وهذا الفعل لبيان الجواز.
القول الثالث: ذهب جمهور العلماء: إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط فى الصحراء، ويجوزفى البنيان، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا».
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ (٢).
واستدلوا بحديث جابر قال: (رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ).
قال ابن حجر: وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الْأَبْنِيَةِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِهَا، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ لَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِهِ بِحَدِيث ابن عُمَرَ إِلَّا جَوَازُ الِاسْتِدْبَارِ فَقَطْ، وَلَا يُقَالُ: يُلْحَقُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِهِ لِكَوْنِهِ فَوْقَهُ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فَقَالُوا بِجَوَازِ الِاسْتِدْبَارِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ، حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ (٣).
стр. 177
المطلب الخامس: تحريم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه:
ذهب جمهور العلماء إلى كراهية استقبال الريح حال البول (١).
واستدلوا لذلك بالسنة والمعقول:
أما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَقْبِلِ الرِّيحَ» (٢). «ولا يستقبل الريح» زيادة منكرة.
أما دليلهم من المعقول: فهو أن في استقبال الريح تعرضًا للتلوث بالنجاسة لأنها قد تَرُد عليه بوله، وإن كانت الأحاديث الواردة في الباب لا تصح عن رسول الله ﷺ ، فإن كان البائل يستقبل الريح ويرتد عليه فهو ممنوع لأن الطهارة واجبة، والله أعلم.
* * *
стр. 178
المبحث الثاني الأشياء التي يحرم الاستجمار بها
وفيه تمهيد و وخمسة مطالب
تمهيد: ما يستنجى به:
ذهب جمهور العلماء إلى جواز الاستجمار بكل طاهر منقٍّ من حجر أو ورق أو غيرهما (١). واستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ».
وهذا منطوق، والمفهوم إتني بغيرهما، فدل ذلك على جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ حجر وورق وغيرهما.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز الاستجمار بغير الماء والحجارة لأنه ورد النص بذلك (٢).
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز الاستجمار بكل طاهر مُنَقٍّ، من حجر أو ورق أو خشب أو غيرهم مما يزيل النجاسة كالمناديل الورقية، ولما خص النبي ﷺ النهي بالعظم والروثة دل ذلك على إباحة ما سواهما إذا كان ينقي، فالزجاج وغيره إذا كان لا ينقي فإنه لا يجزي؛ لإن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب إزالة كل ذلك، فإن ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهرًا، والله أعلم.
المطلب الأول: يحرم الاستنجاء بالشيء النجس:
اختلف أهل العلم علي قولين:
القول الأول: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون الأحجار
стр. 179
طاهرة (١).
واستدلوا لذلك بما روي البخاري عن عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (٢).
قوله: «هذا ركس»، أي نجس، فهذا فيه دليل على أنه يشترط أن تكون الأحجار طاهرة.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يجزي الاستجمار بكل ما يزيل النجاسة ولو كان المزيل نجسًا.
قال الكاساني: أمَّا الاستِنْجَاءُ بالَّروْثِ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً، وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَيَكُونُ بِجِهَةِ كَذَا، وَبِجِهَةِ كَذَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ نَجَسٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّجَسُ كَيْفَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؟ (وَلَنَا) أَنَّ النَّصَّ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْجَارِ، إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ النَّجَسِ وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ (٣).
والراجح: يشترط أن تكون الأحجار طاهرة، والله أعلم.
المطلب الثاني: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث:
اختلف أهل العلم فى حكم الاستنجاء بعظم أو روث علي قولين:
القول الأول: يحرم الاستنجاء بعظم أو روث. وهو قول بعض الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (٤).
стр. 180
واستدلوا بحديث سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ. وروى البخاري من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ» فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ» (١).
القول الثاني: يُكره الاستنجاء بعظم أو روث، وهو قول بعض المالكية وبعض الحنفية (٢)، والصارف من التحريم إلى الكراهة هو أن كان العظم والروث نجسًا، فقد ورد في حديث جابر الانتفاع بشحم الميتة في طلاء السفن، فهذا صارف للتحريم إلى الكراهة.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من تحريم الاستنجاء بالعظم والروث.
المطلب الثالث: يحرم الاستنجاء بالكتب الشرعية:
ذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالكتب الشرعية (٣).
