← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل السادس السواك المبحث الأول: تعريف السواك: في اللسان: السواك: ما يدلك به الفم من العيدان. قال النووي: السواك هو استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير (١). المبحث الثاني: حكم السواك: قال النووي: فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ (٢). وقال الشوكانى: لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون (٣). قال ابن عبد البر: فضل السواك مجمع عليه، لا اختلاف فيه (٤). وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي- أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٥). قالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ (٦).

стр. 247

المبحث الثالث: أفضل السواك: ذهب جمهور العلماء إلى أن أفضل السواك الأراك (١). واستدلوا لذلك بما روى أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُد» (٢). ثم يأتي في الأفضلية جريد النخل؛ وذلك لأن النبي ﷺ استن به في آخر حياته (٣). المبحث الرابع: هل يجوز التسوك بالأصبع، والخرقة؟ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ» (٤). عن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْأَصَابِعُ تَجْرِي

стр. 248

مَجْرَى السِّوَاكِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاكٌ» (١). واعترض عليه بأن هذه الأحاديث إن كانت لا تصح عن رسول الله ﷺ فالمراد من السواك أنه يطهر الفم وينظفه، فإذا نظف الفم الأصبع والخرقة وغير ذلك فإنه يستحب فالله يحب المتطهرين. المبحث الخامس: هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟ لا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال. أولًا: مرضاة الرب. ثانيًا: خفيف الحمل. ثالثًا: يُفعل في كل وقت، وفي كل مكان. رابعًا: المعجون يحتاج إلى الماء كما يحتاج إلى فرشاة خاصة، بخلاف السواك. خامسًا: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون أو من الفرشاة. كل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون ولكن هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟ الجواب: إذا كان السواك مطهرة للفم مرضاة للرب فالمعجون يصيب السنة من حيث إنه مطهرة للفم (٢).

стр. 249

المبحث السادس: حكم السواك للصائم: يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره، وهو قول عمر، وابن عمر، وابن الزبير، ورُوي عن أبي هريرة وعائشة، وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ»، ولم يستثن مفطرًا دون صائم ففيه دلالة علي أن السواك للصائم عند كل صلاة فضيلة فهو كالمفطر. أما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» فلا يصح عن رسول الله ﷺ . أما حديث «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهي عن السواك (١). المبحث السابع: حكم التسوك في المسجد: ذهب جمهور العلماء إلى إباحة الاستياك في المسجد (٢). واستدلوا بما رواه البخاري عن النبى ﷺ أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٣). قال ابن تيمية: السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ، بَلْ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَمْتَخِطَ فِي ثِيَابِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله الثَّابِتَةِ عَنْهُ، بَلْ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا جَازَ الْوُضُوءُ فِيهِ، مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِيهِ السِّوَاكُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ يَسْتَاكُ عِنْدَهَا، فَكَيْفَ يُكْرَهُ السِّوَاكُ؟ (٤).

стр. 250

ذهب بعض الحنفية والمالكية إلي كراهة الاستياك في المسجد (١). واستدلوا بما روى مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ » (٢) والمستاك قد يخرج من أسنانه بقايا الطعام والقذر، والمساجد يجب صيانتها عن هذا القذر. قال القرطبي: حجةٌ لمالكٍ في منعِ إدخال الميِّت المسجدَ، وتنزيهِهَا عن الأقذار جملةً، فلا يُقَصُّ فيها شعر، ولا ظُفُر، ولا يتسوَّكُ فيها؛ لأنه مِنْ بابِ إزالةِ القَذَر (٣). واعترض عليه بما قاله العراقي: وَلَوْ سَلِمَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ لَا يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ فِي السِّوَاكِ، فَإِذَا كَانَ السِّوَاكُ مَحْفُوظًا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ نُدِبَ إلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَيُؤْمَرُ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَاكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ (٤). المبحث الثامن: ذِكر المواضع التي يتأكد فيها السواك: لا شك أن السواك مسنون في كل وقت لقول النبي ﷺ : «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٥). قال الشوكاني: أُطْلِقَ فِيهِ السِّوَاكُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِحَالَة «مَخْصُوصَة» فَأَشْعَرَ بِمُطْلَقِ شَرْعِيَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (٦).

