← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147311

مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات

ابن بلبان الحنبلي

Полный текст (520 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال ﵇: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ؛ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ" (١) واعلم أن هذا كُلَّه مع الرَّحِمِ الموافِق في الدِّين، أما إذا كان الشَّخْصُ مُسْلِمًا وهم كفار فلا يُوالهم ولا يُوادُّهُم لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢]، الآية. فَصِلْ رَحِمَكَ رَحِمَكَ مَوْلاكَ، وخالف بِذَلِكَ نَفْسَكَ وهواكَ، واصبِرْ على أذاهُم إذ نَبِيُّكَ بِذَلِكَ أوصاكَ، وَأَحْسِنْ إلى من أساءَ إِلَيْكَ منهم تُحْمَدْ بِذَلِكَ عُقْبَاكَ، وَحسِّنْ خُلقَكَ معهم تَنَلْ بِذَلِكَ راحتَكَ ورضاكَ، وتظفرْ بخيْري دُنياكَ وأُخْراكَ، واللهُ المسؤولُ بفضْلِهِ أن

стр. 422

يوفقني لِذَلِكَ وإيَّاكَ (١). فَصْلٌ في الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بِهَا عَشْرًا" (٢). وقال ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يُصلِّي عَلَيَّ إلَّا صَلَّتْ عليهِ المَلائِكَةُ ما دامَ يُصَلِّي عَليَّ، فَلْيُقِلَّ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ" (٣). وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَواتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عشرَ خَطِيئاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ

стр. 423

دَرَجاتٍ" (١). وقال ﷺ : "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢). وقال ﷺ : "من صلَّى عَليَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَليَّ نائيًا أُبْلِغْتُهُ" (٣). وقال ﷺ : "مَنْ صلَّى عليَّ صَلاةً كَتَبَ الله له قِيراطًا؛ والقيراطُ مِثْلُ أُحُدٍ" (٤)، وقال ﷺ :

стр. 424

"أَوْلَى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أَكْثَرُهُمْ عليَّ صَلاةً" (١). وقال ﷺ : "إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فقالوا: يا رسولَ الله وكيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرَمْتَ أي بَليتَ؟ قال: "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أن تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء" (٢). وقال ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليَّ" (٣)، وقال ﷺ : "لا تَجْعَلوا قَبْرِي عيدًا، وَصَلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتَكُمْ تَبْلُغني حيثُ كُنْتُم" (٤).

стр. 425

وقال ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عليَّ إِلَّا رَدَّ الله عليَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇" (١). وقال ﷺ : "البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصلِّ عليَّ" (٢). وقال ﷺ : "إنَّ أَبْخَلَ النَّاسِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" (٣). وعن فَضالَةَ بنِ عبيدٍ ﵁ قال: سَمِعَ رسول الله ﷺ رَجُلًا يَدْعُو في صَلاتِهِ لَمْ يَحْمَدِ الله تعالى،

стр. 426

وَلَمْ يُصَلِّ على النَّبِيِّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عَجِلَ هذا"، ثُمَّ دعاهُ فقال لَهُ أو لغيرِهِ: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ والثَّنَاءِ عليهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدعو بعدُ بِما شَاءَ" (١). والحَاصِلُ أَن الأَحاديثَ الدَّالَّةَ على فرضيَّة الصَّلاةِ عليه ﷺ كثيرةٌ، والآثارُ في ذلك شهيرةٌ، ولا يليقُ استقصاءُ ذَلِكَ في هذا المُخْتَصَرِ بل ذلك مِمَّا لا يُمْكِنُ عِنْدَ أهلِ الأَثَرِ، إذْ فوق كُلِّ ذي عِلْمٍ عليمٌ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَليِّ العَظِيم. ثُمَّ اعلم أنَّ الصَّلاةَ على النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ بالإجماعِ إلَّا أن العلماءَ اختلَفوا في وقتِ وجُوبِها على أقوالٍ، أَصَحُّها: أنَّها فَرْضٌ في كُلِّ صلاةٍ، وفي كُلِّ خُطْبَةٍ سواءٌ كانت فرضًا أو نفلًا، وقيل: في العُمْرِ مَرَّةً، وقيل: في كُلِّ مَجْلِسٍ، وقيل: في أولِ كُلِّ دُعَاءٍ وآخره وقيل: كلما ذُكِرَ وهو ظاهِرُ الأَدلَةِ. وقد ذَهَبَ إِلى ذلك جماعةٌ مُحَقِّقُونَ، وأَئِمَّةٌ مُدقِّقُونَ منهم: الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحاوي من الحنفية، والإمام أبو الحسين اللَّخمِيُّ من المالِكيةِ، والإمامُ أبو عبد الله الحليميُّ من الشَّافعيةِ، والإمام

