واعترض عليه: بأنه لا يصح.
وعن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (١).
واعترض: بأن كل الأحاديث الواردة بأن التيمم ضربتان لا يصح منها حديث.
والراجح: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، دل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
* * *
стр. 562
الفصل الرابع صفة التيمم
وفيه مبحثان
المبحث الأول: صفة التيمم:
ورد في حديث عمار عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: أرني كيف التيمم. فضرب بيده باطن كفيه، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض، ضربة واحدة، وقال: هكذا.
قال ابن تيمية: وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ (١).
ولا يُشترط ضرب اليدين بالأرض، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب أجزأ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فدل ذلك على أن التيمم سنة كما أن النفخ سنة؛ لعموم فعل النبي ﷺ .
المبحث الثاني: هل يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليسرى؟
ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى (٢).
واستدلوا بما روى أبو داود من حديث عمار: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا»، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ (٣).
стр. 563
واعترض عليه: بأن زيادة: «ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ» شاذة، انفرد بذِكْرها أبو معاوية عن الأعمش، والثقات الأثبات رووه عن الأعمش بدونها، والحديث في الصحيحين بدونها.
واستدلوا أيضًا بما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
قال النووي: يستحب تقديم اليمنى في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء.
قلت: يستحب تقديم مسح اليد اليمنى على اليد اليسرى في التيمم قياسًا على الوضوء، والله أعلم.
* * *
стр. 564
الفصل الخامس مبطلات التيمم
المبطل الأول: يُبطل التيمم ما يُبطل الوضوء.
قال ابن حزم: وَكُلُّ حَدَثٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (١).
المبطل الثاني: يُبطل التيمم وجود الماء، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إذا تيمم الرجل ثم وجد الماء قبل دخوله الصلاة بطل التيمم.
قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ عَادَ بِحَالِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ (٢).
المبحث الثاني: إذا وجد الماء أثناء الصلاة.
إذا تيمم الرجل ثم دخل في الصلاة فجاء رجل آخر معه ماء، فهل يخرج من الصلاة أو يتم صلاته؟
قولان للعلماء: القول الأول: ذهب الحنفية والمشهور عن الحنابلة إلى أن من تيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة بطلت صلاته، وخرج من الصلاة ثم توضأ بالماء وصلى (٣)؛ لأنه وجود الماء أثناء الصلاة يبطل التيمم وكأنه أحدث.
стр. 565
واستدلوا بحديث أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَجْنَبَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ، فَاسْتَتَرَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ». فالتيمم وضوء المسلم إن لم يجد الماء، فإذا وجد الماء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة بطل التيمم.
القول الثانى: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ (١).
والراجح: أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وهذا أبرأ للذمة وأحوط للدين.
المبحث الثالث: إذا وجد المتيمم الماء بعد الفراغ من الصلاة.
لا بد أن نفرق بين حالين:
الحال الأول: إذا تيمم وصلى وخرج وقت الصلاة ثم وجد الماء، فلا إعادة عليه بالإجماع.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا كَمَا أَمَرَ اللهُ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَا إِعَادَةَ عَلَيْه (٢).
الحال الثاني: إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء قبل خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه على قول جمهور العلماء (٣)، واستدلوا بالماثوروالمعقول:
أما بالمأثور فصح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ أَوْ مِيلَانِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ (٤).
وأما بالمعقول فهو أن من طلب الماء ثم لم يجده ثم تيمم وصلى فقد فعل ما أُمر به، ولا إعادة عليه
стр. 566
خلاصة التيمم
١ - التيمم: مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.
٢ - بدء التيمم: رُوي أن عقدًا لعائشة استعارته من أسماء فضاع منها في مكان ليس معهم ماء وليسوا على ماء، وحضرت الصلاة وكاد ينتهي وقتها وهم يبحثون عن العقد فنزلت آية التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
٣ - السبب الموجب للتيمم: عدم وجود الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وإذا عدم الماء والتراب فيصلي على حسَب استطاعته لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ.
يباح التيمم للمريض إذا كان يضره الماء. فالرجل إذا كان معه ماء يحتاج لشربه يتيمم.
أجمع العلماء على أن المسافر إذا خشي على نفسه العطش، ومعه مقدار ما يتطهر به من الماء أنه يُبقي ماءه للشرب، ويتمم لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
شروط التيمم:
الشرط الأول: النية؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الشرط الثاني: الإسلام. الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
الشرط السادس: يجوز التيمم بالأرض من التراب ومشتقاته.
стр. 567
الباب العاشر الحيض
وفيه تمهيد وفصول
التمهيد: بين يدي الحيض وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف الحيض.
المبحث الثاني: من أسماء الحيض.
المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.
المبحث الرابع: الحيض من علامات البلوغ.
أما الفصول فهي كالآتي:
الفصل الأول: سن الحيض ومدته.
الفصل الثاني: صفة الغسل من الحيض.
الفصل الثالث: ما يحرم على الحائض.
الفصل الرابع: ما يباح للحائض.
الفصل الخامس: الاستحاضة.
стр. 568
تمهيد: مقدمات فى الحيض
المبحث الأول: تعريف الحيض:
الحيض في اللغة: قال الحافظ: الحيض أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَة (١).
وقال الفيروز آبادي: حاضَت المرأةُ: سالَ دَمُها (٢).
والمَحِيضُ: اسْمٌ ومَصْدَرٌ. قيلَ: ومنه الحَوْضُ، لأنَّ الماء يَسيلُ إليه.
والحيض في الشرع: هو الدم الخارج من فرج المرأة جِبِلة وطبيعة، في أيام معلومة من الشهر من غير ولادة ولا مرض بصفات معينة.
قوله: (جبلة وطبيعة) خرج دم النفاس.
وقوله: (ولا مرض) خرج دم الاستحاضة.
وقوله: (بصفات معينة) أي: أن دم الحيض أسود اللون ومنتن الرائحة (٣).
стр. 569
المبحث الثاني: من أسماء الحيض.
١) العراك: روى مسلم من حديث جابر وفيه: وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ﵄ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ … (١) الحديث». أي حاضت.
٢) النفاس: عن أم سلمة: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: «أَنُفِسْتِ» (٢) أي: حضتِ.
٣) الضحك: قال في اللسان: ضحكت المرأة: أي حاضت، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، وأحد تأويلات الآية: ضحكت أي حاضت (٣).
٤) الإكبار: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي حضن، على بعض التأويلات وأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. ورُوِي عَنْ مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن وليس ذلك بِالْمعروف فِي اللغة، وأنشد بعضهم:
نَأْتي النساءَ عَلَى أَطْهارِهِنّ وَلَا نأْتي النساءَ إِذا أَكْبَرْنَ إِكْبارًا
أي: إذا حضن (٤).
وقال ابن خالويه: حاضت، أو نَفِست، ويُفست، ودرست، وطمثت، وضحكت، وكادت، وأكبرت، وصامت (٥).
стр. 570
المبحث الثالث: تاريخ ابتداء الحيض.
اختلف أهل العلم في تاريخ ابتداء الحيض على قولين:
القول الأول: أن ابتداء الحيض كان في حواء. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ .... » (١) الحديث.
قال الحافظ: وروى الْحَاكِم وابن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ عَلَى حَوَّاءَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَتْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبَنَاتُ آدَمَ بَنَاتُهَ (٢).
وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥] أي التي لا تحيض فهذا في الجنة، أما في الدنيا منذ أهبط آدم وحواء إليها فحواء وبناتها يحضن
القول الثاني: أن ابتداء الحيض كان في نساء بني إسرائيل.
واستدلوا بما روى عبد الرزاق بسند صحيح عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ لَهَا الْخَلِيلُ تَلْبَسُ الْقَالَبَيْنِ تَطَوَّلُ بِهِمَا لِخَلِيلِهَا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ (٣)، فدل ذلك على أن بداية الحيض كانت في بني إسرائيل.
والجمع بين هذه الأدلة أن ابتداء الحيض كان في حواء وأن نساء بني إسرائيل لما عصين الله زادت أيام الحيض عند نسائهن.
قال ابن حجر: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ، بِأَنَّ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طُولُ مُكْثِهِ بِهِنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ لَا ابْتِدَاءُ وُجُودِهِ.
стр. 571
المبحث الرابع: الحيض من علامات بلوغ المرأة (١).
قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ (٢).
العلامة الثانية للبلوغ: الاحتلام:
والمراد بالاحتلام: خروج المني أو الماء الدافق يقظة أو منامًا من الرجل أو المرأة
ودل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الاحتلام من علامات البلوغ.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] إذا بلغ الأطفال منكم الحلم، أي احتلموا وهو نزول المني في يقظة أو نوم.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٣).
قال ابن حجر: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ (٤).
العلامة الثالثة من علامات البلوغ: الإنبات.
دل على ذلك ما رواه أحمد: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ
стр. 572
يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي» (١).
في أسرى الحرب كان المسلمون لا يقتلون امرأة ولا صبيًّا، فكيف يُعرف الصبي من البالغ؟ يعرف بالإنبات.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَأَنْ تَقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي» (٢) أي حلق العانة.
العلامة الرابعة من علامات البلوغ: بلوغ تمام خمس عَشْرة سنة:
دل على ذلك ما ورد في الصحيحين، واللفظ لمسلم: عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي».
قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ (٣).
واعترض عليه بما قاله ابن حزم: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَقُلْ: (إنِّي أَجَزْتهمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَاِحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ ﵇ مَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ
стр. 573
نَفْسِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُجِيزَهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ؛ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ حِصَارٍ فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا، يَنْتَفِعُ فِيهِ بِالصِّبْيَانِ فِي رَمْيِ الْحِجَارَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَاِنَّهُ كَانَ يَوْمَ قِتَالٍ بَعُدُوا فِيهِ عَنِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَحْضُرُهُ إلاَّ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَد (١).
وأجيب على ما قاله ابن حزم: إننا نفهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين، فهذا خامس الخلفاء الراشدين وإمام التابعين وهذا نافع ولم يعترض عليهما أحد من التابعين أن هذا الحد بين الكبير والصغير بلوغ خمس عَشْرة سنة.
* * *
стр. 574
الفصل الأول سن الحيض ومدته
وفيه مبحثان
المبحث الأول: سن الحيض، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة.
المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.
المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟
المبحث الثاني: مدة الحيض، وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: أقل الحيض.
المطلب الثاني: أكثر الحيض.
المطلب الثالث: غالب الحيض.
المطلب الرابع: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.
المطلب الخامس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.
المطلب السادس: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.
المطلب السابع: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت.
المطلب الثامن: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.
المطلب التاسع: هل الصفرة والكدرة في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟
المطلب العاشر: في المبتدأة، تعريفها وأقسامها.
стр. 575
المبحث الأول
سن الحيض، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقل سن تحيض فيه المرأة:
اختلف العلماء في أقل سن تحيض فيه المرأة على أربعة أقوال:
القول الأول: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته بلغت في أي سن كانت.
دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
[البقرة: ٢٢٢].
قال شيخ الإسلام: لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة ولا أكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله على وجوده، ولم يحدد الله ولا رسوله سنًّا معينًّا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ولا دليل في ذلك (١).
وقال السعدي: وتحديد سن معين بخلاف الواقع لأن سن الحيض يختلف باختلاف النساء والطقس والأحوال والفصول والقوة والضعف وغيرها، فكونه يُربط بسن معين ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له، ومع كونه مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، فإنه منافٍ للأحوال الطبيعية (٢).
стр. 576
وفي مواهب الجليل: وَسِنُّ النِّسَاءِ قَدْ يَخْتَلِفُ فِي الْبُلُوغِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ فَهُنَّ عَلَى الْفُرُوجِ مُؤْتَمَنَاتٌ، فَإِنْ شَكَكْنَ أُخِذَ فِي ذَلِكَ بِالْأَحْوَطِ (١).
وقال ابن رشد: فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض. وأما اليافعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه حيض (٢).
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا حيض قبل تسع سنين، وبه قال أكثر الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور عند الشافعية، والحنابلة (٣).
واستدلوا بحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح.
واستدلوا بما في الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ (٥).
واعترض عليه: بأنه ليس في الحديث حد معين تحيض فيه المرأة، وإذا كانت حاضت عائشة وهي بنت تسع فغيرها تحيض وهي بنت عشر، وغيرها تحيض وهي بنت ثمانٍ.
واستدلوا أيضًا بأنه لا يوجد امرأة حاضت وهي أقل من تسع سنين.
قال الشافعي: وَأَعْجَب مَنْ سَمِعْتُ مِنَ النِّسَاءِ تَحِيضُ نِسَاءُ تِهَامَةَ، يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ،
стр. 577
وَقَدْ رَأَيْتُ جَدَّةَ لَها إِحْدى وعِشْرُون سَنَةً (١).
واعترض عليه: بأنه على حَسَب علم الشافعي، وهل إذا حاضت المرأة وعمرها ثماني سنوات هل نقول: ليس هذا بحيض حتى تبلغ التاسعة؟!
القول الثالث: ذهب بعض الحنفية إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة سبع سنين (٢).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ … » (٣) الحديث.
стр. 578
واستدلوا بأن الأمر بالصلاة للوجوب ولا يؤمر بها إلا البالغ.
واعترض عليه من وجهين.
الأول: بأن الحديث فيه مقال.
الثاني: بأن الأمر للاستحباب من أجل تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم على العبادات، ولكنهم ليسوا بمكلفين، وليس في الحديث ما يدل على أن حد البلوغ سبع سنين والأمر لم يوجه للصبيان.
القول الرابع: ذهب بعض الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن أدنى سن تحيض فيه المرأة اثنتا
стр. 579
عَشْرة سنة (١).
واستدلوا بما روى أبو نعيم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ مَنْ لَمْ يَبْلُغِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمِنْ بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَعَلَيْهِ وَلَهُ» (٢)، وظاهره بأن من جاوز اثنتي عشرة سنة فقد بلغ ويحاسب. واعترض عليه بأن هذا الحديث منكر.
والراجح أنه لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، فإذا وجد دم الحيض فالمرأة حائض، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولم يحد الله ورسوله سنًّا معينًا والله أعلم.
المطلب الثاني: منتهى سن الحيض.
اختلف أهل العلم في منتهى سن الحيض على أربعة أقوال:
القول الأول: لا حد لأكثر سن تحيض فيه المرأة، فالمرأة إذا رأت دم الحيض بصفاته فهو حيض، وهو قول أبي حنيفة في رواية، وابن رشد من المالكية، والماوردي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة، وابن حزم (٣).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فعلق الحكم بوجود دم الحيض بصفاته وليس له سن محدد ما لم تيأس من المحيض، وَالْيَأْسُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ لَيْسَ هُوَ بُلُوغُ سِنٍّ، لَوْ كَانَ بُلُوغُ سَنٍّ لَبَيَّنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَيْأَسَ الْمَرْأَةُ نَفْسُهَا مِنْ أَنْ تَحِيضَ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَيَئِسَتْ مِنْ أَنْ يَعُودَ فَقَدْ يَئِسَتْ
стр. 580
مِنْ الْمَحِيضِ وَلَوْ كانت بِنْتَ أَرْبَعِينَ. ثُمَّ إذَا تَرَبَّصَتْ وَعَادَ الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آيِسَةً.
وأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين من حديث عائشة: قال النبي ﷺ لفاطمة ابن أبي حبيش: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». «فإذا أقبلت حيضتك في أي سن - فدعي الصلاة» ولم يحدد ﷺ سنًّا معينة.
قال ابن حزم: وإذا رأت العجوز المسنة دمًا أسود، فهو حيض مانع من الصلاة والطواف والوطء.
القول الثاني: ذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، إلى أنه لا حيض بعد خمسين سنة (١).
واستدلوا بما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ.
واعترض عليه من وجهين:
الأول: بأن هذا الأثر لم أقف عليه في الكتب المسندة.
الثاني: ما قاله ابن قدامة: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الله بْنِ حَسَنِ ابْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنِ الْعَرَبِ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ: إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ (٢).
القول الثالث: لا حيض بعد ستين سنة. وبه قال أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 581
القول الرابع: لا حيض بعد سبعين سنة (١).
وكل هذه الأقوال عارية عن الأدلة الصحيحة.
والراجح: أنه لا حد لمنتهى سن الحيض عند النساء.
قال الماوردي: فَأَمَّا أَكْثَرُ زَمَانِ حَيْضِهِنَّ فَلَمْ يَنْحَصِرْ بِحَدٍّ لِاخْتِلَافِهِ وَتَبَايُنِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ لِحَرِّهَا وَبَرْدِهَا (٢).
قال ابن رشد: وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حُكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضًا حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض.
المطلب الثالث: هل تحيض الحامل؟
اختلف أهل العلم في حيض الحامل على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية، والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد إلى أن الحامل قد تحيض، وأن دم الحيض إذا نزل فعليها أن تدع الصلاة ولا تصوم حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصلت وصامت (٣). دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا وُجد الحيض وجد حكمه، ولا تخرج الحامل من هذا الحكم إلا بدليل كالصغيرة جدًّا تبلغ أربع سنوات نزل عليها دم فليس بدم حيض لأن الحيض من علامات البلوغ، وكذا خرجت الآيسة كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] فالتي تبلغ من العمر مائة سنة إذا نزل عليها دم فليس بدم حيض لأنها خرجت بعموم الآية من الحيض، وغيرها إذا نزل عليها دم حيض يأخذ أحكامه، وبقي ما عداهما لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ».
стр. 582
قال ابن القيم: لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة؟! وهذا تفريق بين متماثلين (١).
ومن الأدلة ما ذكره ابن القيم: وَلِأَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنَ الْفَرْجِ الَّذِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ قِسْمَانِ: حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا، وَهَذَا لَيْسَ بِاسْتِحَاضَةٍ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ الدَّمُ الْمُطْبِقُ، وَالزَّائِدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، فَهُوَ حَيْضٌ. قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ قِسْمٍ ثَالِثٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَجَعْلُهُ دَمَ فَسَادٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ دَلِيلٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ. قَالُوا: وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ إِلَى عَادَتِهَا، وَقَالَ: «اجْلِسِي قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ». فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَصْفِ الدَّمِ وَحُكْمِهِ، فَإِذَا جَرَى دَمُ الْحَامِلِ عَلَى عَادَتِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَوَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا انْتِقَالٍ، دَلَّتْ عَادَتُهَا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ، وَوَجَبَ تَحْكِيمُ عَادَتِهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَسَادِ الْخَارِجِ عَنِ الْعِبَادَةِ.
القول الثاني: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحامل لا تحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، والحنابلة (٢).
واستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ (٣).
стр. 583
فجعل النبي ﷺ وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل.
واعترض عليه بما قاله ابن عبد البر: إن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض لأن الحامل لا تحيض (١).
قال ابن القيم: وَالنَّبِيُّ ﷺ قَسَّمَ النِّسَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: حَامِلٌ فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَحَائِلٌ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمُوجَبِ هَذَا غَيْرُ مُنَازِعِينَ فِيهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى عَادَتِهَا تَصُومُ مَعَهُ وَتُصَلِّي؟ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ لَا تَعَرُّضَ لِلْحَدِيثِ بِهِ (٢).
وروى مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (٣).
وجه الدلالة أنه لو كان مع الحمل حيض حرم الطلاق في فترة الحيض التي في الحمل.
وروى الدارمي عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، قَالَتْ: «تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي» (٤).
واعترض عليه بأنه ورد ما يعارض هذا، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «إِذَا رَأَتِ الْحُبْلَى الدَّمَ، فَلْتُمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ».
واستدلوا أيضًا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء للجنين.
واعترض عليه بما قاله ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الله - سُبْحَانَهُ - أَجْرَى الْعَادَةَ بِانْقِلَابِ
стр. 584
دَمِ الطَّمْثِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الْوَلَدُ؛ وَلِهَذَا لَا تَحِيضُ الْمَرَاضِعُ. قُلْنَا: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ حُجَّتِنَا عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا الِانْقِلَابَ وَالتَّغْذِيَةَ بِاللَّبَنِ إِنَّمَا يَسْتَحْكِمُ بَعْدَ الْوَضَعِ، وَهُوَ زَمَنُ سُلْطَانِ اللَّبَنِ وَارْتِضَاعِ الْمَوْلُودِ، وَقَدْ أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ. وَمَعَ هَذَا فَلَوْ رَأَتْ دَمًا فِي وَقْتِ عَادَتِهَا، لَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَأَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحْكِمْ فِيهَا انْقِلَابُهُ، وَلَا تَغَذَّى الطِّفْلُ بِهِ أَوْلى وَأَحْرَى. قَالُوا: وَهَبْ أَنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ احْتِيَاجِ الطِّفْلِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ لَبَنًا لِعَدَمِ حَاجَةِ الْحَمْلِ إِلَيْهِ وَأيضًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ كُلُّهُ لَبَنًا، بَلْ يَسْتَحِيلُ بَعْضُهُ، وَيَخْرُجُ الْبَاقِي.
واستدلوا بأن الحمل يُعرف بانقطاع دم الحيض.
قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم (١).
واعترض عليه: بأن هذا هو الغالب، كما أن الغالب في المرضع أنها لا تحيض، وإذا نزل عليها دم الحيض كانت حائضًا بالإجماع، فكذا الحامل.
واستدلوا بأن المطلقات عدتهن ثلاث حيض، فلو كانت الحامل تحيض لكان عدتها ثلاث حيض.
واعترض عليه: بأنه لو أمكن انقضاء عدة الحامل بثلاث حيض قبل وضع حملها، لأفضى ذلك إلى أنها تتزوج وهي حامل من غيره فيسقي ماؤه زرع غيره (٢).
والراجح: أن الحامل إذا نزل عليها دم بصفة الحيض فهي حائض تدع الصلاة والصوم وغير ذلك حتى ينقطع الدم، فإذا انقطع اغتسلت وصامت وصلت، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا وُجد الحيض وُجد حكمه، والله أعلم.
стр. 585
المبحث الثاني
مدة الحيض
وفيه عشرة مطالب
المطلب الأول: أقل الحيض.
اختلف أهل العلم في أقل الحيض على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الإمام مالك إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولو بدُفعة (١).
دل على ذلك عموم قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فمتى وُجد الحيض وُجد حكمه ولا يوجد له حد، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وإذا طهرت المرأة من الحيض فلها أن تغتسل وتصلي، فإذا لم تطهر فلا يحل لها ذلك، قال ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فعَلَّق الحكم بإقبال الحيض وإدباره، ولم يعلق بمدة زمنية معينة، فدل ذلك على أنه لا تحديد لأقل الحيض.
قال ابن القيم: وَلَمْ يَأْتِ عَنِ الله وَلَا عَنْ رَسُولِهِ وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ تَحْدِيدُ أَقَلِّ الْحَيْضِ بِحَدٍّ أَبَدًا، وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يَقْتَضِيهِ (٢).
قال ابن تيمية: الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (٣).
القول الثاني: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة (٤). ودل على ذلك ما ورد عَنْ
стр. 586
أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:» أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ» (١).
القول الثالث: أن أقل الحيض يوم.
قال ابن قدامة: وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْتُ مِنِ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا (٢).
وقال ابن رجب: ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حُكي مِنْ عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم (٣).
والراجح: أنه لا حد لأقل الحيض لأنه لم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض، والقرآن والسنة يدلان على أنه لا تحديد، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
стр. 587
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فاعتزلوا النساء في المحيض سواء كان يومًا أو ساعة أو أيامًا كثيرة، وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالنبي ﷺ عَلَّق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة فعُلم أنه لا تحديد لأقل الحيض والله أعلم.
المطلب الثاني: أكثر دم الحيض.
اختلف العلماء في أكثر دم الحيض على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه لا حد لأكثر دم الحيض، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالحكم متعلق بوجود الحيض، فإذا وجد الحيض وجد حكمه، ولم يتعلق بمضي أيام محدودة، وقال النبي ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» فالحكم متعلق بإقبال الحيض وإدباره وليس بمضي أيام محدودة ولو كان لأكثر الحيض حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى سبعة عشر يومًا مع وجود الدم فاغسلي عنك الدم وَصَلِّي، وما كان ربك نسيًّا.
القول الثاني: أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا. وبه قال المالكية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (١).
واستدلوا بما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: «النِّسَاءَُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ» قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي» (٢).
والشطر أي النصف من كل شهر خمسة عشر.
стр. 588
واعترض عليه بأن هذا باطل.
قال ابن قدامة: الحَيْضُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضُ مُعْتَاد خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (١).
وقال النووي: ثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ مِنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ كَذَلِكَ عِيَانًا، وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ﵏ (٢).
واعترض عليه بأنه لا حد في القرآن والسنة لأكثر الحيض.
وقد ورد عن بعض النساء أنها كانت تحيض سبعة عشر يومًا وإن كان هذا ليس بحد لأكثره، فمتى وجد الحيض مُنعت المرأة من الصلاة.
القول الثالث: ذهب الحنفية إلى أن أكثر الحيض عَشَرة أيام (٣).
واستدلوا بحديث عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: «لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُسْتَحَاضَةً فِي يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تَبْلُغَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً» (٤).
стр. 589
قال ابن المنذر: ذَكَرَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَيَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَيَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَحَدِيثُ أَنَسٍ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَوْ قَالَ: لَيْسَ يَصِحُّ. قُلْتُ: فَأَعْلَى شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ؟ فَذَكَر حَدِيثَ مَعْقِلٍ عَنْ عَطَاءٍ: الْحَيْضُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (١).
قال ابن رجب: هذه الأحاديث المرفوعة منها باطل لا يصح، وكذلك الموقوف وطرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ (٢).
القول الرابع: أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.
قال ابن حزم: قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصلِّ ووجب الانقياد لذاك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض لها حكم الحيض ما لم يأت نص ولا إجماع في دم أسود ليس حيضًا، فقد صح النص بأنه يكون دمًا أسود وليس حيضًا، لم يوقت لنا في أكثر عدة الحيضة من شيء فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يومًا وقلنا فذلك وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل وكان ما زاد على ذلك إجماعًا متيقنًا أنه ليس حيضًا (٣).
واعترض عليه بما قاله ابن تيمية: اسْمُ الْحَيْضِ عَلَّقَ اللهُ بِهِ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يُقَدَّرْ لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ وَلَا الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مَعَ عُمُومِ بَلْوَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ، وَاللُّغَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَدْرٍ وَقَدْرٍ، فَمَنْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ (٤).
وهذا هو القول الراجح، ومع ذلك إذا أطبق على المرأة الحيض واستمر شهرُا فهي مستحاضة؛ لأن الله ﵎ جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء فقال
стр. 590
: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر فقال : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرًا وحيضًا، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض.
المطلب الثالث: أكثر الطهر:
لا حد لأكثر الطهر بالإجماع.
قال الكاساني: وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ فَلَا غَايَةَ لَهُ، حَتَّى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَهُرَتْ سِنِينَ كَثِيرَةً فَإِنَّهَا تَعْمَلُ مَا تَعْمَلُ الطَّاهِرَاتُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي بَنَاتِ آدَمَ أَصْلٌ، وَالْحَيْضُ عَارِضٌ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرِ الْعَارِضُ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ طَالَ (١).
المطلب الرابع: غالب الحيض:
ذهب جمهور العلماء إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة (٢).
واستدلوا بما روى أحمد من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَثِيرَةً، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ: «وَمَا هِيَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ!! قَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ» قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَتَلَجَّمِي» قَالَتْ: إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ لَهَا: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ فَقَدْ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ»
стр. 591
فَقَالَ لَهَا «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَيْقَنْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ،» (١).
قوله ﷺ : «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ الله … كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ» فيه دلالة على أن من لم تستطع أن تميز دم الحيض من دم الاستحاضة أن تتحيض ستة أوسبعة أيام. واعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.
المطلب الخامس: زيادة أيام الحيض، أي إذا زادت أيام الحيض عن عادتها.
امرأة تحيض كل شهر ستة أيام وفي شهر استمر معها تسعة أيام أو أكثر أو أقل، فماذا تصنع في الأيام الزائدة؟
إذا كانت هذه الأيام الزائدة التي ينزل فيها الدم هو نفس صفة دم الحيض من اللون والرائحة، فالعبرة بانقطاع الدم. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
وروى مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ. فَتَقُولُ لَهُنَّ: «لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ» (٢).
وقال شيخ الإسلام: الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ انْتِقَالٍ، فَذَلِكَ حَيْضٌ
стр. 592
حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ (١).
وقال السعدي: المرأة إذا رأت الدم جلست فلم تُصلِّ ولم تصم، وإذا رأت الطهر البين تطهرت واغتسلت وصَلَّت، سواء تقدمت عادتها أو تأخرت، وسواء زادت مثل أن تكون عادتها خمسة أيام، وترى الدم سبعة فإنها تنتقل إليها من غير تكرار، وهذه هو الذي عليه عمل نساء الصحابة ﵁ والتابعين من بعدهم (٢).
المطلب السادس: نقص أيام الحيض عن عادتها، أي إذا طهرت قبل تمام عادتها.
ذهب جمهورالعلماء إلى أنه إذا طهرت المرأة قبل تمام عادتها اغتسلت وصلت، ولا يُكره وطؤها، (٣)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
وفي شرح «منتهى الإرادات» قال: (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) أَيْ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ (زَمَنَهُ) أَيْ زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى (٤).
المطلب السابع: النقاء المتخلل بين الدمين أو الطهر المتخلل أيام الحيض.
امرأة حاضت ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل ثم طهرت خمسة أيام أو أكثر أو أقل ثم حاضت، فهل هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي أم له حكم الحيض؟
اختلف أهل العلم: فمن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من خمسة عشر يومًا، فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي.
ومن رأى أنه إذا كان الطهر الفاصل بين الدمين أقل من عشرة أيام فإنه يكون دم حيض كالدم المتوالي. وأقوال أُخر كثيرة (٥).
стр. 593
والراجح: أن المرأة إذا رأت حيضًا ثم طهرت أيامًا ثم حاضت، ففي هذا الطهر الذي بين الحيضتين تغتسل وتصلي وتصوم فيه. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا زال الأذى ارتفع حكمه، وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ آلِ أَنَسٍ، فَأَمَرُونِي فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «أَمَّا مَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فإنها لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَلتُصَلِّي» (١)، فإذا انقطع الدم ورأت القصة البيضاء أو القطنة البيضاء التي لا أثر فيها للصفرة أو الكدرة، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا حاضت مرة ثانية فإنها تدع الصلاة، فالعبرة بوجود الحيض.
المطلب الثامن: إذا تقدمت أيام عادة المرأة أو تأخرت:
إذا كانت بداية الحيض في منتصف الشهر وتقدمت أو تأخرت، فالعبرة بوجود دم الحيض، سواء تقدم أو تأخر. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
وفي الصحيحين من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَالله أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ!! قَالَ: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (٢).
وجه الدلالة: ما قاله ابن قدامة وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: (وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ). وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا (٣).
стр. 594
المطلب التاسع: حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها أو يعجل نزوله.
حالات تعاطي المرأة دواءً يقطع حيضها وحكمها.
الحال الأول: إذا كان تعاطي المرأة دواء يقطع حيضتها من أجل صحتها جاز ذلك، جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي بمكة: أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخرى شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين (١).
الحال الثاني: إذا كان تعاطي المرأة دواء من أجل تنظيم الحمل.
إذا كان الحامل على ذلك كون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضا الزوج وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب في منع الحمل مستقبلًا، وكان ذلك مبينًّا على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قويًّا بعمله أمينًا فيه غير متهم، ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس (٢).
روى البخاري عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
الحال الثالث: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر، فهذا لا يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، ولأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
الحال الرابع: استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو في الحج لإتمام النسك.
стр. 595
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟
فأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها ولا يؤثر على جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا (١).
قلت: إذا كانت المرأة في الحج وخشيت من نزول دم الحيض عليها فيمنعها من إتمام نسكها، أو تتخلف عن رفقتها، فلا حرج عليها في استعمال دواء يمنع الحيض لإتمام النسك، عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ امْرَأَةٍ تَحِيضُ يُجْعَلُ لَهَا دَوَاءٌ فَتَرْتَفِعُ حَيْضَتُهَا، وَهِيَ فِي قُرْئِهَا كَمَا هِيَ تَطُوفُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ فَإِذَا هِيَ رَأَتْ خُفُوقًا وَلَمْ تَرَ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ فَلَا» (٢).
الحال الخامس: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقًا، فهذا يحرم.
وقد نص المجمع الفقهي المنعقد بالكويت على ذلك فقال:
أولًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يسمى ب «الإعقام» أو «التعقيم» ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثانيًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحَسَب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراضٍ، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم، والله أعلم.
стр. 596
المطلب العاشر: هل الصفرة والكدرة (١) في بداية الحيض تُحسب من أيام الحيض؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر ليس بحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية وبعض المالكية والحنابلة (٢).
أما الدليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فما رواه مالك عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسِاءُ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدِّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ (٣).
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضًا بعد الطهر فما رواه أبو داود بإسناد صحيح عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا» (٤).
القول الثاني: أن الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، وهو مذهب مالك، وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (٥).
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ ابْنَتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطَّهَّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تُنَكَّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ، فَتَسْأَلُهَا فَتَقُولُ: «اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، حَتَّى لَا تَرَيْنَ إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا» (٦).
стр. 597
القول الثالث: أن الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقًا. وهو قول ابن حزم (١).
وروى البخاري عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا» (٢).
والراجح: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، حتى ترى الجفوف أو القَصَّة البيضاء، وأن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بحيض. والله أعلم.
المطلب الحادي عشر: في المبتدأة، تعريفها، وأقسامها.
تعريف المبتدأة: هي من كانت في أول حيض ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك.
أقسام المبتدأة: تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام:
الأَوْل: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره، فإذا نزل بالمبتدأة دم فهذا حيض فإذا انقطع دمها اغتسلت وصلت ما لم تتجاوز أكثر الحيض عند الجمهور (٣). لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فإذا وجد دم الحيض بصفاته فله حكمه لأنه دم جبلة.
الثاني: أن يتجاوز الدم أكثر الحيض:
هذه المسألة سبقت في أكثر الحيض، فمن العلماء من قال: تجلس عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جاريًا. ومن العلماء من قال: تمكث خمسة عشر يومًا ثم تغتسل وتصلي. ومن العلماء من قال: تمكث يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي؛ لأنه أقل الحيض وما زاد فهو مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضًا. ومن العلماء من قال: تمكث ستًّا أو سبعًا، وهو غالب
стр. 598
عادة النساء.
والراجح: أنه لا حد لأكثر الحيض ما دام هو بصفته ما لم يطبق شهرًا، أما إذا تغيرت صفات الدم وكان لا يشبه دم الحيض فهو استحاضة من حين تغيره، والله أعلم.
الثالث: أن ينزل عليها دم الحيض وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض بل هو دم فساد، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (١).
وذهب المالكية (٢) إلى أنه يعتبر حيضًا ولو دفعة.
متى تثبت للمبتدأة عادة؟
اختلف أهل العلم في ثبوت العادة للمبتدأة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية، والمشهور عند الشافعية (٣).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩﴾ [الأعراف] فسمى الثاني عودًا وهو لم يسبق إلا مرة واحدة (٤).
القول الثاني: تثبت العادة بمرتين. وهو قول أبي حنيفة ووجه للشافعية ورواية في مذهب الحنابلة (٥).
قال ابن قدامة: الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنِ الْمُعَاوَدَةِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ (٦).
стр. 599
وقال الشوكاني: قد تقرر في كتب اللغة أن العادة مأخوذة (من عاد إليه يعود: إذا رجع) فدل ذلك على أنه لا يقال عادة إلا لما تكرر، وأقل التكرر يحصل بمرتين (١).
القول الثالث: تثبت العادة بثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
والراجح: أن المبتدأة التي جاءتها العادة مرة ثم في المرة الثانية إن استحاضت، فلها أن ترجع إلى عادتها الأَولى وتمكث نفس عدد الأيام، والله أعلم.
* * *
стр. 600
الفصل الثاني صفة الغسل من الحيض
وفيه تمهيد وأربعة مباحث
تمهيد بين يدي الغسل من الحيض وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نجاسة دم الحيض.
المطلب الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض أم يكفي أي مطهر؟
المطلب الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض؟
المطلب الرابع: علامة الطهر عند الحائض.
صفة الغسل من الحيض وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: وجوب غسل المرأة من المحيض.
المبحث الثاني: حكم النية في الغسل من المحيض.
المبحث الثالث: حكم التسمية في غسل الحيض.
المبحث الرابع: حكم الوضوء في غسل الحيض والجنابة.