عند قضاء الحاجة، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء. المطلب الثاني: الكلام في الخلاء. المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى. المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا. المبحث الرابع: البول قائمًا. المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر. الفصل الثالث: ما يباح عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة. المبحث الثاني: يباح البول في الإناء. المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع. الفصل الرابع: ما يحرم عند قضاء الحاجة.

стр. 146

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: مقدمة لا بد منها. الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فالناظر في الشريعة الغراء يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يُصلح العباد في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية قد علَّمنا إياها رسول الهدى ﷺ ؛ فروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ … (١). فإذا كان نبينا ﷺ قد علَّمنا كل شيء، فلماذا نتحاكم إلى حثالة أذهان البشرية ونترك شريعة رب البرية؟! قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ٣٨]. المبحث الثاني: تعريف الاستنجاء: هو مَسْح موضع الأذى أو غسله، وفي الصحاح: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله (٢).

стр. 147

المبحث الثالث: وجوب ستر العورة عند قضاء الحاجة: قال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (١). ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (٢). وروى أحمد وغيره بإسناد حسن: قال رسول الله ﷺ : «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (٣). * * *

стр. 148

الفصل الأول ما يستحب عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة عشر مبحثًا المبحث الأول: استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء: وقد نقل النووي الإجماع على استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء (١)، ودل على ذلك النصوص الكثيرة فمنها: ما ورد في الصحيحين عَنْ المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ (٢). هل يشرع الابتعاد في الغائط فقط أو البول والغائط؟ الابتعاد في الغائط لأن فيه زيادة تَكَشُّف، وإذا كان المقصود التستر فقد يحصل لمن بال قائمًا بإرخاء ذيله. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (٣). فدل هذا الحديث على أن النبي أمر حذيفة أن يكون قريبًا منه وهو يبول وأن هذا جائز، فلا بأس على من يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى من ظهور عورته. المبحث الثاني: أذكار دخول الخلاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: استحباب التعوذ من الخبث والخبائث: نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على استحباب قول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث

стр. 149

والخبائث عند دخول الخلاء (١). قال النووي: وهو مجمع على استحبابه، لا فرق بين البنيان والصحراء (٢). وفي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ (٣) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائث» (٤). وقال الجمهور: يُشرع قول هذا الدعاء في الصحاري وفي البنيان، فإذا كان المكان معدًّا لقضاء الحاجة قال الذكر قبل دخوله، وإن كان في الصحاري قال الذكر قبل أن يشمر ثوبه. المطلب الثاني: حكم التسمية عند دخول الخلاء: نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية عند دخول الخلاء فقال: وهذا الأدب (يعني: قول التسمية) متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان (٥). وهذا الإجماع منخرم فهناك قول للمالكية بأنه لا يشرع التسمية مطلقًا (٦). واستدل جمهور العلماء بما ورد عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلْتُمْ الْخَلَاءَ،

стр. 150

فَقُولُوا: بِسْمِ الله: أَعُوذُ بِالله مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (١) واعترض عليه بأن زيادة (بِسْمِ الله) شاذة ولا تصح عن رسول الله. وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: «بِسْمِ الله» (٢). واعترض عليه بأن الأحاديث التي ذُكر فيها بسم الله لا تصح. والصحيح أن يقول الداخل إلى الخلاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» بدون ذكر التسمية.

стр. 151

المبحث الثالث: يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء: روى البيهقي عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ (١). قلت: إسناده ضعيف لكن الأولى لبس الحذاء لأنه يقي من النجاسة، فإذا دخل حافيًا فقد تتنجس رجلاه. المبحث الرابع: استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج: نقل النووي الإجماع على استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء. وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج فقال: وهذا الأدب متفق على استحبابه (٢) وكذا نقل الإجماع ابن قاسم في حاشيته (٣). واستدلوا بأن ما كان من ذلك من باب التكريم قدم فيه اليمين. قال شيخ الإسلام: وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى تُقَدَّمُ فِيهَا الْيُمْنَى إذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ؛ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتُقَدَّمُ الْيُسْرَى فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ (٤). قال النووي: يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْيُمْنَى فِي كُلِّ مَا كانَ مِنْ بَابِ التَّكريمِ كَلُبْسِ النَّعْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ و يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ باليَسارِ

стр. 152

فىِ كُلِّ مَا هو ضِدُّ ذَلِكَ كخَلْعُ النَّعْلِ وَالْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَدُخُولُ الْخَلَاءِ (١). وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» (٢). وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» (٣). المبحث الخامس: يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا: قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه (٤). قال العراقي: يندب لقاضي الحاجة أن يتحرى أرضًا لينة من نحو تراب أو رمل؛ لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه، فإذا لم يجد إلا صُلبة لَيَّنها بنحو عود (٥).

