لِلْمُقِيمِ» (١). فدل الحديث على أن المقيم يمسح يومًا وليلة، فالمدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث.
وذهب جمهور العلماء إلى أن المدة تبتدئ من أول حدث بعد لبس الخف. وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة (٢).
وقال الشعبي وإسحاق: يمسح عليه خمس صلوات، وتبتدئ المدة من أول صلاة صلاها بعد لبس الخف (٣).
والراجح: أن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وتبتدئ المدة من أول مسح بعد الحدث.
المطلب الثاني: مدة المسح للمقيم والمسافر.
عَنْ شُرَيْحِ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ».
المطلب الثالث: إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر.
قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ (٤).
المطلب الرابع: مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.
стр. 422
يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
قال ابن تيمية: لَمْ يَحُدَّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَطْلَقَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَر (١).
المطلب الخامس: إذا مسح في السفر ثم أقام:
إذا لبس خفيه وهو مسافر ثم أقام، فإنه لا يخلو من حالين:
الأول: إذا كان لم يمسح في سفره حتى أقام، مسح يومًا وليلة.
الثاني: إذا مسح في سفره أقل من يوم وليلة ثم أقام، أكمل مسح اليوم والليلة، وإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة ثم أقام فقد انتهت مدته لأنه لما أقام كان حكمه حكم المقيم، وهذا قول جمهور العلماء (٢).
قلت: وجِماع هذا الباب أن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإن لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر فمسح، فحكمه حكم المسافر، وإن لبس الخفين وهو مسافر ثم أقام فمسح، فحكمه حكم المقيم، والله أعلم.
المبحث الخامس: سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين؟ أي إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟
هذا لا يخلو من حالين:
الأول: ما قاله النووى: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ (٣).
стр. 423
الحال الثاني: نقل النووي الإجماع على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ (١).
قلت: وهذا الإجماع منخرم فإن عند الحنفية يباح للمسافر سفر المعصية كقطع الطريق أو غيره المسح على الخفين (٢).
واستدلوا بعموم الأدلة التي تُجوز للمسافر المسح على الخفين، ولو كان السفر لمعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع، وكذا رجح قول الحنفية شيخ الإسلام فقال: المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين (٣).
المبحث السادس: إذا لبس خفين فوق بعض يمسح على الأعلى منهما؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن من لبس خفًّا على خف أنه يباح له المسح عليه، وبه قول الحنفية ورواية عند مالك والقول القديم عند الشافعي والحنابلة (٤).
واستدلوا بحديث بلال ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» (٥).
стр. 424
وجه الدلالة: أن الموق قصير يُلبس فوق الخف (١).
واستدلوا بأن حكم الخفين حكم الخف الواحد، والحاجة تدعو إليه، خاصة في البلاد الباردة، فدل ذلك على الجواز، والله أعلم.
القول الآخر: لا يجوز المسح على أعلى الخفين، وهذا قول مالك في رواية وقول الشافعي في الجديد (٢). واستدلوا بأن الرخصة وردت في المسح على الخفين.
واعترض عليه بأنه لا فارق بين خف وخفين، والحاجة تدعو إليه.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز المسح على أعلى الخفين، والله أعلم.
المبحث السابع: إذا لبس خفًّا، ثم مسح عليه، ثم أحدث ثم لبس خفًّا فوقه، هل يمسح على الأعلى؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يمسح إلا على الأسفل، وبه قال الحنفية والمالكية وقول للشافعية والحنابلة (٣).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، وهذا لبس الخف
стр. 425
الأعلى وهو محدث فلا يجوز المسح عليه.
أما إذا لبس خفين فوق بعض ثم مسح على الأعلى فإذا نزع الأعلى هل يمسح على الأسفل؟
فالجواب: لا يمسح عليه؛ لأن خلع الأعلى يبطل المسح على الأسفل لأن حكم المسح تعلق به.
المبحث الثامن: هل المسح على الخفين رافع أم مبيح؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المسح على الخفين رافع للحدث (١).
