← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الرأس (١). واستدلوا بما روى أحمد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ (٢). قال الطحاوي: لَمَّا اكْتَفَى النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْأَثَرِ بَمَسْحِ النَّاصِيَةِ عَلَى مَسْحِ مَا بَقِيَ مِنَ الرَّأْسِ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ هُوَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُو رُبْعُ الرَّأْسِ (٣). واعترض عليه بما قاله ابن العربي: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ؟ قُلْنَا: بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ. فَلَمَّا مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ (٤). واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» (٥). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وروى عبد الرزاق قال: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ الْعِمَامَةُ يُؤَخِّرُهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَلَا يَحُلُّهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه (٦). واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله وهو مرسل. قال ابن القيم: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ الْبَتَّةَ،

стр. 282

وَلَكِنْ كَانَ إِذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ … ثم قال: وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّاصِيَةِ مُجَرَّدَةً فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْه (١). أما دليلهم من المأثور فعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (٢). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه لو مسح على شعرة أو شعرات من رأسه أجزأه (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والباء للتبعيض أي: امسحوا بعض رؤوسكم، كما تقول: مسحت بالحائط، وهو مسح بجزء من الحائط. واعترض عليه: بأن الباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدرًا زائدًا، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: (مسحت رأس فلان) وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم شيئًا بهذا، ولو أراد بعض الرأس لقال: امسحوا رؤوسكم. قلت: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، أى: الطواف بجميع البيت، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أى: مسح جميع الرأس لا يجوز مسح بعضها. واستدلوا بما ورد عن النبي ﷺ أنه مسح بناصيته، فهذا يدل على عدم وجوب الاستيعاب، والناصية أقل من الربع، فدل ذلك على أنه لو مسح على شعرة أو شعرات أجزأه. واعترض عليه بأن ذلك لم يصح. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس، بَيَّن النبي أن المراد ب

стр. 283

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس وهو المبين للناس ما أُنزل إليه، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ»، فهذا بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ كما في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ٢٩﴾. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك في مسح الرأس لا يجوز مسح بعض الرأس، ثم إن مَنْ مسح جميع الرأس أجزاه بلا خلاف. قال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا باليقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفَعَل أكمل ما يلزمه (١). الفرض الرابع: غسل الرجلين: ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. والأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. وقال الطحاوي: رَأَيْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ. فَكَانَ الْوَجْهُ يُغْسَلُ كُلُّهُ، والْيَدَانِ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلَانِ (٢). وقال ابن قدامة: وَالمَفْرُوْضُ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافِ خَمْسَةٌ: النِّيةُ … وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. القول الثاني: أن فرض الرجلين المسح، حُكِي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأنس، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي.

стр. 284

قال ابن حزم: المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس﴾ (١). واعترض عليه بما قاله الحافظ بن حجر بعد ذكر الإجماع على غسل الرجلين: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عليٍّ وابن عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ (٢). وصح عن أنس (٣)، والحسن (٤)، والشعبي (٥)، وعكرمة (٦) المسح على القدمين. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، والاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. قال ابن حزم: الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْمَسْحِ، وَسَوَاءٌ قُرِئَ بِخَفْضِ اللَّامِ أَوْ بِفَتْحِهَا، هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ: إمَّا عَلَى اللَّفْظِ وَإِمَّا عَلَى الْمَوْضِعِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ (٧). واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ هو المبين لما في القرآن، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بغسل الرجلين. قال ابن العربي: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إِنَّ قِرَاءَةَ الخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى الرَّأسِ، فَهُمَا

стр. 285

يُمْسَحَانِ بِكَفٍّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خِفْافٌ أَوْ تَلقَينَا هَذَا القَيْدَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ إَذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلِيْهِ خِفَافُ، وَالمُتَوَاتِرُ عَنْهُ غَسْلُهُما، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ الحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الرِّجْلُ وَالحَالَ الَّذِي تُمْسَحُ فِيهِ (١). والثاني: ما قاله النووي: لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ لِحُمِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ، كَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ العربُ تُسميِّ خفيفَ الغُسْل مسحًا. وَروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال: كانوا يقرؤُوُنَها وَكَانُوا يَغْسِلُون (٢). وقال ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسَّحنا للصلاة، أي توضأنا. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٣). واعترض عليه بما قاله ابن العربي: ولفظة: (نمسح على أرجلنا)، قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه: الأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أنهم يقولون: (تمسَّحنا للصلاة): أي توضأنا. والثاني: قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء)، يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح. والثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».