стр. 153

المبحث السادس: استحباب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض: قال النووي: هذا الأدب مستحب بالاتفاق. وفي رواية لأحمد: يحرم ذلك (١) وفي قول للحنابلة: يجوز بلا كراهة إذا أمن النظر إلى العورة (٢) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ (٣). وعَنْ بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَالله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (٤).

стр. 154

قال ابن حجر: ظاهر الحديث يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز مطلقًا. قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة (١). فالحاصل أنه يستحب أن لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الارض. المبحث السابع: الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بما ورد عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى مُدْلِجٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَقَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى (٣). واعترض بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بأن الاعتماد علي الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة إكرام لليمين. قال الشوكاني: لم يصح دليل من قرآن ولا سنة ولا إجماع على استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال قضاء الحاجة، فلا يستحب ذلك (٤). المبحث الثامن: أن يبدأ بالقبل قبل الدبر: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان في حال الاستنجاء يستحب له تقديم غسل القبل

стр. 155

قبل الدبر من أجل أن يأمن التلوث عند غسل الدبر؛ لأن يده قد تمس ذكره، فتتنجس يده (١). المبحث التاسع: يستحب قطع الاستنجاء على وتر: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب قطع الاستنجاء على وتر (٢) لما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (٣). المبحث العاشر: في تغطية الرأس حال قضاء الحاجة: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما السنة: فعَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ (٥). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ (٦).

стр. 156

واعترض عليه بأنه حديث موضوع. أما دليلهم من المأثور: فعن عُرْوَةُ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ، فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَظَلُّ حِين أَذْهَبُ إلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي (١). عَنِ ابْنِ طَاوسٍ قَالَ: أَمَرَنِي أَبِي إذَا دَخَلْتُ الْخَلَاءَ أَنْ أُقَنِّعَ رَأْسِي (٢). قلت: أن تغطية الرأس حال قضاء الحاجة لا تصل للاستحباب، والأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله. والله أعلم. المبحث الحادي عشر: استحباب عدم اللبث فوق الحاجة: نقل النووي الإجماع على استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة (٣). ولكن هذا الإجماع فيه نظر ففي مذهب الحنابلة ثلاث روايات: فهناك رواية بالتحريم (٤) وهناك رواية بالجواز (٥). روى الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ» (٦). وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله. وقال ابن المنذر: وروينا عن لقمان أنه قال لمولاه: إن طول القعود على الخلاء يجمع منه

стр. 157

الكبد ويأخذ منه الناسور. واعترض عليه بما قاله الشوكاني: ومما يُضحك منه التمسك بما رُوي عن لقمان الحكيم أنه يورث الباسور. فيا الله العجب ممن لا يتحاشى عن تدوين مثل هذا الكلام في كتب الهداية، ولقد أبعد النجعة من اعتمد في مثل هذه المسألة الشرعية على لقمان الحكيم (١). قلت: وإذا ثبت عن طريق الطب أن الإطالة تضر بصحة الإنسان فإن هذا له اعتبار. والراجح: استحباب عدم إطالة القعود فوق الحاجة، وعدم كشف العورة إلا لحاجة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار] فالله مطلع علينا ناظر إلينا. المبحث الثاني عشر: أدعية الخروج من الخلاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: قول غفرانك: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول غفرانك لمن خرج من الخلاء (٢). واستدلوا لذلك بما روى أحمد وغيره، عن عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» (٣). وسبب طلب المغفرة بعد قضاء الحاجة ما قَالَه الْخَطَّابِيُّ: وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا

стр. 158

الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ، فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ. قال ابن القيم: في هذا من السر أن النجو يُثقل البدن ويؤذيه باحتباسه والذنوب تُثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحَمِد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه، وأسرار كلماته وأدعيته فوق ما يخطر بالبال (١). المطلب الثاني: قول «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافاني» (٢).

