← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

له به (١). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: استحباب الدلك، وأن الواجب في الغسل هو إفراغ الماء على البدن، والدلك سنة لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ولعموم قول النبي ﷺ : «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» والله أعلم. * * *

стр. 492

الفصل الخامس ما يحرم على الجنب وفيه مبحثان المبحث الأول: تحرم الصلاة: دل على ذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ» ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ (١). وقال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى المُحْدِثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، سَوَاءٌ إنْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، لَكِنَّهُ إنْ صَلَّى جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَدَثِ وَتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً (٢). المبحث الثاني: يحرم الطواف. هل يُشترط للطواف الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وأن الطواف كالصلاة. وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). أما دليلهم على اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر، فهو ما ورد في الصحيحين عن عائشة أن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: إِنَّهَا

стр. 493

قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ الله وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ» (١). وفي الصحيحين: قالت عائشة: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عليَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أنفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (٢)، وفي رواية: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف بالبيت بالإجماع، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن رشد والنووي وابن حزم وغيرهم. أما دليلهم على الطهارة من الحدث الأصغر: فهو ما روى البخاري عن عائشة قالت: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً … » (٣). قال الشنقيطي: وُضُوءُ النبي ﷺ لِطَوَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - قَدْ دَلَّ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالتَّحَتُّمِ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ لَزِمَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوُضُوءِ لَهُ، وَمِنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهَا كُلِّهَا بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ الله، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي

стр. 494

قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ (١). واعترض على هذا الاستدلال بأن أفعال النبي ﷺ في الحج منها الركن ومنها الواجب ومنها السنة. وقد روى مسلم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (٢). والسؤال: هل رمي الجمار على الراحلة واجب؟ قال ابن القيم: في حديث: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء (٣). واستدلوا بأن الطواف كالصلاة وإذا كان يشترط للصلاة الطهارة من الحدثين فكذا الطواف، دل على ذلك ما رُوى عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (٤).

стр. 495

واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . القول الثاني: الطهارة سنة من الحدث الأصغر والأكبر إلا الحيض. قال ابن تيمية: لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدِ اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ فَرْضًا لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَوْ بَيَّنَهُ لَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ (١). وقال ابن القيم: لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عمرته ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (٢). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ». أما دليلهم من المأثور: فقد روى ابن أبي شيبة عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا

стр. 496

وَسُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا (١). الراجح: أنه تشترط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، فإذا وجب تطهير مكان الطائف فتطهير بدن الطائف من الحدثين الأصغر والأكبر أَوْلى. وأن عائشة لما حاضت قال لها النبي ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، وإذا كانت الحائض تُمنع من الطواف لوجود الحدث، فكذا يُمنع الجنب قياسًا على الحائض؛ لأن كليهما حدث أكبر. وكذا ورد أن صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، أي أن النبي والصحابة يُحبسون ويمكثون بمكة حتى تطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الطواف. وروى البخاري من حديث عائشة قالت: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ». فدلت مجموع هذه الأدلة عل وجوب الطهارة من الحدثين للطواف، وهذا قول جماهير العلماء، والله أعلم. * * *

стр. 497

الفصل السادس ما لا يحرم على الجنب والحائض وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن. المبحث الثاني: لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف. المبحث الثالث: لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد. المبحث الرابع: لا يحرم على الجنب الأذان.

стр. 498

المبحث الأول لا يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن اختلف أهل العلم في جواز قراءة القرآن للحائض على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن، وبه قال الحنفية والشافعية والمشهور عن الحنابلة (١). واستدلوا بما روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا» (٢).

стр. 499

وعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» (١).