واستدلوا لذلك بأن الاستنجاء بها فيه إهانة لها، وهذا منهي عنه، وكذا الكتب الشرعية لا تخلو من آيات قرانية وأحاديث نبوية، وهذه يجب توقيرها وعدم إهانتها، فمن فعل ذلك فعليه التوبة.
أما الاستجمار بكتب غير شرعية وليس فيها آيات قرانية ولا أحاديث نبوية فإنها جائزة إذا أزالت النجاسة
قال النووي: وَمِنَ الْأَشْيَاءِ المُحْتَرمةِ الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شيئ من علوم الشرع فإنِ استنجي بشئٍ منه عَالِمًا أَثِمَ (٤).
وقال في موضع: ولو استنجي بشيئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَلله عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا.
стр. 181
المطلب الرابع: يحرم الاستنجاء بالطعام:
ذهب جماهير العلماء إلى تحريم الاستنجاء بالطعام (١).
قال ابن عبد البر: ما يجوز أكله لا يجوز الاستنجاء به (٢).
قال النووي: فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمٍ وَلَا خُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَطْعُومِ، فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ عَصَى وَلَا يُجْزِئُهُ (٣).
واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث ابن مسعود: قال النبي ﷺ : «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (٤). وإذا كان طعام الجن منهيًّا عنه فطعام الإنس أولى، والاستنجاء بالطعام فيه كفران للنعمة وامتهان لها.
قال ابن تيمية: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (٥)
وإذا استنجى بالطعام هل يجزئه؟
стр. 182
ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يجزئه مع الإثم لأن النجاسة إذا أزيلت بأي مزيل فإنها تطهر.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئه الاستنجاء بالمطعوم، واستدلوا بأن هذا الفعل مخالف لأمر الله ورسوله،؛ لأن الرخصة لا تباح بمعصية.
والراجح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه يجزئه إذا أزيلت النجاسة مع الإثم.
المطلب الخامس: يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب والمسروق:
لعموم قوله ﷺ : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ».
قال ابن حزم: مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ مِنْ إنَاءٍ كَذَلِكَ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ ذَلِكَ الْمَاءَ وَذَلِكَ الإِنَاءَ فِي غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ حَرَامٌ (١).
المبحث الثالث: يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار و ما يتعلق به: وفيه مطالب:
المطلب الأول: هل يشترط في الاستجمار ثلاثة أحجار؟ اختلف أهل العلم على قولين:
القول الأول: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء ولو بحجر واحد، وإليه ذهب الحنفية والمالكية (٢).
واستدلوا لذلك بما روى البخاري عن عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» (٣).
قال الطحاوي: فَلَمَّا أَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْحَجَرَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِهِمَا يُجْزِئُ مِمَّا يُجْزِئُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَارُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، لَمَا اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ
стр. 183
وَلَأَمَرَ عَبْدَ اللهِ أَنْ يَبْغِيَهُ ثَالِثًا، فَفِي تَرْكِهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَائِهِ بِالْحَجَرَيْنِ (١).
واعترض عليه بما قاله ابن حزم: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ اكْتَفَى بِالْحَجَرَيْنِ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ ﵇ لَهُ بِأَنْ يَأْتِيَهُ بِأَحْجَارٍ، فَالأَمْرُ بَاقٍ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ إبْقَائِهِ (٢).
واستدلوا بأن المقصود من الاستنجاء الإنقاء وقد يحصل بحجر.
واعترض عليه بأن الإنقاء لا يكون بحجر واحد وأنه ورد ألا نستنجي بأقل من ثلاث ولا قياس مع النص.
القول الآخر: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار (٣).
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن سلمان: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
والنهي للتحريم. وقد حكى الإجماع ابن المنذر وابن حزم بوجوب ثلاثة أحجار، وهذا الإجماع منخرم ولكن حديث سلمان كافٍ في وجوب ثلاثة أحجار، والله أعلم.
المطلب الثالث: عدد الغسلات عند الاستنجاء
اختلف أهل العلم في عدد الغسلات عند الاستنجاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يعتبر عدد معين، بل المطلوب الإنقاء بأي عدد كان، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وقول عند الحنابلة (٤).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَليِّ» (٥). هنا لم يحدد عدد الغسلات. وقال النبي للمستحاضة: «فَاغْسِلِي عَنْكِ
стр. 184
الدَّمَ وَصَلِّي» (١). ولم يحدد عدد الغسلات فكذا البول والغائط.
القول الثاني: أن عدد الغسلات سبع مرات، وهو قول الحنابلة (٢).
واستدلوا بما رُوي في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (٣).
واعترض عليه بأن نجاسة الكلب مغلظة لا يقاس عليها غيرها، فإنه لم يُذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا في نجاسة الكلب، أما دم الحيض مع أنه مُجمع على نجاسته فقال النبي: «اغسلي عنك الدم» ولم يحدد عدد الغسلات ولم يذكر التراب، فدل ذلك على فساد هذا القياس.
القول الثالث: أن عدد الغسلات ثلاث، وهو قول عند الحنابلة (٤).
واستدلوا بحديث سلمان: (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فإن الماء يزيل النجاسة أكثر من الأحجار.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعتبر عدد معين بل المطلوب الإنقاء.
المطلب الثالث: هل يكتفى بحجر واحد له ثلاث شعب؟
ذهب الشافعية والمشهور عند الحنابلة إلى أنه يكفي الحجر الواحد ذو الثلاث شعب (٥). واستدلوا بأنه يمسح به ثلاث مسحات، وهذا المعنى في ثلاثة أحجار.
وذهب ابن حزم وابن المنذر ورواية عن أحمد إلى أن الحجر ذا الثلاث شعب لا يكفي بل
стр. 185
لابد من ثلاثة أحجار (١). وهذا لظاهر النص، فعن سلمان: (لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ).
واعترض عليه بأنه لو كان للحجر ثلاث شعب ومسح به ثلاث مسحات فحصل الإنقاء وهو بمعنى ثلاثة أحجار.
المبحث الرابع: يحرم مسح الذكر عند الفراغ من البول ونتره إنما الواجب غسله:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجب سلت الذكر (٢).
واستدلوا بما روى النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» (٣).
واعترض عليه بأن الاستبراء لا يقتضي مسح الذكر ولكن هو الاستنجاء أو الاستبراء بالغسل وليس سلت الذكر.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب ذلك (٤).
واستدلوا بعموم قول النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ» (٥).
دل على مسح ذكره بشماله.
واعترض عليه بأن هذا الاستنجاء بغسل الذكر وليس سلته.
قال ابن تيمية: سَلْتُ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ . وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ بِطَبْعِهِ وَإِذَا فَرَغَ انْقَطَعَ بِطَبْعِهِ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ: كَالضَّرْعِ إنْ تَرَكْته قَرَّ وَإِنْ
نتائج بحث قضاء الحاجة
الأول: الناظر في الشريعة يجدها شريعة كاملة وشاملة لما يصلح في الحال والمآل، حتى الأمور الجبلية عَلَّمنا إياها رسول الهدى؛ روى مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالُوا لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
الثاني: الاستنجاء: هو مسح موضع الأذى أو غسله.
١ - استحباب الابتعاد عن أعين الناس إن كان في الفضاء بالإجماع في الغائط، ودلت الأحاديث المستفيضة على أن الرسول ﷺ كان إذا أتى حاجته أبعد.
وفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. أما في البول فلا بأس أن يبول بقرب الناس إذا كان لا يخشى الابتعاد في الغائط؛ لأن فيه زيادة تكشف. ففي الصحيحين عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ.
٢ - استحباب التعوذ من الخبث والخبائث بالإجماع، في الصحيحين عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ». قيل: ذكران الشياطين وإناثهم. وقال ابن العربي: أصل الخبث في كلام العربي المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الِملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وقيل: الخبث: الشر والمكروه: والخبائث: الشياطين، فكأنه استعاذ من الشر وأهله، ومعنى: (إذا دخل)، إذا أراد أن يدخل، ومنه قوله تعالي: ﴿فَإِذَا
стр. 188
قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
ورد في رواية: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، زيادة (بسم الله) لا تصح عن رسول الله.
٣ - يستحب لبس الحذاء عند الدخول للخلاء، روى البيهقي، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. ولكن إسناده ضعيف، والأولى لبس الحذاء؛ لأنه يقي من النجاسات، فإذا دخل حافيًا فقد تنجس رجلاه.
٤ - استحباب تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء، وتقديم الرجل اليمنى عند الخروج.
٥ - يستحب أن يطلب لبوله مكانًا رخوًا لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه.
وينبغي إذا كان الحمام بلديًّا أن يكون ما يقعد عليه نازلًا لئلا يعود الرشاش عليه.
٦ - يستحب أن لا يرفع الثوب قبل الدنو من الأرض، فعن ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ بَرَزَ حَتَّى لا يَرَى أَحَدًا، وَكَانَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ. ولكنه حديث ضعيف، وأصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشفها إلا لضرورة؛ ولذا لا يرفع ثوبه قبل الدنو من الأرض.
٧ - يستحب تقديم غسل القبل قبل الدبر من أجل أن يأمن من تلوث يده.
٨ - يستحب قطع الاستنجاء على وتر، قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».
٩ - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغطية الرأس حال قضاء الحاجة، واستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ ، وصح عن أبي بكر أنه قال: (إِنِّي لأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي .). أما حديث حبيب بن صالح: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ. فلا يصح.
١٠ - يستحب عدم إطالة القعود على الحاجة فوق الحاجة؛ لأن ستر العورة واجب، ولا يحل كشفها إلا لضرورة، وتقدر بقدرها، وهذا ينافي ما يفعله كثير من الناس من التوسع في
стр. 189
الحمامات ويقضى فيه الكثير من الوقت وهو بيت الخبث والخبائث.
١١ - ذهب جمهور العلماء إلى استحباب قول: (غفرانك)، عند الخروج من الخلاء، والحديث ضعيف. الخطابي في ذلك وجهين:
الأول: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ الله تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ الله تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ.
١٢ - يستحب تنظيف اليد بعد الاستنجاء، دل على ذلك أن النبي اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط ثم غسلها ثم توضأ، فدل ذلك على تنظيف اليد بالصابون بعد الاستنجاء كي تذهب الرائحة، فالإسلام دين الطهارة والنظافة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالحمد لله الذي رضى لنا الإسلام دينًا.
الخامس: ما يباح عند قضاء الحاجة.
١ - يباح استقبال الشمس والقبر حال قضاء الحاجة.
٢ - يباح البول في الإناء. روى النسائي عن عائشة: لقد دعا النبي ﷺ بالطست ليبول فيه.
٣ - الأثر المتبقي من النجاسة بعد الاستجمار معفو عنه.
السادس: المواطن التي يحرم قضاء الحاجة فيها:
١ - يحرم قضاء الحاجة في الظل والطريق؛ لعموم قول النبي ﷺ : «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ،؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».
٢ - يحرم البول في المسجد؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ ولَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ».
٣ - يحرم البول على القبر؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى جِلْدِهِ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ».
стр. 190
فإذا كان الجلوس على القبر محرمًا؛ فماذا بالبول والغائط؟
٤ - يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحاري دون البنيان؛ لقول النبي ﷺ : «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا»، واستثنى البنيان بحديث ابن عمر: (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ).
٥ - يحرم استقبال الريح حال البول إذا كان يرتد عليه؛ لأن المكلف مأمور بالتحرز من النجاسة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٦ - الاشياء التي يحرم الاستنجاء بها: - يحرم الاستنجاء بالشيء النجس.
٣ - لا يستجمر بما هو محترم، سواء كان محترمًا لحق الله كالكتب الشرعية، أو محترمًا لحق آدمي كطعامه، أو محترمًا لحق حيوان كالاستنجاء بالعلف ودواب الطعام.
٤ - يحرم الاستنجاء بالطعام، وإذا كان طعام الجن منهيًّا عن الاستنجاء به فطعام الإنس أولى.
٥ - يحرم الاستنجاء بالشيء المغصوب أو المسروق.
٦ - يحرم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أجحار.
يجب غسل الذكر بعد الفراغ من البول، ويحرم مسح الذكر ونتره؛ لأن الأصل أن البول يخرج بطبعه، فإذا انقطع غسل ذكره، وأما عصر الذكر والتكلف الذي يؤدي إلى الوسوسة فمحرم.
* * *
стр. 191
الباب الخامس خصال الفطرة
فسنن الفطرة تدخل في باب الطهارة لأن تقليم الأظفار والختان وغير ذلك تدخل في باب
التنظف وتدخل أيضًا في باب الزينة.
تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها.
الفصل الأول: الختان.
الفصل الثاني: الاستحداد.
الفصل الثالث: تقليم الأظفار ونتف الإبط.
الفصل الرابع: قص الشارب وإعفاء اللحية.
الفصل الخامس: حلق الشعر وغسل البراجم.
الفصل السادس: السواك.
стр. 192
تمهيد: تعريف الفطرة وخصالها
المبحث الأول: تعريف الفطرة:
أصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ١﴾ [الإنفطار: ١] أي: انشقت (١).
وفي الحديث: «قَامَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ» أي انشقتا.
تطلق الفطرة على معانٍ:
الأول: الخلقة، والفاطر الخالق، قال تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي خلقني.
الثانى: الابتداء، عَنْ مُجَاهِدٍ، عن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَنَا فَطَرْتُهَا. يَقُولُ: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا (٢).
الثالث: السنة (٣)، قال النبي ﷺ : «مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ» فقوله: «من السنة» أي من الفطرة.
الرابع: الإسلام (٤)، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ١] «فطرة الله» أي الإسلام، وعموم قول النبي ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ
الفصل الأول: الختان
وفيه سبعة مباحث
المبحث الأول: تعريف الختان.
المبحث الثاني: وقت الختان.
المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.
المبحث الرابع: حكم ختان المرأة.
المبحث الخامس: خنان الخنثى.
المبحث السادس: حكم ختان الميت.
المبحث السابع: فوائد الختان.
стр. 195
الفصل الأول
الختان
المبحث الأول: تعريف الختان:
قال الحافظ: الْخِتَانُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ: مَصْدَرُ خَتَن، أَيْ قَطَعَ، والخَتْن بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ: قَطْعُ بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنْ عُضْوٍ مَخْصُوصٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خِتَانُ الذَّكَرِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ، وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ (١).
المبحث الثاني: وقت الختان:
اختلف أهل العلم في وقت وجوب الختان على أربعة أقوال:
القول الأول: أن وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب في الصغر في اليوم السابع، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة (٢).
واستدلوا لذلك بالمأثور والمعقول:
أما دليلهم من المأثور: فعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: سُئِلَ ابْن عَبَّاس: مثل من أَنْت حِين قُبض النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: أَنا يَوْمئِذٍ مختون. وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك (٣). حتي يدرك: أي حتي يبلغ.
стр. 196
أما المعقول: فقالوا: الصلاة لا تجب إلا بالبلوغ فكذا الطهارة وكذا الختان.
واستدلوا على استحباب الختان في اليوم السابع بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَبْعَةٌ مِنَ السُّنَةِ فِي الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ: يُسَمَّى، ويُخْتَنُ، وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى، وتُثْقَبُ أُذُنُهُ، ويُعَقُّ عَنْهُ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، ويُلَطَّخُ بِدَمِ عَقِيقَتِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعَرِهِ فِي رَأْسِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً» (١).
القول الثاني: أن الختان يُكره في اليوم السابع، وهو المشهور من مذهب المالكية ورواية عن الحنابلة (٢).
واستدلوا بأن اليهود تختن في اليوم السابع، وقد أُمرنا بمخالفتهم.
واعترض عليه بأننا أُمرنا بمخالفة ما عندهم من الباطل، وقد يكون عندهم حق في بعض الأمور، فنحن أولى باتباع هذا الحق منهم.
روى مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى الله فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (٣).
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي بَابِ الْخِتَانِ نَهْيٌ يَثْبُتُ وَلَا لِوَقْتِهِ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَلَا سُنَّةٌ تُتَّبَعُ، وَالْأَشْيَاءُ على الإباحة ولا يجوز حظر شيئ مِنْهَا إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا نَعْلَمُ مَعَ مَنْ مَنَعَ أَنْ يُخْتَنَ
стр. 197
الصَّبِيُّ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ حُجَّةً (١).
القول الثالث: أن وقت الختان من سبع سنين إلى عشر سنين، وهي رواية عن مالك، وقول عند الحنابلة، وقول لبعض الحنفية (٢).
واستدلوا لذلك بما روى أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ».
اعترض عليه بأن هذا الحديث أسانيده ضعيفة، ولو صح فليس فيه حجة لأن هذا الأمر للاستحباب ولا تجب عليه الصلاة إلا بالبلوغ. وهذا الأمر لتدريب الصبيان على الطاعات وتعويدهم القربات.
القول الرابع: أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ.
وهو قول للشافعية، ورجحه الإمام ابن القيم من الحنابلة فقال: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، فإن ذلك لا يتم الواجب إلا به (٣).
وأما قول ابن عباس: (كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) أي حتى يقارب البلوغ فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك، وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم موت النبي مختونًا وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يومًا أنه كان قد ناهز الاحتلام وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ؟!
وهناك أقوال أخرى ولكنها عارية عن الأدلة فأعرضت عن ذكرها.
الراجح: أنه كلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.
стр. 198
المبحث الثالث: حكم ختان الذكر.
اختلف أهل العلم في حكم ختان الذكر على قولين:
القول الأول: أن الختان واجب في حق الرجال، وهو المشهور عن الشافعية، والحنابلة (١)، واستدلوا بأن إبراهيم ﵇ اختتن وقد أُمرنا باتباعه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ» (٢)، فكون إبراهيم يختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم يدل علي وجوبه.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قَالَ: ابْتَلَاهُ اللهُ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ:
فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ.
وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَغَسْلُ مَكَانِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ (٣). وقد أُمرنا باتباع ملة إبراهيم فقال تعالي: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
واعترض عليه بأن هذه الخصال منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب.
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٤). قوله ﷺ : «وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ» تدل على وجوب الختان.
وعَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمْتُ. فَقَالَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ» يَقُولُ: احْلِقْ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي آخَرُ مَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِآخَرَ: «أَلْقِ
стр. 199
عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» (١).
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ» (٢).
عن عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: وَجَدْنَا فِى قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ فِى الصَّحِيفَةِ: «إِنَّ الأَقْلَفَ لَا يُتْرَكُ فِى الإِسْلَامِ حَتَّى يَخْتَتِنَ وَلَوْ بَلَغَ ثَمَانِينَ سَنَةً» (٣).
أما دليلهم من المعقول: فهو أن الجلدة التي تغطي الحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة.
واعترض عليه بأنه يمكن تطهير النجاسة، وليس الختان شرطًا في صحة الطهارة.
واستدلوا بأنه إذا كان يجوز كشف العورة للختان وستر العورة واجب، فدل ذلك علي وجوب الختان.
واعترض عليه بأنه قد يترك الواجب لغير الواجب، فالإنصات للجمعة واجب، وصلاة ركعتين عند الدخول إلى المسجد مستحبة، فالداخل والإمام على المنبر يترك الإنصات مع وجوبه، ويصلي السنة.
واستدلوا بأنه من شعار المسلمين؛ ولذا يطلق على أمة محمد أمة الختان.
стр. 200
واعترض عليه بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، فمنها ما هو واجب كالصلاة والصيام، ومنها ما هو مستحب كالأذان والعيدين.
القول الثاني: أن الختان سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية (١).
واستدلوا لذلك بحديث أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» (٢).
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» (٣) فإذا قرن الختان بالمستحبات دل ذلك على استحباب الختان.
стр. 201
واعترض عليه بأن دلالة الاقتران ضعيفة ولذلك من شواهد القرآن، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ولا خلاف أن الأكل للإباحة، وآتوا حقه للوجوب وهي الزكاة المفروضة، وأيضًا بعض العلماء قالوا بأن الخصال المذكورة في الحديث واجبة.
قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته علي صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين؟!
المبحث الرابع: حكم ختان المرأة:
من العلماء من نقل الإجماع على إباحة الختان ومنهم من نقل الاستحباب.
قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا على إباحة الْخِتَان للنِّسَاء (١).
قال ابن القيم: لا خلاف في استحبابه للأنثى (٢).
واختلف العلماء في وجوب الختان للمرأة علي قولين:
القول الأول: يجب ختان المرأة كما يجب على الرجل، وهو قول الشافعية، وقول الحنابلة (٣).
قال النووي: الْخِتَانُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا (٤).
واستدلوا بما ورد من أدلة في المسألة السابقة.
والقول الآخر: أن ختان الإناث سنة. وهو قول الحنفية، والمالكية، ورجحه الحنابلة (٥). واستدلوا بما مضى من الأدلة.
المبحث الخامس: ختان الخنثى:
اختلف أهل العلم في ختان الخنثى: فمن قائل: بختان الخنثى ومن قائل: لا يختتن، ومن قائل: يختن نفسه، وأقوال أخرى في المسألة وكلها عارية عن الأدلة.
ومع تقدم الطب الحديث الآن أصبح كثير من الأطباء باستطاعتهم أن يتحققوا من الخنثى وهل هو رجل أو امرأة، فقد يقولون هذا رجل لوجود خصيتين مختفيتين أو لوجود هرمون الذكورة فيكون حكمه حكم الرجال، أو يقولون: إن هذه امرأة لوجود رحم في جوفها ووجود مبايض أو لوجود الحيض. وإن عجز الطب عن تحديد الجنس وكان له ذكر وفرج، ختنهما جميعًا لأن الختان لا يضر.
المبحث السادس: حكم ختان الميت:
ذهب المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة إلى أن الميت لا يختن بعد موته (١). واستدلوا لذلك بأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت.
وذهب ابن حزم وبعض الشافعية إلى أن الميت يختن بعد موته إن لم يكن مختونًا، وإذا كان المقصود من الغسل النظافة ويجوز أخذ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، فكذا يجوز الختان (٢).
واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق فتقليم الأظفار بخلاف الختان الذي فيه قطع عضو من أعضائه (٣).
وعند الشافعية في وجه: يختن الكبير دون الصغير (٤).
стр. 205
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الميت لا يختن بعد موته لأن المقصود من الختان الطهارة وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي ﷺ أخبر «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (١). قوله ﷺ : «غرلًا» أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى (٢).
المبحث السابع: فوائد الختان:
ذكرت الدراسات الطبية أن عملية الختان لها فوائد لا تكاد تحصر، فمنها الوقاية من الالتهابات في القضيب، والوقاية من سرطان القضيب وغير ذلك (٣).
الفصل الثاني الاستحداد
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: تعريف الاستحداد.
المبحث الثاني: حكم الاستحداد (حلق العانة).
المبحث الثالث: وقت الاستحداد.
المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا.
المبحث الخامس: كيفية الاستحداد.
المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر.
المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت.
المبحث الثامن: استخدام النورة.
стр. 209
الفصل الثاني
الا ستحداد
المبحث الأول: تعريف الاستحداد:
الاستحداد في اللغة: يعني الاحتلاق بالحديد (١)، أي: حلق العانة بالحديدة.
وفي الشرع: قال النووي: الاستحداد: إزالة شعر العانة، هو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو نورة أو حلق، مأخوذ من الحديدة، وهي الموسى التي يُحْلَق بها (٢).
قال النفراوي: الاستحداد حلق العانة: هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين (٣).
المبحث الثاني: حكم الاستحداد، (حلق العانة):
ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة (٤).
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ» (٥).
قال ابن قدامة: الاستحداد مُسْتحَبُّ، لأنَّه مِنَ الفِطْرَةِ وَيَفْحُشْ بِتَرْكْهِ (٦).
стр. 210
وقال النووي: مُعظم هذه الخَصَالِ ليست بِواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبها كالختان، والمضمضة والاستنشاق، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والإيتاء واجب والأكل مباح.
وذهب ابن العربي، والشوكاني، إلى وجوب خصال الفطرة ومنها وجوب الاستحداد (١). واستدلوا لذلك بما روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (٢)، فهذا يدل على أن ترك الشارب محرم، وأن أخذ الشارب واجبًا، وإذا كان الأخذ من الشارب واجب فكذا حلق العانة واجب، وأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالي: عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].
قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟! (٣).
وعلى هذا القول فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وعموم التنظيف له، فالزوج لا بد أن يتنظف لزوجته لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والزوجة لا بد أن تتنظف وتتجمل لزوجها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٢٨].
قال ابن قدامة: وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ (٤).
стр. 211
فالحاصل أن الاستحداد مُسْتحَبٌ ويجب إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ.
المبحث الثالث: وقت الاستحداد:
اختلف أهل العلم في وقت الاستحداد على قولين:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة ونتف الإبط كل جمعة، وبه قال الحنفية، والمالكية، وحكاه النووي عن الشافعي ورواية عن أحمد (١).
واستدلوا لذلك بأنه إذا كان يستحب الاغتسال لكل جمعة، فكذا يستحب التنظيف بحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغيرها.
وذهب الشافعية إلى أن حلق العانة ليس له وقت محدد، فمتى طالت استحب حلقها، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والأشخاص.
المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا:
اختلف أهل العلم في حكم ترك الاستحداد فوق الأربعين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، وإليه ذهب الحنفية (٢).
واستدلوا بما رواه مسلم عَنْ أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٣).
стр. 212
قال الشوكاني: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالْأَرْبَعِينَ الَّتِي ضَبَطَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ فَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا (١).
وقال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا.
القول الثاني: أن تأخير الاستحداد أربعين يومًا يُكره كراهة شديدة، وبه قال الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢).
واستدلوا بحديث أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قالوا إن النهى للكراهة وليس للتحريم.
القول الثالث: ما قاله ابن عبد البر: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ وَقَّتَ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (٣).
وفي الفتاوى الهندية: يحلق عانته في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل خمسة عشر يومًا، ولا يُعذر في تركه وراء الأربعين ويستحق الوعيد.
المبحث الخامس: كيفية الاستحداد:
اختلف أهل العلم في كيفية الاستحداد على ثلاثة أقوال:
القول الأول: السنة في الرجل حلق العانة، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب
стр. 213
الحنفية، والشافعية (١).
واستدلوا بأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل ولذا كان يستحب للمرأة النتف وللرجل الحلق.
واعترض عليه بأنه ورد في الحديث «حَلْق الْعَانَةِ» وهذا يشمل الذكر والأُنثي.
وفي الصحيحين: «حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» أي: المرأة الغائب عنها زوجها وهذا دليل خاص.
القول الثاني: السنة حلق العانة للرجل والمرأة. وهو مذهب المالكية (٢).
واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ … » (٣).
وفي البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مِنَ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ … » (٤) ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة حلق العانة للرجل والمرأة.
وورد في الصحيحين: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﴿؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ … » (٥).
وهو استعمال الحديدة في حلق العانة.
القول الثالث: ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلي أنه بأي شيء تزال العانة فلا بأس بذلك (٦). واستدلوا بأن المقصود إزالة الشعر والتنظيف بأي مزيل.
والراجح: أن الحلق أفضل لأنه ورد في الأحاديث الصحاح حلق العانة والاستحداد وهو
стр. 214
استعمال الحديدة، والله أعلم.
المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر:
اختلف العلماء في حكم شعر الدبر على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يستحب حلق شعر الدبر، وهو قول بعض الحنفية.
قال ابن عابدين: والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر وهو أولى بالإزالة لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر (١).
القول الثاني: يباح حلق الدبر، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية (٢).
واستدلوا بأن الشعر قد ينهى عن حلقه كشعر اللحية وقد يؤمر بحلقه كشعر العانة وشعر لم يؤمر فيه ولم ينه عنه فهذا على الإباحة كشعر الدبر.
القول الثالث: لا يشرع حلق الدبر وهو قول بعض المالكية (٣).
واستدلوا بأنه ليس هناك دليل من قول الرسول ولا من فعله ولا من فعل الصحابة. وعليه فلا يُشرع.
قال الشوكاني: الِاسْتِحْدَادُ إنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ حَلْقَ الْعَانَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَى سُنِّيَّةِ حَلْقِ الشَّعْرِ النَّابِتِ حَوْلَ الدُّبُرِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِلَاقُ بِالْحَدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ.
والراجح: ما قاله النووي: لا مانع مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ (٤).
стр. 215
المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت:
اختلف أهل العلم في حكم حلق عانة الميت على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يحرم حلق عانة الميت لأن في ذلك كشفًا لعورته، وبه قال الحنفية والمشهور من مذهب أحمد (١).
القول الثاني: يكره حلق عانة الميت، وإليه ذهب المالكية، والشافعية (٢).
القول الثالث: أنه يباح حلق عانة الميت. وهو قول عند الشافعية (٣).
واستدلوا بأنه يجوز من باب التنظيف.
قال ابن حزم: وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ أُخَذَ كُلَّ ذَلِكَ; لأنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلاَّ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا.
والراجح: أن حلق عانة الميت محرم لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بدون النظر إلى العورة وعدم ملامسة البشرة بالنورة أو كان الذي يباشر ذلك الزوجة فَلَا بَأْسَ.
قال ابن قدامة: وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَلِي عَوْرَتَهُ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا؛ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ (٤).