стр. 159

المبحث الثالث عشر: استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تنظيف اليد بعد الاستنجاء. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ دَعَا بِمَاءٍ فَاسْتَنْجَى، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ (٢).

стр. 160

وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ (١). فقوله: (فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ) يدل على تنظيف اليد بالصابون أو غيره بعد الاستنجاء لكي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة والله يحب المتطهرين، فالحمد لله أن رضى الإسلام لنا دينًا؛ ولذا ندعو جميع الشعوب إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. * * *

стр. 161

الفصل الثانى ما يُكره عند قضاء الحاجة وفيه خمسة مباحث المبحث الاول: الكلام أثناء قضاء الحاجة، و فيه مطلبان: المطلب الاول: يُكره ذكر الله تعالى داخل الخلاء. أجمع العلماء على جواز ذكر الله في القلب حال قضاء الحاجة (١). القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكره أن يذكر الله داخل الخلاء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (٣). فدل ذلك على كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء. واعترض عليه بأنه يحتمل أنه لم يرد عليه لأنه على غير طهر، دل على ذلك ما رواه أبو داود بسند صحيح عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ أَنَّهُ أتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه - وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «إِنِّى كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» (٤). وأجيب عليه: بأن الرسول كان يذكر الله علي كل أحيانه، ولو سلم عليه وهو على غير هذا الحال لرد عليه. واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ

стр. 162

خَاتَمَهُ (١). واعترض عليه بأن الحديث معل. واستدلوا بأن عدم ذكر الله في هذا المكان فيه تكريم لاسم الله وتكريم أسماء الله وإبعادها عن الأماكن الخبيثة وصونها عن ذلك من تعظيم الله. القول الآخر: أنه لا مانع من ذكر الله داخل الأماكن المعدة، فإذا عطس فليحمد الله ولو كان على حاجته. وهو قول مالك (٢) وصح ذلك عن ابن سيرين (٣) و الشعبي (٤) وإبراهيم (٥). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. و (كل) من ألفاظ العموم فتعم ذكر الله في كل حال ومنه حال قضاء الحاجة. واعترض عليه بأنه وردت أدلة تدل بعمومها علي استثناء هذا المكان من ذكر الله. واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرُّهُ» (٦). فإذا كان الإنسان يذكر الله بعد كشف العورة عند الوقاع فلا مانع من ذكر

стр. 163

الله حال البول والغائط. واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ (١). فإذا كان النبي يذكر الله مع قربه من موضع الحيض دل ذلك على إباحة ذكر الله مع قضاء الحاجة. والراجح: أنه يكره ذكر الله داخل الخلاء لما روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وردُّ السلام واجب؛ فلما لم يرد عليه رسول الله في هذا المكان، عُلم كراهة ذكر الله في أماكن الخلاء وخاصة حال قضاء الحاجة، والله أعلم. المطلب الثاني: الكلام في الخلاء: ذهب جمهور العلماء إلى أن الكلام في الخلاء يُكره لغير حاجة (٢). واستدلوا لذلك بما روى أحمد عن أَبُي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَينِ عَوْرَتَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (٣).

стр. 164

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الكلام في الخلاء لغير حاجة، وإن كان الحديث الوارد في الباب ضعيفًا لكن لا ينبغي الكلام في مثل هذه الحالة إلا لحاجة. المبحث الثاني: يُكره الاستنجاء باليد اليمنى: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة مس الفرج باليمين، وكذا كراهة الاستنجاء باليمين (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ» (٢). وعن سَلْمَانَ قال: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ. وحَمَل الجمهور النهي على الكراهة وعللوا ذلك بأن القرينة الصارفة هي أنه أدب من الآداب. قالوا: لأنه لو استنجى باليمين فإذا أراد أن يأكل بيمينه فقد يتأذى بذلك. وذهب بعض الحنفية وابن حزم والشوكاني إلى أنه يحرم مس الفرج باليمين حال البول، وكذا الاستنجاء باليمين (٣). واستدلوا بعموم هذه الأحاديث وأن النهي للتحريم. وذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية (٤) إلى أنه يكره مس الذكر باليمين ويحرم الاستنجاء بها. واستدلوا بأن الاستنجاء فيه مباشرة للنجاسة وهو أقبح من مس الذكر لأنه طاهر. واعترض عليه: بأن مس الذكر حال البول قد تتنجس اليد. الحاصل أن جمهور العلماء يحمل الكثير من النصوص في الفضائل والآداب في الأمر