واستدلوا لذلك بما روى مسلم عن ابن عُمَرَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (٢)، فإذا كانت لا تُقبل صلاة بغير طهور، فإذا كان ماسح الخفين صلاته صحيحة فدل ذلك على أن المسح على الخفين رافع للحدث.
القول الآخر: ذهب المالكية إلى أن المسح على الخفين مبيح وليس رافعًا (٣).
واستدلوا بأن المسح على الخفين مبيح كالتميم.
والراجح: أن المسح على الخفين رافع للحدث؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ». فالمسح على الخفين كغسل الرجلين، والله أعلم.
стр. 426
الفصل الخامس
مبطلات المسح على الخفين
المبطل الأول: إذا خلع خفيه وهو على طهارة المسح وقبل تمام المدة، فهل ينتقض وضوءه بمجرد خلع الخفين، أم أنه على طهارة حتى يحدث؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب ابن حزم وابن تيمية إلى أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين، فهو على طهارة ما لم يُحْدث (١).
واستدلوا بما روى أبو ظَبيان قال: «رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَ النَّاسِ» (٢).
واستدلوا بأن الرجل إذا تطهر ومسح على خفيه فخلع الخفين ليس بحدث حتى يعتبر ناقضًا للطهارة.
القول الثاني: تبطل طهارته، وهو قول للشافعي والمشهور عن الحنابلة (٣).
واستدلوا بالمأثور والمعقول:
أما دليلهم من المأثور، فعَنْ مَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ قَالَا: إِذَا مَسَحَ ثُمَّ خَلَعَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ (٤).
стр. 427
وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ (١).
أما دليلهم من المعقول فإن الماسح على الخفين إذا خلعهما وجب عليه غسل الرجلين، وإذا كان يشترط الموالاة فقد انتقض وضوءه.
واعترض عليه: بأنه إذا مسح على رأسه في الوضوء ثم حلق شعره لا ينتقض وضوءه، فكذا المسح على الخفين.
القول الثالث: يجب عليه أن يغسل قدميه إذا خلع الخفين ولا تُشترط الموالاة، وبه قال الحنفية، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بما روى يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ابْنَ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فِي الرَّجُلِ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ، قَالَ: يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ (٣). واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ .
والراجح: أن من توضأ ثم مسح على خفيه ثم خلع الخفين فهو على طهارة ما لم يُحْدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، وصح عن عليّ أنه خلع الخفين وصلى ولم يتوضأ، وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أُمرنا باتباع سنتهم، والله أعلم.
المبطل الثاني: انتهاء مدة المسح.
تنتهي مدة المسح بعد يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
فإذا انقضت مدة مسحه ولم يحدث، فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى ينتقض، وهذا قول ابن حزم وابن تيمية (٤).
стр. 428
وقول عند الشافعية أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحْدث فعليه نزع خفيه وغسل القدمين (١).
وذهب الشافعية في قول والحنابلة أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يُحدث فعليه نزع خفيه وقد انتقض وضوءه (٢).
والراجح: أنه إذا انقضت مدة المسح ولم يحدث فعليه نزع خفيه وهو على وضوئه حتى يحدث؛ لأن خلع الخفين ليس بحدث، والله أعلم.
المبطل الثالث: يبطل المسح مع وجود الحدث الأكبر.
قال النووي: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا (٣).
وقال ابن قدامة: وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا (٤).
* * *
стр. 429
الفصل السادس أحكام المسح على العمامة والجبيرة
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: حكم المسح على العمامة.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: جواز المسح على العمامة وهو المشهور عن الحنابلة والظاهرية (١).
واستدلوا بما روى مسلم عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْن (٢).
وعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» (٣).
стр. 430
وروى مسلم عن بلال أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ (١).
واستدلوا بحديث ثَوْبَانَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».
واستدلوا بحديث سلمان قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهِ وَخُفَّيْهِ» (٢).
стр. 431
واستدلوا بالمأثور: فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ غُسَيْلَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ» (١).
وَعَنْ سُوَيْدِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِنْ شِئْتَ فَامْسَحْ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَانْزِعْهَا» (٢).
قال ابن المنذر: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَلِقَوْلِهِ: «إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ رَشَدُوا»، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي» (٣).
وَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ أَنَسًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» (٤).
وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ» (٥).
القول الآخر: ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية (٦).
واستدلوا بالكتاب والسنة والمأثور:
أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والعمامة ليست رأسًا فيمسح عليها.
واعترض عليه: فكما أن المسح على الخفين لا ينافي غسل الرجلين فكذا المسح على العمامة لا ينافي المسح على الرأس، بل هي رخصة ثبتت عن رسول الله ﷺ والنبي هو المبين لكلام الله ومفسر له.
стр. 432
أما دليلهم من السنة: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ» (١).
وجه الدلالة: أن الرسول لم يمسح على العمامة ومسح مقدمة رأسه.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله.
الثاني: وإن صح فإنه لا يعارض المسح على العمامة؛ لأن المسح ليس بفرض، ولكن المتطهر إن شاء مسح برأسه وإن شاء مسح على عمامته، كالماسح على الخفين، المتطهر بالخيار إن شاء غسل رجليه وإن شاء مسح على خفيه (٢).
أما دليلهم من المأثور: فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (٣).
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ: «أَمِسَّ الْمَاءَ الشَّعْرَ» (٤).
стр. 433
قلت: ليست هذه الآثار صريحة في المنع من المسح على العمامة.
قال ابن المنذر: وَلَيْسَ فِي إِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ لَوْ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ لَرَجَعَ إِلَيْهَا، بَلْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَظُنَّ مُسْلِمٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِالْقَوْمِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَمَا لَمْ يَضُرَّ إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، ولم يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ إِذَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، كَذَلِكَ لَا يُوهِنُ تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ.
المبحث الثاني: المسح على القلانس:
قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة. وقد روينا عن أنس أنه مسح عليها (١).
قلت: هذا إجماع منخرم فقد وردت رواية عن أحمد بالمسح على القلنسوة.
والراجح: عدم المسح على القلانس؛ لأن القلنسوة لم يرد فيها نص صحيح بجواز المسح عليها، وكذا فإنها سهلة الخلع، فلا تقاس على العمامة، والله أعلم.
المبحث الثالث: في حكم المسح على الجبيرة.
اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب المسح على الجبيرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد من
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ (١).
وعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ».
القول الثاني: أن صاحب الجبيرة يكفيه التيمم ولا يمسح عليها، وهو قول للشافعية (٢).
واستدلوا بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي شِتَاءٍ فَسَأَلَ فَأُمِرَ بِالْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا لَهُمْ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ الله - ثَلَاثًا - قَدْ جَعَلَ الله الصَّعِيدَ - أَوْ: التَّيَمُّمَ - طَهُورًا»، شَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدُ (٣).
القول الثالث: أنه لا يجب على صاحب الجبيرة المسح ولا التيمم، وبه قال ابن حزم.
والراجح: قول جمهور العلماء، أي أنه يمسح على الجبائر، والله أعلم.
стр. 436
حاصل ما ورد في المسح على الخفين
١ - لقد رفع الله الحرج عن أمة خير المرسلين، فسَهَّل عليهم شرائع الدين، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان وفي البلاد الباردة والأيام الشتوية الحالكة، فإذا لبس المرء خفين أو جوربين فإنه يجوز المسح عليهما؛ لرفع الحرج والمشقة عن المكلفين، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - ذُكر المسح على الخفين في كتب العقيدة؛ لأن الشيعة الرافضة المبتدعة لا يمسحون على الخفين بالرغم من ثبوت المسح على الخفين عن عليّ بن أبي طالب، وكذا ثبت النهي عن نكاح المتعة عن عليّ ﵁، ومع ذلك يبيحون نكاح المتعة، فتبين من ذلك أنهم لا يتبعون عليًّا ولا آل البيت الطيبين، إنما يتبعون سنة الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٢٨﴾ [الأعراف].
٣ - الخف: ما يُلبس في الرجل من الجلد، والجورب ما يُلبس من الصوف.
٤ - يجوز المسح على الخفين بالنصوص المستفيضة، فعن مغيرة قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
٥ - يجوز المسح على الجورب لأنه لا فرق بينه وبين الخف.
