← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فالحاصل أن الاستحداد مُسْتحَبٌ ويجب إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ. المبحث الثالث: وقت الاستحداد: اختلف أهل العلم في وقت الاستحداد على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة ونتف الإبط كل جمعة، وبه قال الحنفية، والمالكية، وحكاه النووي عن الشافعي ورواية عن أحمد (١). واستدلوا لذلك بأنه إذا كان يستحب الاغتسال لكل جمعة، فكذا يستحب التنظيف بحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغيرها. وذهب الشافعية إلى أن حلق العانة ليس له وقت محدد، فمتى طالت استحب حلقها، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والأشخاص. المبحث الرابع: حكم ترك الاستحداد أكثر من أربعين يومًا: اختلف أهل العلم في حكم ترك الاستحداد فوق الأربعين على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، وإليه ذهب الحنفية (٢). واستدلوا بما رواه مسلم عَنْ أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٣).

стр. 212

قال الشوكاني: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالْأَرْبَعِينَ الَّتِي ضَبَطَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ فَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا (١). وقال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يومًا، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقًا. القول الثاني: أن تأخير الاستحداد أربعين يومًا يُكره كراهة شديدة، وبه قال الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث أَنَسِ: قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قالوا إن النهى للكراهة وليس للتحريم. القول الثالث: ما قاله ابن عبد البر: مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ وَقَّتَ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (٣). وفي الفتاوى الهندية: يحلق عانته في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل خمسة عشر يومًا، ولا يُعذر في تركه وراء الأربعين ويستحق الوعيد. المبحث الخامس: كيفية الاستحداد: اختلف أهل العلم في كيفية الاستحداد على ثلاثة أقوال: القول الأول: السنة في الرجل حلق العانة، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب

стр. 213

الحنفية، والشافعية (١). واستدلوا بأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل ولذا كان يستحب للمرأة النتف وللرجل الحلق. واعترض عليه بأنه ورد في الحديث «حَلْق الْعَانَةِ» وهذا يشمل الذكر والأُنثي. وفي الصحيحين: «حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ» أي: المرأة الغائب عنها زوجها وهذا دليل خاص. القول الثاني: السنة حلق العانة للرجل والمرأة. وهو مذهب المالكية (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ … » (٣). وفي البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مِنَ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ … » (٤) ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة حلق العانة للرجل والمرأة. وورد في الصحيحين: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﴿؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ … » (٥). وهو استعمال الحديدة في حلق العانة. القول الثالث: ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلي أنه بأي شيء تزال العانة فلا بأس بذلك (٦). واستدلوا بأن المقصود إزالة الشعر والتنظيف بأي مزيل. والراجح: أن الحلق أفضل لأنه ورد في الأحاديث الصحاح حلق العانة والاستحداد وهو

стр. 214

استعمال الحديدة، والله أعلم. المبحث السادس: حكم حلق شعر الدبر: اختلف العلماء في حكم شعر الدبر على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب حلق شعر الدبر، وهو قول بعض الحنفية. قال ابن عابدين: والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر وهو أولى بالإزالة لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر (١). القول الثاني: يباح حلق الدبر، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية (٢). واستدلوا بأن الشعر قد ينهى عن حلقه كشعر اللحية وقد يؤمر بحلقه كشعر العانة وشعر لم يؤمر فيه ولم ينه عنه فهذا على الإباحة كشعر الدبر. القول الثالث: لا يشرع حلق الدبر وهو قول بعض المالكية (٣). واستدلوا بأنه ليس هناك دليل من قول الرسول ولا من فعله ولا من فعل الصحابة. وعليه فلا يُشرع. قال الشوكاني: الِاسْتِحْدَادُ إنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ حَلْقَ الْعَانَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَى سُنِّيَّةِ حَلْقِ الشَّعْرِ النَّابِتِ حَوْلَ الدُّبُرِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِلَاقُ بِالْحَدِيدِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ. والراجح: ما قاله النووي: لا مانع مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ (٤).