стр. 500

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «يَا عليّ إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تَقْرَأِ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ … » (١). وله شواهد: ١ فعَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا» (٢). ٢ - عَنْ مَالِكِ بْنِ عُبَادَةَ الْغَافِقِيِّ، قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَجَرَّنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ أَكَلْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ. قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ، وَلَكِنِّي لَا أُصَلِّي وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ» (٣). ٣ - عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ مُضْطَجِعًا إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ، فَقَامَ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، وَفَزَعَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَضْجَعِهِ، فَقَامَتْ وَخَرَجَتْ فَرَأَتْهُ عَلَى جَارِيَتِهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى الْبَيْتِ فَأَخَذَتِ الشَّفْرَةَ ثُمَّ خَرَجَتْ، وَفَرَغَ فَقَامَ فَلَقِيَهَا تَحْمِلُ الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: مَهْيَمْ لَوْ أَدْرَكَتُكَ حَيْثُ رَأَيْتُكَ لَوَجَأْتُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ بِهَذِهِ الشَّفْرَةِ!! قَالَ: وَأَيْنَ رَأَيْتِنِي؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ عَلَى الْجَارِيَةِ!! فَقَالَ: مَا رَأَيْتِنِي، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ. قَالَتْ: فَاقْرَأْ!! فَقَالَ:

стр. 501

أَتَانَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ … كَمَا لَاحَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِع أَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِالله وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ!! ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ (١). واعترض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أنه لم يصح عن رسول الله. الثاني: ما قاله ابن حزم: فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْجُنُبَ مِنْ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَمَةَ عن عليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ ﷺ لَا يُلْزِمُ، وَلَا بَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ. وَقَدْ يُتَّفَقُ لَهُ ﷺ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ ﷺ لَمْ يَصُمْ قَطُّ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي قِيَامِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَكَلَ قَطُّ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ مُتَّكِئًا، أَفَيَحْرُمُ أَنْ يُصَامَ شَهْرٌ كَامِلٌ غَيْرُ رَمَضَانَ أَوْ أَنْ يَتَهَجَّدَ الْمَرْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانٍ أَوْ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا؟ هَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا،

стр. 502

وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ فِي نَهْيِ الْجُنُبِ وَمَنْ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ عَنْ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ (١). أما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ (٢). وعن ابن عمر أنه قال: «لَا يَسْجُد الرَّجُلُ وَلَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ» (٣). وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ هَلْ تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا (٤). واعترض عليه: بأنه لا يصح. القول الثاني: جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، وهو قول الشافعي في القديم ورواية عن أحمد وابن تيمية وابن القيم والظاهرية والبخاري والطبري وابن المنذر (٥). واستدلوا بعموم حديث عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٦). وذِكْر الله يشمل التسبيح والتحميد وقراءة القرآن. والدليل على أن القرآن ذِكْر عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٩]. وفي الصحيحين من حديث عائشة لما خرجَتْ للحج فحاضت فقال لها النبي ﷺ : «فَافْعَلِي

стр. 503

مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». فالحائض يباح لها كل شيء بما في ذلك قراءة القرآن إلا الطواف بالبيت. واعترض عليه بأن ذلك مقصور على أفعال الحج من طواف ورمي وغيرهما، وليست قراءة القرآن من أفعال المناسك، فلا يدخل في عموم قوله ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ». وأجيب عنه بما قاله الحافظ: وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَه ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ أِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْر وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرا لِله فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِر، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن ابن عباس ﴿في حديث طويل أن رَسولَ اللهِ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا وَفِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ (٢). فإذا كان يجوز لغير المسلم أن يقرأ آية من كتاب الله، فيجوز قراءة القرآن للحائض والجنب من باب أَوْلى. قال ابن حزم: بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يُمنع من آية أو يُمنع من أخرى. والراجح: القول بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه. والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره، ولا يصح دليل في منع الحائض من قراءة القرآن.

стр. 504

قال مالك: فَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَهَا أَنْ تَقْرَأَ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ طُهْرَهَا. يُرِيدُ فَإِنْ طَهُرَتْ وَلَمْ تَغْتَسِلْ بِالْمَاءِ فَلَا تَقْرَأُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ طُهْرَهَا (١). قال شيخ الإسلام: لَيْسَ فِي مَنْعِهَا (أي الحائض) مِنَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ أَصْلًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحَادِيثُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَغْلَطُ فِيهَا كَثِيرًا وَلَيْسَ لِهَذَا أَصْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَا عَنْ نَافِعٍ وَلَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَصْحَابُهُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِنَقْلِ السُّنَنِ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِنَّ كَالصَّلَاةِ، لَكَانَ هَذَا مِمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَتَعْلَّمُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ إلَى النَّاسِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ نَهْيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ حَرَامًا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ مَعَ كَثْرَةِ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ (٢). وقال ابن القيم: جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهَا التَّعَوُّضُ عَنْهَا زَمَنَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَمْتَدُّ بِهَا غَالِبُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، فَلَوْ مُنِعَتْ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصْلَحَتُهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَتْ مَا حَفِظَتْهُ زَمَنَ طُهْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَمْنَعِ الْحَائِضَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحَدِيثُ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (٣). * * *