٦ - ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز المسح على النعلين. واستدلوا بأن الأصل غسل الرجلين كما ورد في القرآن، والنعال لا تقاس على الخفين؛ لأن النعال لا تستر محل الفرض فتكون تحت الكعب.
* * *
стр. 437
خلاصة الفصل الثاني
شروط المسح على الخفين
الشرط الأول: طهارة الخف فلا يصح المسح على خف نجس.
الشرط الثاني: يشترط لبس الخف على طهارة مائية، أما إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فإذا وجد الماء فلا يمسح على خفه.
الشرط الثالث: يشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة، فإذا توضأ وبعد غسل رجله اليمني لبس فيها الخف ثم اليسرى، فطهارته صحيحة، ولكن إذا أحدث وأراد أن يتوضأ فليس له أن يمسح على الخفين لأنه يشترط أن يلبسه بعد الانتهاء من الوضوء تمامًا.
الشرط الرابع: إذا كان سليم القدمين فإنه يمسح على الخفين معًا، فلو غسل رجلًا ومسح على الأخرى لا يجزئ:
الشرط الخامس: يشترط ثبوت الخف على القدم، فإن سقط عن محل الفرض فلا يمسح عليه.
* * *
стр. 438
خلاصة الفصل الثالث
ما لا يُشترط في المسح على الخفين
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: لا يُشترط أن يكون الخف مباحًا، فلو كان الخف محرمًا أو مغصوبًا فإنه يجزئ المسح عليه مع الإثم.
المبحث الثاني: لا يُشترط كون الخف ساترًا لما يجب غسله بل ما يطلق عليه خف يجزئ المسح إذا كانت الفتوق يسيرة.
المبحث الثالث: لا يُشترط إمكان متابعة المشي على الخف حتى يمسح عليه.
المبحث الرابع: لا يُشترط أن يكون الخف من جلد، بل يجوز أن يكون من صوف أو غير ذلك.
* * *
стр. 439
خلاصة الفصل الرابع
صفة المسح على الخفين
١) المقدار المجزئ في المسح على الخفين مسح أكثر الخف لأن الأحاديث وردت مطلقة غير مقيدة، واستيعاب ظاهر الخف فيه مشقة وعنت خاصة وأن المسح بالأصابع فلايمكن الاستعاب، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
٢) لا يمسح أسفل الخف بل يمسح أعلاه لما ورد عن عليّ: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ».
٣) يمسح على الخفين معَا كالأذنين؛ لعموم ما ورد عن النبي ﷺ «فمَسَح عَلَيهِمَا» أي معًا كالأذنين، لا يقدم اليمنى على اليسرى، ولو قَدَّم النبي ﷺ اليمنى على اليسرى لذكر ذلك التفصيل صحابته الكرام.
٤) ابتداء مدة المسح من أول مسح بعد الحدث.
٥) مدة المسح، روى مسلم في صحيحه: عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
٦) مقدار السفر الذي يسوغ معه المسح.
يباح المسح في كل ما يطلق عليه سفر لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وأطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.
وقال شيخ الإسلام: ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.
стр. 440
٧) سفر المعصية هل يمسح فيه على الخفين أم لا؟ هذا لا يخلو من حالين:
الأول: ما قاله النووي: أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ
الحال الثاني: إذا سافر لقطع طريق أو غيره من سفر المعصية فإنه لا يمسح على الخفين بغير خلاف.
خلاصة الفصل الخامس
مبطلات المسح على الخفين
١) خلع الخفين: من توضأ ثم مسح خفيه ثم خلعهما فهو على طهارة ما لم يُحْدث، وصح عن عليّ أنه تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَخَلَعَهُمَا، ثم تقدم فَأَمَّ الناس، ودل ذلك على أن خلع الخفين ليس بحدث حتى ينقض الوضوء.
٢) انتهاء مدة المسح.
٣) يُبطل المسحَ الحدثُ الأكبر بالإجماع فلا يجزئ المسح في جنابة ولا في غسل مستحب.
* * *
стр. 441
الباب الثامن الغسل
وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول: موجبات الغسل.
الفصل الثاني: فروض الغسل.
