← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المبحث الأول عدم الإسراف في الماء مع إسباغ الوضوء والغسل قال النووي: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَمِّ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي: حَرَامٌ (١). وقال في موضع آخر: وَالْإِسْرَافُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ (٢). واتفق العلماء على أنه لا يُشترط قدر معين في ماء الغسل. قال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لا يُشترط فِيهِ قَدْرٌ مُعِينٌ، بَلْ إذَا اسْتَوْعَبَ الْأَعْضَاءَ كَفَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الطَّبَرِيُّ (٣). وإذا كان لا يُشترط قدر معين في الغسل، فهل يستحب أن يغتسل بالصاع؟ ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب الغسل بالصاع (٤). وذهب الحنفية إلى أن أدنى ما يكفي في الغسل من الماء صاع (٥). واستدلوا بما روى البخاري من طريق أَبي جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: «يَكْفِيكَ صَاعٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي.

стр. 457

فَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ» ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ (١). وروى مسلم من حديث سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (٢). وذهب المالكية إلى أنه لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا. واستدلوا بأن الأحاديث التي وردت عن رسول الله ﷺ في مقدار الماء الذي يغتسل به مقادير متفاوتة، فدل ذلك على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المراد هو إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء. روى مسلم من حديث عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» (٣). وروى مسلم عن سَفِينَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (٤). وفي الصحيحين من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» (٥). وفي الصحيحين عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ» (٦). قال ابن عيينة والشافعي: هو ثلاثة آصع (٧).

стр. 458

ففي هذه الأحاديث ما يدل على أنه لا يستحب مقدار معين في الغسل. قال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا على أَنَّ الْمَاءَ لَا يُكَالُ لِلْوُضُوءِ وَلَا لِلْغُسْلِ، مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِحَدِيثِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ وَمَنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْفَرَقِ - لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُكَالُ (الْمَاءُ) لِوُضُوءٍ وَلَا لِغُسْلٍ، لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يُتَجَاوَزُ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا مَا كَرِهُوا الْكَيْلَ بَلْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ اقْتِدَاءً وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلَا يَكْرَهُونَهُ (١). وقال ابن حجر: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، كَابْنِ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (٢). والراجح: أن مقدار الماء الذي يغتسل به ليس له حد معين، بل يختلف باختلاف الأشخاص وعلى حَسَب وجود الماء من عدمه، والإسراف نسبي، بل المراد إحكام الغسل مع عدم الإسراف في الماء، والله أعلم. * * *

стр. 459

المبحث الثاني وجوب ستر العورة وفيه خمسة مطالب المطلب الأول: أن يستتر عن أعين الناس: ستر العورة عن نظر الأجانب واجب، وكَشْف العورة لناظر من غير حاجة محرم بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وروى مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (١). قال النووي: فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ الْعُيُونِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (٢). المطلب الثاني: عدم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة: اختلف أهل العلم في حكم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة على قولين: القول الأول: يحرم كشف العورة في الخلوة من غير حاجة وهو قول في مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية والمشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا بما روى أحمد من حديث بَهْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنِ

стр. 460

اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا». قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (١). قال ابن حجر: حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا. قال الشوكاني: أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة كما يكون عند خروج الحاجة فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج لا حال كونه قائمًا ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة (٢). القول الآخر: ذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية إلى أنه يُكره كشف العورة من غير حاجة (٣). واستدلوا بأن عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح النظر إلى عورة زوجته وما ملكت يمينه، فعورته أَوْلى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل حتى لا يكون وسيلة في الوقوع في المحرم، وهذا منتفٍ في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ : «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ». والراجح: القول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا، والله أعلم. المطلب الثالث: جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا: ذهب جماهير العلماء إلى جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا (٤). وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﷺ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ!! فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ،