стр. 505

المبحث الثاني لا يحرم على الجنب والحائض مس المصحف ذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم على المحدث مس المصحف، وهو قول الأئمة الأربعة (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ [الواقعة: ٧٩]. وجه الدلالة: إنه لقرآن كريم لا يمسه إلا طاهر من الحدث الأصغر والأكبر، فدل ذلك على حرمة مس المصحف للمحدث، سواء كان حدثًا أصغر أم أكبر. واعترض عليه: بأن المراد بالمطهرون: الملائكة، والضمير في قوله ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى الكتاب المكنون وهو أقرب مذكور. قال ابن المنذر: قال أنس (٢) وابن جبير ومجاهد والضحاك وأبو العالية: المراد بالآية: الملائكة (٣). قلت: وهو قول ورد عن ابن عباس (٤). وعن مجاهد قال: القرآن: كتابه المكنون: الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار، لا يمسه

стр. 506

إلا المطهرون. قال: الملائكة ﵈ (١). قال الزركشي: ورد بأن المشهور عن السلف وأهل التفسير أن الكتاب اللوح المحفوظ، وأن ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، ويؤيده الآية الأخرى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذِكْرةٌ فَمَنْ شَاءَ ذِكْرهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ وأيضًا الإخبار بأنه ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أي مصون، لا تناله أيدي الضالين، وهذه صفة اللوح المحفوظ (٢). أما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (٣). وله شواهد: ١ - فعَنْ حَكيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ» (٤).

стр. 507

٢ - عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ - وَكَانَ شَابًّا -: وَفَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَنِي أَفْضَلَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : « … وَلَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» (١). ٢ - عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (٢). ٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ لَقِيَ عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَعْمِدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ يَا عُمَرُ؟! إِنَّ خَتَنَكَ سَعِيدًا وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوا وَتَرَكَا دِينَهُمَا الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَشَى عُمَرُ إِلَيْهِمْ ذَامِرًا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْبَابِ. قَالَ: وَكَانَ عِنْدَهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: خَبَّابٌ يُقْرِئُهُمَا سُورَةَ طَهْ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ بِحِسِّ عُمَرَ دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمَا، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي رَأَيْتُهَا عِنْدَكُمَا؟ قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: لَعَلَّكُمَا صَبَوْتُمَا وَتَرَكْتُمَا دِينَكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: يَا عُمَرُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا. قَالَ: فَدَفَعَتْهُ أُخْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَ وَجْهَهَا فَأَدْمَى وَجْهَهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: يَا عُمَرُ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَالَ: فَلَمَّا يَئِسَ عُمَرُ، قَالَ: أَعْطُونِي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ. فَقَالَتْ أُخْتُهُ:

стр. 508

إِنَّكَ رِجْسٌ وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، قُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ (١). ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرَآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (٢). واعترض بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ ، ولو صحت فقد يكون المراد: «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» أي مشرك لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ولما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟»، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله، يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٣). قال ابن حزم: وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ لَمْ يُجِزْ لِلْجُنُبِ مَسَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ وَإِمَّا صَحِيفَةٌ لَا تُسْنَدُ وَإِمَّا عَنْ مَجْهُولٍ وَإِمَّا عَنْ ضَعِيفٍ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ (٤). القول الثاني: يجوز مس المصحف للمحدث والحائض، ويستحب الطهارة له، وهو قول