الفصل الثالث: آداب الغسل.
الفصل الرابع: صفة غسل الجنابة.
الفصل الخامس: ما يحرم على الجنب.
الفصل السادس: ما لا يحرم على الجنب.
الفصل السابع: ما يستحب وما يكره وما يباح للجنب.
الفصل الثامن: الأغسال المستحبة.
стр. 442
الفصل الأول
موجبات الغسل
الموجب الأول: نزول المني.
الموجب الثاني: الجماع.
الموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا.
الموجب الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.
стр. 443
الفصل الأول
موجبات الغسل
الموجب الأول: نزول المني، وفيه ستة مطالب:
المبحث الأول: خروج المني، وفيه مطالب:
المطلب الأول: خروج المني دفقًا بلذة يوجب الغسل بالإجماع.
قال ابن قدامة: خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِشَهْوَةٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فِي يَقَظَةٍ أَوْ فِي نَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (١). قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (٢).
المطلب الثاني: خروج المني حال النوم:
من انتبه من نومه فرأى منيًّا، اغتسل بالإجماع.
قال ابن نجيم: يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا (٣).
قال الإمام مالك: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَرَأَى بَلَلًا عَلَى فَخِذَيْهِ، وَفِي فِرَاشِهِ، قَالَ: يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَذْيًا تَوَضَّأَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا اغْتَسَلَ (٤).
وفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ» (٥).
стр. 444
المطلب الثالث: إذا رأى في منامه احتلامًا ولم يجد بللًا؟
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ (١) ونَقَل الإجماع ابن الهمام (٢).
قلت: ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد وردت رواية عن أحمد بوجوب الغسل.
واستدلوا لذلك بأن العبرة بانتقال المني مع اللذة.
وهذا القول منتقض بأن العبرة بخروج المني كما أن العبرة بخروج الريح ليس بتحركه، وعموم حديث أم سليم قالت: هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ».
المطلب الرابع: خروج المني بغير شهوة:
اتفق العلماء على أن المني إذا خرج دفقًا بلذة وجب الغسل.
واختلفوا في خروج المني بغير شهوة لعلة أو مرض:
فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الغسل إلا إذا خرج دفقًا بشهوة (٣).
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. فإذا خرج بدون دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد.
واستدلوا بما روى أحمد عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إِذَا خَذَفْتَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» (٤).
стр. 445
واعترض عليه بأن هذه الرواية شاذة، تفرد بذكرها بعض الرواة عن عليّ، وأما الأثبات الثقات عن عليّ مثل محمد بن الحنفية، وابن عباس، وعائش بن أنس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وغيرهم، فرووه عن عليّ بلفظ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ.
وذهب الشافعي إلى أن خروج المني بدفق أو بغيره وسواء بلذة أم بغير لذة -يوجب الغسل (١).
واستدلو لذلك بما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، فإذا نزل ماء المني بشهوة أو بغير شهوة وجب عليه أن يغتسل بالماء لكي يصلي، وكذا لو استيقظ من نومه فوجد بللًا أي منيًّا ولا يدري هو بشهوة أو بغيرشهوة، وجب عليه الغسل.
واعترض عليه بأن الأصل أن المني الذي يخرج عند الاحتلام وغيره يكون دفقًا والحكم للغالب.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن الذي يوجب الغسل هو الماء الدافق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، والله أعلم.
المطلب الخامس: هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج؟
ذهب أبو حنيفة والمشهور عند المالكية أنه لا يُشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فإذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة وجب الغسل؛ لأن العبرة بوجود اللذة وخروج المني، فإن وجدت اللذة حال انتقال المني، وخرج المني بعد ذلك فقد وجب الغسل (٢).
стр. 446
وذهب أبو يوسف وقول للمالكية إلى أنه يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج (١).
واستدلوا بأن العبرة بنزول المني في حالة الشهوة، أما لو نزل بعد ذلك فهو يشبه المذي.
وذهب الحنابلة إلى أنه يجب الغسل إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة ولو لم يخرج (٢).
واعترض عليه بأن العبرة بخروج المني كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.