стр. 165

والنهي على الاستحباب والكراهة، ومنها هذا النهي فحملوه على الكراهة. المبحث الثالث: يُكره مس الذكر باليمين حال البول ولا يُكره مطلقًا (١): لأن النصوص الصحيحة قيدت ذلك، ففى الصحيحين عن أبي قتادة: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» (٢) ولأن مس الذكر باليمين عرضة للتنجس، أما في غير هذه الحالة فإن هذا الموضع طاهر وقد تلحق بذلك بعض المشقة، وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه لأن المقصود إزالة النجاسة مع الكراهة على قول الجمهور. ومن قال التحريم فإنهم اختلفوا فمنهم من ذهب إلى أنه يجزي مع التحريم. وذهب ابن حزم إلى أن النهي للبطلان. وهذا قول ضعيف لأن النجاسة زالت. والراجح أن مس الذكر يكره حال البول ولا يكره مطلقًا، وإذا استنجى بيمينه فإن ذلك يجزئه مع الكراهة لأن المقصود إزالة النجاسة. والله أعلم. المبحث الرابع: البول قائمًا: اختلف أهل العلم في حكم البول قائمًا علي قولين: القول الاول: ذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يكره البول قائمًا من غير عذر (٣). واستدلوا لذلك بالجمع بين الأدلة: فروى أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ، مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ (٤).

стр. 166

وفي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ (١). وفعل النبي لبيان الجواز. القول الثاني: ذهب المالكية والمشهور عن الحنابلة إلى جواز البول قائمًا (٢). واستدلوا بحديث حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا» (٣). عَنْ زَيْدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بَالَ قَائِمًا» (٤). والراجح أن للبائل قائمًا ثلاث حالات: الأولى: يكره البول قائمًا إذا أمن البائل من تطاير البول عليه. الثانية: ويحرم البول قائمًا إذا كان البول يتطاير على البائل (٥). الثالثة: ويجوز البول واقفًا من عذر بالاتفاق.

стр. 167

المبحث الخامس: يُكره البول في الشق كالجحر: ذهب الأئمة الأربعة إلى كراهة البول في الشق كالجحر وغيره (١)، بل قد نقل النووي الإجماع (٢). عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْجُحْرِ»، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: «يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ» (٣). ومن استدلالهم: أن البول في الحجر فيه اعتداء علي الهوام، وقد تخرج بعض الهوام كالحيات وغيرها وقد يكون فيه اعتداء علي البائل وقد يتلوث بالنجاسة، والله أعلم. * * *

стр. 168

الفصل الثالث ما يباح عند قضاء الحاجة وفيه ثلاثة مباحث المبحث الاول: يباح استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة استقبال عين الشمس والقمر عند قضاء الحاجة ولا يكره الاستدبار، وهو المشهور عن الحنفية وقول للمالكية وأكثر الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بأن النبي ﷺ نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلشَّمْسِ، وَنَهَى أن يبول وَفَرْجُهُ بَادٍ لِلْقَمَرِ (٢). واعترض عليه بأنه حديث باطل لا أصل له. واستدلوا بأن الله أقسم بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، فدل ذلك على كراهة قضاء الحاجة إلى عين الشمس والقمر. واعترض عليه بما قاله الشوكاني: وأما استقبال القبلة النيرين فهذه من غرائب أهل الفروع، فإنه لم يدل على ذلك دليل لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما رُوي في ذلك فهذا كذب على رسول الله ومن رواية الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس علي القبلة، فقد اتسع الخرق علي الراقع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا تورد يا سعد الإبل!! وأعجب من هذا إلحاق النجوم النيرات بالقمرين فإن الأصل باطل، فكيف بالفرع؟ وكان ينبغي لهذا القائس أن يُلحق السماء، فإن لها شرفًا عظيمًا لكونها مستقر الملائكة، ثم يُلحق الأرض لأنها مكان العبادات والطاعات، ومستقر عباد الله الصالحين، فحينئذٍ تضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحبت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة، وسبحان الله ما يفعل بالتساهل

стр. 169

في إثبات أحكام الله من الأمور التي يبكى لها تارة ويضحك منها أخرى (١). وذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية أنه يكره استقبالهما واستدبارهما (٢). وذهب بعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى جواز استقبالهما (٣). قال ابن القيم: لم ينقل عنه ﷺ في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع (٤). والراجح أن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط جائز، والله أعلم. المبحث الثاني: يباح البول في الإناء: قال الشوكاني: جواز إعداد الآنية للبول فيها بالليل، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (٥). ومذهب الحنابلة أن البول في الإناء يكره لغير حاجة (٦). وروى النسائي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا (٧).

