← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الوضوء كان في شريعة من قبلنا. ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء كان في شريعة من قبلنا، وإنما الغرة والتحجيل مما خُصت به هذه الأمة. روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ!! فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ». أما دليل أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة: ففي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ». * * *

стр. 387

الفصل الأول في شروط صحة الوضوء الشرط الأول: الإسلام، فلا يصح الوضوء من كافر. الشرط الثاني: التكليف: المكلف هو البالغ العاقل: فلا يجب الوضوء على طفل ولا مجنون. ويصح الوضوء من الطفل المميز، ولا يصح وضوء مجنون ولا غير مميز. الشرط الثالث: ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلو توضأت الحائض أو النفساء لم يرتفع حدثهما. الشرط الرابع: طهارة الماء: فلا يصح الوضوء بالماء النجس. الشرط الخامس: القدرة على استعمال الماء، فإن عجز عن استعمال الماء لمرض أو لعجز عنه، فإنه يسقط لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. الشرط السادس: عدم حصول ناقض أثناء الوضوء، كخروج الريح في وسط الوضوء فيجب عليه الإعادة، ويستثنى من ذلك المعذور كصاحب سلس البول والمستحاضة وغيرهما. الشرط السابع: عدم الحائل الذي يحول بين وصول الماء إلى البشرة. فإذا توضأ وهناك حاجز يمنع وصول الماء إلى البشرة كالشمع والعجين، أو الدهان، أو طلاء الأظافر، أو أدوات التجميل، وكل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة؛ فإنه لا بد من إزالته بقدر المستطاع؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه واليدين إذا كانت مكشوفة. الشرط الثامن: قيام الحدث: فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء. الشرط التاسع: النية: وهي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى. والنية شرط لصحة الوضوء لعموم قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، والنية محلها القلب، وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية ليس بمشروع. قال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ ﷺ فِي أَوَّلِهِ: نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ.

стр. 388

الفصل الثاني فرائض الوضوء من فروض الوضوء غسل الوجه واليدين إلى المرفقين وغسل الرجلين ومسح الرأس. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. قال ابن عبد البر: الْعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فَرْضٌ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَمْرِ الله بِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُسْلِمَ عِنْدَ قِيَامِهِ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا، لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَغَسْلِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. دل على ذلك الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وأما السنة، فالأحاديث الكثيرة المستفيضة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. الحاصل في غسل الوجه: حد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن طولًا، وعرضه من الأذن إلى الأذن. الأجلح إذا انصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع لأنه ليس من الوجه بل هو من الرأس. الأفرع هو الذي ينزل شعره على وجهه، فعليه أن يغسل مع الوجه ما نزل عن منابت الشعر المعتادة. الأنزع: وهو الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس لا يجب عليه غسلهما لأنهما من الرأس. المتوضئ إذا غسل وجهه فعليه أن يغسل جزءًا من رأسه وسائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطًا وليس بواجب وذلك لاستيعاب الوجه.

стр. 389

الظاهر من الفم والأنف والشارب وغيرهما تغسل لأن كل هذا داخل في حدود الوجه. البياض الواقع بين الأذن وآخر اللحية (العذار). ما تحت الذقن لا يغسل مع الوجه. قال في مواهب الجليل: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَ الذَّقْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. الفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين: قال الماوردي: غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين. الفرض الثالث: مسح الرأس: من فروض الوضوء مسح الرأس بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم أن مسح الرأس من فروض الوضوء. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب مسح جميع الرأس لعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمراد بمسح الرأس مسح جميع الرأس. الفرض الرابع: غسل الرجلين: ذهب جمهور العلماء إلى أن غسل الرجلين فرض، واستدلوا بعموم قول تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فأرجلكم معطوفة على وجوهكم والعامل فيها الفعل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أي: فاغسلوا وجوهكم وأرجلكم. واستدلوا بالأحاديث المستفيضة الصحيحة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما. الفرض الخامس: الترتيب: الترتيب فرض، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.