стр. 461

فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ!! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَالله مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ!! وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا» (١). فموسى ﵇ كليم الله اغتسل عريانًا. وروى البخاري: من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ» (٢). وجه الدلالة ما قاله الشوكاني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَّ الْقِصَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمَا لِشَرْعِنَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَبَيَّنَهُ (٣). وذهب ابن أبي يعلى إلى أنه لا يجوز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا (٤). واستدل بحديث بهز: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ». واعترض عليه بأن موسى اصطفاه الله بكلامه وبرسالاته اغتسل عريانًا. وأيوب نبي الله الصابر المحتسب اغتسل، وأقرهما خاتم الأنبياء والمرسلين، ودل ذلك على الإباحة. واستدل بما روى ابن عدي عن جابر، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ إِلا بِمِئْزَرٍ فَإِنَّ للماء عامرًا» (٥). واعترض عليه بأن الحديث موضوع. والراجح: مذهب جمهور العلماء، أي جواز كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا.

стр. 462

المطلب الرابع: حكم دخول الحمام (١): اختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام، فمنهم من منع ومنهم من أجاز. وممن حرم دخول الحمام: علي وابن عمر ﴿. فعن عليّ قَالَ: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» (٢). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَا تَدْخُلِ الْحَمَّامَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنَ النَّعِيمِ» (٣). أدلة من قال بجواز دخول الحمام: استدلوا بالسنة: فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! يُنَقِّي الْوَسَخَ. قَالَ: «فَاسْتَتِرُوا» (٤). فأجاز رسول الله ﷺ الحمام مع الاستتار. واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . وأما دليلهم من المأثور: فعن ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ» (٥). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُذْهِبُ الدَّرَنَ، وَيُذَكِّرُ النَّارَ» (٦).

стр. 463

أدلة مَنْ فرَّق فأباح دخول الحمام للرِجال وحرم على النساء: ما رواه الطيالسي عَنْ أَبِي مَلِيحٍ الْهُذَلِيِّ، أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ؟! سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتَ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ» (١). وروى أحمد من حديث عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَآزِرِ (٢). والراجح: أنه قد يكون دخول الحمام محرمًا إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك إذا ترتب عليه تكشف للعورات، وإضاعة للصلوات، وإذا كان فيه اختلاط النساء بالرجال. وقد قالت عائشة: «لَوْ رَأَى رَسُولُ الله ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (٣). فهذا قولها في المساجد التي زجر النبي ﷺ الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فكيف بالحمامات؟! وقد يكون دخول الحمام واجبًا إن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذٍ، وقد يكون مستحبًّا مثل غسل الجمعة إذا لم يوجد مكان غير الحمام، وقد يكون مكروهًا كأن يترتب عليه الوقوع في بعض المكروهات كالإسراف في الماء. المطلب الخامس: هل يقاس حكم اَلِمصيف على حكم الحمامات؟ يحرم المكث في المصيف إذا كان فيه إضاعة للصلوات وتكشف للعورات واختلاط للنساء بالرجال وسماع للموسيقى. وإذا كان هذا المصيف ليس فيه إضاعة للصلوات ولا ارتكاب للمحرمات ولا تكشف للعورات ولا اختلاط الرجال بالنساء، أبيح.

стр. 464

الفصل الرابع صفة غسل الجنابة وفيه تسعة مباحث المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل. المبحث الثاني: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال. المبحث الثالث: سنن قبل الوضوء: السنة الأَولى: غسل اليدين بعد غسل الفرج وقبل الوضوء. وهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟ السنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل. المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة: وفيه أحد عشر مطلبًا: المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين فيستحب تأخيرهما بعد الغسل. المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟

стр. 465

المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا، وغسل الرأس ثلاثًا. المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل. المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟ المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة: المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟ المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس. المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟ المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟ المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال. المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات. المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين. المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة. المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل.