стр. 427

أبو عبد الله بن بَطَّةَ من الحنابلة، والفقيرُ عفا الله عنه وهداهُ إلى سواءِ السَّبيلِ يميلُ إلى ذَلِكَ تَمسُّكًا بِما لَهُ من قاطع الدَّليلِ، واقتداءً بهؤلاءِ الأَئمة الأَعلامِ، ومن وافقَهُمْ من العلماءِ العِظَامِ، ورغبةً في وافِر الأَجْرِ مِنَ المَلِكِ العَلَّامِ، واسْتِئْناسًا بإفتاءِ النَّبِيِّ ﷺ لي بِلُزومها في المنام؛ وذلك أنِّي رأيتُ ليلةَ الجُمُعَةِ خِتَامَ شعبان سنة سَبْعٍ وأربعينَ وَألفٍ في المنامِ كَأنِّي في الجامعِ الأَموي مُسْنِدًا ظَهْرِي إِلَى المقصورةِ مِنَ الجانِبِ الغَرْبِي القريبِ من تحت القُبَّةِ وأنا واقفٌ، فبينما أنا كذلك إذْ حَضْرةُ جنابِ النَّبِيِّ المُكَرَّمِ، والرَّسولِ المُفَخَّمِ، والخليل المُعَظَّمِ سَيِّدنا محمد ﷺ ، مارٌّ عليَّ من جهةِ بيتِ الخِطَابَةِ غَيْرَ أَنِّي لم أعلم هل هو آتٍ منه أو من غيره، فأخذتُ أَنْظُرُ إلى ذاته الشَّرِيفَةِ المُعَظَّمَةِ المُنيفَةِ زادها الله لديهِ عُلُوًّا واحترامًا وَقُرْبًا وإجْلالًا وإعْظامًا. وبينما أَنا كَذَلِكَ إذْ رجلٌ من إِخواني وَأَحِبَّائي بل من خيارهم يُناديني لِأَذْهَبَ معه، فَقَلْتُ له: اصْبِرْ حَتَّى أَسْتَفْتِيَ حَضْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ عن هذه المسأَلةِ، فَلَمَّا صار ﷺ تُجاهي وأنا واقف بين يديه قريبًا منه جدًّا، أَخَذْتُ أستفتيهِ، فقلت له ﷺ : يا رسول الله إذا سَمعَ الإنسانُ ذِكْرَكَ هل يلزمُهُ أن يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فقال ﷺ : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هذا الجواب الصَّرِيح بهذا اللَّفْظِ المُهَذَّبِ المُحَرَّرِ الصَّحيحِ من لِسانِهِ الصَّادِقِ الفَصيحِ، مشافِهًا لي بذلك مِنْ غَيْرِ شَكٍّ

стр. 428

حَصلَ لِيَ هُنَالِكَ، عَلِمْتُ أنَّها رؤيا حَقٍّ وفَتْوى صِدْقٍ، فاعتقدتُ من حيني وجُوبَها عليَّ كُلَّما ذُكِرَ، وتأكيدها عليَّ كُلَّما اسمُهُ الشَّريفُ نُشِرَ، وهذا اعتقادي فيها إن شاء الله إلى المماتِ، راجيًا بذلك مُضاعَفَةَ الأَجْرِ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ والسَّمواتِ، والدُّخولِ في شَفَاعتِهِ عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسْليماتِ. فَائِدَةٌ: واعلم أَنَّهُ لَيْسَ اعتمادي في ذَلِكَ على المَنامِ المذكورِ؛ لأَنَّهُ لا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، لكن يُسْتأْنَسُ به، وإِنَّما اعتمادي على ظاهرِ الأَدِلَّةِ المذكورةِ. فَائِدَةٌ: ذَكرَ أبو عيسى التَّرمذيُّ في جامِعِهِ عِنْدَ ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عليه إذا ذُكِرَ عن بَعْضِ أهلِ العِلْمِ أَنَّهُ قال: إذا صَلَّى عليه مَرَّة في المَجْلِسِ أَجْزَأَ عنه ما كان في ذَلِكَ المَجْلِس، نقله عنه الإمام النَّووي في كتابه "الأَذكار" وأَقَرِّهُ (١). فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الآثَارِ في فَضْلِ الصَّلاة عليه ﷺ فَمِنْ ذَلِكَ ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب كَرّمَ الله وَجْهَهُ أنَّه قال: لولا أن أَخَافَ أن أنسى ذِكْرَ الله ما تَقَرَّبْتُ إِليه إِلَّا بالصَّلاة على النَّبِيِّ ﷺ . ومن ذلك ما رواه سيدنا عليّ كرم الله

стр. 429

وجهه عن صاحبه وشيخه الثِّقَةِ عِنْدَهُ وعِنْدَ غيرِهِ خليفةِ الرَّسول وأفْضَلِ أصحابِهِ بل وجميعِ الخَلْقِ غَيْرِ الأَنْبِياءِ سيدنا أبي بكر الصديق ﵄ وعن جميع الصحابة والأَزواجِ وذَوِي القَرابَةِ أنَّه قال: الصَّلاةُ على رسول الله ﷺ أَمْحَقُ للخَطَايا مِنَ الماءِ للنَّارِ، والسَّلامُ عليه أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، وحُبُّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُهَجِ الأَنْفُس أي من بَذْلِ الأَرواحِ، أو قال: مِنْ ضَرْبِ السَّيفِ في سبيلِ الله (١). وفي روايةٍ أُخرى عنه ﵁ أنه قال: إن الصلاة عليه ﷺ أَمْحَقُ للذُّنُوبِ مِنَ الماءِ للنَّارِ، وأَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، ومن مُهَجِ الأَنْفُسِ في سبيل الله، وإنَّ حُبَّهُ أَفْضَلُ من ضَرْبِ السَّيْفِ في سبيل الله. وروي من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صَلَّى الله عليه عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى عليَّ عَشْرًا صلَّى الله عليه مَائَةً، وَمَن صلَّى عليَّ مائة صلَّى الله عليه ألفًا، وَمَنْ زادَ صَبَابَةً وَشَوْقًا كُنْتُ لَهُ شفيعًا وَشَهيدًا يَوْمَ القِيامَةِ". وفي روايةٍ: "وَمَنْ صَلَّى عليَّ ألفًا حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ وعِظَامَهُ على النَّارِ" (٢).

