← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1472

الجامع لأحكام الطهارة

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (644 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الفصل الثامن الأغسال المستحبة وتنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غسل الجمعة. المبحث الثاني: غسل العيدين. المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟ القسم الثاني: الاغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الاغتسال للإحرام. المبحث الثاني: الاغتسال لدخول مكة. المبحث الثالث: الاغتسال يوم عرفة. المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟ القسم الثالث: أغسال مستحبة أخرى، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم. المبحث الثاني: الاستحباب غسل لمن أفاق من الإغماء. المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟ المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟

стр. 527

الفصل الثامن الأغسال المستحبة وتنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول: الصلوات التي يستحب الغسل قبلها وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غسل الجمعة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يستحب غسل يوم الجمعة. قال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَيُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ (١). وهذا الإجماع منخرم فقد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر وجوب غسل الجمعة (٢) وصح عن عمرو بن سليم ورواية عن أحمد وأهل الظاهر. ولذا فقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن غسل الجمعة سنة، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور في مذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بالسنة، فعَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ» (٤).

стр. 528

واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» (١). فقوله ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» دليل على الاستحباب في غسل الجمعة لا للوجوب. وفي الصحيحين عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا

стр. 529

إِنْ وَجَدَ» (١). واستدلوا بدلالة الاقتران، فكما أن الطِّيب مستحب بالإجماع فكذا الغسل. واعترض عليه من وجهين: الأول: أن دلالة الاقتران ضعيفة في الاستدلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والأكل مباح. (وآتوا حقه) هو الزكاة وهي ركن من أركان الإسلام. الثاني: روى البخاري: عن عَمْرٌو بن سليم الأنصاري قال: وهو الراوي لهذا الحديث: أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا. وأجيب عنه: بأن دلالة الاقتران في الغالب تفيد التساوي في الحكم. وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَر بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ (٢). وجه الدلالة ما قاله ابن عبد البر: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ رَسُولِ الله ﷺ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ أَنَّ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمُرْ عُثْمَانَ بِالِانْصِرَافِ لِلْغُسْلِ وَلَا انْصَرَفَ عُثْمَانُ حِينَ ذِكَّرهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا فَرْضًا لِلْجُمُعَةِ مَا أَجْزَأَتِ الْجُمُعَةُ إِلَّا بِهِ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ أَوْ بِالْغُسْلِ لِلْجُنُبِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَهِلَهُ عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ (٣). قال القاضي عياض: وهذا قول من عمر وإقرار بمحضر جماعة الصحابة، ولا مُنكر له ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يَعدون هذا إجماعًا (٤).

стр. 530

روي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» (١). وجه الدلالة ما قاله القرطبي: ذِكْر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف. قلت: ولوكان الغسل واجبًا لذُكْر في الحديث. واعترض عليه بما قاله الحافظ: ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: من اغتسل (٢). القول الثاني: أن غسل الجمعة واجب، وهو رواية عن أحمد وقول الظاهرية (٣). واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ، ﴿؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (٤). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «حَقٌّ لله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» (٥). وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٦). قال الشافعي: فكان قولُ رسول الله في: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ»، وأمْرُه بالغسل، يحتمل معنيين: الظاهرُ منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارَةُ لِصَلاة الجُمْعَةِ إلاَّ بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجُنُبِ غيْرُ الغسل، ويحتمل أنه واجبٌ في الاختيار والأخْلاق والنَّظافة.

стр. 531

ثم ذكر واقعة عمر مع عثمان، وقال: فلَمَّا لم يتركْ «عثمان» الصلاة للغسل، ولمَّا لمْ يأمره «عمر» بالخروج للغسل: دلَّ ذلك على أنهما قد عَلِمَا أن أمْرَ رسول الله بالغسل على الاختيار (١). وقال الحافظ: وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِدُونِ الْغُسْلِ مُجْزِئَةٌ، لَكِنْ حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ شَرْطٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، كَأَنَّ أَصْلَهُ قَصْدُ التَّنْظِيفِ وَإِزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الَّتِي يَتَأَذَّى بِهَا الْحَاضِرُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ (٢). القول الثالث: أن غسل الجمعة واجب على من كان به رائحة كريهة (٣). دل على ذلك ما ورد في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» فأذية المسلمين محرمة الحاصل: أن غسل الجمعة مستحب عند جماهير العلماء، وقد يجب الاغتسال على من كان به رائحة كريهة، وإذا كان من أكل بصلاً أو ثومًا يعتزل المسجد، فكذلك من كان له رائحة كريهة فليغتسل لعدم أذية المسلمين والملائكة المقربين، وإذا كان التدخين حراماً، فينبغي لمن يدخن أن يغسل أسنانه ويحاول أن يضع منظفات لئلا تشم من فمه رائحة كريهة. المطلب الثاني: وقت غسل الجمعة: اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 532