стр. 466

الفصل الرابع صفة غسل الجنابة وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: حكم التسمية في أول الغسل: اختلف العلماء في حكم التسمية في بداية الغسل على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة (١). واستدلوا بما روى أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ الله، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ» (٢). واعترض على هذا الحديث من وجهين: الأول: أن هذا الحديث ضعيف. الثاني: لو صح فهو حديث عام وليس كل عبادة تُشرع فيها التسمية، فقد تكون التسمية بدعة كالتسمية في الأذان وفي الإقامة وفي الحج والعمرة، وقد تكون التسمية شرطًا كالتسمية للذبح، وقد تكون مستحبة كما في قراءة القرآن وفي بداية الأكل، فليس كل فعل تُشرع فيه التسمية (٣). واستدلوا بأن التسمية مستحبة في الطهارة الصغرى فكانت مستحبة في الطهارة الكبرى

стр. 467

وقد قال ﷺ : «وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ». واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله. القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى وجوب التسمية للغسل (١). القول الثالث: لا تستحب التسمية للجنب. وهو وجه عند الشافعية (٢). واستدلوا بأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة الغسل لم تذكر فيها التسمية، ولو كانت التسمية مستحبة لذكرت في صفة الغسل وما كان ربك نسيًّا. والراجح: أن التسمية لا تستحب في الغسل لعدم ثبوت التسمية في الغسل، مع أن الغسل يتكرر من النبي وقد حكت أمهات المؤمنين صفة غسل النبي الأمين، فلما لم تُذكر التسمية عن النبي الأمين ولاالصحابة الغر الميامين دل ذلك على أنها لا تستحب. المبحث الثانى: يُسن غسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال: دل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ» (٣). فيسن غسل فرجه قبل الاغتسال. قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٤). المبحث الثالث: سنن وآداب قبل الوضوء: السنة الأَوْلى: غسل اليدين قبل الاستنجاء. روى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى

стр. 468

الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. فدل هذا الحديث أن غسل الكفين يكون عند ابتداء الغسل وقبل الاستنجاء، وفي هذا الحديث أن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج بلفظ (ثم) وهي تفيد الترتيب. وقد ورد عند البخاري أيضًا من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ الله ﷺ وُضُوءهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ. وهنا إشكال وهو أنا ذكرنا آنفًا أن غسل الفرج قبل الوضوء وفي هذا الحديث ذكر غسل الفرج بعد الوضوء. وأجاب عن هذا الإشكال ابن حجر فقال: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِأَنَّ غَسْلَ الْفَرْجِ كَانَ قَبْلَ الْوُضُوءِ إِذِ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ السَّتْرِ فِي الْغُسْلِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا غَسْلَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ غَسْلَ الْفَرْجِ ثُمَّ مَسْحَ يَدَهُ بِالْحَائِطِ ثُمَّ الْوُضُوءَ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (١). وهل يغسل يديه أو اليمنى فقط؟ يغسل يديه كلتيهما، وبهذا قال جماهير أهل العلم، ودلت على ذلك السنة. ورجح بعض المالكية غسل يده اليمنى فقط. واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول: أما السنة: ففي البخاري من حديث ميمونة: «فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ». فهذا يعني غسل اليمنى فقط. واعترض عليه من وجهين: الوجه الأول: أن أكثر الروايات عن ميمونة «صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا».

стр. 469

ولو أسقطنا حديث ميمونة للخلاف فيه، فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ» (١). الوجه الثاني: أن كلمة (يده) مفرد مضاف فتعم كلتا يديه. أما المأثور: فعن ابْنِ عُمَرَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَهَا (٢). واعترض بأن أثر الصحابي يسقط الاستدلال به إذا صح الحديث بخلافه. أما دليلهم من المعقول فهو ما قاله الباجي: وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا، وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ (٣). واعترض عليه بأنه لا قياس مع النص. والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، أي أنه يغسل يديه كلتيهما قبل الوضوء وقبل غسل الفرج. السنة الثانية: استحباب غسل الكفين في ابتداء الغسل: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة من مرة إلى ثلاث مرات، وعلى ذلك دلت النصوص، وبه قال الأئمة الأربعة (٤). وروى أحمد أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ أَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى،