قال ابن قدامة: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ، بِقَوْلِهِ: «إذَا رَأَتِ الْمَاءَ» «إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ» فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ (٣).
والحاصل: أن المني إذا خرج مقرونًا بلذة فإنه يجب عليه الغسل بالإجماع، وأما إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة فعليه الاغتسال.
وأما قول من قال: (العبرة بانتقال المني من مكانه ولو لم ينزل)، فهذا قول ضعيف لأن العبرة بنزول المني بلذة كما أنه لا عبرة بتحرك الريح في البطن إلا بخروجه.
المطلب السادس: إذا شك هل هو مني أو مذي؟
من انتبه من نومه فوجد بللًا في ثوبه أو بدنه فشك هل هو مني أو مذي، وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. وهذا هو قول الحنفية والمالكية (٤).
وذهب الشافعية إلى أن من انتبه من نومه فوجد بللًا وشك هل هو مني أو مذي، لا يجب عليه الغسل مطلقًا (٥).
وذهب الحنابلة إلى أن من رأى بللًا وشك هل هو مني أو مذي، فإن لم يتقدم نومه سبب من نظر
стр. 447
أو فكر أو مداعبة أو انتشار لم يجب عليه الغسل، وإن تقدم سبب من ذلك وجب عليه الغسل (١).
الراجح: أنه يستحب له الغسل ولا يجب حتى يتيقن أنه مني أو يغلب على ظنه.
الموجب الثاني: الجماع، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: التقاء الختانين.
اتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان ونزل المني فقد وجب الغسل، وذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل (٢).
واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ» (٣). وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (٤).
وذهب داود الظاهري إلى أن من جامع فلم ينزل فليس عليه إلا الوضوء.
واستدل لذلك بما ورد في الصحيحين عن أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» (٥).
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ»، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ» (٦).
وروى مسلم عن أبي سعيد: قَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ،
стр. 448
مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١).
واعترض بأن هذه الأدلة نُسخت، دل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أُبَيّ بْن كَعْبٍ، «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» (٢).
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم يُنزل.
واستدلوا لذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ»، وزاد مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
وأما الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن من جامع ولم يُنزل فلا غسل عليه وإنما عليه الوضوء، فهي منسوخة بما رواه أبو داود بإسناد صحيح: «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ، أَنَّ الْمَاءَ مِنَ المَاءِ، كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ».
المطلب الثاني: يُشترط إيلاج الَحشَفة كاملة:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يشترط إيلاج الحشفة كاملة لوجوب الغسل بالتقاء الختانين (٣). دل علاه عموم قول النبى ﷺ : «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ».
قال النووي: أَمَّا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَالْمُرَادُ بِإِيلَاجِهَا إدْخَالُهَا بِكَمَالِهَا فِي فَرْجِ حَيَوَانٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَيَجِبُ الْغُسْلُ (٤).
стр. 449
وذهب بعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أنه يجب الغسل بإيلاج بعض الَحشَفة (١).
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أن التقاء الختانين هو تغييب الحَشَفة كاملة في الفرج.
المطلب الثالث: الإيلاج في الدبر:
ذهب جمهور العلماء إلى أن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل (٢).
واستدلوا بعموم قوله تعالى عن قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في القُبل: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فإذا كان الإيلاج في القبل فاحشة ويوجب الغسل، فكذا الإتيان في الدبر فاحشة ويوجب الغسل.
واعترض على هذا الاستدلال بأن الفاحشة قد تطلق على ما لا يوجب الغسل اتفاقًا. وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة وقد أطلق على ذلك فاحشة، روى الطبري عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨]: «فَاحِشَتُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً». قلت: والذي يطوف عريانًا لا يجب عليه الغسل اتفاقًا.
واعترض عليه بأنه ورد في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تَطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وذهب ابن حزم إلى أن الإيلاج في الدبر لا يوجب الغسل (٣)، وحكى الدسوقي قولًا شاذًّا لمالك (٤).
واستدلوا بأنه لم يأتِ نص من قرآن ولا سنة يوجب الغسل من الإيلاج في الدبر، وجاءت النصوص بالغسل من التقاء الختانين، وما كان ربك نسيًّا.