واستدلوا بما روى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ». وفي البخاري من حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا؟: وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. فأنكر عمر تركه الغسل عن صلاة الجمعة، ولو كان جائزًا إلى غروب الشمس لما أنكر عليه. القول الثاني: أن وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو قول ابن حزم وبعض الحنفية (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وعموم قول النبي ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا». واليوم يكون من الفجر إلى غروب الشمس. واعترض عليه بأن هذه الأحاديث مطلقة وتقيد بصلاة الجمعة، وبالأحاديث الأخر ولأن فيها اجتماع الناس، ويوضح أن المقصود بالجمعة هي صلاة الجمعة ما ورد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» (٢). فهنا قوله: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» فأطلق يَوْمَ الجُمُعَةِ، «غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ» أي ثم ذهب لصلاة الجمعة، دل ذلك على أن المراد بيوم الجمعة هو صلاة الجمعة. القول الثالث: أن غسل الجمعة يكون بمنزلة الوضوء لصلاة الجمعة، فلو اغتسل لصلاة الجمعة ثم أحدث وجب عليه الغسل حتى يصلي به الجمعة. وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٣) قلت: وهذا القول من أضعف الأقوال، والله يقول: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

стр. 533

حَرَجٍ﴾ والراجح: أن وقت الغسل المستحب هو من فجر يوم الجمعة إلى صلاة الجمعة. المطلب الثالث: مَنْ يُسن له غسل الجمعة: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن غسل الجمعة يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواء الرجل والمرأة والصبي وغيرهم، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والصحيح عند الشافعية (١). واستدلوا بما ورد في الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» ولفظ (أحد) نكرة مضافة فتشمل الرجل والمرأة والصغير والكبير. وفي الصحيحين من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» «من اغتسل ثم راح» تدل على أن الغسل مستحب لكل من راح إلى الجمعة. القول الثاني: أن غسل الجمعة مستحب لكل بالغ من الرجال والنساء، وهو قول عند الشافعية والظاهرية (٢). واستدلوا بما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» فكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم كل بالغ من الرجال والنساء. وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ». «حَقٌّ لِله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يشمل الرجال والنساء لأن النساء شقائق الرجال وهذا في كل

стр. 534

شيء إلا إذا ورد ما يدل على التخصيص، وهذا هو الراجح. المبحث الثاني: غسل العيدين: قال ابن رشد: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (١). وقال ابن عبد البر: وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لِمَنْ فَعَلَهُ، وَالطِّيبُ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ (٢). المبحث الثالث: هل يستحب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء؟ ذهب الشافعية والمشهور عن الحنابلة إلى استحباب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء (٣). واستدلوا بالقياس على الجمعة، فإذا كان غسل الجمعة موضعًا يجتمع فيه الناس فيستحب الاغتسال فيه دفعًا للروائح الكريهة، فكذا صلاة الكسوف والاستسقاء. وذهب الحنابلة في قول إلى أنه لا يستحب الغسل لصلاة الكسوف والاستسقاء (٤). وذلك لأنه لم ينقل عن النبي ولا أصحابه الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء. وقياسهم على الجمعة قياس مع الفارق، فالجمعة عيد للمسلمين وفيه فرحة، والاستسقاء والكسوف موطن افتقار وذل وانكسار للواحد القهار، فلا يستحب فيه الغسل إلا لمن له رائحة كريهة تنبعث فتؤذي من جاوره، وقد يصل إلى الإيجاب.

стр. 535

القسم الثاني: الأغسال المستحبة في الحج والعمرة، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الغسل للإحرام. قال النووي: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (١). روى مسلم. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (٢). وروى مسلم عن جابر ﴿ … وفيه: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵄، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ: فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ» (٣). قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز. قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما رُوى عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذِكْره. المبحث الثاني: يستحب الاغتسال لدخول مكة: روى البخاري عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﴿إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤). وفي رواية لمسلم أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذَكْرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ (٥).