стр. 470

فَغَسَلَهَا سَبْعًا، قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ (١). واعترض عليه بأن إسناده لا يصح. المبحث الرابع: استحباب الوضوء في غسل الجنابة وفيه أحد عشر مطلبًا: المطلب الأول: يستحب الوضوء في غسل الجنابة. ذهب جمهور العلماء إلى أن الوضوء في غسل الجنابة سنة (٢). واستدلوا بأن النبي ﷺ قال للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (٣)، فأمره النبي ﷺ بإفراغ الماء على بدنه، ولو كان الوضوء واجبًا لأمره به. وقال النبي ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (٤)، ولم يذكر لها الوضوء، ولو كان واجبًا لأمرها به (وإنما) تدل على الحصر. قال القرافي: اتَّفَقَ أئمَّةُ الْفِقْهِ عَلَى أَنَّ الوُضُوء غَيْرُ وَاجِبٍ سَوَاءٌ طَرَأَتِ الْجَنَابَة على الْحَدث أَوْ الطَّهَارَة، إِلَّا الشَّافِعِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ الْجَنَابَةِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِدُخُولِهِ مَعَهُ إِذَا اجْتمعَا أَوْ سبقت الْجَنَابَة فَكَذَلِك هَهُنَا، وَلِأَنَّ الْكُبْرَى تَدْخُلُ فِي الْكُبْرَى فَالصُّغْرَى أَوْلى (٥). وذهب داود الظاهري وأبو ثور ورواية عن أحمد (٦) إلى أن الوضوء شرط لصحة الغسل، وهو قول ضعيف. واعترض عليه بما سبق من أدلة الجمهور.

стр. 471

وقد حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء (١). والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من سنية الوضوء عند غسل الجنابة. المطلب الثاني: يستحب تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين فيستحب تأخيرهما بعد الغسل. وعلى ذلك دلت السنة: روى البخاري عن ابن عباس عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ». ومن العلماء من رأى غسل الرجلين مع الوضوء. واستدلوا بما رُوي في الصحيحين عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ (٢). فدل ذلك على أن غسل الرجلين كان مع الوضوء. فالسنة تقديم الوضوء على الغسل إلا الرجلين، لكنه مخير بين تأخير غسل الرجلين إلى نهاية الغسل، أو غسل الرجلين مع الوضوء، فكل ذلك من السنة للجمع بين الأدلة. المطلب الثالث: إذا اغتسل بدون وضوء فهل يرتفع الحدث الأصغر؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، وبهذا قال الحنفية والمالكية وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٣). وهو قول ابن تيمية (٤).

стр. 472

واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فأباح الله الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فدل ذلك على أن من اغتسل وهو محدث حدثًا أكبر وأصغر من غير وضوء أن له أن يصلي بهذا الغسل. والقرآن على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة، والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر كما في قصة الرجل الذي أصابته الجنابة قال له النبي ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» (١) ولم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه وله أن يصلي بهذا الغسل ولم يطلب منه الوضوء. وقال الرسول ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (٢).

стр. 473

فاكتفى بالإفاضة ولم يذكر الوضوء (وإنما) للحصر، والطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، ولأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر. القول الثاني: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع. وهذا القول نص عليه أحمد وهو وجه عند الشافعية (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». واعترض عليه بأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر فهذا متضمن لارتفاع الحدث الأصغر. القول الثالث: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ، سواء توضأ قبل الغسل أو توضأ بعده، وهو أحد قولي الشافعي وقول عند الحنابلة (٢). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه يجزئ الغسل عن الوضوء، وقد دل على ذلك القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. وقال النبي ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» ولم يشترط الوضوء. قال شيخ الإسلام: الَّذِينَ نَقَلُوا صِفَةَ غُسْلِهِ كَعَائِشَةَ ﵄ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِهِ ثُمَّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ، وَلَا يَقْصِدُ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْل (٣). وقال ابن حزم: وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ فِيهِمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَهُمَا جَمِيعًا (٤). وفي «الشرح الصغير» قال: وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع (٥).

стр. 474

المطلب الرابع: السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا. اختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة أو ثلاثًا: فذهب جمهور العلماء إلى أنه يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا، وبه قال الحنفية ووجه في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَة بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. وإذا كان يستحب التثليث في وضوء الصلاة، فكذا وضوء الغسل. واستدلوا أيضًا بما روى أحمد: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلًا حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْه (٢). السنة في وضوء الغسل مرة مرة إلا غسل الكفين ثلاثًا، وغسل الرأس ثلاثًا وهو الصحيح.