стр. 286

الرابع: أننا لو سلَّمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا. الفرض الخامس: الترتيب: اختلف أهل العلم في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء على قولين: القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الترتيب فرض (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخرة المسح. قال في (المهذب): فَأَدْخَلَ المَسْحَ بَيْنَ الغُسْلَينِ وَقَطَعَ النَّظَيرَ عَنِ نَّظِيره، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ. واعترض على هذه الاستدلال بأن هذا الأمر للاستحباب. وأجيب عنه بما قاله النووي: فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْن: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ لَا لِلْمَسْنُونِ، فَلَيْسَ فِيهَا شيءٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ. الدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مَذْهَبَ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ وَعَطَفَتْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ تَبْتَدِئُ

стр. 287

الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، لَا يُخَالَفُ ذَلِكَ إلَّا لِمَقْصُودٍ، فَلَمَّا بَدَأَ سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ دَلَّ الْأَمْرِ على التَّرْتِيبِ. أما دليلهم من السنة: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، ولم يثبت صفة غير مرتبة، وفِعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز. قال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (١). وروى مسلم عن عمرو بن عبسة وفيه: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِله، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢)، و «ثُمَّ» دليل على أن الترتيب واجب. القول الآخر: ذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤) إلى أن الترتيب في أعضاء الوضوء سنة. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ .... ﴾ [المائدة: ٦] والواو لا تقتضي الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وجائز عند الجميع أن يعتمر قبل أن يحج، ومثل ذلك كثير في القرآن، فدل على أن الواو لا توجب رتبة، وقد قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ

стр. 288

الرَّاكِعِينَ ٤٣﴾ [ال عمران]، ومعلوم أن السجود بعد الركوع (١). واعترض عليه: بأن الواو إذا كانت أحيانًا لا تقتضي ترتيبًا، فأحيانًا تقتضي ترتيبًا، والذي يحدد ذلك السياق، والنبي ﷺ هو المبين لما أنزل عليه وتوضأ مرتبًا كما أمره الله، دل ذلك على وجوب الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فقال النبي ﷺ : «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فبدأ رسول الله بالصفا، والأمر للوجوب والنبي هو المبين، فقد بدأ الله بذكر الوجه فاليدين وكذا فعل النبي، فدل ذلك على وجوب الترتيب. أما دليلهم من المأثور: فعن علي قال: مَا أُبَالِي إِذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ (٢). واعترض عليه من وجهين: الأول: أن هذا القول لا يصح عن علي. الثاني: أنه لو صح فهو محمول على تقديم الشمال على اليمين وليس تقديم اليد على الوجه، وورد عن علي تقديم الشمال على اليمين كما ورد من طريق الحارث عنه وقد قال الإمام عبد الله بن أحمد: قَالَ أبي: وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَليّ وَابْن مَسْعُود: (مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت) قَالَ: إِنَّمَا يَعْنِي الْيُسْرَى قبل الْيُمْنَى، وَلَا بَأْس أَنْ يبْدَأ بيسار قبل يَمِين لِأَن مخرجها من الْكتاب وَاحِد، قَالَ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فَلَا بأس أَنْ يبْدَأ باليسار قبل الْيَمين (٣). واستدلوا بما ورد عن ابن مسعود: لَا بَأْسَ أَنْ تبْدأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح عن ابن مسعود، والمحفوظ عن ابن مسعود هو جواز تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.