стр. 509

ابن المنذر وابن حزم (١) لعموم حديث عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذِكْر الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٢)، والذِّكْر قد يكون بقراءة القرآن وقد يكون بغيره من التسبيح والتحميد والتكبير، دل على أن القرآن ذِكْر عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ٩﴾. واستدلوا أيضًا بأنه إذا كان مس المصحف بحائل بعصا أو غيره جائزًا، فمسه باليد أَوْلى لأن يد المسلمة طاهرة، دل على هذا المعنى ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ (٣). فالرسول طلب من عائشة الثوب، فقالت: إني حائض، أي: كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟! فقال النبي: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أي: إن كان الحيض نجسًا فهو في الفرج، بينما اليد التي تعطني الثوب طاهرة، فكذا اليد التي تمس المصحف طاهرة، وممايدل على طهارة يد الحائض ما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ» (٤). فلوكانت اليد نجسة بسبب الحيض لما غسلت عائشة رأس النبي. قال ابن المنذر: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُنَجِّسُ مَا تَمَسُّ إِذْ لَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهَا نَجِسًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنْ بَدَنَهَا غَيْرُ نَجِسٍ إِلَّا الْفَرْجَ ثَبَتَ أَنَّ النَّجَسَ فِي الْفَرْجِ لِكَوْنِ الدَّمِ فِيهِ وَسَائِرُ الْبَدَنِ طَاهِرٌ (٥). واستدلوا بأنه إذا كان المشرك نجسًا لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وجائز له أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المسلم للمصحف أَوْلى بالجواز؛ لأن المسلم لا ينجس. دل على هذا المعنى ما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ بعث إلى هرقل عظيم الروم: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ

стр. 510

الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤﴾ (١). وجه الدلالة: ما قاله ابن حزم: فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى هِرَقْلَ آيَةً وَاحِدَةً. قِيلَ لَهُمْ: وَلَمْ يَمْنَعْ ﷺ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ، فَإِنْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْآيَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَلَا تَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَهَا (٢). واستدلوا بأنه لا يجب الوضوء لمس المصحف، بل الوضوء للصلاة لما روى مسلم من حديث سَعِيدِ بْن حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (٣). واستدلوا بالقياس: فإذا كان يجوز قراءة القرآن للمحدث فكذا يجوز مس المصحف. قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ، وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ لَهَا. قلت: وقد ذهب حبر الأمة ابن عباس إلى جواز مس المصحف للمحدث (٤). والراجح: جواز مس المصحف للحائض والجنب، دل على ذلك أن مس المصحف يكون باليد، ويد وبدن الحائض والجنب طاهر، ودل على ذلك ما رواه مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: نَاوِلِينِي الثَّوْبَ» فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَاوَلَتْهُ.

стр. 511

فالرسول يطلب من عائشة الثوب فقالت: إني حائض، أي كيف أعطيك الثوب بيدي وأنا حائض؟ فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه، أما اليد فهي طاهرة فلا مانع أن تمس بها المصحف. وبعث النبي ﷺ كتابًا فيه آية من كتاب الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ … ﴾ إلى قوله ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وإذا جاز للمشرك أن يمس صحيفة بها آية من كتاب الله، فمسُّ المصحف للمسلم أَوْلى بالجواز لأن المؤمن لا ينجس. أما من حرم على الحائض والجنب مس المصحف فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩﴾ [الواقعة]. واعترض عليه بأن جمهور أهل التفسير على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والمطهرون الملائكة، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ١٦﴾، وأيضًا الإخبار بأنه في كتاب مكنون، أي مصون لا تناله أيدي الضالين، وهذا صفة اللوح المحفوظ. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، ولا يصح عن رسول الله ﷺ وله شواهد كلها ضعيفة. وإذا كان يجوز مس المصحف بعصًا أو بغيرها فمسه باليد أَوْلى لأن اليد طاهرة. * * *

стр. 512

المبحث الثالث لا يحرم على الجنب ولا الحائض المكث في المسجد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد، وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة. أما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلموا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. وجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان الصلاة، أي: مواضع الصلاة، وهي المساجد إلا مجتازًا (٥)، وإذا نهى الجنب عن المكث في المسجد؛ فكذا الحائض. واعترض عليه: بأنه ذِكْر في أول الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلِّ وأنت جنب، والضمير يعود إلى الصلاة، أي أن الجنب وهو مسافر لا يقرب الصلاة إلا إذا لم يجد الماء فيتيمم ويصلي. وأجيب عنه بما قاله الشافعي: قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلم بِالْقُرْآنِ: مَعْنَاهَا: لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال لِأَنَّهُ ليس في الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ في مَوْضِعِهَا