стр. 215

المبحث السابع: حكم حلق عانة الميت: اختلف أهل العلم في حكم حلق عانة الميت على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يحرم حلق عانة الميت لأن في ذلك كشفًا لعورته، وبه قال الحنفية والمشهور من مذهب أحمد (١). القول الثاني: يكره حلق عانة الميت، وإليه ذهب المالكية، والشافعية (٢). القول الثالث: أنه يباح حلق عانة الميت. وهو قول عند الشافعية (٣). واستدلوا بأنه يجوز من باب التنظيف. قال ابن حزم: وَإِنْ كَانَتْ أَظْفَارُ الْمَيِّتِ وَافِرَةً، أَوْ شَارِبُهُ وَافِيًا، أَوْ عَانَتُهُ أُخَذَ كُلَّ ذَلِكَ; لأنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَهَّزَ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى إلاَّ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا. والراجح: أن حلق عانة الميت محرم لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بدون النظر إلى العورة وعدم ملامسة البشرة بالنورة أو كان الذي يباشر ذلك الزوجة فَلَا بَأْسَ. قال ابن قدامة: وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَلِي عَوْرَتَهُ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا؛ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ (٤).

стр. 216

المبحث الثامن: استخدام النورة: النورة: طلاء بشرة العانة بالنورة ليزيل الشعر الذى عليها. قال النووي: وَالسُّنَّةُ فِي الْعَانَةِ الْحَلْقُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَلَوْ نَتَفَهَا أَوْ قَصَّهَا أَوْ أَزَالَهَا بِالنُّورَةِ، جَازَ (١). وعن أم سلمة: «أَنّ النَبِّيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَوَّرُ وَ يَلِي عَانَتَهُ بِيَدِهِ (٢). * * *

стр. 217

الفصل الثالث فى تقليم الأظفار ونتف الإبط وفيه تمهيد وتسعة مباحث المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط. المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط. المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار. المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر. المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر. المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره، هل يعيد الوضوء؟ المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء. المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب. المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق.

стр. 218

الفصل الثالث تقليم الأظفار ونتف الإبط تمهيد: معني تقليم الأظفار: هو أخذ ما طال منها، وذلك لتحسين الهيئة وإزالة القباحة من طول الأظفار، ومنع الوسخ الذين يكون تحت الظفر وقد يمنع من كمال الطهارة. المبحث الأول: حكم تقليم الأظفار، ونتف الإبط: قال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ: وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ (١). وأما نتف الإبط فمتفق على أنه سنة. أما إذا طالت الأظفار وفحشت فيحرم تركها من غير تقليم. قال ابن دقيق العيد: وفي تقليم الأظفار معنيان: أَحَدُهُمَا: تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ وَالزِّينَةِ، وَإِزَالَةُ الْقَبَاحَةِ مِنْ طُولِ الْأَظْفَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، لِمَا عَسَاهُ يَحْصُلُ تَحْتَهَا مِنَ الْوَسَخِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَخْرُجَ طُولُهَا عَنْ الْعَادَةِ خُرُوجًا بَيِّنًا، وَهَذَا الَّذِي أَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ طُولُهَا عَنِ الْعَادَةِ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ يَسِيرِ الْوَسَخِ، وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ: فَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ مَانِعٌ مِنَ حُصُولِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى (٢) (٣).

стр. 219

قال ابن العربي: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟!. قال تعالي عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وشواربهم وشعرهم: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. فالحاصل أن تقْلِيم الْأَظْفَار ونتف الإبط سنة إلا إذا طالت وفحشت فيحرم تركها. المبحث الثاني: وقت تقليم الأظفار، ونتف الإبط: اختلف العلماء في وقت تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب تقليم الأظفار كل جمعة. وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الحنابلة. (١) واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاةِ» (٢). وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ وَأَظْفَارَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ (٣).

стр. 220

وأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنَ عُمَرَ أنه كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَقُصُّ شَارِبَهُ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ (١). القول الثاني: يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس، وهو قول عند الحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قول النبى ﷺ : «من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر» (٣). واعترض عليه بأنه لا أصل له. القول الثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها، فإذا طالت قلمها ولا تؤخر عن أربعين يومًا. واستدلوا بما رواه مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٤).