стр. 390

والله أمر بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فلما ذكر الله ممسوحًا بين مغسولات دل ذلك على وجوب الترتيب، ولو لم يجب الترتيب لما قُطع النظير عن نظيره ولكانت المغسولات في نسق وفي الآخر المسح. دل على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، والله أعلم. الفرض السادس: الموالاة: ودلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي وكلهم وصفوه متواليًا مع كثرتهم. ولو جاز ترك التوالي لبينة النبي ﷺ . * * *

стр. 391

الفصل الثالث ما ذُكر في سنن الوضوء ١ - التسمية: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التسمية قبل الوضوء، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ». وهذا الحديث لا يصح، والأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء لم تذكر التسمية. ٢ - السواك؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ». ٣ - غسل الكفين ثلاثًا. ٤ - المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي ﷺ : «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، واستحباب المضمضة والاستنشاق باليمين، والاستنثار بالشمال «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى»، ولفظة «وَنثَره بِيَدِهِ الْيُسْرَى» ضعيفة، استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ». ٥ - تخليل اللحية: هو إدخال الماء بين شعر اللحية مع التخليل بالأصابع حتى يصل الماء إلى بشرته، وفي الحديث عن عائشة «كَانَ رسولُ اللهِ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ»، وجميع الأحاديث الواردة في تخليل اللحية ضعيفة. ٦ - إطالة الغرة، وهي غسل شيء من مقدم الرأس مع الوجه، وأما التحجيل، فهو تجاوز غسل المرفقين في غسل اليدين وتجاوز الكعبين في غسل الرجلين، قال رسول الله ﷺ : «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ فَليفْعَلْ».

стр. 392

٧ - مسح باطن الأذن وظاهرهما. ٨ - مسح العنق لا يُشرع في الوضوء، وذهب بعض العلماء إلا استحباب مسح العنق. واستدلوا بحديث: «من توضأ فمسح عُنقَه لم يُغَل بالأغَلالِ يوم القيامة»، وهو حديث منكر. ٩ - تخليل الأصابع، ولا يصح في الباب حديث. ١٠ - استحباب تحريك الخاتم: ورد في الحديث: «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ»، والحديث ضعيف، لكن وصول الماء إلى بشرة اليدين يجب، وكذا يستحب تحريك الساعة والخاتم لوصول الماء تحتهما، والله أعلم. ١١ - استحباب الغسلة الثانية والثالثة عدا الرأس والأذنين، لحديث حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ علي كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل برجليه ثلاث مرار إلى الكعبين. ١٢ - قول الذكر بعد الوضوء: روى مسلم عن عمر «مَنْ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثم قال عقبه: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»، زيادة «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ» شاذة وزيادة «ثم رفع يده إلى السماء» شاذة. * * *

стр. 393

الفصل الرابع نواقض الوضوء الناقض الأول: الخارج من السبيلين: كالبول والغائط والريح والمذي والودي كل ذلك ينقض الوضوء بالإجماع. الناقض الثاني: خروج البول والغائط من غير السبيلين، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]. الناقض الثالث: زوال العقل بجنون أو إغماء ينقض بالإجماع. الناقض الرابع: زوال العقل بنوم، والنوم الذي يزول معه العقل ينقض الوضوء على أي حال، قال تعالى عن نفسه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقد ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ؛ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكان يقظان، فلو خرج منه شيء لشعر به. الناقض الخامس: مس الذكر؛ لعموم قوله ﷺ : «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، أما الحديث الذي فيه رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «إنما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ منك» لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وكذا المرأة إذا مست فرجها فلتتوضأ؛ لعموم قول النبي ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ»، أما مس المرأة فرج الغير وخاصة الصغير فلا ينقض الوضوء؛ لأن النص ورد فيمن مس ذكره وليس ذكر غيره، وكذا مس الأنثيين والأليتين والرفغين لا ينقض الوضوء، وحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَيْهِ فليَتَوضأْ» ضعيف. الناقض السادس: أكل لحم الجزور؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ قال: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ، قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم».

стр. 394

الفصل الخامس ما لا ينقض الوضوء ١ - القهقهة: ورد عن جابر بسند صحيح قال: «إِذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ»، أما حديث جابر: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ»، فهو حديث منكر. ٢ - القيء والرعاف وكذا الدم، فالخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء إلا أن يكون بولًا أو غائطًا لأن الأصل براءة الذمة، ولا يصح دليل يوجب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء والدم، والله أعلم. ٣ - مس بدن المرأة، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. أما المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد بها الجماع، دل على ذلك آيات منها عموم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: أي تجامعوهن. ٤ - الردة، فلو أن رجلًا مسلمًا توضأ ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، فوضوءه صحيح. ٥ - أكل ما مست النار، ففي الصحيحين عن ابن عباس «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». ٦ - تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، أما حديث: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ»، لا يصح عن رسول الله ﷺ . ٧ - من توضأ ثم شك وهو يصلي أن وضوءه انتقض فلا يخرج من الصلاة؛ في الصحيحين عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».