стр. 170

والأصل أن البول في الإناء جائز إذا أمن عدم تنجيس البائل، والله أعلم. المبحث الثالث: الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه بالإجماع: قال ابن قدامة: عُفِيَ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (١). قلت: دل علي ذلك النصوص الكثيرة، قال النبي ﷺ : «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، وَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ» (٢). فإن كان النعل يطهر بالتراب مع بقاء الأثر، وإذا كان ذيل المرأة إذا تنجس يطهره ما بعده من التراب الطيب (٣)، وإزالة الأثر بالكلية فيه مشقة وحرج وقد قال تعالي: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقد يؤدي ذلك إلى الوسوسة المنهي عنها والله أعلم. * * *

стр. 171

الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها، وفيه خمسة مطالب: المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل. المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد. المطلب الثالث: يحرم البول على القبر. المطلب الرابع: استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط. المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه المبحث الثاني: الأشياء التي يحرم الاستجمار بها وفيه تمهيد وخمسة مطالب: التمهيد: ما يستنجى به. المطلب الاول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس. المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث. المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية. المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام. المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق. المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وما يتعلق به. المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر ونتره بعد الفراغ من البول إنما الواجب غسله فقط.

стр. 172

الفصل الرابع ما يحرم عند قضاء الحاجة وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: في المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها المطلب الاول: يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل: اختلف أهل العلم في حكم البول في الطريق والظل علي قولين: القول الاول: يحرم البول في الطريق والظل النافع؛ وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية ورواية عند أحمد (١). واستدلوا لذلك بالقران والسنة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨] والذي يتغوط في الطريق أو الظل، فقد آذى المؤمنين بذلك. وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (٢). اتقوا اللاعنين: أي الملعون فاعلهما أو الجالب للعن. وقال النووي: ينبغي أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث لما فيه من إيذاء المسلمين. وروى أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» (٣).

стр. 173

القول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية والمشهور عن الشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يُكره قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع (١). واستدلوا بأن هذه الأدلة تدل على الكراهة ولا تصل إلى التحريم. واعترض عليه بأن ظاهر حديث «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ» يدل على التحريم لأن فاعل المكروه لا يُلعن (٢). والراجح: أنه يحرم قضاء الحاجة في الطريق والظل النافع؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ»، قَالُوا: وَمَا اللاَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، والطريق إذا لم تكن مطروقة والظل الذي لا ينتفع به لا بأس بالتبول فيهما، وكذا مجامع الناس لا تقضى فيها الحاجة. قال ابن عابدين: ينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلًّا للاجتماع على محرم. المطلب الثاني: يحرم البول في المسجد: لما روى مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (٣). وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (٤) فإذا كان البصاق في المسجد خطيئة، فماذا يكون البول وغيره.

стр. 174

وإذا كان مَنْ أكل الثوم فلا يقرب المسجد فكيف بقضاء الحاجة؟! أما البول في إناء في المسجد فيجوز عند الضرورة لأنه يؤمن تنجيس المكان، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فلا يجوز ذلك، والله أعلم. المطلب الثالث: يحرم البول على القبر: وهو مذهب الجمهور (١). ودل على ذلك ماروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (٢). فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا، فماذا يكون البول والتغوط على القبر؟ وبعض العلماء كأبي حنيفة ومالك يفسر الجلوس بالجلوس لقضاء الحاجة، وعلى كلٍّ، فقضاء الحاجة على القبر محرم، ويكره التغوط بالقرب من القبر لأن فيه أذية لزائري القبور وحرمة الميت كحرمة الحي. المطلب الرابع: استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط: اختلف أهل العلم في حكم استقبال القبلة ببول أو غائط علي ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية ورواية عن أحمد (٣). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ:

стр. 175

فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى (١). النهي في هذا الحديث مطلق، وهذا يشمل الصحراء والبينان والنهي للتحريم. وروى مسلم عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ (٢). وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (٣). والأصل في النهي التحريم. القول الثاني: يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط مطلقًا وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود (٤). واستدلوا بما روى أحمد عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة (٥).