стр. 513

وهو المسْجِدُ (١). واعترض عليه: بأنه لا يقاس الحائض على الجنب؛ لأن الجنب له أن يسرع في التطهر، أما الحائض فليس لها ذلك. واستدلوا بما روى البخاري من حديث أم عطية قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» (٢). قولها: «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: مكان الصلاة، فدل ذلك على منع الحائض من دخول المسجد. واعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: تعتزل الحائض الصلاة، دل على ذلك ما رواه مسلم عن أم عطية قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ» (٣). أي: أن المراد باعتزال الحيض المصلى هو حال الصلاة ليتسع المكان للنساء الطاهرات ثم يختلطن بهن بعد الصلاة (٤)، ثم إن الصلاة كانت في الفضاء وليست في المسجد. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جَاءَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ في المَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ المسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا

стр. 514

جُنُبٍ» (١)، وهذا أصرح ما ورد في الباب وليته صح. وأيضًا من أصرح ما ورد أثر عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (٢). قلت: وهذا الحديث لم أقف له على إسناد. الدليل الثالث: في الصحيحين قول النبي ﷺ لعائشة، وفيه: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (٣)، منع الطواف للحائض؛ وذلك لئلا يتلوث المسجد. واعترض على هذا الاستدلال بأن المنع من الطواف فقط ليس فيه المنع من دخول المسجد، بل الطواف أخص.

стр. 515

واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (١). ولو كان يجوز للحائض دخول المسجد لدخلت المسجد ورجَّلته فيه. واعترض عليه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأنه قد يكون في المسجد رجال أجانب أو أن المسجد ليس محلًّا للترجل أو غير ذلك من الأسباب، فليس فيه دلالة على منع الحائض من دخول المسجد. القول الآخر: يجوز للحائض المكث في المسجد. وهو قول المزني من الشافعية (٢) وقول الظاهرية (٣). واستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فقال له، فقال: «سُبْحَانَ الله يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٤). فإذا كان المؤمن لا ينجس، فهو طاهر، فلا يُمنع من دخول المسجد، وقد يقال: إن المؤمن لا ينجس، أي: طاهر بإيمانه طهارة معنوية، وإن المشرك نجس بالشرك. واستدلوا بما روى سعيد بن منصور عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار، قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ الله ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاة (٥). وجه الدلالة: أنه إذا كان الجنب يجلس ويمكث في المسجد إذا توضأ، فكذا الحائض. واعترض عليه بأن الحديث في إسناده هشام بن سعد، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ … ﴾ الآية، أي: أن الجنب لا يمكث في المسجد إلا مارًّا به، وهذا أرجح الأقوال في تفسير الآية.

стр. 516

واستدلوا بما روى مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» (١). وجه الدلالة: أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض. واعترض عليه: بأن إتيان عائشة بالخمرة مِنَ المَسجد ليس بمكث، ولكنه مرور، والمرور للحائض في المسجد جائز. وأجيب: بأن الحديث مطلق «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ من المسْجِدِ» فدخول عائشة المسجد يشمل المرور والمكث. وقوله ﷺ : «إن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» أي أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة أو الثوب، ويدك طاهرة فليست الحيضة في اليد. وإن كان منع الحائض من المسجد هو تلويثه فلتستثفر بثوب لتمنع. واعترض عليه بما نقل النووي عن الْقَاضِي عِيَاضٍ قال: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلِهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَهَا لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى. واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، وفيه: .. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في المسْجِدِ … (٢). فهذه امرأة تنظف المسجد وتمكث فيه، والحيض كتبه الله على بنات آدم، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها بالخروج من المسجد وقت الحيض. قال ابن رجب: استدل بحديث عائشة أهل الظاهر على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا

стр. 517

عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من المحيض (١). وأجيب عنه بما قاله ابن حزم: فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ في مَسْجِدِ النبي ﷺ ، وَالَمعْهُودُ من النِّسَاءِ الْحَيْضُ، فما مَنَعَهَا ﵇ من ذلك وَلَا نَهَى عَنْهُ وَكُلُّ ما لم يَنْهَ ﷺ عَنْهُ فَمُبَاحٌ (٢). واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٣) فإذا كان المشرك يمكث في المسجد يومًا واثنين وثلاثة فمن باب أَوْلى جواز مكث الحائض في المسجد. والأصل جواز مكث الحائض في المسجد، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، والله أعلم. * * *

стр. 518

المبحث الرابع لا يحرم على الجنب الأذان اختلف العلماء في حكم أذان الجنب على أقوال: القول الأول: يُكره أذان الجنب، وهو قول الحنفية وقول عند المالكية والشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (١). واستدلوا بما روى البيهقي عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَقٌّ وَسُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَا يُؤَذِّنُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِّئٌ» (٣). واعترض عليه بأنه لا يصح منهما حديث واستدلوا بالقياس، فكما أن الصلاة يشترط لها الطهارة، فكذا الأذان. واعترض عليه بأن المُحْدث حدثًا أصغر يجوز له الأذان، ولايجوزله الصلاة، فدل ذلك على أن هذا القياس فاسد. القول الثاني: لا بأس بالأذان للجنب في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية وقول عند الحنابلة (٤) لأنه لم يأت نص صحيح بالنهي عن أذان الجنب، بل صح أن النبي كان يذكر

стр. 519

الله على كل أحيانه، والجنب لا يُمنع من ذِكْر الله، فكذا لا يُمنع من الأذان. قال ابن حزم: لم يأت نص من كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ للجنب يمنعه، فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح (١). والراجح: أنه يباح للجنب الأذان، فالنبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، والأذان ذِكْر، وليس هناك دليل يمنع من صحة أذان الجنب، والله أعلم. * * *

стр. 520

الفصل السابع ما يستحب وما يُكره وما يباح للجنب وفيه ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يستحب للجنب وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام. المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء. المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل. القسم الثاني: ما يكره للجنب، يكره اغتسال الجنب في الماء الدائم. القسم الثالث: يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر، وفيه مبحثان: المبحث الأول: يحل ذبيحة الجنب. المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه.

стр. 521

القسم الأول ما يستحب للجنب وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: يستحب الوضوء إذا أراد أن ينام. ففي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» (١). وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ (٢). المبحث الثاني: يستحب الوضوء لمعاودة الوطء. روي مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (٣). المبحث الثالث: يستحب الوضوء إذا أراد أن يأكل. اختلف أهل العلم في وضوء الجنب للأكل والشرب على قولين: القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل (٤). واستدلوا بما روي مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ

стр. 522

أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (١). القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه إن كان الأذى قد ما أصابهما ويأكل وإن لم يتوضأ (٢). واستدلوا بحديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ (٣). والراجح: أن الجنب إذا أراد أن يأكل فإنه يستحب له أن يتوضأ قبل أن يأكل، وذلك لأن النبي إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». أما ما ورد أنه إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، قَالَتْ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. فشاذة ولا تصح عن رسول الله. * * *

стр. 523

القسم الثاني يكره للجنب الاغتسال في الماء الدائم اختلف العلماء في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم اغتسال الجنب في الماء الدائم، وهو قول لأبي حنيفة وابن حزم (١). واستدلوا بما روى مسلم من حديث أبي هريرة، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (٢) فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» والنهي عن الاغتسال للتحريم. القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى كراهة اغتسال الجنب في الماء الدائم، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بأن بدن الجنب طاهر لاقى ماء طاهرًا فانصرف النهي من التحريم إلى الكراهة. القول الثالث: يجوز اغتسال الجنب في الماء الدائم ما لم يَبُل فيه، فإذا بال فيه منع من الاغتسال (٤). واستدلوا بما روى البخاري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (٥). واستدلوا بالنهي عن البول والاغتسال معًا، أي: نهى عن الجمع بينهما. و (ثم) بمعنى الواو. فإذا اغتسل فقط بدون بول جاز. قال النَّوَوِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا، وَضَعَّفَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَيُؤْخَذُ النَّهيُ عَنِ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ (٦). والراجح: أن النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم للكراهة، والله أعلم.

стр. 524

القسم الثالث يباح ذبيحة الجنب وعرقه وبدنه طاهر وفيه مبحثان المبحث الأول: حِل ذبيحة الجنب. قال النووي: نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، وإذا دل القرآن على حِل ذبيحة الكتابي، قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع أنه نجس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالذي نفت السنة عنه النجاسة أَوْلى (١). ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». قال ابن قدامة: وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ. المبحث الثاني: طهارة جسد الجنب وعرقه. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ (٢). وقال ابن تيمية: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ سَقَطَ الْجُنُبُ فِي دُهْنٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ، بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، بَلْ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ عَرَقُهَا طَاهِرٌ، وَثَوْبُهَا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهَا طَاهِرٌ (٣).

стр. 525

قلت: وهذا الإجماع منخرم فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن جسد الجنب نجس (١). واستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والطهارة لا تكون إلا من نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يُعقل. واعترض عليه: بأن تجديد الوضوء يطلق عليه طهارة مع أنه متطهر. والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن جسد الجنب وعرقه طاهر، دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٢). فدل هذا الحديث على أن بدن الجنب طاهر وكذلك الحائض جسدها طاهر، ولقد أجمع أهل العلم على طهارة جسد الحائض وتضافرت الأدلة على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 526

الفصل الثامن الأغسال المستحبة وتنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غسل الجمعة. المبحث الثاني: غسل العيدين. المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟ القسم الثاني: الاغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الاغتسال للإحرام. المبحث الثاني: الاغتسال لدخول مكة. المبحث الثالث: الاغتسال يوم عرفة. المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟ القسم الثالث: أغسال مستحبة أخرى، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم. المبحث الثاني: الاستحباب غسل لمن أفاق من الإغماء. المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟ المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟

стр. 527

الفصل الثامن الأغسال المستحبة وتنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غسل الجمعة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يستحب غسل يوم الجمعة. قال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ (١). وهذا الإجماع منخرم فقد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وجوب غسل الجمعة (٢) وصح عن عمرو بن سليم ورواية عن أحمد وأهل الظاهر. ولذا فقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن غسل الجمعة سنة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بالسنة، فعَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ» (٤).

стр. 528

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» (١). فقوله ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» دليل على الاستحباب في غسل الجمعة لا للوجوب. وفي الصحيحين عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا

стр. 529

إِنْ وَجَدَ» (١). واستدلوا بدلالة الاقتران، فكما أن الطِّيب مستحب بالإجماع فكذا الغسل. واعترض عليه من وجهين: الأول: أن دلالة الاقتران ضعيفة في الاستدلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل مباح. (وآتوا حقه) هو الزكاة وهي ركن من أركان الإسلام. الثاني: روى البخاري: عن عَمْرٌو بن سليم الأنصاري قال: وهو الراوي لهذا الحديث: أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا. وأجيب عنه: بأن دلالة الاقتران في الغالب تفيد التساوي في الحكم. وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَر بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ (٢). وجه الدلالة ما قاله ابن عبد البر: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ الله ﷺ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمُرْ عُثْمَانَ بِالِانْصِرَافِ لِلْغُسْلِ وَلَا انْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ ذِكَّرهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فَرْضًا لِلْجُمُعَةِ مَا أَجْزَأَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِهِ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ أَوْ بِالْغُسْلِ لِلْجُنُبِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَهِلَهُ عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ (٣). قال القاضي عياض: وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة، ولا مُنكر له ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا (٤).

стр. 530

روي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» (١). وجه الدلالة ما قاله القرطبي: ذِكْر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف. قلت: ولوكان الغسل واجبًا لذُكْر في الحديث. واعترض عليه بما قاله الحافظ: ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: من اغتسل (٢). القول الثاني: أن غسل الجمعة واجب، وهو رواية عن أحمد وقول الظاهرية (٣). واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ، ﴿؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (٤). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «حَقٌّ لله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» (٥). وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٦). قال الشافعي: فكان قولُ رسول الله في: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ»، وأمْرُه بالغسل، يحتمل معنيين: الظاهرُ منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارَةُ لِصَلاة الجُمْعَةِ إلاَّ بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجُنُبِ غيْرُ الغسل، ويحتمل أنه واجبٌ في الاختيار والأخْلاق والنَّظافة.
следующие страницы →