стр. 221

قال القرطبي: هذا تحديد المدة، والمستحب تَفَقُّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقليم الأظفار كل جمعة و الأحاديث الواردة أن النبي ﷺ كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة لا تصح، ولكن صح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، وقص شاربه في كل جمعة، وإن كان يستحب غسل الجمعة للتنظف، فكذا تقليم الأظفار ويقص الشارب وغير ذلك من سنن الفطرة من باب التنظيف، ولا تُترك أكثر من أربعين يومًا لحديث «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. والله أعلم. المبحث الثالث: كيفية تقليم الأظفار: اختلف العلماء في كيفية تقليم الأظفار على ثلاثة أقوال: القول الأول: يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم السباحة ثم إبهام اليسرى، وهو قول للحنابلة (١). القول الثاني: يبدأ فيها بالوسطى، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السباحة، وهو قول للحنابلة (٢). القول الثالث: يبدأ بسبابة يمناه بلا مخالفة، وهو قول بعض الشافعية، وقول عند الحنابلة (٣). وهناك أقوال أخر ولا يصح في هذا الباب حديث خاص ولو قدم يده اليمني علي اليسري لعموم حديث عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ

стр. 222

وَطُهُورِهِ» (١). لكان أحسن، والله ولي التوفيق. المبحث الرابع: إزالة الوسخ الذي تحت الظفر. اختلف العلماء في حكم إزالة الوسخ الذي تحت الظفر على ثلاثة أقوال: القول الأول: تجب إزالة الوسخ مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَزْدِيَّ فَصَافَحْتُهُ فَرَأَى أَظْفَارِي طِوَالًا، فَقَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «يَسْأَلُنِي أَحَدُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَيَدَعُ أَظْفَارَهُ كَأَظْفَارِ الطَّيْرِ تَجَمَّعُ فِيهَا الْخَبَاثَةُ وَالتَّفَثُ» (٣). واعترض عليه بأنه لا يصح.

стр. 223

أما دليلهم من المعقول: فقال ابن حجر: قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن غسله فيكون إذا صَلَّى حَامِلًا للنَّجَاسَّة (١). القول الثاني: لا يجب إزالة الوسخ، وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بأن هذا الأمر مما عمت به البلوى ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي ﷺ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. القول الثالث: إن كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه وإن فحش وجب إزالته، وهو مذهب المالكية، وقول ابن دقيق العيد، وابن تيمية (٣). واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة ﵄ قالت: ما كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ

стр. 224

تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا (١). وهذا دليل على أن الوسخ القليل تحت الظفر معفو عنه، وإنما أزالت الدم بظفرها. المبحث الخامس: دفن الظفر والشعر: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بالسنة: فعَنْ مِيلِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، ثُمَّ دَفَنَهَا، وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَكَذَا» (٣). وعن عبد الجبار عن أبيه عن النبي ﷺ كانَ يأمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ والأَظَفار (٤). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ ﷺ : «ادْفِنُوا الأَظْفَارَ وَالشَّعَرَ وَالدَّمَ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ» (٥). وعن عبد الله بن بسر قال ﷺ : «قُصُّوا أَظَافِيرَكُمْ وَادْفِنُوا قُلَامَاتِكُمْ وَنَقُّوا بَرَاجِمَكُمْ» (٦). وهذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه لا يستحب دفن الأظفار

стр. 225

والشعر. المبحث السادس: من توضأ ثم قلم أظفاره هل يعيد الوضوء؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يعيد الوضوء. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بما رُوى عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره، فقلت له: أخذت من أظفارك، ولم تتوضأ؟ قال: مَا أَكْيَسَكَ؟! أَنْتَ أَكْيَس ممنْ سَمَّاهُ أَهْلَهُ كَيْسًا (٢). وقَالَ علي: مَا زَادَهُ إِلَّا طَهَارَةً يَعْنِي الْأَخْذَ مِنَ الشَّعْرِ والظفر (٣). وأما دليلهم من المعقول: فهو أن تقليم الأظفار ليس بحدث حتي ينتقض الوضوء. وذهب مجاهد (٤) وابن جرير إلى أن عليه أن يعيد الوضوء. وذهب عطاء (٥) وإبراهيم وحماد (٦) وغيرهم إلى أنه يغسل موضع الأظفار. والأصح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم، أي صحة وضوء من قلم أظفاره ولا إعادة عليه، وغسل رؤوس الأصابع بعد القص (٧). المبحث السابع: من توضأ ثم نتف إبطه هل يعيد الوضوء؟ لم يأت في قرآن ولا سنة ولا إجماع إيجاب الوضوء من نتف الإبط.