стр. 536

المبحث الثالث: يستحب الغسل يوم عرفة: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالسنة والمأثور: فمن السنة: عن الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ- وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ … الحديث (٢). أما دليلهم من المأثور: فعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ (٣). وروى الشافعي عَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: «اغْتَسِلْ كُلَّ يَوْمٍ إِنْ شِئْتَ»، فَقَالَ: الْغُسْلُ الَّذِي هُوَ الْغُسْلُ؟ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ» (٤). الحاصل: أنه إن كان لا يصح استحباب في غسل يوم عرفة حديث، فقد صح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب استحباب غسل يوم عرفة، ومما يدل على ذلك أنه قرنه بغسل العيدين والجمعة، وثبت أن ابن عمر الصحابي الجليل المقتدي بالنبي الأمين كان يغتسل يوم عرفة، والله أعلم.

стр. 537

المبحث الرابع: هل يستحب الاغتسال للوقوف بمزدلفة ورمي الجمار؟ ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاغتسال لمزدلفة ورمي الجمار (١). قال الشافعي: وأُحب له أن يغتسل لرمي الجمار والوقوف بعرفة والمزدلفة (٢). والراجح: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ فِي الْحَجِّ إلَّا ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ: غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَالْغُسْلُ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَالْغُسْلِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَلِلطَّوَافِ وَالْمَبِيتِ بمزدلفة فَلَا أَصْلَ لَهُ لَا عَنْ النَّبِيِّ ولا عَنْ أَصْحَابِهِ (٣). القسم الثالث: أغسال أخري مستحبة، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: استحباب غسل من أسلم: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته ولم يغتسل فيجب عليه الغسل (٤). واستدلوا بأن الكافر إذا بال ولم يتطهرفيجب عليه أن يتطهر إذا أسلم، فإن كان هذا من الحدث الأصغر فالحدث الأكبر أَوْلى. واعترض عليه بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ والاسلام يَجُبُّ ما قبله. رواه مسلم. وأجيب بما قاله النووي: أما الآيةُ والحَدِيثُ فالمُرادُ بهَما غُفَرانُ الذّْنُوبِ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ كان عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ قِصَاصٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ. وَلِأَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ لَيْسَ مُؤَاخَذَةً وَتَكْلِيفًا بِمَا وَجَبَ فِي الْكُفْرِ. بَلْ هُوَ إلْزَامُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ جُنُبٌ

стр. 538

وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ. القول الثاني: يجب عليه الغسل. وهو قول المالكية (١) والمشهور عن مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا: بما رُوى عن قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (٣). واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة أن ثمامة لما أُسر وفيه: فَمَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَأَسْلَمَ فَحَلَّهَ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى حَائِطِ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٤). فثمامة أسلم فأمره النبي أن يغتسل، فهذا دليل على وجوب الغسل لمن أسلم. واعترض عليه بأن لفظ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ) شاذ والمحفوظ ما ورد في الصحيحين وغيرهما: فقال النبي ﷺ : «أطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ … الحديث (٥). فدل هذا على أن ثمامة اغتسل قبل أن يعلن إسلامه ولم يأمره النبي بذلك. وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قال: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ لِي:

стр. 539

«اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ» (١). واعترض عليه بأنه لا يصح. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: إن الكافر إذا أسلم يستحب له الغسل، وإذا جامع زوجته وأسلم قبل أن يغتسل وجب عليه الغسل، دل على استحباب غسل الكافر إذا أسلم ما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. ودل على عدم الوجوب عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وعموم قول النبي ﷺ : «الإسلام يجُبّ ما قبله»، وقول النبي ﷺ لمعاذ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله». ولم يذكر الغسل، ولو كان واجبًا لذِكْر لمعاذ، ولم يرد في حديث صحيح أن الكافر يجب عليه الغسل عند إسلامه، وما أكثرَ الصحابة الذين أسلموا على عهد رسول الله ﷺ . ويجب الغسل على من جامع زوجته أو احتلم ولم يغتسل قبل إسلامه لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة، والصلاة لا تصح من الجنب حتى يغتسل. المبحث الثاني: استحباب الغسل لمن أفاق من الإغماء: قال النووي: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَفَاقَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ الله ﷺ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.