стр. 450
واعترض عليه بأن الإيلاج في الدبر محرم، والنص ورد في الموضع المعتاد، ولا يمنع ذلك أن الوطء في الدبر يوجب الغسل.
والراجح: أن الإتيان في الدبر محرم، ولو فعل فيجب عليه الغسل، والله أعلم.
المطلب الرابع: إذا أولج ذكره في فرج مع وجود حائل:
لو لف على ذكره كيسًا أو واقيًا وأدخله في فرج، فهل يجب عليه الغسل؟
اختلف أهل العلم فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب الغسل مطلقًا، وهو قول لبعض المالكية ووجه عند الشافعية وقول عند الحنابلة (١).
واستدلوا بأن العبرة بالتقاء الختانين، سواء بعازل أو بغير عازل.
القول الثاني: لا غسل عليه مطلقًا، وهو وجه عند الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بأن الإيلاج وقع على العازل ولم يمس الختان الفرج.
القول الثالث: إذا كان الحائل رقيقًا وجب الغسل، وإذا كان غير رقيق لم يجب، وهو قول عند المالكية ووجه عند الشافعية (٣).
والراجح: أنه إذا حدث إيلاج بعازل أو بغير عازل فإنه يجب الغسل؛ لأنه تحصل به اللذة والاستمتاع، والله أعلم.
الموجب الثالث: من موجبات الغسل: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب غسله، وبه قال الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (٤).
стр. 451
واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» (١).
وفي الصحيحين من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٢).
قال الكاساني: لقد غُسل أشرف الخلق على الله ، وأمر رسول الله ﷺ بتغسيل ابنته، وغُسل أبو بكر بعده، والناس يتوارثونه خلفًا عن سلف، ولم ينقل أحد من المسلمين أنه مات فدُفن من غير غسل إلا الشهداء (٣).
وقد نقل الإجماع على وجوب غسل الميت غير واحد من أهل العلم:
قال ابن الهمام: وغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ (٤).
وقال النووي: وَغُسْلُ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (٥).
وقد أنكر الحافظ ابن حجر دعوى الإجماع على النووي فقال: وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ (٦).
واستدلوا بقوله ﷺ في حديث أم عطية: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ». قوله ﷺ : «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» استدلوا به على سنية الغسل.
стр. 452
واعترض عليه بأنَّ «إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» إن كان يحتمل معناه إن رأيتن الغسل فإن المعنى الأرجح إن رأيتن الزيادة في العدد؛ هو قول جمهور العلماء. والراجح: هو وجوب غسل الميت.
الموجب الرابع من موجبات الغسل انقطاع الحيض والنفاس:
دل على ذلك القرآن والسنة: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فلا يجوز إتيان الحائض والنفساء إلا بشرطين: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي انقطاع الدم، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإذا اغتسلن من الحيض أو النفاس.
وروى البخاري من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
فقوله ﷺ : «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» دليل على وجوب الغسل من الحيض، فإذا انقطع دم الحيض والنفاس وحضرت الصلاة وجب الاغتسال، وذلك لأداء الصلاة لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
قال النووى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ (١).
* * *
стр. 453
الفصل الثاني فروض الغسل
وهي ثلاثة
الفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه:
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يُرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق (١).
وقال في موضع آخر: وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَالطَّهَارَةُ عَلَى ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ بِكُلِّ مَاءٍ إِلَّا مَاءً مَنَعَ مِنْهُ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَالْمَاءُ الَّذِي مَنَعَ الْإِجْمَاعَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِلَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ (٢).
الفرض الثاني: النية:
ذهب جمهور العلماء إلى أن النية شرط لصحة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر (٣).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وبعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
стр. 454
وذهب الحنفية (١) إلى أن النية سنة.
وسبب اختلافهم ما قاله ابن رشد: تَرَدُّدُ الْوُضُوءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَحْضَةً - أَعْنِي: غَيْرَ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ فَقَطْ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا- وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْعِبَادَةَ الْمَفْهُومَةَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْوُضُوءُ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْعِبَادَتَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْمَعُ عِبَادَةً وَنَظَافَةً، وَالْفِقْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِأَيِّهِمَا هُوَ أَقْوَى شَبَهًا فَيُلْحَقَ بِهِ (٢).