стр. 251

وإن كان السواك مستحبًّا في كل وقت، لكن في بعض الأوقات أشد استحبابًا: • عند الصلاة: في الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، أَوْ عَلَى النَّاسِ، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (١). • عند الوضوء: يسن الاستياك عند الوضو، فقد. روى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ». اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء. فقيل: قبل الوضوء. واستدلوا بما روى ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» (٢). أي قبل كل وضوء. وقيل: عند المضمضة وردت عند أحمد: «مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» قالوا: المعية تقتضي المصاحبة لأن من تسوك بعد غسل الكفين وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء. وقالوا: لأن التسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. • عند الانتباه من النوم: فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ (٣). قال ابن دقيق العيد: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عند الْقِيَامُ مِنِ النَّوْمِ وَعِلَّتُهُ: أَنَّ النَّوْمَ مُقْتَضٍ لِتُغَيِّرْ الْفَمِ، وَالسِّوَاكُ هُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ لِلْفَمِ، فَيُسَنُّ عِنْدَ مُقْتَضَى التَّغَيُّر (٤). • عند تغير الفم: قال العراقي: تَغَيُّرُ الْفَمِ سَوَاءٌ فِيهِ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ كَصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ (٥).

стр. 252

وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: «السِّوَاكُ مُطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (١). فالسواك سبب لطهارة الفم وسبب لمرضاة الرب، وتطهير الفم إنما شرع لمناجاة الله ولذا شُرع عند الصلاة، ولتلاوة كتاب الله. • عند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ (٢). قال القرطبي: الحكمة في ذلك أنه ربما تغير رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل إزالة ذلك (٣). • عند قراءة القرآن: روى البيهقى بسند صحيح، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: أُمِرْنَا بِالسِّوَاكِ وَقَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَليِّ أَتَاهُ الْمَلَكُ فَقَامَ خَلْفَهُ يَسْتَمِعُ الْقُرْآنَ وَيَدْنُو، فَلَا يَزَالُ يَسْتَمِعُ وَيَدْنُو حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَلَا يَقْرَأُ آيَةً إِلاَّ كَانَتْ فِى جَوْفِ الْمَلَكِ» (٤). • عند الجمعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ» (٥). واستنبط الحنفية بأن السواك كما يستحب يوم الجمعة لاجتماع الناس، فكذا في العيدين وفي مجامع الناس مطلقًا (٦). • عند الاحتضار: عَنْ عَائِشَةَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 253

اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى». ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي (١). فالرسول ﷺ استاك عند سكرات الموت، وَطَّيب رسول الله ﷺ فمه عند اقتراب الملائكة منه فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان يستحب السواك عند الصلاة للقاء الله ولئلا تتأذى الملائكة فكذا يستحب السواك عند لقاء الله في الآخرة. المبحث التاسع: هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن المتسوك يبدأ بجانب فمه الأيمن (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٣). فإذا كان يستحب التيمن في الطهور واستعمال السواك من الطهارة، وإذا كان يبدأ باليمن في الوضوء، فكذا يبدأ بالجانب الأيمن في الفم في السواك. المبحث العاشر: هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن التسوك يكون باليد اليمنى (٤). استدلوا لذلك بما روى أحمد: عَنْ عَائِشَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى

стр. 254

لِطَهُورِهِ، وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى (١). إسناده ضعيف ولكن في الطهارة، والوضوء، والغسل يبدأ بالأيمن، والسواك تطهير للفم فيبدأ بالأيمن كالوضوء، والغسل، وكان النبي ﷺ يعجبه التيمن في طهوره. القول الثاني: أن التسوك باليد اليسرى أفضل، وهو قول بعض الحنفية والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). قال ابن تيمية: الِاسْتِيَاكَ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى (٣). واعترض عليه: بأن الاستنجاء يكون فيه مباشرة باليد، بينما الاستياك يكون بمباشرة السواك. والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من استعمال السواك باليد اليمنى لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين.

стр. 255

نتائج بحث سنن الفطرة الفائدة الأولى: أصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ١﴾ [الإنفطار] أي: انشقت. وتطلق على الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] أي: خلقني. وتطلق على الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي: الإسلام، وقول النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ». الفائدة الثانية: خصال الفطرة: منها ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ». الفائدة الثالثة: السنة الأولى من سنن الفطرة: الختان، وفيه: ١ - أصل الختن في اللغة: القطع، وفي الشرع: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، وختان الأنثى: قَطْعُ جِلْدَةٍ تَكُونُ فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ كَالنَّوَاةِ أَوْ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الْمُسْتَعْلِيَةِ مِنْهُ دُونَ اسْتِئْصَالِهِ (١). ٢ - أول من اختتن: أجمع العلماء على أن إبراهيم ﵇ أول من اختتن من الرجال، وذهب جمهور العلماء إلى أن سارة أول من اختتنت من النساء. ٣ - وقت الختان: يجب على الوليِ أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونًا، وكلما عجل بختن ولده كان أفضل، وإذا بلغ وجب الختان في حقه.