стр. 430

وعند الطبراني في "معجميه الأَوسط والصَّغير"، من حديث أنس مثله، لكن فيه: "ومَنْ صَلَّى عليَّ مائَة كَتَبَ الله لَهُ بين عَيْنَيْهِ بَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَأَسْكَنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الشُّهَداءِ" (١). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيُّ ابن الصحابيِّ: "مَنْ صَلَّى عليه ﷺ واحِدةً، صَلَّى الله وملائكتُه عليه سَبْعِينَ صَلَاةً" (٢)، إِسناده صحيح، ومِثْلُهُ لا يقالُ إِلَّا عن توقيفٍ فهو في حُكْمِ المرفوعِ. وفي حديث عنه ﵊ أنَّه قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في يومٍ -وفي روايةٍ - في يَوْمِ الجُمُعَةِ أَلْفَ مَرَّةٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى

стр. 431

مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ" (١). وروى أبو موسى المديني في "ترغيبه" أَنَّ خَلَّادَ بن كثيرٍ كان في النَّزْع فوجدوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَة أي ورَقَة مكتوبٌ فيها: هذه بَراءَةٌ مِنَ الله لخلَّاد بن كثير، فسألوا عنه أهلَهُ ما كان عملُهُ فقيل: إِنَّه كان يُصَلِّي على النَّبِيّ ﷺ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (٢). وروى أبو القاسم الأَصبهاني في "ترغيبه" أن ابن مسعود الصحابي قال لزيد بن وَهْبٍ: لا تَدَعْ هذا يوْمَ الجُمُعَةِ (٣). وفي حديث نَبَوِيٍّ: "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحْ عَشْرًا، وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا، أَدْرَكْتُهُ شفاعتي يَوْمَ القِيامَة" (٤). وفي آخر: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ

стр. 432

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ حُبًّا لِي وَشَوْقًا إِليَّ كان حَقًّا عَلَى الله أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ" (١). وفي آخر: "لَيَرِدَنَّ عَليَّ -يعني الحَوْضَ- أَقْوامٌ ما أَعْرِفُهُم إلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِم عَلَيَّ" (٢). وروى أبو الشيخ، وأبو القاسم الأَصْبَهانيان، وغيرُهما من طريق مالك بن دينار، وأبان بن صالح، عن أنس بن مالك عنه ﵊ أنَّه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً فَتَقُبِّلَتْ مِنْهُ محا الله عَنْهُ ذُنوبَ ثَمَانينَ سَنَةً" (٣).

стр. 433

وَأَسْنَدَ القُشَيرِيُّ في رسالتِهِ إِلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أَوْحى الله إلى مُوسى ﵇: أَحَبُّ ما تَكونُ إِليّ وَأَقْرَبُه إِذا أَكثرتَ الصَّلاة على مُحَمَّدٍ. وقال إِمامُ الأَئَمَّةِ الشَّافعيُّ ﵁: أُحِبُّ كَثْرَةَ الصَّلاةِ على النِّبيِّ ﷺ في كُلِّ حَالٍ، وأنا في يَوْمِ الجُمُعَة وَلَيْلَتِها أَشَدُّ استحبابًا. وفي "المُنْتَخَبِ من كتاب الثَّواب" لأَبي الشيخ، و"الترغيب" لأَبي موسى المديني، عن سيدنا علي ﵁ قال: مَنْ صَلَّى على النَّبِيِّ ﷺ بهؤلاءِ الكَلِمَاتِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ويومِ الجُمُعَةِ مَائَةَ مَرَّةٍ يَقولُ: صَلواتُ الله وملائكتِهِ وأنبيائِهِ ورُسُلِه، وجميعِ خَلْقِهِ على مُحَمَّدِ، وعلى آل مُحَمَّدٍ وَعَلَيه وَعَلَيْهِم السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، فَقْدَ صَلَّى عليه بِصَلاةِ جَمِيعِ الخَلائِقِ، وحُشِرَ يَوْمَ القيامَةِ في زُمْرَتِهِ، وَأَخَذَ بيده حَتَّى يدْخِلَهُ الجَنَّةَ. وقال الحافظ طَاهِرُ بن مُحمَّدٍ الحَدادِيّ في كتابه "عُيُون المَجَالِسِ": سمعت أبا عبد الله الطرائفيّ يقول: خَرَجَ رَجلٌ مِنَ الصَّالحِينَ في أيَّامِ الرَّبيع فَرَأَى خُضْرَةَ الدُّنيا وبَهْجَتَها، فقال (١): يا رَبِّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ وَرَقِ هذِهِ الأَشْجَارِ، وصلِّ عليه بِعَدَدِ رَمْلِ القِفَارِ، وَصَلِّ عليه بِعَدَدِ قَطْرِ البِحَارِ، وصَلِّ عليه بِعَدَدِ الوَرْدِ والنّوَّارِ،