стр. 395

الباب السابع المسح على الحائل التمهيد: مقدمة لا بد منها: وفيها ثلاثة مباحث: المبحث الأول: رفع الحرج: إن هذه الشريعة الغراء مبنية على اليسر ورفع الحرج، لا عنت فيها ولا مشقة. فهذا المسافر يقصر الصلاة وكذا يفطر في رمضان، وهذا المريض يصلي قائمًا مع القدرة فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب، والذي يلبس الخفين وهناك مشقة في خلعهما عند الوضوء يمسح عليهما وخاصة في أيام البرد القارص. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا ومحمداً نبيًّا ورسولًا. المبحث الثاني: لماذا ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؟ ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة بالرغم من أنه من المسائل الفقهية: للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة وأهل البدع: فالرافضة ينكرون المسح على الخفين مع أنهم يَدَّعون محبة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وقد ثبت عنه المسح على الخفين، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة من حديث عليّ ﵁، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين ولكن يتبعون سنة الشيطان الرجيم. فخالف الرافضة أهل السنة من وجهين: الوجه الأول: أنكروا المسح على الخفين مع استفاضة الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي تدل على جواز ذلك. الوجه الثاني: أنكروا غسل الرجلين ورأوا المسح على القدمين، فوقعوا فيما توعد به النبي ﷺ بقوله: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

стр. 396

قال ابن عبد البر بعد ذكر حديث المغيرة: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ»: وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَخْذُولٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالُوا: إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَعَسَى الْقُرْآنُ نَسَخَهُ. وَمَعَاذَ الله أَنْ يُخَالِفَ رَسُولَ ﷺ كِتَابَ الله، بَلْ بَيَّنَ مُرَادَ الله مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ الله فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم﴾ [النساء: ٦٥] الآية. وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَازَ عَلَيْهِمْ جَهْلُ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَعَاذَنَا الله مِنَ الْخِذْلَانِ، رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: (رَأَيْتُ جَرِيرًا يَتَوَضَّأُ مِنْ مِطْهَرَةٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟! فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ؟! قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانُوا يَعْنِي- أَصْحَابَ عَبْدِ الله وَغَيْرَهُمْ- يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ثم قال: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَجْمَعِينَ وَفُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، كُلُّهُمْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اه المبحث الثالث: الفرق بين الخف والجورب والجبيرة: الخف: ما يُلبس في الرِّجل من جلد رقيق. الجورب: ما يُلبس في الرِّجل على هيئة الخف من غير الجلد. الجبيرة: العيدان التي تُجبر بها العظام (١).

стр. 397

الفصل الأول: المسح على الخفين والجوربين المبحث الأول: جواز المسح على الخفين: ذهب جمهور العلماء إلى جواز المسح على الخفين في السفر والحضر (١). قال الجصاص: ثَبَتَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ حَيْثُ يُوجِبُ الْعِلْمَ (٢). وفي الصحيحين عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. وروى البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ» وروي البخاري عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ» (٣) والأحاديث في هذا الباب متوافرة (٤). شبهات المانعين من المسح على الخفين: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أي بالفتح، فأمَر الله بغسل الرجلين فكيف يمسح على الخفين؟!

стр. 398

واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث جرير قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» (١) قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. الثاني: ما قاله القرطبي في تفسير الآية: قِيلَ: إِنَّ الْخَفْضَ فِي الرِّجْلَيْنِ إِنَّمَا جَاءَ مُقَيَّدًا لِمَسْحِهِمَا لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ، وَتَلَقَّيْنَا هَذَا الْقَيْدَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، إِذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلَيْهِمَا خُفَّانِ، فَبَيَّنَ ﷺ بِفِعْلِهِ الْحَالَ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهِ الرِّجْلُ وَالْحَالَ الَّتِي تُمْسَحُ فِيهِ، وَهَذَا حَسَنٌ (٢). وقال ابن العربي: جَاءَتِ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ النَّصْبَ يُوجِبُ الْعَطْفَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا مَسْحُ الرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُ كَوَظِيفَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا بَعْدَهُمَا، فَذُكِرَ لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ لَا لِيَشْتَرِكَا فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ، وَجَاءَ الْخَفْضُ لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحَانِ حَالَ الِاخْتِيَارِ عَلَى حَائِلٍ، وَهُمَا الْخُفَّانِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَعَطَفَ بِالنَّصْبِ مَغْسُولًا عَلَى مَغْسُولٍ، وَعَطَفَ بِالْخَفْضِ مَمْسُوحًا عَلَى مَمْسُوحٍ، وَصَحَّ الْمَعْنَى فِيهِ (٣). المبحث الأول: المسح على الجوربين: اختلف أهل العلم في جواز المسح على الجوربين على أقوال: القول الأول: ذهب بعض الحنفية وقول للشافعية والحنابلة إلى جواز المسح على الجوربين الصفقين (٤).

стр. 399

واستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ (١).

стр. 400

أما دليلهم من المأثور: فقال ابن قدامة: الصَّحَابَة ﵃ مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا (١). وقال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ وعرفوا تأويله- مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه (٢). بعض الآثار عن الصحابة في المسح على الجوربين: أثر عليّ بن أبي طالب عن عمرو بن حريث، أن عليًّا توضأ ومسح على الجوربين (٣). أثر أبي مسعود الأنصاري عَنْ هَمَّامٍ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (٤). عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (٥). وعن رَجَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بن عازب تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ (٦).

стр. 401

القول الثاني: ذهب مالك في رواية إلى أنه لا يجوز المسح على الجوربين مطلقًا (١). واستدل بأن الأصل هو غسل الرجلين وهو ظاهر القرآن. واعترض على هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أننا نفهم القرآن والسنة بفهم الصحابة، والصحابة مسحوا على الجوربين. قال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه (٢). الثاني: إذا ثبت المسح على الخفين مع عدم التعارض مع القرآن، ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين. الثالث: إذا كانت الحكمة من المسح على الخفين هي رفع الحرج والمشقة والعنت فهي أَوْلى في المسح على الجوربين لأنها أكثر استعمالًا وأوسع انتشارًا. فلذا يجوز المسح على الجوربين. أما دليلهم من القياس فقالوا: فإذا ثبت المسح على الخفين ثبت المسح على الجوربين إذ لا فرق، فالخف ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس في الرجل من صوف، والشريعة لا تفرق بين متماثلين. يقول شيخ الإسلام: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ، فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، فَفِي السُّنَنِ: أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ

стр. 402

أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. وَأيضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّة (١). المبحث الثالث: في المسح على النعلين: اختلف أهل العلم في حكم المسح على النعلين على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن. والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب، فمالك لا يرى المسح على الخف إذا قطع أسفل الكعب، فالنعل من باب أَوْلى (٣). والشافعي يرى أن الخف إذا لم يستر الكعبين أو ما يحاذيهما فلا يمسح عليهما، وعليه فلا يرى المسح على النعال؛ لأن النعال لا تستر المحل المفروض (٤). القول الآخر: جواز المسح على النعلين، وبه قال علي بن أبي طالب. واستدلوا بالسنة والمأثور والمعقول: أما دليلهم من السنة فعن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ

стр. 403

وَالنَّعْلَيْنِ (١). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ، واللفظ الصحيح: «وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ». وعَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي يَوْمًا تَوَضَّأَ فَمَسَحَ النَّعْلَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَمْسَحُ عَلَيْهِمَا؟! فَقَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ» (٢). وعن ابن عباس: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ» (٣). وعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَنَعْلَاهُ فِي رِجْلَيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَيَقُولُ: كَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ الله ﵌ يَفْعَلُ (٤).

стр. 404

واعترض عليه بأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث. وأما دليلهم من المأثور: فعن أَبِي ظَبْيَانَ؛ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا» (١). أما دليلهم من القياس فقالوا: يجوز المسح على النعلين كما يمسح على الخفين. واعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فالخف يستر الكعب - أي محل الفرض - والنعل يكون أسفل الكعب لا يغطي محل الفرض. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه لا يجوز المسح على النعل لأنه لا يصح في المسح على النعلين حديث، ولا يصح قياس النعل على الخف، والله أعلم. المبحث الرابع: المسح على الخِرَق واللفائف: قال ابن قدامة: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (٢).

стр. 405

وفي التاج: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِرَقِ إذَا لَفَّ بِهَا رِجْلَيْهِ (١). عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ (٢)» (٣). قال ابن تيمية: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلى مِنْ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ وَفِي نَوْعِهَا ضَرَرٌ: إمَّا إصَابَةُ الْبَرْدِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْحِفَاءِ وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْجُرْحِ، فَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ فَعَلَى اللَّفَائِفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ الْمَنْعَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فَضْلًا عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ (٤). * * *

стр. 406

الفصل الثاني شروط المسح على الخفين الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس. الشرط الثاني: يُشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى ولا يجزئ المسح في الجنابة. الشرط الثالث: يُشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه. الشرط الرابع: يُشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يُلبس بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا. الشرط الخامس: إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ. الشرط السادس: يُشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه. هذا الإجمال وإليك التفصيل. الشرط الأول: طهارة الخف، فلا يصح المسح على خف نجس. قال النووي: لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ (١).

стр. 407

الشرط الثاني: يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى. قال ابن قدامة: جَوَازَ الْمَسْحِ مُخْتَصٌّ بِهِ (أي الوُضُوءِ)، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (١). قال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا (٢). الشرط الثالث: لبس الخف على طهارة مائية: إذا تيمم لفقد الماء ثم لبس الخف فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه، على قول الجمهور. قال مالك (٣): وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وقال السرخسي: وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ (٤). وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ

стр. 408

ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» (١). الشرط الرابع: لُبس الخفين بعد كمال الطهارة: إذا توضأ وبعد غسل رجله اليمنى لبس فيها الخف ثم اليسرى لبس فيها الخف فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فهل يصح له المسح على الخفين؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح على الخفين؛ لأنه إذا غسل رجله اليمنى ثم ألبسها الخف قبل أن يغسل اليسرى فقد لبس الخف قبل تمام الطهارة، وشرط لبس الخف لكي يمسح عليه أن يكون بعد كمال الطهارة، أي بعد أن ينتهي من غسل الرجل اليسرى، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث المغيرة، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.

стр. 409

قوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (١) أي: في الخف، أي بعد كمال الوضوء، أي بعد غسل الرجل اليمنى واليسرى. وذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن من توضأ فغسل رجله اليمنى ثم أدخلها في الخف قبل غسل الرجل اليسرى فإذا أحدث فأراد أن يتوضأ، فله أن يمسح على الخفين (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». وجه الدلالة: أن مَنْ غسل الرجل اليمنى ثم أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة وكذلك اليسرى. والراجح: قول الجمهور، ومعنى «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» أي أنه مسح عليهما بعد الانتهاء من الوضوء. الشرط الخامس: يشترط إذا كان سليم القدمين يمسح على الخفين معًا: قال النووي: لَوْ لَمْ يَكُنْ للرَّجل إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا بِلَا خِلَافٍ (٣). وقال في موضع آخر: تَنْبِيهٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ مِنْ أُصُولِ الْبَابِ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي رِجْلٍ

стр. 410

دون الأخرى ومَسَحَ عَلَيْهِ وغَسَلَ الأخَرَ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ (١). الشرط السادس: يشترط ثبوت الخف على القدم: فإذا كان الخف يسقط من القدم عن محل الفرض فلا يمسح عليه لأن النص ورد في الخف المعتاد (٢)، وأما إذا كان الخف واسعًا ولا يثبت إلا بشده بخيط أو بغيره فإنه يمسح عليه لأن الإذن بالمسح على الخف وما في معناه مطلق غير مقيد. قال ابن تيمية في ثبوت الخف بنفسه: وَقَدِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ بِشَيْءِ يَسِيرٍ أَوْ خَيْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُمْسَحْ، وَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ إلَّا بِالشَّدِّ - كالزربول الطَّوِيلِ الْمَشْقُوقِ: يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَسْتُرُ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا بِالشَّدِّ - فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الشَّرْطُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَد بَلِ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ بِنَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا؛ وَأَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ لا يَشتَرطُ فِي الْجَوْرَبَيْنِ أَنْ يَثْبُتَا بِأَنْفُسِهِمَا بَلْ إذَا ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ جَازِ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، فَغَيْرُهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلى، وَهُنَا قَدْ ثَبَتَا بِالنَّعْلَيْنِ وَهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْ الْجَوْرَبَيْنِ. فَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِشَدِّهِمَا بِخُيُوطِهِمَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَوْلى بِالْجَوَازِ (٣). فالحاصل: أن الخف إذا ثبت على القدم، سواء كان بنفسه أو بشده بخيط أو بغيره على محل الفرض، مسح عليه، أما إذا سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه. * * *

стр. 411

الفصل الثالث ما لا يُشترط في المسح على الخفين وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا، فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم. المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله، بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح عليه إذا كانت الفتوق يسيرة. المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف. المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك. هذا الإجمال وإليك التفصيل. المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز المسح على الخف المحرم، وهو قول بعض الشافعية والمشهور عن الحنابلة (١). واستدلوا بأنه إذا كانت الصلاة لا تُقبل في الثوب المسبل فكذا لا يصح المسح على شيء محرم، دل على ذلك ما رواه عطاء بن يسار عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ عَبْدٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ» (٢).

стр. 412

واعترض عليه بأنه هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بأن المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاصٍ بترك النزع واستدامة اللبس، فينبغي ألا يُعذر (١)، وكذا تجويز المسح على الخف المحرم يؤدي إلى إتلافه فيُمنع، قال النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، أي مردود عليه، فالمسح على الخف المحرم مردود لأنه خلاف أمر رسول الله ﷺ . القول الثاني: ذهب الحنفية وأكثر الشافعية إلى أن مَنْ مسح على خف محرم وهو يتوضأ فهو يجزئه مع الإثم (٣) لانفكاك الجهة؛ لأن الغصب أمر خارج عن الطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب. القول الثالث: ذهب بعض المالكية إلى التفريق بين ما كان محرمًا لِحَقِّ الله فإذا كان الخف من حرير لا يمسح عليه وهو عاصٍ بلبسه وما كان محرمًا لحقِّ آدمي كالحق المغصوب يمسح عليه وعليه إثم الغصب (٤). والراجح: أن المسح يجزئ وعليه إثم الغصب لانفكاك الجهة، فالغاصب مأذون له في المسح على الخفين، والمنع عارض، فعليه إثم الغصب، والله أعلم. المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله. إن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح بلا خلاف (٥). وأما إذا كان الخرق دون الكعب فقد اختلف العلماء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال: القول الأول: يمسح على الخف وإن كان فيه فتق أو خرق إذا كان يطلق عليه خف وبإمكانه أن

стр. 413

يمشي به (١). واستدلوا بأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة وغير مقيدة بكون الخف ليس فيه خرق، ولو كان هذا شرطًا لبينه رسول الله ﷺ ولنقله أصحاب النبي ﷺ . قال شيخ الإسلام: فَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ بَلَّغُوا سُنَّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا - لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَقْيِيدُ الْخُفِّ بِشَيْءِ مِنَ الْقُيُودِ، بَلْ أَطْلَقُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْخِفَافِ وَأَحْوَالِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فَهِمُوا عَنْ نَبِيِّهِمْ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا (٢). واشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين؛ ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره بينما في غسل القدمين يكون جميع القدم، قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». فلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لاسيما والناس المحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة؛ ولهذا قال ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!»، فَبَّين أن منكم من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب. القول الثاني: لا يمسح على الخف إذا كان فيه خرق، وهو قول الشافعي في الجديد والمشهور عن الحنابلة (٣). واستدلوا بأن القدر الذي ظهر من الخرق فرضه الغسل، والجمع بين الغسل والمسح لا يجوز. واعترض عليه بما قاله ابن تيمية: وَقَوْلُ الْقَائِلِ: (إنَّ مَا ظَهَرَ فَرْضُهُ الْغَسْلُ) مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَسْتَوْعِبُهُ بِالْمَسْحِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَلْ يَمْسَحُ أَعْلَاهُ دُون أَسْفَلِهِ وَعَقِبَهُ وَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلِ، فَمَسْحُ بَعْضِ الْخُفِّ كَافٍ عَمَّا يُحَاذِي الْمَمْسُوحَ وَمَا لَا يُحَاذِيهِ، فَإِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي الْعَقِبِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا مَسْحُهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ لَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ ظَهْرِ

стр. 414

الْقَدَمِ. القول الثالث: التفريق بين الخرق الكبير والخرق اليسير، وهو قول الحنفية والمالكية (١). واستدلوا بأنه إذا كان ستر العورة واجبًا في الصلاة وظهور يسير العورة معفو عنه، فمن باب أَوْلى فالخرق اليسير في الخف معفو عنه. قال ابن تيمية: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقُرَّاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ. وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟!» وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَرْقِيعِ، فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ، وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفِّ أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ وَإِنَّمَا يُرَقَّعُ الْكَثِيرُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مَنْ ضِيقِ الْأُزُرِ، مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ، فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ ﷺ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ؛ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ (٢). والراجح: أنه يجوز المسح على ما يطلق عليه خف، سواء كان فيه فتق أو خرق؛ لأن أصحاب النبي ﷺ بَلَّغوا سنته ولم يُنقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، والله أعلم. المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف: يُشترط في الخف حتى يمسح عليه عند الجمهور أن يمكن متابعة المشي عليه (٣). وذهب الشافعية في وجه إلى أن ذلك ليس بشرط (٤). قال الشيخ الدبيان: إنه ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه فإن كان لا