стр. 540

واعترض عليه بأن الإجماع منخرم وحُكي وجه ضعيف شاذ عن الشافعية وقول عند الحنابلة أن الغسل يجب على المغمى عليه إذا أفاق (١). وأما مالك فقيل له: فالمجنون أعليه الغسل إذا أفاق؟ قال: لا، ولكن عليه الوضوء (٢). واستدلوا بسنية الغسل لمن أغمي عليه ثم أفاق بما روى البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» (٣)، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ. قال النووي: قوله ﷺ : «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَاغْتَسَلَ، دَلِيلُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْغُسْلِ مِنَ الْإِغْمَاءِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ الْإِغْمَاءُ اسْتُحِبَّ تَكَرُّرُ الْغَسْلِ لِكُلِّ مَرَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْإِغْمَاءِ مَرَّاتٍ كَفَى غَسْلٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ حَمَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْغَسْلَ هُنَا عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِغْمَاءَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْهُ فَإِنَّ الْغَسْلَ مُسْتَحَبٌّ مِنَ الْإِغْمَاءِ (٤). المبحث الثالث: هل يستحب الغسل من تغسيل الميت؟ اختلف العلماء في حكم الغسل لمن غسل ميتًا على أربعة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه لا يسن الغسل من تغسيل الميت (٥). واستدلوا بالسنة والمأثور: أما دليلهم من السنة فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ

стр. 541

مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ؛ فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» (١). واعترض عليه بأن الصحيح الوقف على ابن عباس. أما المأثور: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: على الَّذِي يُغَسِّلُ الْمُتَوَفَّينَ غُسْلٌ؟ قَالَتْ: لَا (٢). وصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَفَّنَ مَيِّتًا وَحَنَّطَهُ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً (٣). عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ الْمُزَنِيُّ قَالَ: غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجْرَةِ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنِ احْتَجَزُوا عَلَى ثِيَابِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا تَوضَّئُوا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ يَقُولُ: «أَلَا تَتَّقُونَ الله، تَغْتَسِلُونَ مِنْ مَوْتَاكُمْ، أَأَنْجَاسٌ هُمْ؟» (٤). القول الثانى: يجب الغسل لمن غسل ميتًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). واستدلوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» (٦). وعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ،

стр. 542

وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» (١). وعن حذيفة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» (٢). وعن المغيرة عن النبي ﷺ يقول: «من غسل ميتًا فليغتسل» (٣). واعترض على هذه الأدلة: بأنه لم يصح عن رسول الله حديث في وجوب الغسل، قاله أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والذهلي وابن المنذر (٤). القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن من غسل ميتًا يستحب له الغسل، وبه قال

стр. 543

المالكية والشافعية وبعض الحنابلة (١). واستدلوا بالأحاديث الواردة في وجوب الغسل وحملوا الأمر على الندب. واستدلوا أيضًا بما روى الدارقطني بسند صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا نُغَسِّلُ الْمَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ» (٢). القول الرابع: يجب الغسل من تغسيل الكافر دون المسلم، وهو قول للحنابلة (٣). واستدلوا بما روى أحمد عن عليّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَوَارِهِ»، فَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ: «اذْهَبْ فَوَارِهِ» قَالَ: فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: «اغْتَسِلْ» (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله. والراجح: أنه لا يثبت حديث في وجوب أو استحباب الغسل لمن غسل ميتًا، والأصل براءة الذمة والله أعلم. المبحث الرابع: هل يستحب الغسل من الحجامة؟ اختلف أهل العلم في حكم الغسل من الحجامة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغسل من الحجامة، وبه قال الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة (٥). واستدلوا بالسنة والمأثور:

стр. 544

أما السنة: فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» (١). واعترض عليه بأنه لا يصح. أما دليلهم من المأثور: فعن زادان أن عليًّا كان يغتسل من الحجامة (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذَا احْتَجَمَ الرَّجُلُ فَلْيَغْتَسِلْ. وَلَمْ يَرَهُ وَاجِبًا (٣). القول الثاني: وذهب بعض الحنفية إلى أن هذه الأدلة تصل بالأمر إلى الوجوب (٤). القول الثالث: وذهب الحنابلة في الأصح إلى أنه لا يستحب الاغتسال من الحجامة (٥). واستدلوا بأثر عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا احْتَجَمَ غَسَلَ أَثَرَ مَحَاجِمِهِ (٦). والحاصل في هذه المسألة: أنه لا يصح حديث في الاغتسال للحجامة عن رسول الله، وصح عن عليّ وابن عباس استحباب الاغتسال للحجامة وصح عن ابن عمر أنه كان يغسل محاجمه. والأمر واسع في هذه المسألة. * * *

стр. 545

خلاصة ما ورد في باب الغسل الفصل الأول: موجبات الغسل الموجب الأول: خروج المني: ١ - خروج المني يقظة أو منامًا بدفق يوجب الغسل من الرجل والمرأة. ٢ - من انتبه من نومه فرأى منيًّا اغتسل بالإجماع، وفي الصحيحين عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ». ٣ - من رأى احتلامًا ولم يجد بللًا لا غسل عليه بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللًا أنه لا غسل عليه. ٤ - خروج المني بغير دفق لمرض أو علة لا يوجب الغسل عند جمهور العلماء لعموم قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦﴾ [الطارق]، فإذا خرج بغير دفق فلا يجب منه الغسل ولا يكون منه الولد. الموجب الثاني: التقاء الختانين: ١ - اتفق العلماء على أنه إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ». وورد في رواية عند مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». ويشترط لوجوب الغسل بالتقاء الختانين إيلاج الحَشَفة كاملة، والحشفة هي موضع الختان. ٢ - الإيلاج في الدبر من الكبائر العظام، وقد كرر الله ذِكْر إهلاك قوم لوط بسبب هذا الذنب العظيم، ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] فسمى الإتيان في الدبر فاحشة، وقال تعالى عن الزنا في الُقبل: ﴿وَاللَّاتِي

стр. 546

يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. ٣ - إذا أولج ذكره مع وجود حائل - أي: واقٍ - فإنه يجب عليه الغسل. الموجب الثالث: موت المسلم إذا لم يكن شهيدًا العموم قول النبي ﷺ للصحابة لما مات رجل: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». الموجب الرابع: انقطاع دم الحيض، فإذا طهرت المرأة من المحيض فإنه يجب عليها الغسل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. ما لا يوجب الغسل: إسلام الكافر لا يوجب الغسل لعموم قول النبي ﷺ : «الإسلام يَجُبُّ ما قبله»، أما الأحاديث الواردة أن «عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ» فهي ضعيفة، أما حديث ثمامة بن أثال: وفيه قول النبي: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ»، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فليس فيه أن النبي أمره أن يغتسل، فهذا لا يفيد وجوبًا، والله أعلم. فرائض الغسل: الفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». الفرض الثاني: تعميم جميع الجسد بالماء؛ لعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي أصابته الجنابة: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». آداب الغسل: ١ - عدم الإسراف في استعمال الماء مع إحكام الغسل. ٢ - أن يستتر عن أعين الناس؛ لأن ستر العورة واجب. ٣ - جواز كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا. ما يحرم على الجنب: ١ - يحرم على الجنب الصلاة.

стр. 547

(٢) يحرم على الجنب الطواف لعموم قول النبي ﷺ لعائشة: «افْعلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجَّ، غَيْرَ ألاَّ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، ويقاس الجنب على الحائض لأن كليهما حدث أكبر. ما لا يحرم على الجنب: (١) يجوز للجنب أن يمكث في المسجد. (٢) يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وكذا الحائض؛ لعموم حديث عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذِكْر اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». (٣) يجوز للجنب أن يمس المصحف. ما يستحب للجنب: ١ - يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد أن ينام، فعن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ». ٢ - استحباب الوضوء لمعاودة الوطء، روى مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ». الأغسال المستحبة ١ - غسل الجمعة: لعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». ٢ - الغسل للإحرام: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة. ٣ - الغسل للعيدين: أجمع العلماء على استحباب الغسل للعيدين. صفة الغسل نلخص صفة الغسل على ما ورد فى الحديث الآتي: في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ

стр. 548

وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ». الصفة … الشاهد من الحديث النية أن ينوي رفع الحدث … قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لم يصح عن رسول الله ﷺ ذِكْر معين قبل الغسل … عن ميمونة: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ يغسل يديه مرتين أو ثلاثًا … فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثم يفرغ الماء على شماله فيغسل مذاكيره، وما أصابه من أذى … ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثم يغسل يديه بالصابون … ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ ثم يتمضمض ويستنشق … ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين … وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثم يفرغ على رأسه الماء مع التدليك ثم يفيض على رأسه يبدأ بالجانب الأيمن ثم الأيسر ثم أعلى الرأس … ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثم يفيض على سائر جسده ثم يتنحى ويغسل قدميه * * *

стр. 549

الباب التاسع باب التيمم وفيه فصول الفصل الأول: بين يدي التيمم، وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تعريف التيمم. المبحث الثاني: مشروعية التيمم. المبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم. المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ . المبحث الخامس: هل التيمم رفع للحدث أم مبيح؟ المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم. المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال. المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد. الفصل الثاني: شروط التيمم: الشرط الأول: النية. الشرط الثاني: الإسلام. الشرط الثالث: التكليف.

стр. 550

الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور. الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم. الشرط السادس: التيمم يكون بالأرض. الفصل الثالث: فروض التيمم: الفرض الأول: النية. الفرض الثاني: مسح الوجه واليدين. وهل يجب للتيمم ضربتان في الأرض أم ضربة واحدة؟ الفصل الرابع: صفة التيمم: الفصل الخامس: مبطلات التيمم. * * *

стр. 551

الفصل الأول بين يدي التيمم وفيه ثمانية مباحث المبحث الأول: تعريف التيمم: التيمم لغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا، ومنه قول الشاعر: فَمَا أَدْرِي، إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أُرِيدُ الخَيْرَ، أَيُّهما يَلِيني؟ أَأَلخَيْر الَّذِي أَنَا أَبْتَغيهِ … أمِ الشَّر الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيني؟ (١) قال البهوتي: التيمم شرعًا: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص (٢). المبحث الثاني: مشروعية التيمم: دل على مشروعية التيمم الكتاب والسنة: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. وأما السنة: ففي الصحيحين: عن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا،

стр. 552

وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (١). المبحث الثالث: في بدء مشروعيته: عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ!! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ (٢). المبحث الرابع: التيمم من خصائص أمة محمد ﷺ -: ففي الصحيحين من حديث جَابِرٍ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (٣). قال الخطابي: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لُطْفًا مِنِ الله بِهَا وَإِحْسَانًا (٤).

стр. 553

المبحث الخامس: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن التيمم رافع للحدث كالوضوء، وبه قال الحنفية وقول عند المالكية وابن تيمية من الحنابلة (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولعموم قول النبي ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ومعنى الحديث: كما أنه يصلي في أي مكان على الأرض، فكذا يتيمم منها إذا فقد الماء. القول الآخر: التيمم لا يرفع الحدث، إنما هو مبيح للصلاة، وهو قول مالك والقول الجديد للشافعي، والمشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بما روى البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه: «فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إذَا هُوَ بِرَجُلِ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَك يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟» قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك». وفي ختام هذا الحديث أعطاه النبي ﷺ إناء من ماء، وقال: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». فالنبي ﷺ قال: «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك»، فدل ذلك على أن الحدث لم يرتفع وإنما هو مبيح لفعل الصلاة مع بقاء الحدث. واعترض عليه بأنه إذا وُجد الماء بطل التيمم. والراجح: أن التيمم رافع للحدث كالماء، والله أعلم.

стр. 554

المبحث السادس: الأسباب الموجبة للتيمم وفيه مطلبان: المطلب الأول: عدم وجود الماء: قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ (١). ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. المطلب الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا وجد ماء لا يكفي الوضوء أو الغسل، فإنه يتيمم ويدع الماء، وهو قول الحنفية والمالكية والقول القديم للشافعي (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. فدلت الآية على أن الطهارة تكون بالماء إذا وجد، وعند فقده يكون التيمم، فإذا غسل بعض الأعضاء وتيمم عن الباقي فقد جمع بين الأمرين، والجمع بين الأمرين خلاف الآية، وأن فرضه التيمم إذا لم يكن الماء كافيًا لطهارة وأن الماء أصل والتيمم بدل، فكيف يجُمع بين الأصل والبدل؟! القول الثاني: ذهب الشافعي في الجديد والحنابلة إلى أن من وجد ماء لا يكفي للطهارة فإنه يستعمل الماء الموجود ويتمم عن الباقي (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجد لبعض الماء، فيتطهر بما وجد ويتيمم عن الباقي، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. المبحث السابع: يباح التيمم مع وجود الماء في أحوال: الأول: يباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء.

стр. 555

قال السرخسي: أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ (١). الحال الثاني: يباح التيمم إذا كان الماء الذي معه لا يكفي إلا لشربه. قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ - أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ (٢). دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٩] الحال الثالث: إذا كان الماء لا يأتيه إلا بعد خروج الوقت. إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فيتيمم ويصلي لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. وفي المدونة: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنِ الْمُسَافِرِ يَأْتِي الْبِئْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ يَخْشَى إنْ نَزَلَ يَنْزِعُ بِالرِّشَا وَيَتَوَضَّأُ يَذْهَبُ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلْيَتَيَمَّمْ وَلْيُصَلِّ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَيُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا تَوَضَّأَ؟ قَالَ: لَا (٣). المبحث الثامن: إذا عدم الماء والصعيد: يصلي على حَسَب استطاعته ولا يعيد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵄، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ (٤). فدل ذلك على أن الصحابة لما فقدوا الماء صلوا بغير وضوء قبل أن ينزل التيمم، فشكوا للنبي ذلك ولم يَرِد أن النبي ﷺ أمرهم بقضاء الصلاة، والطهارة شرط لصحة الصلاة ويسقط عند العجز. * * *

стр. 556

الفصل الثاني شروط التيمم الشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». الشرط الثاني: الإسلام فلا يصح التيمم من كافر. الشرط الثالث: التكليف، والمكلف هو البالغ العاقل، والصبي إذا تيمم أجزأ. الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور، فإذا أحدث أثناء التيمم أعاد التيمم من البداية. الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. هل يشترط دخول الوقت لصحة التيمم؟ لا يُشترط دخول الوقت لصحة التيمم، بل يصح التيمم لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء، ولم يفرق بين قبل دخول الوقت أو بعده، ولا يوجد دليل يمنع من صحة التيمم قبل دخول الوقت، والله أعلم. الشرط السادس: التيمم يكون بالأرض، وفيه مطلبان: المطلب الأول: التيمم بالتراب. يجوز التيمم بالتراب بالإجماع. قال ابن المنذر: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَارِ جَائِزٌ إِلَّا مَنْ شَذَّ (١).

стр. 557

وقال ابن عبد البر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ جَائِزٌ (١). المطلب الثاني: التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض: اتفق العلماء على أن التيمم بالتراب جائز، واختلفوا فيما عداه من الأرض على قولين: القول الأول: التيمم جائز بكل ما صعد من الأرض من جنسها من تراب أو رمل أو غير ذلك، وبه قال الحنفية والمالكية (٢). واستدلوا بالقرآن والسنة. أما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وجه الدلالة: ما قاله الباجي: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو رملًا أو حجرًا، قاله ابن الأعرابي والزَّجَّاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة (٣). واعترض على هذا الاستدلال بما قال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار (٤). فحاصل الاعتراض أن الصعيد لا يقع إلا على تراب ذي غبار، والطيب يعني الأرض الطيبة التي تنبت، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ وَأَرْضُ الْحَرْثِ (٥). وأجيب عنه بأن الأثر لا يصح، ولو صح فليس فيه دلالة؛ لأن قوله: «أَطْيَبُ الصَّعِيدِ الْحَرْثُ» لا ينفي أن ما عداه من الأرض ليس بصعيد، ودل على أن الأرض التي لا تنبت يطلق

стр. 558

عليها صعيد عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ٨﴾ [الكهف]، والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس (١). وفي المصباح المنير: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». وهذا يشمل التراب والرمل وكل ما على الأرض. القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طهور، ولا يجوز التيمم بالرمل ولا غير التراب من مكونات الأرض (٣). واستدلوا بما روى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ». قال ابن رجب: إن الحديث جعل الأرض كلها مسجدًا، وخص الطهورية بالتربة وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذِكْر التربة لا معنى له، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم (٤). واعترض عليه: بأن حديث: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» مطلق وعام يشمل جميع الأرض من تراب ورمل وغير ذلك. «وجعلت لي تربتها طهورًا» ذِكْر بعض أفراد العام (التراب) (لا يخصصه). كما في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مُخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات (٥).