стр. 475

والقول الآخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قدميه (١). وفي البخاري من حديث عائشة: فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا (٢). وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا (٣). المطلب الخامس: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل مسنونان في الوضوء (٤). واستدلوا بالقرآن والسنة: أما القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والطهارة تشمل جميع البدن ويدخل في ذلك تنظيف الفم بالمضمضة وتنظيف الأنف بالاستنشاق. أما دليلهم من السنة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً (٥). واعترض عليه بأنه باطل.

стр. 476

القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الغسل والوضوء (١). القول الثالث: ذهب المالكية والشافعية إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة (٢): واستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه الرجل الذي أصابته جنابة فأعطاه النبي ﷺ إناء من ماء وقال له ﷺ : «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» فدل ذلك أن تعميم الجسد بالماء مع النية هذا هو الفرض، أما الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق، فهو السنة فهذا هو الراجح. المطلب السادس: هل يستحب غسل الرأس في وضوء الغسل أو المسح؟ قال ابن رجب: غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه (٣). والأحاديث الصحيحة التي وردت في صفة غسل النبي لم يذكر فيها مسح الرأس. وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فذكر وضوء النبي ﷺ من مضمضة واستنشاق وغسل الوجه واليدين، ولم يذكر مسح الرأس، ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه، فدل ذلك على أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل. قال أبو داود: قِيلَ لِأَحْمَدَ: " يَمْسَحُ رَأْسَهُ - أَعْنِي: الْجُنُبَ - إِذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ

стр. 477

يَمْسَحُ، وَهُوَ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ؟! (١). وقال ابن رجب: وأما القول بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًّا، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة، فهذا قد وَروي صريحًا عن ابن عمر ﴿ونص عليه إسحاق بن راهويه، نقله عنه حرب. وقال الكاساني: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّ تَسْيِيلَ الْمَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْطِلُ مَعْنَى الْمَسْحِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ (٢). القول الآخر: يمسح الرأس في وضوء الغسل، وهو قول الجمهور (٣). واستدلوا بما رُوي في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ (٤). قولها: (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أي الوضوء الكامل بما فيه مسح الرأس. واعترض عليه بأن هذا مجمل، فيُحمل حديث عائشة «توضأ وضوءه للصلاة» أنه غسل رأسه كما هو مبين في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه. والراجح: أن السنة غسل الرأس في وضوء الغسل؛ لأن في حديث ميمونة أنه غسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، فبعد غسل اليدين أفاض على جسده أي: غسل رأسه ثم غسل قدميه، وقد رُوي عن الحسن عن أبي حنيفة أن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل المسح، فلم يكن فيه فائدة، والله أعلم.

стр. 478

المطلب السابع: استحباب تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة: في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ الماء عَلَى رَأْسِهِ ..... الحديث. قال ابن رجب: هذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ لم يتنبه لها أكثر الفقهاء مع توسعهم في القول في سنن الغسل وآدابه (١). المطلب الثامن: هل يقاس تخليل شعر اللحية على تخليل شعر الرأس؟ لا يقاس لأنه لم يصح في تخليل شعر اللحية حديث، لكن في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ: (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ الشَعْرِ)، فهذا يدل على أنه ثبت في غسل الجنابة تخليل شعر الرأس ولم يثبت في تخليل شعر اللحية حديث. قال مالك عن تخليل اللحية: ولم يأتِ عن النبي ﵇ أنه فعله في وضوئه، وجاء أنَّه خلل أصول شعره في الجنابة (٢). وهناك قول بوجوب تخليل اللحية في الغسل. قال ابن حبيب: و مَنْ ترك تخليل لحيته في ذلك و أصابع رجليه، لم يُجْزِه (٣). واستدلوا لذلك بما قاله الباجي: قَوْلُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ؛ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَاجِبٌ، وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْبَلَلِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الشَّعْرِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَنِيَابَةُ الْإِبْدَالِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛

стр. 479

وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْغُسْلِ (١). واعترض على القول بالوجوب من وجهين: الأول: عموم قول النبي للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» فدل ذلك على أن الواجب هو إفراغ الماء على البدن مع النية. الثاني: أنه وردت أحاديث كثيرة في صفة غسل النبي ولم يرد فيها تخليل شعر اللحية ولو كان واجبًا أو مستحبًّا لذُكر. المطلب التاسع: استحباب التثليث في غسل الرأس: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التثليث في غسل الرأس، وبه قال الحنفية وقول في مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن عائشة وفيه … ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ غرفات (٣) وفي رواية للبخاري: ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ (٤). وروي مسلم عَنْ جُبَيْرٍ، قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَغْسِلُ رَأْسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ» (٥). وفي لفظ البخاري: «فأفيض على رأسي ثلاثًا» وأشار بيديه كلتيهما (٦). وذهب بعض المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الرأس.