стр. 289

واستدلوا بما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ (١). هذا الأثر لم أقف له على إسناد. واستدلوا بالقياس فقالوا: كما لا يجب الترتيب في طهارة الجنابة فكذا في الوضوء. واعترض عليه بأنه قياس مع الفارق لأن النبي هو المبين، والنبي أعطى لأحد الصحابة إناء وقال له: «أفرِغه عليك»، ولو انغمس الجنب في الماء ارتفع حدثه، بخلاف الوضوء فلو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له. والراجح هو وجوب الترتيب كما ذكر الله في كتابه من غسل الوجه فاليدين فالرأس فالرجلين، دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه ﷺ في بعض الأحوال لبيان الجواز. الفرض السادس: الموالاة: أي تتابع غسل الأعضاء، بعضها إثر بعض، بألا يقطع المتوضئ وضوءه بعمل أجنبي، يُعد في العرف انصرافًا عنه (٢). اتفق العلماء على أن التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر. قال النووي (٣): التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا يَضُرُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. واختلف العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء على قولين: القول الأول: تجب الموالاة. وهو مذهب المالكية والحنابلة وقول الشافعي في القديم (٤). استدلوا بما روى مسلم عَنْ جَابِرٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ

стр. 290

ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى» (١). قال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله: «أحسِن وضوءك» ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته. وروى أحمد عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ (٢). واستدلوا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك التوالي لبينه النبي ﷺ . قال ابن القيم: وَكَذَلِكَ كَانَ وُضُوءُهُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا لَمْ يُخِلَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (٣). القول الثاني: ذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد والظاهرية إلى استحباب الموالاة (٤). واستدلوا بأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء فكيفما غسل هذه الأعضاء فقد امتثل الأمر.

стр. 291

واعترض عليه بأن النبي كان يوالي في وضوئه بين الأعضاء وهو المبين لما أُنزل إليه. واستدلوا بأن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسهُ ثم دُعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها. وهذا وإن كان إسناده صحيحًا إلا أنه ليس بصريح ثم إن الموقوف يحتج به إذا خلت المسألة من المرفوعات إلى رسول الله ﷺ فكيف إذا ورد عن رسول الله ﷺ أحاديث صحيحة مستفيضة عن جماعات من الصحابة وكان وضوءه متواليًا لم يُخل منه مرة واحدة؟! فدل ذلك على وجوب الموالاة في الوضوء. حد الموالاة: الموالاة لغة: التتابع. وفى الشرع ما قاله الكاساني: هِيَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهُ (١). وفي التاج: الْمُوَالَاةُ أَنْ يَفْعَلَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ (٢). وقال ابن عابدين: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَفَّ الْعُضْوُ الْأَوَّلُ بَعْدَ غَسْلِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ وِلَاءٌ (٣). وفى المواهب: الموالاة هي الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ. * * *

стр. 292

الفصل الثالث سنن الوضوء ويشتمل على أربعة أقسام القسم الأول: سنن قبل الوضوء وفيه مبحثان: المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟ المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء. القسم الثاني: سنن أثناء الوضوء وفيه أحد عشر مبحثًا: المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان: المبحث الثاني: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب. المبحث الثالث: هل يستحب تخلية اللحية في غسل الوجه وفيه مطلبان: المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل. المبحث الخامس: في مسح الأذنين، وفيه مطلبان: المبحث السادس: لا يستحب مسح العنق. المبحث السابع: تخليل الأصابع. المبحث الثامن: استحباب تحريك الخاتم.

стр. 293

المبحث التاسع: التثليث في الوضوء، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: استحباب الوضوء مرتين أو ثلاثًا عدا الرأس والأذنين. المطلب الثاني: حكم الزيادة على الثلاث. المطلب الثالث: استحباب الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف فيه. المبحث العاشر: التيامن. المبحث الحادي عشر: الدلك. القسم الثالث: سنن بعد الوضوء وفيه مبحثان: المبحث الأول: أذكار ما بعد الوضوء. المبحث الثاني: هل يستحب تنشيف الأعضاء؟ القسم الرابع: متفرقات في سنن الوضوء، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة. المبحث الثاني: استقبال القبلة حال الوضوء. المبحث الثالث: في تخفيف الوضوء المستحب. المبحث الرابع: حكم الاستعانة في الوضوء. المبحث الخامس: حكم الكلام أثناء الوضوء.

стр. 294

الفصل الثالث القسم الأول: سنن قبل الوضوء وفيه مبحثان المبحث الأول: هل يستحب التسمية قبل الوضوء؟ اختلف أهل العلم في حكم التسمية قبل الوضوء على أربعة أقوال: القول الأول: أن التسمية في الوضوء واجبة وهو قول عند الحنابلة (١). واستدلوا لذلك بعموم قول النبى ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله » (٢).