стр. 434

وصَلِّ عليه بِعَدَدِ دَوَابِّ البرِّ والبِحَارِ، فلما نامَ هَتَفَ بِهِ هاتِفٌ: يا هذا، أتْعَبْتَ الحَفَظَةَ عَنْ كَتْبِ ثَواب هذا إلى آخِرِ الدَّهْرِ والأَعمارِ، واسْتَوْجَبْتَ من الله الكريم البَار جنَّاتِ عدنٍ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ. وقال سَهْل بن عبد الله التُّستَري قَدَّسَ الله سِرَّهُ: إنَّ الصَّلاة عليه ﷺ أفضلُ العبادات، قال: لِأَن الله تعالى تولاها هو وملائكتُه ثُمَّ أَمَرَ بها المؤمنين، وسائرُ العبادات ليست كذلك، ذَكرَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسلام العلَّامة برهان الدِّين أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ النَّاجِي في كتابه الذي سماه: "كَنْزُ الرَّاغِبينَ العُفاة في الرَّمْزِ إلى المَوْلدِ المُحَمَّدي والوَفَاة" (١). وذكر فيه أيضًا عن الشيخ أبي سليمان الديراني أَنَّ من أَرَادَ أن يَسْأَلَ اللهَ حاجَةً فَلْيَبْدَأ بالصَّلاةِ على النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يسأل حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَخْتِم بالصَّلاةِ عليه، فإِنَّ الله سبحانه بكرمه يَقْبَلُ الصَّلاتينِ، وهو أَكْرَمُ من أن يدعَ بينهما (٢). وعن أبي الدّرْداءِ عن النَّبِيّ ﷺ : "إِذا سَأَلْتُمُ اللهَ حاجَةً فابدؤوا بالصَّلاةِ عليّ، فإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ من أن يُسْأَلَ حاجتينَ فيقضي إحداهما ويَرُدَّ الأُخرى" (٣).

стр. 435

وقال العراقي: هو موقوفٌ على أبي الدَّرْداءِ. وقال ابن مسعود: إِذا أَرادَ أَحَدُكُم أن يَسْأَلَ اللَّهَ شيئًا، فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِهِ والثَّنَاءِ عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ يصلِّي على النّبِيّ ﷺ ثُمَّ يَسْأَل؛ فإِنَّهُ أَجْدَرُ أن يَنْجَحَ (١). وفي هذا المعنى وأشباهِهِ أحاديثُ كثيرةٌ، وآثارٌ شهيرةٌ، وفي هذا القدر كفاية لأَهل الذوق والبصيرة. وفي الجُمْلَةِ والتَّفْصيلِ فَضْلُ الصَّلاة على النَّبِيِّ الكريمِ عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسليمِ أَشْهَرُ من أن يُشْهَرَ، وأظْهرُ من أن يُذْكَرَ، وأكْثَرُ من أن يُحْصَرَ؛ إذ هي من أَفْضَل الأَعمالِ، وبها يُنالُ الفوزُ في الحالِ والمآلِ، وقد أُفْرِدَ لها مصنفاتٌ طِوالٌ صدَرَتْ من فحولِ الرِّجال الذين عليهم الاعتمادُ في الأَقوال والأَفعال، فَجَزاهُمُ اللَّهُ بِفَضْلِه خَيْرَ الجَزاءِ، وحَشَرَهُم تحتَ لواءِ نَبِيِّهِم المصطفى، وألحقني، ومن أحبني بِهِمْ؛ إِنَّه لا يخيبُ من له رجاء، ولعفوه سأل وإِليه التجأ. لكن الاعتماد فيها، وفي غيرها من الأَعمالِ على الإخلاصِ كما نطق بِذَلِكَ الكِتَابُ والسُّنَّةُ على الإطلاقِ.

стр. 436

فلا يَجوزُ الاغترارُ بما يلهجُ به كثير مِنَ النَّاس، ويتداولونه بينهُم من غير مُسْتَنَدٍ أن كُلَّ الأَعمالِ منها المقبول، ومنها المردود، إلَّا الصَّلاةَ على النَّبِيِّ ﷺ فإنها مقبولة غير مردودةٍ، فإن هذا الكلام مردودٌ غير مقبولٍ، لأَن كَلِمَةَ التَّوحيدِ أعظمُ منها وأفضل، ولا تقبلُ مِن كثيرٍ مِمَّن يدعي أنّه من أهلها، وليس هو في الحقيقةِ كذلك، فهي وغيرها من سائر الأَعمال لا تفيدُ، ولو أَتى بها بشُرُوطها إلَّا أن يوفق الله ويتفضلَ بالقبول! لكن ينبغي للعاقِلِ العارفِ مع العَمَلِ والاجتهاد والإخلاصِ أن يخاف الرَّدَّ ويترجى القبول، وقد قال فَضالة بن عبيد الصحابي: لأَنْ أكونَ أعلمُ أن الله قد تقبَّلَ مِني مِثْقَالَ حبةٍ من خَرْدَلٍ أحبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ لأَن الله تعالى يقول ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. وروي عن سيدنا عبد الله بن عمر نحوه، ويؤيد قولَهما ﵄ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أي: يعطون ما أعطوه من الصَّدَقَاتِ وقلوبهُمُ خائِفَةٌ ألَّا تُقْبَلَ منهم. وَقُرِئَ: (يَأْتُونَ) بفتح الياء (ما أَتَوْا) بِقَصْرِ الهَمْزَةِ؛ أي يفعلون ما فعلوا من الطَّاعاتِ وقلوبهم خائفة ألَّا تقبل، وأن لا تَقَع على الوجه اللائِقِ فيؤاخذوا به. والحاصل أن قَبُولَ الأَعمالِ مع الإخلاصِ موقوفٌ على