стр. 226

وأما ما ورد عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا حَكَّ إِبْطَهُ، أَوْ مَسَّهُ، فَقَالَ: «قُمْ فَاغْسِلْ يَدَيْكَ أَوْ تَطَهَّرْ» (١). فاعترض عليه بأن هذا لم يصح عن عمر. وما ورد عن عبد الله بن عمرو «أنَّه كَان يَغْتَسلِ مِنْ نَتْفِ الإبِطِ» (٢) فإسناده صحيح، إلا أن هذا الاغتسال للتنظيف والتبرد؛ لأن الشعر الذي نتفه ربما آذاه. فمن توضأ ثم نتف إبطه لا يتوضأ، والله أعلم. المبحث الثامن: توفير الأظفار في الحرب: استحب الحنفية والحنابلة، توفير الأظفار في الحرب (٣). واستدلوا لذلك بالسنة، والمأثور، والمعقول: أما دليلهم من السنة: فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﵌ أن لا نحفى الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ وَقَالَ: «إنَّ الْقُوَّةَ فِي الْأَظْفَارِ» (٤). أما دليلهم من المأثور: فعن عُمَرَ قَالَ: وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ (٥). أما دليلهم من المعقول: فهو أن المجاهد إذا سقط السلاح من يده ودنا منه العدو ربما

стр. 227

يتمكن من دفعه بأظافيره (١). قال أحمد: يحتاج إليه في أرض العدو (٢). فالحاصل أن توفير الأظفار قد يباح في الحروب القديمة إذا كان يحتاج إليه، أما إذا كانت الحروب بالأسلحة والقنابل كما هو موجود الآن. فإن الأظفار تقلم. المبحث التاسع: السنة نتف الإبط وليس الحلق: ودليل ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الفِّطْرَة خمَس» … وذكر منها الاسِّتِحْدَاد، وَنَتْفِ الإبطِ (٣). والحكمة في العانة الحلق وفي الإبط النتف. وَ «نَتْفُ الْآبَاطِ» إزَالَةُ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ بِهَذَا الْوَجْهِ، أَعْنِي النَّتْفَ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا يُؤَدِّي إلَى الْمَقْصُودِ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَوْلَى، وَقَدْ فَرَّقَ لَفْظُ الْحَدِيثِ بَيْنَ إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْإِبْطِ، فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ الِاسْتِحْدَادَ وَفِي الثَّانِي النَّتْفَ وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رِعَايَةِ هَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ فِي مَحِلِّهِمَا، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّ الشَّعْرَ بِحَلْقِهِ يَقْوَى أَصْلُهُ، وَيَغْلُظُ جِرْمُهُ، وَلِهَذَا يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ تَكْرَارَ حَلْقِ الشَّعْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرَادُ قُوَّتُهُ فِيهَا، وَالْإِبْطُ إذَا قَوِيَ فِيهِ الشَّعْرُ وَغَلُظَ جِرْمُهُ كَانَ أَفْوَحَ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُؤْذِيَةِ لِمَنْ يُقَارِبُهَا، فَنَاسَبَ أَنْ يُسَنَّ فِيهِ النَّتْفُ الْمُضْعِفُ لِأَصْلِهِ، الْمُقَلِّلُ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَأَمَّا الْعَانَةُ فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مَا يَظْهَرُ فِي الْإِبْطِ، فَزَالَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلنَّتْفِ، ورُجِعَ إلَى الِاسْتِحْدَادِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنِ غَيْرِ مُعَارِضٍ (٤).

стр. 228

الفصل الرابع قص الشارب وإعفاء اللحية وفيه تمهيد ومبحثان المبحث الأول: قص الشارب، وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم قص الشارب. المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟ المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تعريف اللحية. المطلب الثاني: حكم حلق اللحية. المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية. المطلب الرابع: حكم نتف الشيب. المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد. المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد.