الفرض الثالث: تعميم الجسد بالماء:
اتفق العلماء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل.
نقل الإجماع على ذلك النووي (٣) وغيره لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته الجنابة: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ».
* * *
стр. 455
الفصل الثالث آداب الغسل
وفيه مبحثان
المبحث الأول: عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء
والغسل.
المبحث الثاني: وجوب ستر العورة وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس.
المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة.
المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.
المطلب الرابع: حكم دخول الحمام.
المطلب الخامس: هل يقاس حكم المَصِيف على حكم الحمامات؟
стр. 456
المبحث الأول
عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء والغسل
قال النووي: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَمِّ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي: حَرَامٌ (١).
وقال في موضع آخر: وَالْإِسْرَافُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ (٢).
واتفق العلماء على أنه لا يُشترط قدر معين في ماء الغسل.
قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لا يُشترط فِيهِ قَدْرٌ مُعِينٌ، بَلْ إذَا اسْتَوْعَبَ الْأَعْضَاءَ كَفَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ (٣).
وإذا كان لا يُشترط قدر معين في الغسل، فهل يستحب أن يغتسل بالصاع؟
ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب الغسل بالصاع (٤).
وذهب الحنفية إلى أن أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع (٥).
واستدلوا بما روى البخاري من طريق أَبي جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: «يَكْفِيكَ صَاعٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي.
стр. 457
فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ» ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ (١).
وروى مسلم من حديث سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (٢).
وذهب المالكية إلى أنه لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا.
واستدلوا بأن الأحاديث التي وردت عن رسول الله ﷺ في مقدار الماء الذي يغتسل به مقادير متفاوتة، فدل ذلك على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المراد هو إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء.
روى مسلم من حديث عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» (٣).
وروى مسلم عن سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (٤).
وفي الصحيحين من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» (٥).
وفي الصحيحين عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ» (٦). قال ابن عيينة والشافعي: هو ثلاثة آصع (٧).
стр. 458
ففي هذه الأحاديث ما يدل على أنه لا يستحب مقدار معين في الغسل.
قال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا على أَنَّ الْمَاءَ لَا يُكَالُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ، مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْفَرَقِ - لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُكَالُ (الْمَاءُ) لِوُضُوءٍ وَلَا لِغُسْلٍ، لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يُتَجَاوَزُ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا مَا كَرِهُوا الْكَيْلَ بَلْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلَا يَكْرَهُونَهُ (١).
وقال ابن حجر: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، كَابْنِ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (٢).
والراجح: أن مقدار الماء الذي يغتسل به ليس له حد معين، بل يختلف باختلاف الأشخاص وعلى حَسَب وجود الماء من عدمه، والإسراف نسبي، بل المراد إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء، والله أعلم.
* * *
стр. 459
المبحث الثاني
وجوب ستر العورة
وفيه خمسة مطالب
المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس:
ستر العورة عن نظر الأجانب واجب، وكَشْف العورة لناظر من غير حاجة محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (١).
قال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (٢).
المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة:
اختلف أهل العلم في حكم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة على قولين:
القول الأول: يحرم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة وهو قول في مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية والمشهور عند الحنابلة (٣).
واستدلوا بما روى أحمد من حديث بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنِ
стр. 460
اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (١).
قال ابن حجر: حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا.
قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة كما يكون عند خروج الحاجة فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة (٢).
القول الآخر: ذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية إلى أنه يُكره كشف العورة من غير حاجة (٣). واستدلوا بأن عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح النظر إلى عورة زوجته وما ملكت يمينه، فعورته أَوْلى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل حتى لا يكون وسيلة في الوقوع في المحرم، وهذا منتفٍ في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ : «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ».
والراجح: القول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا، والله أعلم.
المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا:
ذهب جماهير العلماء إلى جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا (٤).
وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﷺ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ!! فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ،