← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المبحث الثاني خروج النجس من البدن من غير السبيلين اختلف أهل العلم في خروج البول والغائط من غير السبيلين على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج البول والغائط من غير السبيلين ينقض الوضوء مطلقًا (١). واستدلوا بأن العبرة بالخارج لا بالمخرج، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء. القول الثاني: فصَّلوا في المسألة: إذا كان المخرج المعتاد لم ينسد فلا ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج المعتاد انسد وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء، وإذا كان المخرج فوق المعدة فلا ينقض الوضوء. وهذا هو قول المالكية والمشهور عند الشافعية (٢). واستدلوا بأن المخرج إذا كان فوق المعدة أشبه القيء والتجشؤ، وإذا كان تحت المعدة أشبه الغائط. الحاصل: أنه إذا انسد المخرج وكان مخرج البول والغائط تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على قول الجماهير، وأما إذا كان فوق المعدة فإذا خرج بول أو غائط فإنه ينقض أيضًا، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغائط إذا خرج من أي مخرج فإنه ينقض الوضوء؛ لأن العبرة بالخارج لا يالمخرج، والله أعلم.

стр. 352

المبحث الثالث زوال العقل وفيه مطلبان • المطلب الأول: زوال العقل بجنون أو إغماء: قال ابن المنذر: وَأَجْمَعُوا عَلَى إِيجَابِ الطَّهَارَةِ عَلَى مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ (١). وقال النووي: أَجْمَعَت الْأُمَّةُ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْجُنُونِ وَبِالْإِغْمَاء (٢). • المطلب الثاني: زوال العقل بنوم: اختلف أهل العلم في نقض الوضوء بالنوم على خمسة أقوال: القول الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو مذهب أبي موسى وابن عمر وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد والأعرج وشعبة (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .... وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣]. فذكر في الآية نواقض الوضوء ولم يذكر النوم، فدل ذلك على النوم ليس بناقض. واعترض عليه من وجوه: الأول: أن الآية لم تحصر نواقض الوضوء بل ذكرت بعضها، والسنة بينت الباقي، وزوال العقل بإغماء أو جنون ناقض بالإجماع ولم تذكره الآية.

стр. 353

الثاني: أن الآية لها تأويلات، منها ما ذكره الشافعي قال: سمعت مَنْ أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم (١). قلت: والآية تدل على وجوب الوضوء لمن قام إلى الصلاة من غير طهر، أو تجديد الوضوء إذا كان متوضئًا. واستدلوا بأن النوم ليس بحدث وأن الحدث ما خرج من القبل والدبر، ودل على ذلك عموم قول النبى ﷺ : «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ». ففي الحديث أن الوضوء مما خرج من القبل والدبر، والنوم ليس منها فليس بناقض. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بما روى مسلم عن أَنَسٍ قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (٢).

стр. 354

وفي الصحيحين: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ» (١). واعترض عليه على وجهين: الأول: بأن المراد بالنوم نوم الجالس الممكن مقعدته (٢). والثاني: بأن المراد النوم الخفيف الذي يشعر معه بما يفعل، فإن أحدث شعر، ويعبر عنه

стр. 355

بالسِّنة (١)، أي مقدمة النوم. واستدلوا بما روى البخاري: عن عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ الله ﷺ بِالعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (٢). ولم يرد أنهم توضئوا قبل الصلاة. واعترض عليه بأن عدم ذكر الوضوء لا ينافي أنهم توضئوا، وإذا لم يتوضئوا فإن المراد بالنوم هو النعاس الذي يستشعر معه ما حوله، وقد يكون ممكنًا مقعدته وهو جالس. القول الثاني: أن النوم حدث ناقض للوضوء مطلقًا (٣). واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٤). واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ . وروى أحمد عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ (٥).