стр. 256

٤ - حكم ختان الذكر: الختان واجب في حق الرجال؛ دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ». فهذا يدل على وجوبه، والحشفة قد تحبس البول فينجس بها، والطهارة شرط لصحة الصلاة. ٥ - حكم ختان النساء: قال ابن القيم: لَا خلاف فِي اسْتِحْبَابه للْأُنْثَى وَاخْتلف فِي وُجُوبه، وَعَنْ أَحْمد فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: يجب على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَالثَّانيِة: يخْتَص وُجُوبه بالذكور، وَحجَّة هَذِه الرِّوَايَة حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس: الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء. والحديث ضعيف. ٦ - صدر قرار وزاري بمنع ختان الإناث، ويصفون خفاض الإناث بأنه وحشية، وادعوا كذبًا وزورًا أنه ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة كالنزيف. وقد أجمع العلماء على استحباب ختان الإناث، روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». دليل على أن أمة محمد فيها الختان. ٧ - الميت لا يختن بعد موته؛ لأن المقصود من الختان الطهارة، وقد زالت هذه الحاجة بالموت، ولأن النبي ﷺ أخبر: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً» غرلاً: أي غير مختونين، فما الفائدة من قطع عضو سيبعث يوم القيامة به، وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى؟! ٨ - من فوائد الختان: الوقاية من الالتهابات في القضيب الناتجة عن وجود القلفة، والوقاية من الالتهابات في المجاري البولية، والوقاية من سرطان القضيب، والوقاية من الأمراض الجنسية. السنة الثانية من سنن الفطرة: الاستحداد. ١ - الاستحداد في اللغة: حلق العانة بالحديدة. وفي الشرع: إزالة شعر العانة، وهو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو حلق.

стр. 257

٢ - حكم الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستحداد سنة؛ لعموم قول النبي ﷺ : «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ». وقد تجب سنن الفطرة إذا خرجت عن العادة؛ لأن الإنسان لو ترك أظفاره وشاربه وعانته وغير ذلك لم تبق له صورة الآدميين، قال تعالى عن أصحاب الكهف الذين مكثوا أكثر من ثلاثة قرون: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وعلى هذا فلكل من الزوجين أن يجبر الآخر على الاستحداد، وتقليم الأطفار، ونتف الإبط، وعموم التنظيف إذا خرج عن العادة، فالزوج لا بد أن ينتظف لزوجته؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، والزوجة لا بد أن تنتظف وتتجمل لزوجها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ٣ - وقت الاستحداد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب حلق العانة كل جمعة، فإذا كان يستحب الاغتسال يوم الجمعة للتنظيف، فكذا الاستحداد. ٤ - ونص على عدم ترك العانة ونتف الإبط أكثر من أربعين يومًا، روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». ٥ - هل الحلق أفضل أم النتف؟ ذهب الحنفية والشافعية إلى أن السنة في الرجل حلق العانة؛ لعموم قوله ﷺ : «وَحَلْقِ الْعَانَةِ»، والسنة في المرأة النتف؛ لأن المرأة أشد حاجة إلى إزالة الشعر وتأخر نموه أكثر من الرجل، ولكن ورد في الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ». ٦ - حلق شعر الدبر: لا مانع من حلق شعر الدبر، وإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء، فهو حسن مندوب، والله أعلم. ٧ - حلق عانة الميت محرم؛ لأن في ذلك كشفًا لعورته، وإذا أمكن إزالة شعر العانة بالنورة، و يباشر ذلك الزوجة فيجوز ذلك.

стр. 258

٨ - يجوز استخدام النورة وهو الطلاء بالنورة ليزال بها الشعر. السنة الثالثة والرابعة: تقليم الأظفار ونتف الإبط: ١ - معنى تقليم الأظفار: أَخْذ ما طال منها، وفيه تحسين للهيئة، ومنع الوسخ الذي يكون في الظفر، والذي يمنع من كمال الطهارة. ٢ - حكم تقليم الأظفار: قال النووي: أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ونَتْفُ الْإِبْطِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ. أما إذا طالت الأظفار عن المعتاد، فقد يتعلق بها من الأوساخ ما يمنع من حصول الطهارة، فيجب تقليمها؛ لأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، قال تعالى عن أهل الكهف لما طالت أظفارهم وغير ذلك: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. ٣ - وقت تقليم الأظفار ونتف الإبط، ذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب تقليم الأظفار كل جمعة، واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلَاة. والحديث ضعيف، وصح عن ابن عمر أنه كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة. وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يستحب تقليم الأظفار يوم الخميس. واستدلوا بحديث أبي هريرة: من أَرَادَ أَنْ يَأْمَن الْفقر وشكاية الْعَمى والبرص وَالْجُنُون، فليقلم أَظْفَاره يَوْم الْخَمِيس بعد الْعَصْر. واعترض عليه: بأنه لا أصل له. وهناك قول ثالث: إن التوقيت في تقليم الأظفار معتبر بطولها فإذا طالت قلمها. قال القرطبي: المستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. قلت: ولا تترك أكثر من أربعين يومًا. ٤ - إزالة الوسخ تحت الظفر إذا خرج عن العادة، أما إذا كان ما تحت الظفر يسيرًا عفي عنه؛ لأن هذا الأمر مما عمت به البلوى، ولو كان غسله واجبًا لبينه النبي ﷺ .

стр. 259

٥ - دفن الظفر والشعر: ففي الحديث عن النبي أنه كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعرِ وَالأَظَفَارِ، ولم يصح في الباب حديث؛ ولذا لا يستحب دفن الظفر ولا الشعر. ٦ - من توضأ أو نتف إبطه ثم قلمه، هل يعيد الوضوء؟ لا يعيد لأن تقليم الأظفار ليس بحدث حتى ينتقض وضوءه. ٧ - توفير الأظفار في الحرب، ففي الحديث: «وَفِّرُوا أَظْفَارَكُمْ فِي أَرْضِ العَدُو؛ فِإِنَّهُ سِلَاح»، ولم يصح في هذا الباب حديث، واستدلوا بأن المجاهد إذا سقط السلاح من يده فربما يتمكن من دفع العدو بأظافيره. قلت: وهذا في الحروب القديمة، أما الآن فالحروب بالأسلحة والقنابل فلا يستحب توفير الأظفار. ٨ - من السنة نتف الإبط، وليس الحلق، ففي الحديث: «وَنَتْفُ الآبَاطِ». السنة الخامسة: قص الشارب: ١ - قص الشارب مستحب بالإجماع، وفي الحديث: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ». ٢ - هل يقص الشارب أو يحلق؟ أكثر الأحاديث على قص الشارب؛ لحديث: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ … » وذكر منها «قَصُّ الشَّارِبِ»، وفي الحديث: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ»، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا»، فكل هذه الأحاديث تدل على قص الشارب، وفي الباب أحاديث أُخر، وهي: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ»، و «وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ»، و «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ»، وكل هذه الألفاظ في الصحاح، وتدل على المبالغة في الإزالة، والجمع بين هذه الأحاديث أن أحاديث القص أكثر وأصح وأصرح، فالأفضل القص، والحلق جائز، والله أعلم. السنة السادسة: إعفاء اللحية: ١ - تعريف اللحية: هي الشعر النابت على الذقن والخدين. ٢ - حكم اللحية: اتفقوا على أن حلق جميع اللحية مثلة ولا يجوز، وفي الحديث: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى»، وقول الرسول ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى»، قال ابن

стр. 260

عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد. ٣ - حكم الأخذ من اللحية: في الحديث: «وَاعْفُوا اللِّحَى»، «وَأَرْخُوا اللِّحَى»، قال النووي: المختار ترك اللحية على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا. وذهب جمهور العلماء إلى أخذ ما زاد على القبضة، واستدلوا بما ورد في البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه. ٤ - حكم نتف الشيب: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة نتف الشيب؛ لما روى أحمد بسند حسن عن النبي ﷺ : «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الإِسْلَامِ شَيْبَةً، إِلاَّ كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً». ٥ - تغيير الشيب بغير السواد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن تغيير الشيب بغير السواد من حمرة أو صفرة، لعموم قول النبى ﷺ : «إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ». ٦ - تغيير الشيب بالسواد: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة تغيير الشيب بالسواد. واستدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ». واعترض عليه: بأن لفظة: «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» فيها ضعف. السنة السابعة والثامنة: حلق الشعر وغسل البراجم: ١ - ترك شعر الرأس أفضل من حلقه مع تعهده وتنظيفه، وهذا فعل الأنبياء والمرسلين، وكذا سيد المرسلين وصحابته الغر الميامين، ويجوز حلقه. ٢ - القزع: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع وأبقى مواضع أنه القزع المنهي عنه، روى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: «يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ». قلت: ويدخل فيه ما يفعله بعض الحلاقين من تطويل الشعر على الناصية وتقصيره من الجوانب. ٣ - غسل البراجم: أي غسل المفاصل والعُقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع

стр. 261

فيها الوسخ، قال النووي: أما غسل البراجم فمتفق على استحبابه. السنة التاسعة: السواك: ١ - تعريفه: وهو: استِعمَالُ عُودٍ أَوْ نَحوه فِي الأَسْنَانِ لِإِذهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوَهُ. ٢ - حكمه: السواك سنة بالإجماع، وفي الحديث: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ». ٣ - أفضل السواك الأراك، ثم يأتي جريد النخل؛ لأن النبي ﷺ استن به في آخر حياته. هل يحصل بالمعجون إصابة السنة؟ الجواب: السواك أفضل من المعجون لأمور: الأول: فيه مرضاة للرب. الثاني: خفيف الحمل. الثالث: لا يحتاج إلى ماء كالمعجون. الرابع: لا يسبب ضررًا في اللثة كالمعجون. ٥ - يباح السواك للصائم في أول النهار وآخره لعموم قول النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ». ٦ - يستحب عند الانتباه من النوم لحديث حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. وعند دخول البيت: فعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ». وعند قراءة القرآن، وعند الجمعة، وعند الاحتضار. ٧ - يستحب استعمال السواك باليد اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن في طهوره، والاستياك نوع من الطهور فيكون باليمين. * * *

стр. 262

الباب السادس الوضوء وفيه تمهيد وأربعة فصول التمهيد: الفصل الأول: شروط صحة الوضوء. الفصل الثاني: فرائض الوضوء. الفصل الثالث: سنن الوضوء. الفصل الرابع: نواقض الوضوء.

стр. 263

التمهيد وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: فضل الوضوء. المبحث الثالث: حكم الوضوء. المبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا.

стр. 264

التمهيد وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: تعريف الوضوء لغة واصطلاحًا: أَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ. (١) والوضوء فى الشرع: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ (٢). المبحث الثاني: فضل الوضوء: ١ - الوضوء يُكفر الخطايا والذنوب والآثام، روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة ﵁: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ … » (٣). ٢ - الطهور شطر الإيمان، دل على ذلك ما رواه مسلم (٤) عن أبي مالك الأشعري قال:

стр. 265

قال رسول الله ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (١). ٣ - تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (٢). ٤ - حل عقدة الشيطان بالوضوء، ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» (٣). ٥ - إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٤). المبحث الثالث: حكم الوضوء: يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى: فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛

стр. 266

لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولعموم قوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل (١). وقد يكون مستحبًّا إذا أراد النوم (٢)، ويستحب للمسلم البقاء على طهارة (٣). والوضوء بالماء المغصوب أو المسروق محرم. وهكذا يختلف حكم الوضوء من عبادة إلى أخرى. المبحث الرابع: الوضوء في شريعة مَنْ قبلنا: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة (٤). واستدلوا لذلك بما روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ

стр. 267

أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا. فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ» (١). وجه الدلالة: «فقامت توضأ»، فدل ذلك على أن الوضوء كان في شريعة إبراهيم، أي أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا. أما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فقد ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (٢). وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال النبي ﷺ : «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلِيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» (٣). * * *

стр. 268

الفصل الأول شروط صحة الوضوء الشرط الأول: الإسلام: فلا يصح الوضوء من كافر، وكذا جميع العبادات، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤] (١).

стр. 269

الشرط الثاني: التكليف: المكلف هو البالغ العاقل، فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون. ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز. عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (١). قال شيخ الإسلام: والأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما

стр. 270

المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين. الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما. الشرط الرابع: طهارة الماء: فلا يصح الوضوء بالماء النجس. الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء: فإن عجز عن استعمال الماء لمرض ونحوه، فإنه يسقط. لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. واشترط الحنابلة أن يكون الماء مباحًا. فيحرم الوضوء بالماء المغصوب ويبطل. والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة وضوئه مع الإثم؛ فليس هذا شرطًا في صحة الوضوء. الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء: كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما. الشرط السابع: عدم الحائل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة: فإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع، أو دهان، أو طلاء الأظفار، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة، فإنه لا بد من إزالته؛ لأن الله تعالى أمر بغسل أعضاء الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة، فإن كان على العضو المغسول ما يمنع من وصول الماء فهو لم يغسل، وكذا مثبتات الشعر التي يسمونها الجيل التي يستعملها الشباب، فلو أدى استعمالها إلى وجود طبقة عازلة تحول بين شعر الرأس الذي يجب مسحه وبين الماء الذي يتم المسح به، فلا يصح الوضوء (١).

стр. 271

الشرط الثامن: قيام الحدث: فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء؛ وذلك لما روى البخاري من حديث عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ (١). وعن بريدة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ (٢). وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وأَصْحَابُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَلَمْ يُحْدِثْ وُضُوءًا لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ، وَلَا أَمَرَ النَّاسَ بِإِحْدَاثِ وُضُوءٍ، وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمَّا قَدِمَ مُزْدَلِفَةَ صَلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ لِلْعِشَاءِ (٣). الشرط التاسع: النية: تعريف النية: النية لغة: القصد والعزم (٤). قال البهوتي: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله (٥).

стр. 272

هل يجهر بالنية قبل الوضوء؟ قال ابن تيمية: وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرَهَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ، بَلْ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدَّبَ تَأْدِيبًا يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ التَّعَبُّدِ بِالْبِدَعِ وَإِيذَاءِ النَّاسِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ (١). وقال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ ﷺ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ (٢). وذهب الحنفية (٣) والشافعية إلى أنه يستحب التلفظ بالنية عند الوضوء، قالوا: الحاج إذا أراد النسك جهر بالنية باللسان فيقول: (لبيك حجًّا) فكذا يقول: نويت الوضوء (٤). واعترض عليه: بأن الجهر في الحج ورد النص عن النبي ﷺ بذلك بينما الجهر بالنية في بداية الوضوء لم يرو فيه حديث صحيح، ولو كان الجهر بالنية عند الوضوء وفي بداية الصلاة مشروعًا لبينه الشرع وما كان ربك نسيًّا. * * *

стр. 273

الفصل الثاني فرائض الوضوء فرائض الوضوء ستة الفرض الأول: غسل الوجه. الفرض الثاني: غسل اليدين، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين. المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليدين أو بعضهما؟ المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر. الفرض الثالث: مسح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه. الفرض الرابع: غسل الرجلين. الفرض الخامس: الترتيب. الفرض السادس: الموالاة.

стр. 274

الفصل الثاني فرائض الوضوء من فرائض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ (١). وقال ابن رشد: فَرَائِضُ الوُضُوءِ ثَمَانِيَةٌ: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهِيَ الَّتِي نَصَّ اللهُ ﵎ عَلَيْهَا: غَسْلُ الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ (٢). قال الطحاوي: نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا الأَعْضَاءَ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَى فَرَضِيَتِهَا فِي الوُضُوءِ: الوَجْهُ، وَاليَدَانِ، وِالرِّجْلَانِ، والرَّأْسُ (٣). دل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما.

стр. 275

الفرض الأول: غسل الوجه: قال ابن عبد البر: العُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فَرْضٌ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ القُرْآَنُ وَالأَحَادِيْثُ الكَثِيْرَةُ المُسْتَفِيْضَةُ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ . حد الوجه: ذهب جمهور العلماء إلى أن حد الوجه: من منبت الشعر إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن (١). وقول (منابت الرأس أو الشعر المعتاد) خرج به الأجلح والأفرع والأنزع. أما الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه؛ فلا يجب عليه غسلَ ذلك الموضع بِلَا خلاف لأنه من الرأسِ (٢). أما الأفرع: هو من نبت الشعر على جبهته (٣). أما الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدمة الرأس، فلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس. وهو قول الجمهور (٤). الحاصل في غسل الوجه: ١ - أن حد الوجه منابت الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا وعرضه من الأذن إلى الأذن. ٢ - الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع؛ لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس. ٣ - الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه. فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتاد. قال النووي: وَلَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ الْمَنَابِتِ الْمُعْتَادَةِ إلَى الْجَبْهَةِ نُظِرَ إنْ عَمَّهَا

стр. 276

وَجبَ غَسْلُهَا كُلِّها بلا خِلافٍ وإنْ سَتَرَ بعضها فَطَرِيقَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُجُوبُ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَسْتُورِ. ٤ - الأنزع: وهو من به بياض انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، ولا يجب غسلهما لأنهما من الرأس. ٥ - شعر اللحية: فالوجه يجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر سقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله،. وقال الشافعي: إذا كان الشعر كثيفًا يسقط، وإن كان خفيفًا لا يسقط. والراجح وجوب غسل الوجه قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر فيغسل ظاهر اللحية ولا يجب غسل ما تحت الشعر، ولو كان ذلك واجبًا لبين النبي ﷺ لأمته ولنقله لنا صحابته الكرام، وقد وردت أحاديث في الصحيحين عن عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد وغيرهما، وليس فيها هذه المشقة والتعنت. والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والأحاديث الواردة في تخليل اللحية لا يصح منها حديث كما قال الإمام أحمد وسوف يأتي بحثها. ٦ - المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا، وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه (١). ٧ - الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرها التي على ظاهر الوجه تُغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه. ٨ - ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (٢).

стр. 277

٩ - أما البياض الواقع بين الأذن والعذار (١). فذهب جمهور العلماء إلى أن هذا البياض من الوجه يجب غسله ولأنه من الوجه في حق الطفل والمرأة فيغسل (٢) كذا في حق الملتحي. وقيل: إنه لا يجب غسل البياض بين الأذن والعذار. قال ابن رشد: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عنْ مَالِكٍ (٣). الفرض الثاني: غسل اليدين. قال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (٤). وفيه ثلاثة مباحث: • المبحث الأول: غسل المرفقين مع اليدين: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين (٥). واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ (٦). قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. واعترض على هذا الإجماع بأنه منخرم فقد ورد عن مالك في رواية وأحمد والظاهرية أنه

стр. 278

لا يجب إدخال المرفقين في غسل اليدين (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فكلمة ﴿إلى﴾ لانتهاء الغاية، أي حتى المرافق فلا يجب دخول المرفقين في غسل اليدين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا يدخل الليل في الصيام فإلى هنا للغاية. واعترض عليه بأن معنى ﴿إلى﴾ في الآية بمعنى (مع)، أي: واغسلوا أيديكم مع المرافقين، والذي يحدد ذلك هو السياق. فإذا كان النبي ﷺ هو المبين لما أنزل إليه، ففي صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل اليدين مع المرفقين فتعين حمل الآية على هذا المعنى. ولهذا المعنى شواهد، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي مع أموالكم. وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] والقطع إنما هو للكف والذي بَيَّن هو النبي ﷺ ، وقال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والتيمم يكون بالضرب بالكف والذي بَيَّن هو النبي ﷺ . والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين، وحد غسل اليدين من أطراف الأصابع مع إدخال المرفقين في غسل اليدين. المبحث الثاني: كيف يغسل من كان أقطع اليد أو بعضهما؟ إذا كان الرجل أقطع اليد وجب غسل ما بقي من محل الفرض بالإجماع (٢). وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال رسول الله ﷺ : «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣). فيجب عليه غسل ما بقي من محل الفرض، وسقط عنه ما عجز عنه. وإن كان مقطوع اليد من المفصل ففيه قولان:

стр. 279

القول الأول: أنه يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية، والمشهور عن الحنابلة (١). القول الثاني: أنه لا يجب عليه غسل رأس العضد وهو قول عند الشافعية (٢). والراجح: أنه يغسل رأس العضد الذي على المرفق، وأما إذا قطع ما فوق المرفق فإنه يمسه بالماء لأن محل الفرض قد سقط بزوال العضو الواجب وليس له بدل، والله أعلم. المبحث الثالث: في الوسخ يكون تحت الظفر: إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء هل يصح وضوءه؟ اختلف أهل العلم: فمنهم من قال: تجب إزالة الوسخ ولا يصح الوضوء مع وجوده (٣). ومنهم من قال: يصح الوضوء ويعفى عن الوسخ ولوكان كثيرا (٤). ومنهم من قال: يعفى عن اليسير (٥). والصحيح أنه يصح الوضوء مع وجود هذا الوسخ إذا كان يسيرًا ولم يخرج عن المعتاد، وقد كان الأعراب على عهد النبي ﷺ لا يتعاهدون نظافة أظفارهم وقد كانوا يعملون بجمع الحطب ولم يرد عن رسول في ذلك نص، ولو كان يجب في ذلك شيء لبينه ﷺ (٦). قال ابن تيمية: وَإِنْ مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ صَحَّتِ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ

стр. 280

لِأَصْحَابِنَا، وَمِثْلُهُ كُلُّ يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ (١). • الفرض الثالث: مَسْح الرأس وبيان المقدار الواجب مسحه: من فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن مسح الرأس من فروض الوضوء. المقدار الواجب مسحه من الرأس. اختلف أهل العلم في المقدار الواجب مسحه من الرأس على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية وبعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» (٣). وقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والمراد بمسح الرأس: مسح جميع الرأس (٤)، والباء هنا للإلصاق، وبَيَّن ذلك النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحاح. القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع

стр. 281

الرأس (١). واستدلوا بما روى أحمد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ (٢). قال الطحاوي: لَمَّا اكْتَفَى النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْأَثَرِ بَمَسْحِ النَّاصِيَةِ عَلَى مَسْحِ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّأْسِ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُو رُبْعُ الرَّأْسِ (٣). واعترض عليه بما قاله ابن العربي: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ. فَلَمَّا مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ (٤). واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» (٥). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وروى عبد الرزاق قال: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ الْعِمَامَةُ يُؤَخِّرُهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَلَا يَحُلُّهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه (٦). واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله وهو مرسل. قال ابن القيم: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ،

стр. 282

وَلَكِنْ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ … ثم قال: وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْه (١). أما دليلهم من المأثور فعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (٢). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه لو مسح على شعرة أو شعرات من رأسه أجزأه (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والباء للتبعيض أي: امسحوا بعض رؤوسكم، كما تقول: مسحت بالحائط، وهو مسح بجزء من الحائط. واعترض عليه: بأن الباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرًا زائدًا، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: (مسحت رأس فلان) وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم شيئًا بهذا، ولو أراد بعض الرأس لقال: امسحوا رؤوسكم. قلت: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، أى: الطواف بجميع البيت، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أى: مسح جميع الرأس لا يجوز مسح بعضها. واستدلوا بما ورد عن النبي ﷺ أنه مسح بناصيته، فهذا يدل على عدم وجوب الاستيعاب، والناصية أقل من الربع، فدل ذلك على أنه لو مسح على شعرة أو شعرات أجزأه. واعترض عليه بأن ذلك لم يصح. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس، بَيَّن النبي أن المراد ب

стр. 283

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس وهو المبين للناس ما أُنزل إليه، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»، فهذا بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ كما في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك في مسح الرأس لا يجوز مسح بعض الرأس، ثم إن مَنْ مسح جميع الرأس أجزاه بلا خلاف. قال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا باليقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفَعَل أكمل ما يلزمه (١). الفرض الرابع: غسل الرجلين: ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. والأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. وقال الطحاوي: رَأَيْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ. فَكَانَ الْوَجْهُ يُغْسَلُ كُلُّهُ، والْيَدَانِ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلَانِ (٢). وقال ابن قدامة: وَالمَفْرُوْضُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافِ خَمْسَةٌ: النِّيةُ … وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. القول الثاني: أن فرض الرجلين المسح، حُكِي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأنس، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي.

стр. 284

قال ابن حزم: المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس﴾ (١). واعترض عليه بما قاله الحافظ بن حجر بعد ذكر الإجماع على غسل الرجلين: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عليٍّ وابن عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ (٢). وصح عن أنس (٣)، والحسن (٤)، والشعبي (٥)، وعكرمة (٦) المسح على القدمين. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، والاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. قال ابن حزم: الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْمَسْحِ، وَسَوَاءٌ قُرِئَ بِخَفْضِ اللَّامِ أَوْ بِفَتْحِهَا، هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ: إمَّا عَلَى اللَّفْظِ وَإِمَّا عَلَى الْمَوْضِعِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ (٧). واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ هو المبين لما في القرآن، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بغسل الرجلين. قال ابن العربي: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إِنَّ قِرَاءَةَ الخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى الرَّأسِ، فَهُمَا

стр. 285

يُمْسَحَانِ بِكَفٍّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خِفْافٌ أَوْ تَلقَينَا هَذَا القَيْدَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ إَذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلِيْهِ خِفَافُ، وَالمُتَوَاتِرُ عَنْهُ غَسْلُهُما، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ الحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الرِّجْلُ وَالحَالَ الَّذِي تُمْسَحُ فِيهِ (١). والثاني: ما قاله النووي: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ لِحُمِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ، كَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ العربُ تُسميِّ خفيفَ الغُسْل مسحًا. وَروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال: كانوا يقرؤُوُنَها وَكَانُوا يَغْسِلُون (٢). وقال ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسَّحنا للصلاة، أي توضأنا. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٣). واعترض عليه بما قاله ابن العربي: ولفظة: (نمسح على أرجلنا)، قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه: الأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أنهم يقولون: (تمسَّحنا للصلاة): أي توضأنا. والثاني: قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء)، يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح. والثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
следующие страницы →