стр. 437

مشيئة الله تعالى، إِذْ لا يَجِبُ عليه سبحانه شيءٌ، فإِن شاءَ سبحانه قبلها كَرَمًا منه وفضلًا، وإِن شاءَ رَدّها حِكْمَةً منه وعدلًا. وأما مع عَدَمِ الإخلاصِ فإِنَّها مردودةٌ على عامِلِها قطعًا؛ لأَن الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طيبًا، فالمُرائي مذمومٌ غَيْرُ محمودٍ بل هو مَأْثومٌ وعنِ الرَّبِ مطرودٌ، وعمله المشوبُ بالرياءِ عليه مردود، وكيف لا وقد أَتَى ذَنْبًا من أكبرِ الكبائِرِ، بل هو الشِّرْكُ الأَصغر عند أولي العقولِ والبصائر، فعقابُهُ عليه عظيمٌ إن لم يَعْفُ عنه الرَّبُّ الغفور الرحيم. والحاصل أن الكتاب والسُّنَّةَ مشحونانِ مَنْطُوقًا ومفهومًا بِرَدِّ كُلِّ عَمَلٍ فُعِلَ رَياءً من فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَصَوْمٍ وصلاةٍ وَصَدَقَةٍ وغيرها، ولم يُستثن من ذلك الصَّلاةُ على النَّبِيّ ﷺ ولا غيرُها. فمن رَجَا قَبُولَ العَمل مِنَ الصَّلاةِ على النَّبِيّ ﷺ وغيرها فعليه بالإخلاصِ التَّامِ الذي نَطَقَ به الكتابُ والسُّنَّةُ وأجمع عليه أئمة الإسلام، نَسْأَلُ الله تعالى التوفيقَ على ذلك بفَضْلِهِ على الدَّوامِ، وأن يُلحقَنَا بصالحِي خلقِهِ من أَهْلِ الإخلاصِ في الأَنام. فَصْلٌ والأَكْمَلُ الجَمْعُ بين الصَّلاةِ والسَّلامِ، فإن اقتَصَرَ على أحدهما لم يُكْرَه عِنْدَنا، وكُرِهَ عند الأَكثر، وَحَرُمَ عند بعضهم.

стр. 438

وَيُسَنُّ أن يُصلِّي على الآلِ والأَصحاب مع النَّبِيِّ ﷺ ، وتجوزُ على غير الأَنْبياء استقلالًا، نص الإمام أحمد على ذلك، وكرهَهُ الأَكثر، وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُم. تَنْبِيهٌ: ومحبته ﷺ فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُسْلِمٍ، فَيُقَدِّمُ حُبَّهُ ﷺ على نَفْسِهِ وزوجتِهِ وولدِهِ ومالِهِ ووالدِهِ والنَّاس أجمعين، فلو قَدَّمَ حبَّ شيءٍ على حُبِّهِ ﷺ عصى اللهَ ورسولَهُ أبلغَ العصيانِ، وباءَ بغضبِ الملكِ الدَّيَانِ بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. فهذا وعيدٌ بليغٌ من الله تعالى لمن يكون به شيءٌ مِمَّا ذُكِرَ في الآيةِ أَحَبَّ إِليه مِنَ الله ورسولِهِ وجهادٍ في سبيلِهِ، ويُقاسُ ما لم يُذْكَرْ في الآيةِ على ما ذُكِرَ فيها، فمتى كان شيءٌ أَحَبَّ إِليه من الله ورسوله وجِهَادٍ في سبيله، أو أَحَبَّ إِليه من واحدٍ منهم لم يكن صَادِقًا في الإيمان؛ لأَن هذا من الكبائِرِ العِظَامِ بدليل أن الله تعالى تَوَعَّدَ عليه، وكُلُّ ما توعد عليه من الذُّنوبِ فهو من الكبائرِ كالذي فيه حَدٌّ في الدُّنيا؛ وقال ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ

стр. 439

أَحَبَّ إِليهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعينَ" (١). فاجتَهِدْ وَفَّقَكَ الله على أن تكون محبتُكَ لَه صادِقَةً صادرةً من صميمِ القَلْبِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، وعلامةُ ذلك أن تلزمَ الطاعةَ ما استطعت اتباعًا له ومُوافَقَةً. ومن أعْظَمِ شُعُبِ الإيمانِ تعظيمُه ﷺ كما أرشدنا الله إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... ﴾ الآية [الحجرات: ٢]، فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يَرْفَعَ صوته فوق صوته، ولا أن يناديَه من وراء الحجرات، ولا أن يناديَه باسمه بأن يقول: يا محمد، يا أحمد، ونحو ذلك، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، ونحو ذلك، فقد دلت هذه الآية على وجوب تعظيمه والتأدب معه في القول، ويقاس عليه غيره. وقد ذكر الإمام الحليمي تعظيمَهُ في كتابه، وَقَرَّرَ أن التَّعظيم مَنْزِلَةٌ فَوْقَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ قال: فَحَقٌّ علينا أن نُحِبَّهُ ونُجِلَّهُ ونُعظِّمَهُ أكثرَ وأوفَرَ من إجلالِ كُلِّ عَبْدٍ سَيِّدَهُ وَكُلِّ وَلَدٍ والدَهُ، قال: وَبِمِثْلِ هذا نَطَقَ الكتَابُ وَوَرَدَتْ أوامِرُ الله تعالى، وكذا قال تلميذُهُ أبو بكر البيهقيُّ في "شُعَبِهِ" أن تعظيمه غير محبته. وقال: ألا ترى أَّنَّكَ تُحِبُّ الوَلَدَ ولا تُعظِّمُهُ تعظيمَ الوالِدِ، وكذلك السّيد قد يُحِبُّ المملوك ولا يعظِّمُهُ، والمملوك قد لا يُحِبُّ

стр. 440

السَّيدَ ثُمَّ يعظمه، قال: فعرف بهذا أن للتعظيم حقيقةً سوى حقيقة المحبّة (١). وقال صاحبُ كتاب "النصائح" أبو إبراهيمَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ التُّجيبيُّ المالِكيُّ: واجبٌ أي مُتَأكّدٌ على كُلِّ مُؤْمِنٍ متى ذَكَرَهُ ﷺ أو ذُكِرَ عِنْدَه أن يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ وَيَتَوقَّرَ وَيُسَكِّنَ من حَرَكتِهِ، ويأخُذَ في هيبتِهِ وإجلالِهِ بما كان يأخذ به نَفْسَهُ لو كان بين يَدَيه، وَيَتأَدَّبَ بما أَدَّبنا اللَّهُ به، وهذه كانت سيرة السَّلفِ الصَّالح معه ﷺ ، ونحن مأمورون بالاقتداءِ بهم (٢). فمنزلة ذكره ﷺ وحديثه الشريف منزلة ذاته ﵇، فتأدَّبْ معهما كتأدُّبِ السّلَف الصالح مع ذاته ﵇، فينبغي لمن أراد التحديث أن يستعمل ما رواه الثقات. عن الإمام مالك ﵁ أنَّه كان إِذا أرادَ أن يُحدِّث تَوَضَّأَ على صَدْرِ فراشِهِ وَسَرَّحَ لحيتَهُ، وتمكَّن في جُلُوسِهِ بوقارٍ وهيبَةٍ وَحَدَّث، فقيل له في ذلك فقال: أُحِبُّ أن أُعَظِّم حديث رسول الله ﷺ ولا أُحَدِّثَ إلَّا على طهارةٍ مُتَمكِّنًا.

стр. 441

وكان يَكْرَهُ أن يُحَدِّث في الطريقِ وهو قائم أو يستعجل، وقال: أُحِبُّ أن أَتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ به عن رسول الله ﷺ . وروي عنه أيضًا أنَّه كان يغتسل لذلك ويتبخَّر ويتطيَّب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبَرَهُ وقال: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فمن رَفَعَ صَوْته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنَّما رَفَعَ صوته فَوْق صَوْتِ رسول الله ﷺ (١). وكذلك ينبغي أن يَتَأَدَّبَ بهذهِ الآدابِ من حَضَرَ مَجْلِسَ التَّحديثِ، وهذا من جملةِ ما تُعْرَفُ به محبتُه ﷺ وتعظيمُه وتوقيرُه، ومن الغرائبِ ما في كتاب "حلية الأَولياء" عن وهب بن منبِّهٍ أنَّه كان في بني إسرائيل رَجُلٌ عَصَى الله تعالى مائتي سَنَةٍ ثُمَّ ماتَ فَأَخَذوا بِرِجْلِهِ وألقَوْه على مَزْبَلةٍ، فَأَوحَى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن اخْرُج فصَلِّ عليه، قال: يا ربِّ، بنو إسرائيل شَهِدوا أَنَّه عَصَاكَ مئتي سَنة، فأوحى الله، هكذا كان إلَّا أنَّه كان كُلَّما نَشَرَ التَّوراةَ أي فتحها للقراءة فيها ونظر إلى اسمِ مُحمَّدٍ قَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ على عينيه وصلى عليه فَشَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَزَوَّجْتُهُ

стр. 442

سبعين حوراء، أي مِنَ الحورِ العين (١). وإذا كان أبو لَهَب عمُّ نبينا مع شدة كُفْرِهِ وقع له مَرَّةً في دهرِهِ الفَرَحُ به؛ وذلك لما بُشِّر بولادتِهِ فَنَفَعَهُ وخُفِّفَ عنه العذاب في البَرْزَخِ كُلَّ ليلةِ اثنين بسببه (٢)، أفلا ينفع ذلك المسلمَ السُّنيَّ الذي كان طول عمره به مسرورًا وله محبًّا صادقًا؟ وكيف لا يحصل له منه إن شاء الله الخيرُ الكُلّيُّ والبركةُ، والرِّعايةُ والعنايةُ والشَّفاعةُ؟ والحاصِلُ أن الوقائع العجيبةَ من هذا القبيلِ وما يشابِهُهُ كثيرة، والآثار الدالةَ على ما حصل ببركته من الفوزِ للخلق شهيرة، فبذل الأَرواح، ونفائس الذخائر أَقلُّ قليلٍ في حُبِّ هذا النَّبِيِّ الكريم، والرسول العظيم الجليل الذي ما كان مثله ولا يكون، وكيف لا؟ وقد خَلَقَه الله قبل جميع المخلوقات من نوره الإلهي نُورِهِ المكنون (٣)،

стр. 443

وَنَوَّه بذكرِهِ، وَشَهَرَ أمَرهُ، وقرَنَ اسمَه باسمه المصون؛ فصلَّى الله وسلَّم عليه بعدد أفراد مخلوقاته كلِّها صلاةً نُقَدِّمُها بين يديه للشفاعةِ التي هو أحَقُّ بها وهو أَهْلُهَا. فَصْلٌ في الذِّكْر وقال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، والآيات في الباب كثيرة معلومة، والأَحاديث كذلك. منها قوله ﷺ : "كَلِمَتانِ خَفِيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزانِ، حَبيبتانِ إِلى الرَّحمن، سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ

стр. 444

سُبْحانَ الله العَظِيمِ". متفق عليه (١). وقال ﷺ : "لأَنْ أَقْولَ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، والله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ". رواه مسلم (٢). وقال ﷺ : "مَنْ قَالَ لا إله إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ، في يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ" (٣). وقال: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإِنْ كانت مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ"، متفق عليه (٤). وقال ﷺ : "مَنْ قَالَ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ"، متفق عليه (٥).

стр. 445

وقال ﷺ : "أَلا أُخْبِرُك بِأَحَبِّ الكَلامِ إِلى اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ الكَلامِ إِلى اللهِ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ"، رواه مسلم (١). وقال ﷺ : "الطُّهُور شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ تَمْلَان - أو تَمْلأُ - ما بَيْنَ السَّمواتِ والأَرْضِ"، رواه مسلم (٢). وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ فُقَراءَ المُهاجرينَ أَتَوا رسولَ الله ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيم، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ولهم فَضلٌ من أموالٍ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرونَ ويُجاهدونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، فقال: أَلا أُعَلِّمُكُم شيئًا تُدْرِكونَ بِهِ من سَبَقَكُم وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكمْ إِلَّا من صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُم؟ "، قالوا: بَلَى يا رسُولَ اللهِ، قال: "تُسَبِّحُونَ وتحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ". قال أبو صالح الرَّاوي عن أبي هُريرةَ لما سُئِلَ عن كيفيةِ ذِكْرِهِنَّ، يقول: "سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أَكْبَرُ حَتَّى يكونَ مِنْهُنَّ كُلِّهنَّ ثلاثًا وثلاثين" متفق عليه (٣)، وزاد مسلم في رواية:

стр. 446

"فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهاجِرينَ إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سَمعَ إخْوانُنَا أَهْلُ الأَمْوالِ بِمَا فَعْلَنا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثلاثًا وثلاثينَ، وَكَئرَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، وقال تَمام المِائَةِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خطاياهُ، وإن كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، رواه مسلم (١). وعن سَعْد بن أبي وقاص ﵁ قال: كُنَّا عِنْدَ رسول الله ﷺ فقال: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ في كُلِّ يَوْمٍ أَلْف حَسَنَة؟ ". قال: "يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَة، أَو تُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ"، رواه مسلم (٢). وفي رواية: "وَيَحطُّ بها أَلف". وقال ﷺ : "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صدَقَة، وَكُلُّ تكْبِيرةٍ صَدَقَةٌ، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى"، رواه مسلم (٣).

стр. 447

وقال ﵇: "مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ، والذي لا يَذْكُرُ ربَّه مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ"، رواه البخاري (١). وقال ﵇: "يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأَنا مَعَهُ إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نفسي، وإِن ذَكَرَني في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ مِنْهُم"، متفق عليه (٢). وقال ﵇: "سَبَقَ المُفَرِّدُونَ" قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رَسول الله؟ قال: الذَّاكِرونَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِراتُ"، رواه مسلم (٣). والمُفَرِّدونَ روي بالتشديد للراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد. وَقَال رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْني بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ به؟ قال: "لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الترمذي (٤). وقال ﵇: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ

стр. 448

نَخْلَةٌ في الجَنَّة"، رواه الترمذي (١). وقال ﵇: "لَقِيتُ إِبْراهيمَ ﵇ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، أَقْرِئ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قيعَان، وأَن غِراسَهَا: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أَكْبرُ". رواه الترمذي (٢). وقال ﵇: "أَلا أُنَبِّئُكُم بِخَيْرِ أَعْمَالِكُم، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَليكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُم، وَخَيْرٍ لَكُم مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُم، قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ اللهِ تعالى"، رواه الترمذي (٣).