стр. 356

وجه الدلالة: أنه قرن في الحديث بين البول والغائط والنوم، فكما أن البول ينقض الوضوء فكذا النوم، ولم يفرق بين قليل النوم وكثيره والمضجع والقاعد. واعترض عليه بأن المراد النوم الثقيل الذي يزول معه العقل. واستدلوا بالقياس، فكما أن من زال عقله بجنون أو إغماء عليه الوضوء بالإجماع، فكذا من زال عقله بنوم. واعترض عليه بأن النوم الخفيف الذي يشعر معه بما حوله لا يصح قياسه على المجنون لأنه لا يزال عقله، أما النوم الثقيل الذي يزال معه العقل فيصح قياسه. القول الثالث: ذهب أبو حنيفة إلى أن من نام مستلقيًا أو مضجعًا انتقض وضوءه (١). واستدلوا بما روى أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ سَاجِدًا وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» (٢). وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ نَامَ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا وَضُوءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَضَعَ جَنْبَهُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ» (٣). وعَن حُذَيْفَة بن اليمان قَالَ: كنت في مسجد المدينة جالسًا أخفق حتى احتضنني رجل من خَلْفي فَالْتَفت فَإِذا أنا بالنَّبِي ﷺ فَقلت: يا رسول الله، هَلْ وَجب عَليّ الْوضُوء؟ قَالَ: «لَا،

стр. 357

حَتَّى تضع جَنْبك» (١). وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ نام حتى نفخ ثم قال: «الوُضُوءُ عَلَى مَنْ اضْطجَعَ» (٢). أما دليلهم من المأثور: وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ، وَإِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَعَادَ الْوُضُوءَ (٣). وعن أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ وَلَا عَلَى السَّاجِدِ النَّائِمِ وُضُوءٌ، حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ تَوَضَّأَ (٤). القول الرابع: من نام ممكنًا مقعده من الأرض لم ينتقض وضوءه، وهو المشهور عن الشافعية (٥)، واستدلوا بحديث أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (٦). وجه الدلالة: (حتى تخفق رؤوسهم) وهذا يدل على أنهم كانوا ينامون وهم قعود. وفي الصحيحين عن ابن عباس: قال عمر: «نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ». أي وهم ينتظرون صلاة العشاء بكونهم جلوسًا، فدل ذلك على أن نوم الجالس لا ينقض وضوءه. القول الخامس: النوم الثقيل ناقض للوضوء دون الخفيف، وهو قول المالكية (٧).

стр. 358

واستدلوا بحديث أَنَسٍ، أَوْ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَيَنَامُونَ، مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَضَّأُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ». واستدلوا بحديث: «وجب الوضوء على كل نائم إلا من خفق خفقة برأسه» (١). فدل ذلك على أن النوم الثقيل يوجب الوضوء والنوم الخفيف لا يوجبه، وهذا القول يجمع بين الأدلة. والراجح: أنه إذا زال العقل بنوم وأن المرء إذا أحدث في تلك الحالة لا يعلم، فهذا النوم الذي ينقض الوضوء، أما أول النوم وهو النعاس - وصفته أن المرء إذا كُلم فيه سمع وإن حُدث علم - فهذا لا ينقض الوضوء، وهذا القول يجمع بين الأدلة. قال ابن حبان: الرُّقَادُ لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَبِدَايَتُهُ النُّعَاسُ الَّذِي هُوَ أَوَائِلُ النَّوْمِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا كُلِّمَ فِيهِ يَسْمَعُ، وَإِنْ أَحْدَثَ عَلِمَ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَمَايَلُ تَمَايُلًا، وَنِهَايَتُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَصِفَتُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَحْدَثَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يَفْهَمْ. فَالنُّعَاسُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى أَحَدٍ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّاعِسُ، وَالنَّوْمُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ وُجِدَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ النَّائِمُ، عَلَى أَنَّ اسْمَ النَّوْمِ قَدْ يَقَعُ عَلَى النُّعَاسِ، وَالنُّعَاسُ عَلَى النَّوْمِ، وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالله فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَكَانَ يَقْظَانَ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ لَشَعَرَ بِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ (٣). * * *

стр. 359

المبحث الرابع نقض الوضوء بمس الذكر وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: مس الرجل: اختلف أهل العلم في مس الذكر هل ينقض الوضوء؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مس الرجل ذكره ينقض الوضوء وهو قول بعض المالكية (١) ومذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) ولكن الشافعية يقيدون المس بباطن الكف والحنابلة يقيدون النقض بمسه بالكف. واستدلوا بحديث عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هَذَا. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٤).

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 361

وعَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، لَيْسَ دونها حِجَابٌ، فقد وجب عليه الوضوء» (١). القول الثاني: ذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء (٢). واستدلوا بما رُويَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى نَبِيِّ الله ﷺ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ هِيَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ أَوْ مُضْغَةٌ» (٣). القول الثالث: إنْ مَسَّ الذكر بشهوة أعاد الوضوء، وإن مسه بغير شهوة لم ينقض، وهو قول جماعة من البغداديين من أصحاب مالك (٤).

стр. 362

هؤلاء جمعوا بين حديث (من مس ذكره - أي بشهوة - فليتوضأ). وحديث (إنما هو بضعة منك) أي كان بغير شهوة. واعترض على حديث (إنما هو بضعة منك) بأنه لا يصح عن رسول الله. الراجح: هو ما ذهب إليه جمهورالعلماء إلى أن من مس ذكره بدون حائل انتقض وضوءه لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وأن المرأة إذا مست فرجها، فيجب عليها أن تتوضأ. وسئلت اللجنة الدائمة رقم (٦٣٢٠) عن حكم من مس ذكره أثناء التنشيف بعد اغتساله، فأجابت: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد: ينتقض وضوءه إذا مسه بدون حائل لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» وبالله التوفيق. • المطلب الثاني: مس المرأة ذكر الرجل أو فرج الصغير: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المرأة إذا مست ذكر الرجل فإنه يجب عليها الوضوء. واستدلوا بلفظ فى حديث بُسْرَة بِنْت صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله ﷺ «يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ» (١). واعترض عليه: بأن هذا اللفظ شاذ. والرواية الصحيحة: «إذا مَسَّ أحدكم ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». واستدلوا بالقياس، فَإِذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ فَبِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ أَوْلَى. واعترض عليه بأن العلة في النقض من مس الذكر تعبدية وليست معقولة المعنى.

стр. 363

وذهب الحنفية إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء مطلقًا. والمالكية فرقوا، يقولوا إنْ مسه بشهوة وإلا فلا. والراجح: أن من مس ذكر غيره لا ينتقض وضوءه وخاصة مس المرأة فرج طفلها لأنه لم يأت نص بذلك. قال ابن عبد البر: الوُضُوءُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ فَرْجَهُ قَاصِدًا مُفْضِيًا، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُوجِبُ الظَّاهِرَ والأصل أن الوضوء المجتمع عَلَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ غَيْرِ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ (١). • المطلب الثالث: مس الأنثيين والأليتين والرفغين: ذهب الأئمة الأربعة إلى أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو أليتيه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه. وذهب عروة بن الزبير إلى أنه يجب عليه الوضوء، ودل على ذلك حديث بُسْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رَفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢). واعترض عليه بأن ذِكر الأنثيين والرفغين مدرج من كلام عروة. والراجح: أن مَنْ مَسَّ أنثييه أو رفغيه لا ينتقض وضوءه، والله أعلم.

стр. 364

المبحث الخامس من أكل لحم الجزور هل ينتقض وضوءه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الشافعي في القديم وأحمد إلى أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه (١). واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا» (٢). وروى أحمد عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا» وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ: «لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا»، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» (٣).

стр. 365

القول الآخر: أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور (١). واستدلوا بما روى أبو داود عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (٢).

стр. 366

روى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» (١). وعَنْ يَحْيَى قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فَقَالَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يُخْرِجُهُ إِلَّا خَبِيثًا» (٢). الراجح: أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه؛ لما روى مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وعن البراء قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا». أما من قالوا: إن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء فاستدلوا بحديث جابر ابن عبد الله: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار. فاعترض عليه من وجهين: الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله. الثاني: أن حديث ترك الوضوء مما مست النار حديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، وإذا تعارض العام والخاص قُدم الخاص على العام، ثم إنه لو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها، لم يختلف الحكم في لحم الغنم؛ لأن النار أيضًا قد مستها.

стр. 367

• المبحث السادس: شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء: اختلف أهل العلم فيمن شرب لبن إبل هل يتوضأ منه؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء. وعن أحمد في رواية أنه يتوضأ من لبن الإبل (١). واستدلوا بحديث ابن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول: «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ» (٢). والراجح: أن شرب لبن الإبل لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يصح حديث في الوضوء من ألبان الإبل، وإنما الصحيح الوضوء من أكل لحم الإبل، والله أعلم. * * *

стр. 368

الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء وفيه ستة مباحث المبحث الأول: مس بدن المرأة. المبحث الثاني: خروج الدم والقيء و الرعاف. المبحث الثالث: القهقهة. المبحث الرابع: تغسيل الميت. المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور. المبحث السادس: الردة.

стр. 369

الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء المبحث الأول: مس بدن المرأة: اختلف أهل العلم في حكم مس بدن المرأة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا ينقض الوضوء من مس بدن المرأة، وبه قال الحنفية (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ورِجلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فِإِذَا سَجَدَ غَمَزَني فقَبضتُّ رِجلِي، فِإِذَا قَامَ بَسطتُّها (٢). وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٣). فعائشة ﵄ تمس قدم النبي وهو يصلي، ولو كان لمس المرأة ينقض الوضوء لخرج ﷺ من الصلاة، ولو كان مس المرأة ناقضًا للوضوء لما مس الرسول الله عائشة وهو في الصلاة مما يدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عُرْوَةُ: قُلْتُ لَهَا: مَنْ هِيَ إِلاَّ أَنْتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ (٤).

стр. 370

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يُحَدِّثُ وُضُوءًا (١). القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن مس المرأة ينقض الوضوء مطلقًا (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. واللمس هو ملاقاة البشرتين، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، ولذا نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيْع، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَلِك (٣). فكذا لمس المرأة باليد أو غيرها ينقض الوضوء. واعترض على هذا الاستدلال بأن السياق هو الذي يحكم المعنى، فإذا صح عن النبي ﷺ أنه كان يمس عائشة وهو يصلي وهذا غير ناقض للوضوء، دل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] أنه الجماع. واستدلوا بأن ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ، وَمِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ، وَمِنَ

стр. 371

الْقُبْلَةِ إِذَا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ» وَكَانَ يَقُولُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: «هُوَ الْغَمْزُ» (١). وعن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ- مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ (٢). واعترض بأن قول ابن مسعود لا يصح عنه، وقول ابن عمر معارض بقول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قال: هو الجماع (٣). وهذا موافق لفعل الرسول، فالرسول مس عائشة وهو يصلي، وكذا مست عائشة الرسول وهو يصلي ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن المراد باللمس فى الآية الجماع. وورد اللمس في القرآن وأريد به الجماع، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. ولو عقد رجل على امرأة ثم مسها بِيده بِحضرة جماعة ولم يخل بِها، فطلقها - فلها نصف الصداق، فدل ذلك على المراد بالمس فى هذه الآيات الجماع. قال ابن المنذر: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ رَجُلاً لَو تَزَوّجَ امْرَأَةً ثُمَّ مَسَّهَا بِيَدِه أَوْ قَبَّلَهَا بِحَضرَةِ جَمَاعَة وَلَمْ يَخلُ بِهَا، فَطَلَّقَها - أَنَّ لَهَا نِصْف الصِّدَاق … القول الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء وبغيرشهوة لا ينقض، وهو قول المالكية والحنابلة (٤). واستدل بما قال ابن المنذر: وَمَا زَالَ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يَتَعَارَفُونَ أَنْ يُعَانِقَ الرَّجُلُ أُمَّهُ وَجَدَّتَهُ وَيُقَبِّلَ ابْنَتَهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ قُبْلَةَ الرَّحْمَةِ، وَلَايَرَوْنَ ذَلِكَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُوجِبُ

стр. 372

وُضُوءًا عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَدَثًا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُوجِبُ الْوُضُوءَ لَتَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ (١). والراجح: القول بأن لمس بدن المرأة بشهوة أو بغير شهوة لا ينقض الوضوء. قال ابن تيمية: وَأَمَّا وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْ مُجَرَّدِ مَسِّ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا رَوَى أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْ ذَلِكَ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ غَالِبٌ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يُنَاوِلُ امْرَأَتَهُ شَيْئًا وَتَأْخُذُهُ بِيَدِهَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ ابْتِلَاءُ النَّاسِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانَ النَّبِيُّ يَأْمُرُ بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَيَشِيعُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَوْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ. المبحث الثاني: خروج الدم والقيء والرعاف: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب المالكية والشافعية إلى أن القيء والرعاف وما يخرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء (٢). واستدلوا بما روى أحمد: عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ، أَوْ رِيحٍ» (٣).

стр. 373

واعترض عليه بأن المحفوظ من الحديث فيمن شك في الحدث وهو في الصلاة. فقال الرسول: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحً». وعن أنس بن مالك، قال: احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ (١). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وعن ثوبان: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ صَائِمًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَأَصَابَهُ غَمٌّ آذَاهُ فَتَقَيَّأَ فَقَاءَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَفْطَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرِيضَةٌ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَيْءِ؟ قَالَ: «لَوْ كَانَ فَرِيضَةً لَوَجَدْتَهَ فِي الْقُرْآنِ» وَقَالَ: ثُمَّ صَامَ رَسُولُ الله ﷺ الْغَدَ فَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ: «هَذَا مَكَانُ إِفْطَارِي أَمْسِ» (٢). واعترض عليه بأنه لا يصح. وأما دليلهم من المأثور: فعن بكر بن عبد الله المزني قال: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فِي وَجْهِهِ فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، فَحَكَّهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٣).

стр. 374

وعَنْ عَطَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى بَصَقَ دَمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (١). وعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّهُ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا دَمٌ فَمَسَحَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالتُّرَابِ ثُمَّ صَلَّى (٢). ٤ - وعن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَتْ مُخَضَّبَةً دَمًا فَفَتَّهُ، ثُمَّ صَلَّى فَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٣). واستدلوا ببراءة الذمة، فلا يصح دليل بوجوب الوضوء من القيء والحجامة. قال ابن المنذر: إن الْفَرَائِضَ إِنَّمَا تَجِبُ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ، بَلْ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ طَاهِرٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي نَقْضِ طَهَارَتِهِ بَعْدَ حُدُوثِ الرُّعَافِ وَالْحِجَامَةِ وَخُرُوجِ الدِّمَاءِ مِنْ غَيْرِ الْقَرْحِ وَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: انْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ تُنْقَضْ قَالَ: فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُنْقَضَ طَهَارَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ أَوْ خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا مُعَارِضَ لَهُ (٤). واستدلوا بما قاله الشافعي: لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِي الْبُصَاقِ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ وَالْمُخَاطِ وَالنَّفَسِ يَأْتِي مِنْ الْأَنْفِ، وَالْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ يَأْتِي مِنَ الْفَمِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ فِي قَيْءٍ وَلَا رُعَافٍ وَلَا حِجَامَةٍ وَلَا شَيْءٍ خَرَجَ مِنِ الْجَسَدِ وَلَا أُخْرِجَ مِنْهُ غَيْرِ الْفُرُوجِ الثَّلَاثَةِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَالذَّكَرِ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عَلَى نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّيحَ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ وَلَا تُنَجِّسُ شَيْئًا فَيَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ كَمَا يَجِبُ بِالْغَائِطِ، وَأَنَّ الْمَنِيَّ غَيْرُ نَجَسٍ وَالْغُسْلُ يَجِبُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ تَعَبُّدٌ (٥).

стр. 375

القول الآخر: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن خروج القيء والرعاف حدث ناقض للوضوء (١)، واستدلوا بما روى الترمذي عَنْ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه (٢). وجه الدلالة: (أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءه) يدل على أن القيء ينقض الوضوء. واعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا أو غيرَ ثابتٍ: فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ؛ كَمَا أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٌ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَجِبَ فِيهِ فَرْضٌ. وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ». واعترض: بأنه لا يصح (٣).

стр. 376

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ» (١). وعن ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (٢). وعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: رَعَفْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُحْدِثَ وُضُوءًا (٣). وعن عمر بن عبد العزيز قال: قال تميم الداري: قال رسول الله ﷺ : «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» (٤). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَمًا سَائِلًا» (٥). وعن زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «الْقَلْسُ حَدَثٌ» (٦).

стр. 377

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ: مِنْ إقْطَارِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ السَّائِلِ، وَالْقَيْءِ، وَمِنْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ، وَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ، وَقَهْقَهَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ، وَخُرُوجِ الدَّمِ» (١). وروى البخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا؛ إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وقال: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» (٢). و إذا كان أَمَر فاطمة بالوضوء من دم الاستحاضة، فقد دل ذلك على أن خروج دماء العروق من أي مكان يوجب الوضوء واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: لفظة «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ليست من قول النبي، إنما من قول عروة. والثاني: أن الراجح أن الدم ليس بنجس ولا ينقض الوضوء فالصحابة كانوا يصلون في جراحاتهم. أما دليلهم من القياس فإذا كان خروج النجس من السبيلين ينقض الوضوء، فكذا خروج النجس من أي مكان من الجسد. واعترض عليه بما قاله ابن المنذر: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ مَا يَخْرُجُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ بِمَا يَخْرُجُ مِنَ أَوِ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ رِيحٍ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ وَبَيْنَ الْجُشَاءِ الْمُتَغَيِّرُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنَ الدُّبُرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُشَاءَ لَا وُضُوءَ فِيهِ، فَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ وَبَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِ الْحَدَثِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَاسَ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْحَدَثِ (٣).

стр. 378

والراجح أن خروج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولاً أو غائطاً؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل بوجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء، والله أعلم. المبحث الثالث: القهقهة: ذهب جمهور العلماء إلى أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء (١). واستدلوا بالبراءة الأصلية فلم يأت دليل صحيح بأن القهقهة تنقض الوضوء إذ ليست القهقهة بحدث. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِد الْوُضُوءَ (٢). وذهب الحنفية إلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء (٣). واستدلوا بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه قال: بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، فَضَحِكْنَا مِنْهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا (٤).

стр. 379

وعن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» (١). واعترض عليه بأنه لا يصح. والراجح أن القهقهة لا تنقض الوضوء. المبحث الرابع: تغسيل الميت: ذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ غَسَّل ميتًا لا ينتقض وضوءه (٢). لأنه لا يصح في وجوب الغسل حديث. وذهب أحمد في رواية إلى مَنْ غَسَّل ميتًا انتقض وضوءه (٣). واستدل بالسنة والمأثور والمعقول: أما من السنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ غُسْلِهَا الْغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهَا

стр. 380

الْوُضُوءُ» (١). أي: الجنازة أو الميت.

стр. 381

أما من المأثور: فعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلَى مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا غُسْلٌ؟ قَالَ: «لَا، قَدْ إِذَنْ نَجَّسُوا صَاحِبَهُمْ، وَلَكِنْ وُضُوءٌ (١). واعترض عليه من وجهين: الأول: أنه اختلف على ابن عباس، والصحيح عنه بعدم ذكر الوضوء. الثاني: أن الوضوء قد يكون على الاستحباب عنده. عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِذَا غَسَّلْتَ الْمَيِّتَ فَأَصَابَكَ مِنْهُ أَذًى فَاغْتَسِلْ، وَإِلَّا إِنَّمَا يَكْفِيكَ الْوُضُوءُ» (٢). واعترض عليه بأنه لا يصح عنه. وأما دليلهم من المعقول فاستدلوا بأن العادة أن الغاسل قد تقع يده على فرج الميت فلذا يجب الوضوء. واعترض بأن لا يجوز للغاسل مسح فرج الميت قاصدًا، وأنه لابد من مراعاة الضوابط الشرعية من عدم رؤية العورات وعدم مس الفرج بحسب الاستطاعة. والراجح أنه لا يجب الوضوء على من غسل ميتًا، و الحديث الوارد في الباب لا يصح.

стр. 382

المبحث الخامس: أكل ما مست النار إلا لحم الجزور: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار (١). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٢). فدل ذلك على أن النبي أكل ما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ. وذهبت عائشة وطلحة وابن عمر إلى أنه يجب الوضوء مما مست النار (٣). واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (٤). واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الوضوء مما مست النار مستحب ليس بواجب، وهو رواية عن أحمد وابن تيمية (٥). الثاني: أن الوضوء مما مست النار منسوخ. واستدلوا على النسخ بحديث جَابِرِ قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (٦). قلت: وإن كان هذا ضعيفًا الحديث فإنه لا يجب الوضوء مما مست النار إلا في أكل لحم الإبل لما ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ

стр. 383

يَتَوَضَّأْ. فالنبي أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. المبحث السادس: الردة: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، وبه قال الحنفية وقول للمالكية ووجه عند الشافعية (١). قال ابن حزم: وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً فَاغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ ارْتَدَّا ثُمَّ رَاجَعَا الإِسْلَامَ دُونَ حَدَثٍ يَكُونُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ، وَلَا أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ، وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ، وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ؟! فَهَلاَّ قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لو كان شيءٌ من القياس صحيحًا (٢). القول الثاني: أن الردة تبطل الوضوء، وهو قول بعض المالكية ووجه في مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي يحبط كل عمل بما فيه الوضوء فينقض. واعترض عليه بما قاله ابن حزم: فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ [الزمر] قلنا: هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الإِسْلَامَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الزمر: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ٦٥﴾ شَهَادَةٌ

стр. 384

صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ لِقَوْلِنَا؛ لأنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنِ الآُمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الإِسْلَامَ وَمَاتَ مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلْ مِنْ الرَّابِحِينَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِنَّمَا الْخَاسِرُ مَنْ مَاتَ كَافِرًا (١). واستدلوا بما روى مسلم عن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ». فإذا كان الطهور شطر الإيمان، والردة تبطل الإيمان فهي تبطل الوضوء (٢). القول الثالث: أن الردة تبطل التيمم دون الوضوء، وهو وجه عند الشافعية (٣). وهذا القول أضعف الأقوال. والراجح أن الردة لا تنقض الوضوء لأنها ليست بحدث، والله أعلم. * * *

стр. 385

حاصل ما ورد الوضوء ١ - الْوُضُوءِ لغة: مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ. وشرعًا: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحًا بِنِيَّةٍ. ٢ - فضل الوضوء: ١ - الوضوء يكفر الخطايا والذنوب والآثام. ٢ - الطهور شطر الإيمان، روى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ». ٣ - تميز أمة محمد بالوضوء يوم القيامة عن سائر الأمم، في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ». ٤ - حل عقدة الشيطان بالوضوء. ٥ - إسباغ الوضوء ونطق الشهادتين بعده من أسباب دخول الجنة، روى مسلم من حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ، الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». ٣ - حكم الوضوء: يختلف حكم الوضوء من عبادة لأخرى، فقد يكون واجبًا إذا أراد المحدث الصلاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦]، وقد يستحب الوضوء إذا أراده للنوم.

стр. 386

الوضوء كان في شريعة من قبلنا. ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة. روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ!! فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ». أما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة: ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ». * * *

стр. 387

الفصل الأول في شروط صحة الوضوء الشرط الأول: الإسلام، فلا يصح الوضوء من كافر. الشرط الثاني: التكليف: المكلف هو البالغ العاقل: فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون. ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز. الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما. الشرط الرابع: طهارة الماء: فلا يصح الوضوء بالماء النجس. الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء، فإن عجز عن استعمال الماء لمرض أو لعجز عنه، فإنه يسقط لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء، كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما. الشرط السابع: عدم الحائل الذي يحول بين وصول الماء إلى البشرة. فإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع والعجين، أو الدهان، أو طلاء الأظافر، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة؛ فإنه لا بد من إزالته بقدر المستطاع؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة. الشرط الثامن: قيام الحدث: فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء. الشرط التاسع: النية: وهي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى. والنية شرط لصحة الوضوء لعموم قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، والنية محلها القلب، وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية ليس بمشروع. قال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ ﷺ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.

стр. 388

الفصل الثاني فرائض الوضوء من فروض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين وغسل الرجلين ومسح الرأس. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. دل على ذلك الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. الحاصل في غسل الوجه: حد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن. الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس. الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه، فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتادة. الأنزع: وهو الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس لا يجب عليه غسلهما لأنهما من الرأس. المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه.

стр. 389

الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرهما تغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه. البياض الواقع بين الأذن وآخر اللحية (العذار). ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. الفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين: قال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين. الفرض الثالث: مسح الرأس: من فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم أن مسح الرأس من فروض الوضوء. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس. الفرض الرابع: غسل الرجلين: ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض، واستدلوا بعموم قول تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. واستدلوا بالأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. الفرض الخامس: الترتيب: الترتيب فرض، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.

стр. 390

والله أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قُطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخر المسح. دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، والله أعلم. الفرض السادس: الموالاة: ودلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم. ولو جاز ترك التوالي لبينة النبي ﷺ . * * *
следующие страницы →