стр. 480

واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ (١). قال القرطبي (المفهم): لا يُفْهَمُ من هذه الثلاثِ حَفَنَاتٍ أنه غسَلَ رأسَهُ ثلاثَ مرَّات؛ لأنَّ التكرارَ في الغُسْلِ غيرُ مشروع؛ لما في ذلك مِنَ المشقة، وإنما كان ذلك العددُ لأنه بدَأَ بجانبِ رأسِهِ الأيمنِ، ثم الأيسَرِ، ثم على وَسَطِ رأسه، كما في حديثِ عائشة. واعترض عليه بما قاله ابن رجب: وهو خلاف الظاهر، والظاهر والله أعلم: أنه كان يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأَولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى. قلت: ولا يمكن حمل قول النبي ﷺ : «أَمَّا أَنَا، فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ» وفي لفظ البخاري «فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا» فأشار بيديه كلتيهما - على مرة واحدة. فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب التثليث في غسل الرأس، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وقد روى مسلم عن عائشة: لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إِفْرَاغَاتٍ (٢). المطلب العاشر: هل تنقض المرأة الضفائر في غسل الجنابة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة لا تنقض ضفائر شعرها في غسل الحيض والجنابة، وبه قال المالكية والشافعية ورواية عن أحمد (٣). واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة: فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ والحيضة؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ

стр. 481

تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». و زيادة: (والحيضة) شاذة (١). واستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا» فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا» فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُور أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ»

стр. 482

فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (١). وجه الدلالة «تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا» فذكر الدلك ولم يذكر النقض، ولو كان نقض الشعر واجبًا لبينه رسول الله لصحابته. أما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ كُنَّ يَغْتَسِلْنَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَلَا يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، وَلَكِنْ يُبَالِغْنَ فِي بَلِّهَا (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ (٣) وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُحِلاَّتٌ وَمُحْرِمَاتٌ (٤). وعَنْ سَالِمٍ، خَادِمِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَجْعَلْنَ رُءُوسَهُنَّ أَرْبَعَ قُرُونٍ، فَإِذَا اغْتَسَلْنَ جَمَعْنَهُ عَلَى وَسَطِ رُءُوسِهِنَّ، وَلَمْ يَنْقُضْنَهُ» (٥). القول الثاني: أن المرأة لا تنقض رأسها في غسل الجنابة ويجب نقض رأسها في غسل المحيض، وهو قول بعض المالكية والمشهور عن الحنابلة والظاهرية (٦). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ؛ فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي

стр. 483

بِحَجٍّ» فَفَعَلْتُ (١). قوله ﷺ : «وَانْقُضِي رَأْسَكِ» دليل على أن المرأة تنقض شعر رأسها عند غسل المحيض. واعترض على هذا الاستدلال بما قاله ابن رجب: وهذا الحديث لا دلالة فيه على واحد مِنْ الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ بهِ لَم يكن مِنْ الحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَدْ انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل (٢). وعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ» (٣). واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله. والراجح أن المرأة لا تنقض ضفائر شعر رأسها لا في غسل الحيض ولا الجنابة. المطلب الحادي عشر: هل يجب غسل ظاهر الشعر فقط أم يجب غسل ظاهره وباطنه؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجب وصول الماء إلى أصول الشعر والمسترسل، وبه قال المالكية والشافعية

стр. 484

والحنابلة في المشهور عنهم (١). واستدلوا لذلك بالسنة: فعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» (٢). واعترض عليه بأنه لا يصح. وعَنْ علي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ» (٣).