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 297

واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ اللهِ» (١). واعترض عليه بأن زيادة التسمية ضعيفة (٢).

стр. 298

القول الثاني: أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وهو قول داود الظاهري (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ». القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية في الوضوء سنة. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد. والمشهور عن المالكية أن التسمية من فضائل الوضوء (٢). واستدلوا لهذا بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس يبلغ به النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ». وجه الدلالة ما قاله العيني: لما كَانَ حَال الوقاع أبعد حَال من ذكر الله تَعَالَى وَمَعَ ذَلِك تُسن التَّسْمِيَة فِيهِ، فَفِي سَائِر الْأَحْوَال بِالطَّرِيقِ الأَوْلى؛ فَلذَلِك أوردهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب للتّنْبِيه على مَشْرُوعِيَّة التَّسْمِيَة عِنْد الْوضُوء (٣). واعترض عليه بأن التسمية لا تشرع عند كل فضل كالأذان إذ لا تستحب التسمية قبله لعدم ورود الدليل الصحيح. واستدلوا بالجمع بين أحاديث لا وضوء لمن لم يذكر الله، وبين الأحاديث الواردة في الوضوء ولم يذكر فيها التسمية، فدل ذلك على أن التسمية مستحبة. واعترض عليه من وجهين: الوجه الأول: أن الأحاديث التي استدلوا بها على أنه لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه لا يصح منها حديث، وأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة وضوء النبي لم يذكر فيها

стр. 299

التسمية، ففي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). فعثمان وصف وضوء النبي ﷺ ولم يذكر فيه التسمية. الوجه الثاني: أن أحاديث التسمية لو صحت فيصعب الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى لأن المتن: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ»، فالمعنى: فكما أنه لا تصح صلاة بغير وضوء، فكذا لا يصح وضوء بغير تسمية. وكيف يليق بالصحابة وهم يصفون وضوء النبي ﷺ أن يهملوا التسمية؟! ففي الصحيحين من حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ، (٢) ثم وصف وضوء رسول الله ﷺ ولم يذكر التسمية. القول الرابع: أن التسمية في الوضوء مكروهة. وهو قول في مذهب مالك (٣). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ … ﴾ [المائدة: ٦]. والآية لم تذكر فيها التسمية ولو كانت مشروعة لذكرت. واعترض عليه: بأن هناك سننًا للوضوء لم تُذكر في الآية. وأجيب عنه: بأن السنن وردت بأدلة صحيحة.

стр. 300

واعترض عليه: بأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل على المشروعية، ولم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، ولو كانت التسمية واجبة لبينها الصحابة﴾. المبحث الثاني: يستحب أن يتسوك قبل الوضوء: دليل ذلك ما رواه أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (١). * * *

стр. 301

القسم الثاني سنن أثناء الوضوء وفيه أحد عشر مبحثًا المبحث الأول: غسل الكفين ثلاثًا، وفيه مطلبان: المطلب الأول: غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الوضوء سنة بالإجماع. قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالَهَا، وَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّةً وَإِنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ، وَغَسْلُهُمَا ثَلَاثًا أَحَبُّ إِلَيَّ (١). (قلت) وعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦] فهذه الآية فيها فرائض الوضوء، وما ذكر في السنة ما عدا الآية فهو سنة وقد وردت السنة بغسل الكفين عند ابتداء الوضوء. قال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُوْنَ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ فِي غُسْلِ الأَعْضَاءِ المَغْسُولَةِ هُوَ مَرَّة مَرَّة إِذَا أَسْبَغَ، وَأَنَّ الاِثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا (٢). المطلب الثاني: السنة أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء: وفي الصحيحين من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ … (٣) وجه الدلالة أنه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض

стр. 302

فدل على أن ذلك هو السنة. قال الماوردي: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ سُنَّةٌ عَلَى كُلِّ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مُغْتَسِلٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. إن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعًا (١). المبحث الثانى: المضمضة والاستنشاق، وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: حكم المضمضة والاستنشاق: اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، وبه قال المالكية والشافعية (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، والمذكور في الآية فرائض الوضوء، وليس فيها المضمضة والاستنشاق فدل ذلك على أن المضمضة والاستنشاق سنة، ومما يؤكذ هذا المعنى ما رواه مسلم (٣) أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ». القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق واجبة وهذا هو المشهور عن الحنابلة (٤). واستدلوا لذلك بما ورد في الأخبار من الأمر بالمضمضة والاستنشاق والأمر يقتضي الوجوب، ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ» (٥). وإذا كان الأمر بالاستنشاق فيه أمر بالمضمضة لأنه كالعضو الواحد فالأمر يقتضي الوجوب.

стр. 303

واعترض عليه بأن الفرائض هى التي ذُكرت في الآية تجعل هذا الأمر للاستحباب حتى يُجمع بين الأدلة. واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ «بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» (١). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح.

стр. 304

القول الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١). قال ابن المنذر: وَالَّذِي بِهِ نَقُولُ إِيجَابُ الِاسْتِنْشَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْمَضْمَضَةِ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَضْمَضَةِ، قَالَ ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ» وَأَمْرُهُ عَلَى الْفَرْضِ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْأَمْرَ فَرْضًا، وَاعْتَلَّ الشَّافِعِيُّ فِي وُقُوفِهِ عَنْ إِيجَابِ الِاسْتِنْشَاقِ أَنَّهُ ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافًا فِي أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَى تَارِكِهِمَا (٢). وقال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَأَفْعَالُهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَفَعَلَ الِاسْتِنْثَارَ وَأَمَرَ بِهِ وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ (٣). قلت: والراجح أ ن المضمضة والاستنشاق سنة لعدم ذكرهما فى الأية، والله أعلم. المطلب الثاني: يستحب تقديم المضمضة على الاستنشاق: قال ابن نجيم: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِالْإِجْمَاعِ (٤). ودل على سنية ذلك مواظبة النبي ﷺ على هذا التقديم (٥). وذهب الشافعية في أصح الوجهين والحنابلة في رواية إلى أن تقديم الفم على الأنف شرط

стр. 305

في صحة الوضوء، ولو أن المتوضئ قدم الأنف على الفم فإن وضوءه باطل (١). واستدلوا لذلك بأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما كما يشترط الترتيب بين الوجه والفم. واعترض عليه: بأن الفم والأنف كالعضو الواحد؛ ولذا فإنه يمضمض ويستنشق من الغرفة الواحدة، ثم يعود الثانية. والراجح أن تقديم المضمضة على الاستنشاق سنة، والله أعلم. المطلب الثالث: يستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق: وفي الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». قال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ (٢). قال الخرشي: يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ وَهِيَ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقَاصِي الْحَلْقِ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُهُ لِأَقْصَى الْأَنْفِ (٣). وقال النووي: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الْحَلْقِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ (٤). وفي مطالب أولي النهى: أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الحَنَكِ ووجْهَي الأَسْنَانِ واللِّثَةِ (٥). الحاصل: أن المبالغة في المضمضة في إدارة الماء في أكثر الفم من مقدم الأسنان حتى أقصى الحلق، والمبالغة في الاستنشاق جذب الماء لأقصى الأنف.

стр. 306

المطلب الرابع: حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم وهو قول الجمهور (١). واستدلوا بالسنة والمعقول: أما دليلهم من السنة فعموم قول النبي ﷺ : «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». أما المعقول: فإن الصائم إذا بالغ في المضمضة فإنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف. القول الثاني: يحرم المبالغة للصائم، وهو قول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (٢). واستدلوا بأن النهي في الحديث: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» للتحريم، وإذا كانت القُبلة تحرم على الصائم إذا خشي الإنزال، فكذا يحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا خشي فساد الصوم. القول الثالث: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة وهو قول بعض الشافعية (٣). واستدلوا بأن النص ورد في النهي عن الاستنشاق دون المضمضة فوجب الاقتصار على ما ورد في النص، وما كان ربك نسيًّا، وقالوا في المضمضة يمكن رد الماء بإطباق حلقه بخلاف الاستنشاق فلا يمكن ذلك. واعترض عليه: بأن النص الوارد في الاستنشاق لا يخلو من مقال، فصار العمدة في المسألة أنه يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق لأنه يخشى من نزول الماء إلى الجوف والله أعلم.

стр. 307

المطلب الخامس: استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال (١). واستدلوا لذلك بالسنة والقياس: أما دليلهم من السنة: فما رواه أحمد عن عبد خير قال: جلس علي … وفيه: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى (٢). أما دليلهم من القياس: فهو أنه لما كان الاستنثار فيه إزالة للوسخ الذي في الأنف، فدل على أن ذلك يكون بالشمال. واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى. ويدخل في ذلك قضاء الحاجة وإزالة الوسخ الذي في الأنف. قال الخرشي: وَمِنِ السُّنَنِ الِاسْتِنْثَارُ وَهُوَ نَثْرُ الْمَاءِ أَيْ طَرْحُهُ مِنْ أَنْفِهِ بِنَفَسِهِ بِالسَّبَّابَةِ

стр. 308

وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى مَاسِكًا لَهُ مِنْ أَعْلَاهُ يَمُرُّ بِهِمَا عَلَيْهِ لِآخِرِهِ. المطلب السادس: استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق: الاستنثار: هُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ بِرِيحِ أَنْفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا (١). ذهب جمهور العلماء إلى أن الاستنثار سنة. واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» (٢). وذهب ابن حزم إلى أن الاستنثار فرض (٣). واستدل بعموم قوله: «ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» والأمر للوجوب. واعترض عليه بأن المضمضة والاستنشاق والاستنثار سنة لأن الفروض ذكرت في آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وليست المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الآية، وقد روى مسلم عن عُثْمَانَ بْن عَفَّان، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ». فالراجح أن الاستنثار سنة. المطلب السابع: استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة: دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث وُهَيْبٌ، قال: حدثنا عَمْرٍو بن يحيى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، وفيه: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ» (٤).

стр. 309

وفي رواية أيضًا في الصحيحين من طريق خَالِد بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ وفيه: «فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ». وفي البخاري عن ابن عباس: «أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ» (١). قال الحافظ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ. قال النووي: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَكُونَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (٢). قال ابن القيم: وَلَمْ يَجِئ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ. قلت: فدل هذا على الجمع بين المضمضة والاستنشاق. وهذا قول عند المالكية والمنصوص عن الشافعي والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وذهب الحنفية وقول في مذهب المالكية وهو قول أكثر الشافعية (٤) أنه يفصل بين المضمضة والاستنشاق. واستدلوا بما رُويَ عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «دَخَلْتُ - يَعْنِي - عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» (٥).

стр. 310

واعترض عليه بأنه لم يصح عن رسول الله ﷺ ولو صح فهو لبيان الجواز. وعَنْ أَبِي مَطَرٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ، عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرِنِي وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عِنْدَ الزَّوَالِ. فَدَعَا قَنْبَرًا فَقَالَ: «ائْتِنِي بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا» (١). واعترض عليه بأن في إسناده مختار بن نافع: منكر الحديث. قال النووي: وَأَمَّا الْفَصْلُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وقال: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيئٌ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ (٢). واستدلوا بأن الفم والأنف عضوان منفصلان والمتوضئ لا ينتقل إلى عضو حتى ينتهي من الذي قبله، فدل ذلك على الفصل بين المضمضة والاستنشاق. واعترض عليه بأن هذا القياس فاسد مع وجود النصوص الصحيحة. والراجح أنه يجمع بين المضمضة والاستنشاق من ثلاث غرفات كما ورد في الأحاديث

стр. 311

الصحاح، منها: «فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ»، هذا هو السنة مع جواز الفصل بين المضمضة والاستنشاق والله أعلم. المطلب الثامن: في صفة الجمع بين المضمضة والاستنشاق: في ذلك صفتان: الصفة الأولى: أن يأخذ ثلاث غرفات، من كل غرفة يتمضمض ويستنشق. روى البخاري من حديث عَبْدِ الله بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ : «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (١). الصفة الثانية: أن يأخذ غرفة واحدة يتمضمض ويستنشق منها ثلاث مرات، وروى البخاري عن عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ» (٢). والجمع بين الروايات ما قاله الحافظ ابن حجر: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِبَاقِي الرِّوَايَاتِ فَهُوَ أَوْلَى (٣). المبحث الثالث: تخليل اللحية في الوضوء وفيه مطلبان: المطلب الأول: معنى تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته.