стр. 229

الفصل الرابع قص الشارب وإعفاء اللحية تمهيد: المقصود بالشارب: الشعر النابت على الشفة العليا. قص الشارب هو قص طرف الشعر المستدير على الشفة (١). قال ابن دقيق العيد: وَالْأَصْلُ فِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِحْفَائِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مُخَالَفَةُ زِيِّ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الصَّحِيحِ، حَيْثُ قَالَ «خَالِفُوا الْمَجُوسَ». وَالثَّانِي: أَنَّ زَوَالَهَا عَنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، وَأَنْزَهُ مِنْ وَضَرِ الطَّعَامِ (٢). المبحث الأول: فى قص الشارب، وفيه مطلبان. المطلب الأول: حكم قص الشارب. حكى الإجماع على استحباب قص الشارب غير واحد من أهل العلم. قال النووي: أما قص الشارب فمتفق على أنه سنة (٣). وذهب ابن حزم وابن العربي والشوكاني إلى وجوب قص الشارب (٤). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (٥) وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جُزُّوا

стр. 230

الشَّوَارِبَ» (١) وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (٢) فهذه أوامر تدل على وجوب إحفاء الشارب والأمر للوجوب وليس هناك قرينة تدل على الاستحباب. والحاصل أن قص الشارب سنة، أما إذا طال على العادة فيجب قصه. المطلب الثاني: هل يقص الشارب أو يحلق؟ اختلف العلماء في حكم قص الشارب على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الشارب يقص ولا يحلق، وبه قال المالكية (٣) والشافعية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الفِّطْرَةُ خمَسٌ … وذَكَرَ منها» «قَصُّ الشَّارِبِ» (٦)، وروى مسلم عن أنس ﵁ قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ». وروى أحمد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (٧). كل هذه الأحاديث وغيرها تدل على قص الشارب وليس حلقه.

стр. 231

القول الثاني: ذهب أبو حنيفة ورواية عن أحمد (١) إلى أن الحف أولى من القص. واستدلوا لذلك بما روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى». وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» (٢) وفي البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (٣). وجه الدلالة من قوله ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وقوله ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» وقوله ﷺ : «وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، ما قاله الحافظ ابن حجر: فَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ لِأَنَّ الْجَزَّ وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ الثَّقِيلَةِ قَصُّ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدَ، وَالْإِحْفَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الِاسْتِقْصَاءُ وَمِنْهُ «حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ الْزَقُوا الْجَزَّ بِالْبَشَرَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْصَاءِ. وَالنَّهْكُ بِالنُّونِ وَالْكَافِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِزَالَةِ. وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخِتَانِ قَوْلُهُ ﷺ لِلْخَافِضَةِ: «أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي» أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ. وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ أهل اللُّغَة، وَقَالَ ابن بَطَّالٍ: النَّهْكُ التَّأْثِيرُ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِئْصَالِ (٤). وعن عُثْمَانَ بْن عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْبَدْرِيَّ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ﴾ يَأْخُذُونَ مِنَ الشَّوَارِبِ كَأَخْذِ الْحَلْقِ، وَيُعْفُونَ اللِّحَى، وَيَنْتِفُونَ الْآبَاطَ (٥).

стр. 232

واعترض عليه بأنه اختلف على الصحابة: فعَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: " رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُمُّونَ شَوَارِبَهُمْ وَيُعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيَصُرُّونَهَا: أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَالْحَجَّاجَ بْنَ عَامِرٍ الثُّمَالِيَّ، وَالْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِيكَرِبَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، وَعُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ، كَانُوا يَقُمُّونَ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ (١). واستدلوا بالقياس على الحج فكما أن الحلق أفضل من التقصير في الحج، فكذا حلق الشارب أفضل من قصه (٢). واعترض عليه بأن أكثر الأحاديث صريحة في قص الشارب وإن كان في بعض الأحاديث بالإحفاء ولا قياس مع النص. القول الثالث: ذهب الطبري إلى أنه يخير بين الأمرين (القص، والإحفاء) للجمع بين الأدلة فقد دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء. واعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقص مفسر المراد، والمفسر مقدم على المجمل (٣). وأجيب عنه، بأن لو سلمنا في لفظة «أحفوا» فماذا نفعل في لفظة «انهكوا»، ولفظة «جزوا» كل هذا في الصحاح. فدل ذلك علي ثبوت الأمرين، وإن كان كلاهما جائزًا وإن كان أحاديث القص أكثر وأصح، فالأفضل القص، والحلق جائز. قال النووي: وَالْمُخْتَارُ فِي الشَّارِبِ تَرْكُ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَبْدُو بِهِ طَرَفُ الشَّفَةِ (٤).