стр. 415

يضره وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكبًا أو مقعدًا فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقًا غير مقيد بشيء، فَمَنْ وضع قيدًا طُلب منه الدليل (١). المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُشترط أن يكون الخف من جلد (٢). قال ابن تيمية: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ وَمَحْظُورِهِ وَمُبَاحِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنَ الصُّوفِ، فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى. فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا أَنْزَلَ الله بِهِ كُتُبَهُ (٣). * * *

стр. 416

الفصل الرابع صفة المسح على الخفين ومدته وفيه ثمانية مباحث المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين. المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟ المبحث الثالث: هل يمسح على الخفين معًا كالأذنين أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟ المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: ابتداء مدة المسح. المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر. المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر. المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح. المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام. المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما. المبحث السابع: إذا لبس خفًّا ثم مسح عليه ثم أحدث، ثم لبس خفًّا فوقه هل يمسح على الأعلى؟ المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟

стр. 417

الفصل الرابع صفة المسح على الخفين ومدته المبحث الأول: المقدار المجزئ في المسح على الخفين. اختلف أهل العلم في المقدار المجزئ في المسح على الخفين على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف، وهو قول الحنابلة. القول الثاني: إنْ مسح خفه بإصبع أو إصبعين لم يجزه، وإنْ مسح بثلاثة أصابع أجزأه. وبه قال الحنفية. واستدلوا بما روى أبو العلاء، قال: رَأَيْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَالَ، ثُمَّ أَتَى دِجْلَةَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَمَسَحَ أَصَابِعَهِ عَلَى الْخُفِّ وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي الْخُفِّ (١). وجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ» وأقل الأصابع ثلاثة. واعترض عليه بأن في إسناده أبا العلاء وهو مجهول. وعن أيوب قال: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً عَلَى ظُهُورِهِمَا» قَالَ: فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفِّ (٢). وجه الدلالة: «فَرَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ»، والأصابع جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وهذا الأثر صحيح لكنه ليس بصريح في هذا الحكم. القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه يجب استيعاب أعلى الخف بالمسح (٣).

стр. 418

واستدلوا بما ورد عن عليّ ﵁ قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» (١). وجه الدلالة: المسح على ظاهر الخف يوجب استيعاب الظاهر. وعن المغيرة قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظُهُورِالْخُفَّيْنِ» (٢). والراجح: هو أن الواجب مسح أكثر ظاهر الخف؛ وذلك لأن الأحاديث التي وردت في المسح على الخفين مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة، خاصة أن المسح يكون بالأصابع، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وشرع الله المسح على الخفين للتيسير والتسهيل على المكلفين وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، والله أعلم. المبحث الثاني: هل يمسح أسفل الخف؟ اختلف أهل العلم في حكم مسح أسفل الخفين على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفل الخف (٣).

стр. 419

واستدلوا بما ورد عن عليٍّ قال: «مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ» (١). القول الآخر: قال مالك: إنْ مَسَح الأعلى فقط وصلى يعيد الصلاة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه (٢). دل على ذلك حديث المغيرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَأَعْلَاهُ» (٣). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. والراجح: هو أنه يمسح أعلى الخف ولا يمسح أسفله (باطنه) لقول علي: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ»، والله أعلم. المبحث الثالث: هل يمسح الخفين معًا كالأذنين، أم تُقدم اليمنى على اليسرى؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يمسح الخفين معًا كالأذنين، وهو قول الحنفية والمشهور عن الحنابلة (٤).

стр. 420

واستدلوا بما رُوى عن المغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (١). وجه الدلالة: «فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» أي معًا كالأذنين من غير تقديم اليمنى على اليسرى. القول الآخر: يُستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة (٢). واستدلوا بأن المسح بدل الغسل، وإذا كان يستحب في غسل الرجلين تقديم اليمنى على اليسرى فكذا المسح بدل عنه. والراجح: استحباب مسح الخفين معًا كالأذنين لأن النبي ﷺ مسح عليهما، أي معًا، ولو قدم اليمنى على اليسرى في المسح لبيَّنه النبي ﷺ لصحابته الكرام. المبحث الرابع: مدة المسح وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: ابتداء مدة المسح. إذا كان المقيم يمسح يومًا وليلة فمتى يبدأ المسح؟ إذا لبس الخف، أو بعد أول حدث، أو يُستحب بعد أول مسحة؟ ذهب أحمد في رواية والأوزاعي إلى أن المسح يُحسب من أول مسح بعد الحدث. قال المرداوي: وَيَمْسَحُ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِثُمَّ يَمْسَحُ إلَى مِثْلِهَا مِنِ الْغَدِ (٣). دل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً

стр. 421

لِلْمُقِيمِ» (١). فدل الحديث على أن المقيم يمسح يومًا وليلة، فالمدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث. وذهب جمهور العلماء إلى أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة (٢). وقال الشعبي وإسحاق: يمسح عليه خمس صلوات، وتبتدئ المدة من أول صلاة صلاها بعد لبس الخف (٣). والراجح: أن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وتبتدئ المدة من أول مسح بعد الحدث. المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر. عَنْ شُرَيْحِ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ». المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر. قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ (٤). المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.

стр. 422

يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. قال ابن تيمية: لَمْ يَحُدَّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَطْلَقَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَر (١). المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام: إذا لبس خفيه وهو مسافر ثم أقام، فإنه لا يخلو من حالين: الأول: إذا كان لم يمسح في سفره حتى أقام، مسح يومًا وليلة. الثاني: إذا مسح في سفره أقل من يوم وليلة ثم أقام، أكمل مسح اليوم والليلة، وإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة ثم أقام فقد انتهت مدته لأنه لما أقام كان حكمه حكم المقيم، وهذا قول جمهور العلماء (٢). قلت: وجِماع هذا الباب أن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإن لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر فمسح، فحكمه حكم المسافر، وإن لبس الخفين وهو مسافر ثم أقام فمسح، فحكمه حكم المقيم، والله أعلم. المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ أي إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟ هذا لا يخلو من حالين: الأول: ما قاله النووى: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ (٣).

стр. 423

الحال الثاني: نقل النووي الإجماع على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ (١). قلت: وهذا الإجماع منخرم فإن عند الحنفية يباح للمسافر سفر المعصية كقطع الطريق أو غيره المسح على الخفين (٢). واستدلوا بعموم الأدلة التي تُجوز للمسافر المسح على الخفين، ولو كان السفر لمعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع، وكذا رجح قول الحنفية شيخ الإسلام فقال: المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين (٣). المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن من لبس خفًّا على خف أنه يباح له المسح عليه، وبه قول الحنفية ورواية عند مالك والقول القديم عند الشافعي والحنابلة (٤). واستدلوا بحديث بلال ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» (٥).

стр. 424

وجه الدلالة: أن الموق قصير يُلبس فوق الخف (١). واستدلوا بأن حكم الخفين حكم الخف الواحد، والحاجة تدعو إليه، خاصة في البلاد الباردة، فدل ذلك على الجواز، والله أعلم. القول الآخر: لا يجوز المسح على أعلى الخفين، وهذا قول مالك في رواية وقول الشافعي في الجديد (٢). واستدلوا بأن الرخصة وردت في المسح على الخفين. واعترض عليه بأنه لا فارق بين خف وخفين، والحاجة تدعو إليه. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز المسح على أعلى الخفين، والله أعلم. المبحث السابع: إذا لبس خفًّا، ثم مسح عليه، ثم أحدث ثم لبس خفًّا فوقه، هل يمسح على الأعلى؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح إلا على الأسفل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول للشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، وهذا لبس الخف

стр. 425

الأعلى وهو محدث فلا يجوز المسح عليه. أما إذا لبس خفين فوق بعض ثم مسح على الأعلى فإذا نزع الأعلى هل يمسح على الأسفل؟ فالجواب: لا يمسح عليه؛ لأن خلع الأعلى يبطل المسح على الأسفل لأن حكم المسح تعلق به. المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المسح على الخفين رافع للحدث (١). واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن ابن عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (٢)، فإذا كانت لا تُقبل صلاة بغير طهور، فإذا كان ماسح الخفين صلاته صحيحة فدل ذلك على أن المسح على الخفين رافع للحدث. القول الآخر: ذهب المالكية إلى أن المسح على الخفين مبيح وليس رافعًا (٣). واستدلوا بأن المسح على الخفين مبيح كالتميم. والراجح: أن المسح على الخفين رافع للحدث؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ». فالمسح على الخفين كغسل الرجلين، والله أعلم.
следующие страницы →