стр. 559

الفصل الثالث فروض التيمم الفرض الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». الفرض الثاني: مسح الوجه واليدين. هل يجب للتيمم ضربتان في الأرض، أم ضربة واحدة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو المشهور عند الحنابلة (١). واستدلوا بما روى البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قال: قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرْ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» (٢). فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. فدل الحديث على أن المسح ضربة واحدة ثم نفخ ثم مسح وجهه وكفيه، وقالوا بأن حد المسح في اليدين هو مسح الكفين، وقالوا بأن اليد إذا أُطلقت يراد بها الكف كما في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وثبت أن القطع يكون من الكوع، أما إذا قيدت فحسَب التقييد: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.

стр. 560

قال ابن عبد البر: وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ جَائِزٌ وَلَمْ يَرَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبًا ظَاهِرُ قَوْلِ الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] هُوَلَمْ يَقُلْ إِلَى (الْمِرْفَقَيْنِ) وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، فَلَمْ يَجِبْ بِهَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَكٌّ وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَقَدْ قَالَ الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَثَبَتَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ الْأَيْدِيَ فِي ذَلِكَ أُرِيدَ بِهَا مِنَ الْكُوعِ فَكَذَلِكَ التيمم إذ لم يذْكُر فيه المِرْفَقْين، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَكْثَرِ الْآثَارِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً لِأَنَّهُ لو كان ما زاد على ذلك واجبًا لَمْ يَدَعْهُ رَسُولُ الله ﷺ (١). القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب في التيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح بها يديه إلى المرفقين (٢). وسئل مالك: كيف التيمم؟ فقال: يضرب ضربة للوجه، وضربة لليدين ويمسحهما إلى المرفقين (٣). واستدلوا بما روى أبو داود عن نَافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّة ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ» (٤).

стр. 561

واعترض عليه: بأنه لا يصح. وعن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (١). واعترض: بأن كل الأحاديث الواردة بأن التيمم ضربتان لا يصح منها حديث. والراجح: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. * * *

стр. 562

الفصل الرابع صفة التيمم وفيه مبحثان المبحث الأول: صفة التيمم: ورد في حديث عمار عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم. فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض، ضربة واحدة، وقال: هكذا. قال ابن تيمية: وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ (١). ولا يُشترط ضرب اليدين بالأرض، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب أجزأ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فدل ذلك على أن التيمم سنة كما أن النفخ سنة؛ لعموم فعل النبي ﷺ . المبحث الثاني: هل يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليسرى؟ ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (٢). واستدلوا بما روى أبو داود من حديث عمار: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ (٣).

стр. 563

واعترض عليه: بأن زيادة: «ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ» شاذة، انفرد بذِكْرها أبو معاوية عن الأعمش، والثقات الأثبات رووه عن الأعمش بدونها، والحديث في الصحيحين بدونها. واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ». قال النووي: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء. قلت: يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى في التيمم قياسًا على الوضوء، والله أعلم. * * *

стр. 564

الفصل الخامس مبطلات التيمم المبطل الأول: يُبطل التيمم ما يُبطل الوضوء. قال ابن حزم: وَكُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (١). المبطل الثاني: يُبطل التيمم وجود الماء، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: إذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل دخوله الصلاة بطل التيمم. قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ عَادَ بِحَالِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ (٢). المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة. إذا تيمم الرجل ثم دخل في الصلاة فجاء رجل آخر معه ماء، فهل يخرج من الصلاة أو يتم صلاته؟ قولان للعلماء: القول الأول: ذهب الحنفية والمشهور عن الحنابلة إلى أن من تيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة بطلت صلاته، وخرج من الصلاة ثم توضأ بالماء وصلى (٣)؛ لأنه وجود الماء أثناء الصلاة يبطل التيمم وكأنه أحدث.

стр. 565

واستدلوا بحديث أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ». فالتيمم وضوء المسلم إن لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة بطل التيمم. القول الثانى: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ (١). والراجح: أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين. المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة. لا بد أن نفرق بين حالين: الحال الأول: إذا تيمم وصلى وخرج وقت الصلاة ثم وجد الماء، فلا إعادة عليه بالإجماع. قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَ اللهُ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَا إِعَادَةَ عَلَيْه (٢). الحال الثاني: إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه على قول جمهور العلماء (٣)، واستدلوا بالماثوروالمعقول: أما بالمأثور فصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ أَوْ مِيلَانِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ (٤). وأما بالمعقول فهو أن من طلب الماء ثم لم يجده ثم تيمم وصلى فقد فعل ما أُمر به، ولا إعادة عليه
следующие страницы →