стр. 312

المطلب الثاني: حكم تخليل اللحية: اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية في الوضوء على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب تخليل اللحية الكثيفة، وهو قول الحنفية وقول للمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بالسنة فعن عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ» (٢).

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 314

القول الثاني: يجب تخليل اللحية وهو قول للمالكية (١). واستدلوا بالأدلة الواردة بتخليل اللحية وقالوا: هذه الأدلة تصل إلى الوجوب. القول الثالث: يكره تخليل اللحية، ذكره ابن عبد البر عن مالك (٢). واستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الوضوء لم يذكر فيها تخليل اللحية.

стр. 315

وكل الأحاديث التي وردت في تخليل اللحية لا يصح منها حديث. قال أحمد: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء (١). المبحث الرابع: في إطالة الغرة والتحجيل، فيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الغرة والتحجيل. الغرة: (بالكسر) بياض في الجبهة: وفي الشرع: الغرة غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، والتحجيل هو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين، وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين (٢). المطلب الثاني: حكم إطالة الغرة والتحجيل: اختلف أهل العلم في حكم إطالة الغرة والتحجيل على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة (٣) إلى أنه يشرع إطالة الغرة والتحجيل. واستدلوا لذلك بما روى مسلم من حديث نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ

стр. 316

اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» (١). واعترض على هذا الحديث من وجهين: الأول: ما قاله الحافظ ابن حجر: لَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ رِوَايَةِ نُعَيْمٍ هَذِهِ. أي رواه الثقات بدونها (٢). الثاني: ما قاله ابن القيم: لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُ حَدِيثَ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ وَرِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِطَالَةِ (٣). القول الثاني: تشرع إطالة التحجيل دون الغرة (٤). واستدلوا بأنه لا يمكن إطالة إلا في اليد والساق بخلاف الوجه، فإن الوجه يجب استيعابه. القول الثالث: ذهب المالكية (٥) إلى أنه لا يشرع إطالة الغرة والتحجيل، واختاره من الحنابلة ابن القيم (٦). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾

стр. 317

[المائدة: ٦] فحدد الله في كتابه موضع الوضوء.، وردت صفة الوضوء عن عدد متوافر من الصحابة أن رسول الله كان يغسل اليدين إلى المرفقين والأرجل إلى الكعبين، فدل ذلك على أنه لايجوز مجاوزة ما حد الله ورسوله؛ ولذا اعتبره المالكية من الغلو ومجاوزة الحد. المبحث الخامس: مسح الأذنين: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم مسح الأذنين: قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة (١). وقال القرطبي: وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق (٢). ودل على أن مسح الأذنين سنة ما ورد فى الصحيحين: من حديث عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ … ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (٣). وفي الصحيحين من حديث حمران وفيه: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (٤)، وهذا الحديث من أصح الأحاديث في بيان صفة وضوء النبي ﷺ وفيه: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وفيه «ثم مسح رأسه»، ثم غسل رجليه، ولم يذكر بينهما مسح الأذنين، ولو كان مسحًا واجبًا لذكر فيهما مسح الأذنين فعُلم أنه مسح الأذنين سنة. القول الثاني: يجب مسح الأذنين. وهو قول بعض المالكية والمشهور من مذهب الحنابلة

стр. 318

وإسحاق (١). واستدلوا بعموم قول النبى ﷺ : «الأُذُنَان مِنَ الرَّأْسِ» (٢).

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

وجه الدلالة: أن مسح الرأس يقتضي معها مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس، فإذا كان الأذنان من الرأس فإذا كان في الأحاديث غسل برأسه اقتضى ذلك مسح الأذنين مع الرأس. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله. واستدلوا بما رواه مالك من حديث عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ وفيه: «فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» (١). قال السندي: اُسْتُدِلَّ بقوله: «حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» على أن الأذنين من الرأس؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس. واعترض عليه: بأنه ضعيف. واستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ الله ﷺ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنِهِمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرِهِمَا بَإِبْهَامَيْهِ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» (٢).
следующие страницы →