стр. 176

وهذا الفعل لبيان الجواز. القول الثالث: ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط فى الصحراء، ويجوزفى البنيان، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا». واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ (٢). واستدلوا بحديث جابر قال: (رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ). قال ابن حجر: وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الْأَبْنِيَةِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ لَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِهِ بِحَدِيث ابن عُمَرَ إِلَّا جَوَازُ الِاسْتِدْبَارِ فَقَطْ، وَلَا يُقَالُ: يُلْحَقُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِهِ لِكَوْنِهِ فَوْقَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فَقَالُوا بِجَوَازِ الِاسْتِدْبَارِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ (٣).

стр. 177

المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه: ذهب جمهور العلماء إلى كراهية استقبال الريح حال البول (١). واستدلوا لذلك بالسنة والمعقول: أما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ» (٢). «ولا يستقبل الريح» زيادة منكرة. أما دليلهم من المعقول: فهو أن في استقبال الريح تعرضًا للتلوث بالنجاسة لأنها قد تَرُد عليه بوله، وإن كانت الأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله ﷺ ، فإن كان البائل يستقبل الريح ويرتد عليه فهو ممنوع لأن الطهارة واجبة، والله أعلم. * * *

стр. 178

المبحث الثاني الأشياء التي يحرم الاستجمار بها وفيه تمهيد و وخمسة مطالب تمهيد: ما يستنجى به: ذهب جمهور العلماء إلى جواز الاستجمار بكل طاهر منقٍّ من حجر أو ورق أو غيرهما (١). واستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ». وهذا منطوق، والمفهوم إتني بغيرهما، فدل ذلك على جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ حجر وورق وغيرهما. وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز الاستجمار بغير الماء والحجارة لأنه ورد النص بذلك (٢). والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ، من حجر أو ورق أو خشب أو غيرهم مما يزيل النجاسة كالمناديل الورقية، ولما خص النبي ﷺ النهي بالعظم والروثة دل ذلك على إباحة ما سواهما إذا كان ينقي، فالزجاج وغيره إذا كان لا ينقي فإنه لا يجزي؛ لإن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك، فإن ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا، والله أعلم. المطلب الأول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس: اختلف أهل العلم علي قولين: القول الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون الأحجار

стр. 179

طاهرة (١). واستدلوا لذلك بما روي البخاري عن عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (٢). قوله: «هذا ركس»، أي نجس، فهذا فيه دليل على أنه يشترط أن تكون الأحجار طاهرة. القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يجزي الاستجمار بكل ما يزيل النجاسة ولو كان المزيل نجسًا. قال الكاساني: أمَّا الاستِنْجَاءُ بالَّروْثِ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ (٣). والراجح: يشترط أن تكون الأحجار طاهرة، والله أعلم. المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث: اختلف أهل العلم فى حكم الاستنجاء بعظم أو روث علي قولين: القول الأول: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث. وهو قول بعض الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 180

واستدلوا بحديث سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ. وروى البخاري من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ» فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ» (١). القول الثاني: يُكره الاستنجاء بعظم أو روث، وهو قول بعض المالكية وبعض الحنفية (٢)، والصارف من التحريم إلى الكراهة هو أن كان العظم والروث نجسًا، فقد ورد في حديث جابر الانتفاع بشحم الميتة في طلاء السفن، فهذا صارف للتحريم إلى الكراهة. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من تحريم الاستنجاء بالعظم والروث. المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية: ذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالكتب الشرعية (٣). واستدلوا لذلك بأن الاستنجاء بها فيه إهانة لها، وهذا منهي عنه، وكذا الكتب الشرعية لا تخلو من آيات قرانية وأحاديث نبوية، وهذه يجب توقيرها وعدم إهانتها، فمن فعل ذلك فعليه التوبة. أما الاستجمار بكتب غير شرعية وليس فيها آيات قرانية ولا أحاديث نبوية فإنها جائزة إذا أزالت النجاسة قال النووي: وَمِنَ الْأَشْيَاءِ المُحْتَرمةِ الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شيئ من علوم الشرع فإنِ استنجي بشئٍ منه عَالِمًا أَثِمَ (٤). وقال في موضع: ولو استنجي بشيئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَلله عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا.
следующие страницы →