стр. 485

القول الآخر: أنه يستحب غسل أصول الشعر والمسترسل ولا يجب، وهو قول الحنفية وبعض الحنابلة (١). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» (٢). ولو كان غسل باطن الرأس واجبًا، لأمر النبي ﷺ أم سلمة بنقض ضفائرها حتى يصل الماء إلى بشرة الجلد التي تحت الضفائر. قال ابن قدامة: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ (٣). قلت: فدل ذلك على أن المطلوب أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات، دل على ذلك ما رواه مسلم عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجَبا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ؟! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَة إِفْرَاغَاتٍ (٤). والنبي ﷺ قال للرجل الذي أصابته جنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، فدل على أن الواجب إفراغ الماء على البدن وتعميم البدن بالماء.

стр. 486

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ. هذا لفظ مسلم (١) أما لفظ البخاري: فكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ. المبحث الخامس: استحباب التيامن في الاغتسال: في الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ (٢). وفي صفة غسل النبي تقديم اليمنى على اليسرى في اليد والرجل، وتقديم الجانب الأيمن في الرأس، وكذا الكتف. وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ فِي شَأْنِهِ كُلِّه (٣). وفي الصحيحين من حديث أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ

стр. 487

بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» (١). فلهذه الأحاديث العامة والخاصة يستحب التيامن في الاغتسال، أي: غسل اليد اليمنى قبل اليسرى، وغسل الجانب الأيمن قبل الأيسر، وكذا التيامن في الغسل كله. وقد وصفت ميمونة وعائشة غسل النبي ﷺ ، وفيه تقديم اليد اليمنى على اليسرى، وتقديم الجانب الأيمن من الرأس، وكذا الكتف الأيمن، وكل ما فيه يمين ويسار فيقدم فيه الأيمن، والله ولي التوفيق. المبحث السادس: حكم غسل البدن ثلاث مرات: اختلف العلماء في حكم غسل البدن ثلاث مرات على قولين: القول الأول: يستحب غسل البدن ثلاث مرات، وهو قول الحنفية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة (٢). قال النووي: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣). واستدلوا لذلك بما روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا (٤). وإذا كان غسل يديه ثلاثًا، فكذا سائر البدن يغسل ثلاثًا. واعترض عليه بأن الصحيح الوارد أن غسل اليدين ثلاثًا، ويغسل باقي الأعضاء مرة، ويصب الماء على الرأس ثلاثًا. واستدلوا أيضًا بما روى أحمد أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ

стр. 488

جَنَابَةٍ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ لِيَصُبَّ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ غَسْلاً حَسَنًا، ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، فَإِذَا خَرَجَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ" (١). وإذا كان التثليث في سائر أعضاء الوضوء فكذا يكون التثليث في غسل البدن. واعترض عليه بأنه لا يصح. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: ثَلَاثًا. فَقَالَ: إِنِّي كَثِيرُ الشَّعَرِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ شَعَرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ (٢). القول الثاني: لا يستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات، وهو المشهور من المالكية وقول شيخ الإسلام (٣). وقال ابن رجب: حكت ميمونة غسل النبي ﷺ ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عددًا؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل - مع شك الراوي: هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثًا، وهذا الشك هو من الأعمش. ثم قال: وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده (٤). والراجح: أن يستحب التثليث في غسل اليدين والرأس، وباقي أعضاء الوضوء والغسل مرة، والله أعلم. المبحث السابع: حكم تأخير غسل الرجلين: يستحب تأخير غسل الرجلين عند تمام الغسل عند الجمهور (٥). دل على ذلك حديث ميمونة: ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى

стр. 489

جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. فتوضأ ﷺ ولم يغسل رجليه ثم اغتسل ثم غسل رجليه، و (ثم) تفيد الترتيب، فدل ذلك على استحباب تأخير الرجلين في غسل الجنابة. وفي القول الراجح عند المالكية والمشهور من مذهب الشافعية (١) أن غسل القدمين يكون مع الوضوء. واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، يراد به الوضوء الكامل ومنه غسل الرجلين مع الوضوء ولم يرد في حديث عائشة أنه أخر غسل الرجلين. واعترض عليه بأن حديث عائشة مجمل وحديث ميمونة مبين، وإذا تعارض المجمل والمبين قُدم المبين والله أعلم. المبحث الثامن: الموالاة في غسل الجنابة. فيه: قولان لأهل العلم: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الموالاة سنة (٢). واستدلوا بأن غسل النبي ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فَرَّق غسله. فهذا دليل الاستحباب، والواجب في الغسل «تعميم الجسد بالماء مع النية» هذا الفرض، دل على ذلك قول النبي: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وفي حديث ميمونة «ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فإذا جاز عدم الموالاة بين أعضاء الوضوء في الغسل فيتوضأ ثم يغتسل ثم يغسل رجليه ولم يكن هناك موالاة بين غسل الرأس وغسل الرجلين؛ فدل ذلك على أن الموالاة مستحبة. قال ابن حزم: وإذا جاز أن يجعل رسول الله بين وضوئه وغسله وبين تمامها بغسل رجليه

стр. 490

مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان (١). القول الثاني: تجب الموالاة في الغسل، وهو قول المالكية (٢). واستدلوا بأن الغسل المنقول كان متواليًا ولم يرد أن رسول الله فَرَّق غسله. واعترض عليه بأن الواجب في الغسل هو تعميم جميع الجسد مع النية، قال ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». والراجح: أن الموالاة في الغسل سنة مستحبة وليست واجبة، والله أعلم. المبحث التاسع: تدليك البدن في الغسل: ذهب جمهور العلماء إلى أن التدليك ليس بفرض (٣). واستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وبقول النبي ﷺ لأم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولم يطلب إلا إفاضة الماء، ولم يأمر بالدلك، ولو كان الدلك فرضًا لجاء عن النبي ﷺ . وذهب المالكية إلى أن التدليك فرض (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال عطاء: في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ولا يقال: (اغتسل) إلا إذا دلك نفسه. واعترض عليه بأن الاغتسال هو جريان الماء على العضو. قال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد، ادعى ما لا برهان

стр. 491

له به (١). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: استحباب الدلك، وأن الواجب في الغسل هو إفراغ الماء على البدن، والدلك سنة لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ولعموم قول النبي ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» والله أعلم. * * *

стр. 492

الفصل الخامس ما يحرم على الجنب وفيه مبحثان المبحث الأول: تحرم الصلاة: دل على ذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ» ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ (١). وقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى المُحْدِثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، لَكِنَّهُ إنْ صَلَّى جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثِ وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (٢). المبحث الثاني: يحرم الطواف. هل يُشترط للطواف الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وأن الطواف كالصلاة. وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). أما دليلهم على اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر، فهو ما ورد في الصحيحين عن عائشة أن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا

стр. 493

قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ الله وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ» (١). وفي الصحيحين: قالت عائشة: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عليَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أنفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (٢)، وفي رواية: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف بالبيت بالإجماع، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد والنووي وابن حزم وغيرهم. أما دليلهم على الطهارة من الحدث الأصغر: فهو ما روى البخاري عن عائشة قالت: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً … » (٣). قال الشنقيطي: وُضُوءُ النبي ﷺ لِطَوَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - قَدْ دَلَّ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالتَّحَتُّمِ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ لَزِمَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوُضُوءِ لَهُ، وَمِنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهَا كُلِّهَا بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ الله، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي

стр. 494

قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ (١). واعترض على هذا الاستدلال بأن أفعال النبي ﷺ في الحج منها الركن ومنها الواجب ومنها السنة. وقد روى مسلم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٢). والسؤال: هل رمي الجمار على الراحلة واجب؟ قال ابن القيم: في حديث: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء (٣). واستدلوا بأن الطواف كالصلاة وإذا كان يشترط للصلاة الطهارة من الحدثين فكذا الطواف، دل على ذلك ما رُوى عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (٤).

стр. 495

واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . القول الثاني: الطهارة سنة من الحدث الأصغر والأكبر إلا الحيض. قال ابن تيمية: لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدِ اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَوْ بَيَّنَهُ لَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ (١). وقال ابن القيم: لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمرته ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (٢). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ». أما دليلهم من المأثور: فقد روى ابن أبي شيبة عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا
следующие страницы →