стр. 233

المبحث الثاني: إعفاء اللحية، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تعريف اللحية: قال الجوهري: اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن (١). وفي المصباح: اللحية: الشعر النازل على الذقن (٢). فتخلص أن اللحية قد تشمل الشعر الذى علي الذقن والخدين أو الشعر الذي على الذقن دون الخذين. والراجح: شمول اللحية للشعر النابت علي الخدين والذقن؛ لأن النصوص المستفيضة عن النبي العدنان ﷺ تدل على أنه كان كث اللحية وأمر بإعفاء اللحية، ولم يرد أنه أخذ شعر الخدين. المطلب الثاني: حكم حلق اللحية: قال ابن حزم: وَاتَّفَقُوا أَنْ حلق جَمِيع اللِّحْيَة مثلَة لَا تجوز (٣).

стр. 234

قال ابن عابدين: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْهَا وَهِيَ دُونَ القبضة كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَمُخَنَّثَةُ الرِّجَالِ فَلَمْ يُبِحْهُ أَحَدٌ، وَأَخْذُ كُلِّهَا فِعْلُ يَهُودِ الْهِنْدِ وَمَجُوسِ الْأَعَاجِم (١). واستدلوا بالنصوص المستفيضة بإعفاء اللحية، ففي البخاري: عن ابْنِ عُمَرَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى» (٢). وفي مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى» (٣). المطلب الثالث: حكم الأخذ من اللحية: وردت النصوص المستفيضة بإعفاء اللحية: روى البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﴿، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى». وروى مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ». قال النووي: والمختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيئ أصلًا (٤). وذهب جمهور العلماء إلى أن له أن يأخذ من اللحية ما زاد عن القبضة، وهو مذهب الحنفية (٥)، ........................................................................

стр. 235

والمالكية (١)، والحنابلة (٢). واستدلوا بما روى البخاري: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ (٣). وورد عند ابن أبي شيبةعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: التَّفَثُ: الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ، وَالأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَالأَظْفَارِ، وَاللِّحْيَةِ (٤). قال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يُترك، ولو أخذ ما زاد علي القبضة لم يكره (٥). المطلب الرابع: حكم نتف الشيب: اختلف العلماء في حكم نتف الشيب على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وجمهور الحنابلة (٦).

стр. 236

واستدلوا لذلك بما روى أحمد بسند حسن عن ابن عمر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ شَيْبَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» (١). وروى ابن حبان بسند حسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ شَابَ شَيْبَة فِي الْإِسْلَامِ كُتِبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَرُفِعَ له بها درجة» (٢). وروى الطيالسي بسند صحيح عن أبي نجيح السلمي، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). القول الثاني: يحرم نتف الشيب. وهذا القول حُكى عن الشافعي وقاله ابن مفلح (٤). واستدلوا بأن هذه الأحاديث تدل علي التحريم. القول الثالث: أنه لا بأس بنتف الشيب. وهو قول بعض الحنفية (٥). واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في الباب ضعيفة والأصل الإباحة. قال عمر بن بدر الموصلي: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ . الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة نتف الشيب، والله أعلم.

стр. 237

المطلب الخامس: تغيير الشيب بغير السواد: اختلف العلماء في تغيير الشيب بغير السواد على أربعة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن خضاب الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بما ورد فى الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» (٢). ففي الحديث الأمر بالصبغ مخالفة لليهود. وروى مسلم عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَضَبَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ، كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ (٣). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه يباح تغيير الشيب (٤). قال ابن عبد البر: جاء عن جماعة كثيرة من السلف من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين أنهم خضبوا بالحمرة، والصفرة، وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا، وكل ذلك واسع كما قال مالك، والحمد لله (٥). عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَدْ مَلأَتْ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ (٦). القول الثالث: يجب تغيير الشيب، وهو قول عند الحنابلة (٧).

стр. 238

القول الرابع: يُكره تغيير الشيب، وهو مروي عن عمر (١)، وسعيد بن جبير (٢). واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (٣). واستدلوا بعموم قوله ﷺ : «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، كَانَتْ نُورًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». والصبغ يُذهب الشيب فكره لذلك. والراجح: جواز الخضاب بغير السواد. والله أعلم. المطلب السادس: تغيير الشيب بالسواد: اتفق العلماء على جواز الخضاب بالسواد في الحرب واختلفوا في غير الحرب على أربعة أقوال (٤): القول الأول: يحرم الخضاب بالسواد، وهو قول عند الشافعية (٥). واستدلوا بما ورد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (٦).

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِى آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (١). القول الثاني: يُكره الخضاب بالسواد في غير الحرب، وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). هؤلاء جمعوا بين أحاديث المنع من الخضاب وبين

стр. 241

فعل الصحابة على أن النهي للكراهة فروى عبد الرزاق عن الزهري قال: «إن الحسين بن علي يخضب بالسواد (١). قال وكان الحسن بن علي يخضب بالسواد (٢). روى ابن أبي شيبة عن أبي عُشَانَةَ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ وَيَقُولُ: نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا (٣). القول الثالث: أن الخضاب بالسواد جائز بلا كراهة، وهو قول عند الحنفية (٤)، وصح عن عدد من الصحابة والتابعين. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أَبَى هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ» (٥). فإذا كان اليهود لا يصبغون وأمر النبي ﷺ بمخالفتهم أمر بالصبغ بالسواد. وروى أحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى» (٦). فالرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب بالسواد وغيره. القول الرابع: أن الخضاب يجوز للمرأة، ولا يجوز للرجل (٧). واستدلوا بأن المرأة إذا كان لها أن تلبس الذهب دون الرجل لأن حاجتها إلى الزينة أشد فكذا الخضاب يجوز للمرأة دون الرجل. الحاصل هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من كراهة الخضاب بالسواد، والله أعلم.

стр. 242

الفصل الخامس حلق شعر الرأس وغسل البراجم وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: حكم حلق شعر الرأس: اختلف العلماء فى حكم حلق شعر الرأس على أربعة أقوال: القول الأول: أن ترك الشعر أفضل إلا مَنْ شق عليه تعهده فالحلق أفضل، وهو قول الشافعية (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ (٢). وفي الصحيحين: قوله ﷺ عن عيسى: «تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ» (٣). فهذا رسول الله ﷺ كثير الشعر ولقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. وهذا عيسى من أولي العزم من الرسل الذين وصفهم الله في كتابه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. القول الثاني: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد (٤). قال النووي: لَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَة (٥).

стр. 243

القول الثالث: أن حلق الشعر سنة، وهو مذهب الحنفية (١). القول الرابع: يباح حلق الشعر، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بما روى أبو داود: عَنْ عبدِ الله بن جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدِ الْيَوْمِ». ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي». فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ» فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رؤوسنا (٣). والراجح: أن ترك الشعر أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، دل على ذلك ما رُوى عن البراء أنه قال: كان النبي ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ. وعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُمَّةٌ (٤). وسئل أحمد عن تطويل الشعر فقال: تدبرت مرة، فإذا هو عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ (٥). قلت: أما في الحج فتحلق الرأس لعموم قوله تعالي: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. المبحث الثاني: ما المراد بالقزع المنهي عنه؟ قال القرطبي: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه (٦).

стр. 244

وروى مسلم: عَنِ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ. قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ وَمَا الْقَزَعُ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ (١). قال المازري: إذا كان القزع في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه. قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (٢). المبحث الثالث: غسل البراجم: البراجم: المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع فيها الوسخ (٣). وغسل البراجم: تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ، والمراد الاعتناء بها في الاغتسال (٤). روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ … » (٥)، وذكر منها «وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ». قال النووي: وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ (٦). * * *

стр. 245

الفصل السادس السواك وفيه عشرة مباحث المبحث الأول: تعريف السواك. المبحث الثاني: حكم السواك. المبحث الثالث: أفضل السواك. المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع والخرقة؟ المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟ المبحث السادس: حكم السواك للصائم. المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد. المبحث الثامن: ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك. المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟ المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليسرى؟

стр. 246

الفصل السادس السواك المبحث الأول: تعريف السواك: في اللسان: السواك: ما يدلك به الفم من العيدان. قال النووي: السواك هو استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير (١). المبحث الثاني: حكم السواك: قال النووي: فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ (٢). وقال الشوكانى: لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون (٣). قال ابن عبد البر: فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه (٤). وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي- أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٥). قالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ (٦).

стр. 247

المبحث الثالث: أفضل السواك: ذهب جمهور العلماء إلى أن أفضل السواك الأراك (١). واستدلوا لذلك بما روى أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُد» (٢). ثم يأتي في الأفضلية جريد النخل؛ وذلك لأن النبي ﷺ استن به في آخر حياته (٣). المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع، والخرقة؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ» (٤). عن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْأَصَابِعُ تَجْرِي

стр. 248

مَجْرَى السِّوَاكِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاكٌ» (١). واعترض عليه بأن هذه الأحاديث إن كانت لا تصح عن رسول الله ﷺ فالمراد من السواك أنه يطهر الفم وينظفه، فإذا نظف الفم الأصبع والخرقة وغير ذلك فإنه يستحب فالله يحب المتطهرين. المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟ لا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال. أولًا: مرضاة الرب. ثانيًا: خفيف الحمل. ثالثًا: يُفعل في كل وقت، وفي كل مكان. رابعًا: المعجون يحتاج إلى الماء كما يحتاج إلى فرشاة خاصة، بخلاف السواك. خامسًا: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون أو من الفرشاة. كل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون ولكن هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟ الجواب: إذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة للرب فالمعجون يصيب السنة من حيث إنه مطهرة للفم (٢).

стр. 249

المبحث السادس: حكم السواك للصائم: يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره، وهو قول عمر، وابن عمر، وابن الزبير، ورُوي عن أبي هريرة وعائشة، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»، ولم يستثن مفطرًا دون صائم ففيه دلالة علي أن السواك للصائم عند كل صلاة فضيلة فهو كالمفطر. أما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» فلا يصح عن رسول الله ﷺ . أما حديث «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهي عن السواك (١). المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد: ذهب جمهور العلماء إلى إباحة الاستياك في المسجد (٢). واستدلوا بما رواه البخاري عن النبى ﷺ أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٣). قال ابن تيمية: السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ، بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله الثَّابِتَةِ عَنْهُ، بَلْ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا جَازَ الْوُضُوءُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ يَسْتَاكُ عِنْدَهَا، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟ (٤).

стр. 250

ذهب بعض الحنفية والمالكية إلي كراهة الاستياك في المسجد (١). واستدلوا بما روى مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ » (٢) والمستاك قد يخرج من أسنانه بقايا الطعام والقذر، والمساجد يجب صيانتها عن هذا القذر. قال القرطبي: حجةٌ لمالكٍ في منعِ إدخال الميِّت المسجدَ، وتنزيهِهَا عن الأقذار جملةً، فلا يُقَصُّ فيها شعر، ولا ظُفُر، ولا يتسوَّكُ فيها؛ لأنه مِنْ بابِ إزالةِ القَذَر (٣). واعترض عليه بما قاله العراقي: وَلَوْ سَلِمَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ لَا يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ فِي السِّوَاكِ، فَإِذَا كَانَ السِّوَاكُ مَحْفُوظًا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ نُدِبَ إلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَيُؤْمَرُ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَاكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ (٤). المبحث الثامن: ذِكر المواضع التي يتأكد فيها السواك: لا شك أن السواك مسنون في كل وقت لقول النبي ﷺ : «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٥). قال الشوكاني: أُطْلِقَ فِيهِ السِّوَاكُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِحَالَة «مَخْصُوصَة» فَأَشْعَرَ بِمُطْلَقِ شَرْعِيَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (٦).
следующие страницы →