стр. 449

وقال ﵇: "إنَّ الذِّكْرَ فِي سَبِيلِ اللهِ يُضْعِف فَوْقَ النَّفَقَةِ سبعَمائة ضِعْفٍ"، رواه أحمد والطبراني (١). وقال ﵇: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَراهِمُ يَقْسِمُهَا، وآخَرَ يَذْكُرُ اللهَ كانَ الذَّاكِرُ للهِ أَفْضَل"، رواه الطبراني (٢). وعن موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أَدُلُكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الجَنَّةِ، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِالله"، متفق عليه (٣). وقال ﵇: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ". رواه الترمذي وغيره (٤). وقال ﵇: "إن الله تعالى قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال

стр. 450

لا إله إلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ" (١)، متفق عليه. وقال ﵇: "ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه أحمد (٢). وقال ﵇: "ما صَدَقَةٌ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الطبراني (٣). وقال ﵇: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجَنَّةِ فَارْتَعوا، قالوا فما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكْرِ"، رواه أحمد والترمذي (٤). وقال ﵇: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرون الله تعالى إلَّا ناداهم مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم"، رواه أحمد والضياء عن

стр. 451

أنس (١). وقال ﵇: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكرونَ الله تعالى، فيقومونَ حَتَى يُقالَ لَهُمْ: قُوموا قد غَفَرَ اللهُ لَكُم ذُنُوبكُم، وَبَدَّل سيئاتِكم حسناتٍ"، رواه الطبراني والبيهقي (٢). وقال ﵇: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُروا اللهَ فيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا على نَبِيِّهِم إلَّا كانَ عليهِم تِرَةً، فإن شاءَ عَذَّبَهُمْ، وإن شاءَ غَفَرَ لَهُم"، رواه التِّرمذي وابن ماجه (٣). وقال ﵇: "لأَنْ أَقْعُد مع قَوْمٍ يَذكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَن أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ، ولأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يذْكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً"، رواه أبو داود (٤).

стр. 452

وقال ﵇: "لأَنْ أقولَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ للَّهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"، رواه مسلم والترمذي (١). وقال ﵇: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرسَتْ لَهُ بِها نَخْلَة فِي الجَنَّةِ"، رواه التِّرمذي، والحاكم، وابن حبان (٢). وقال ﵇: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ، وبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، متفق عليه (٣). وقال ﵇: "أَكْثِروا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ"، رواه أحمد وغيره (٤).

стр. 453

واعلم أَنَّ الأَحاديث في هذا المَعنَى كثيراتٌ، والآثارَ كثيراتٌ، ولو قُصِدَ اسْتِقْصاءُ ذَلِكَ لَبَلَغَتْ عِدَّةَ مُجلدات؛ ولكن في هذا القَدْرِ كِفَايَة لأَهْلِ العنايات، وأصحابِ الجَدِّ والسَّعاداتِ، واللهُ المسؤول أن يُبَلِّغَنَا بفضلِهِ أسنى الدَّرجاتِ، وَيَحْشُرَنَا في زُمْرَةِ الذاكرين الله كثيرًا والذَّاكِراتِ، وأن يوفِقَنا للاقتداءِ بهم بنياتٍ زاكياتٍ. والحاصلُ أن ذِكْرَ الله تعالى ركنٌ قويٌّ في طريقِ الحَقِّ سبحانه بل هو العمدةُ في هذا الطَّريقِ، ولا يَصِلُ أَحَدٌ إلى الله سبحانه إلَّا بدوام الذِّكْر. فَصْلٌ في فَضْلِ حِلَقِ الذِّكْرِ والنَّدْبِ إِلى مُلازَمَتِها والنَّهيِ عن مُفارَقَتِها لِغَيْرِ عُذْرٍ (١) قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال ﷺ : "إن لِلهِ مَلائِكَةَ يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ

стр. 454

يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذكْرِ، فإذا وَجَدوا قَوْمًا يَذْكُرون اللهَ تنادَوْا هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ، فَيَحفّونَ بِأَجْنِحَتِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا. فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُم وَهُوَ أَعْلَمُ: ما يَقُولُ عِبادي؟ قالوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدونَكَ، فيقول: هل رَأَوْنِي؟ فيقولون: لا واللهِ ما رَأَوْكَ، فيقولُ: كَيْف لَوْ رَأَوْنِي؟ قال يقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. فيقول: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال يقولونَ: يَسْألونَكَ الجَنَّةَ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لا وَاللهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، فيقول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ عَلَيْها حِرْصًا، وَأَشَدَّ لها طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قال: فَمِمَّا يَتَعَوَّذون؟ قال: يَتَعوَّذونَ مِنَ النَّارِ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْهَا؟ قال فيقولونَ: لا وَاللهِ ما رَأَوْها، فيقولُ: فَكَيْفَ لو رَأَوْها؟ قال يَقُولُونَ: لَوَ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ مِنْها فِرارًا، وَأَشَدَّ لها مَخَافَةً، قال فيقولُ: أشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يقول مَلَكٌ مِنَ الملائِكَةِ: فيهم فُلان لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّما جاءَ لحاجَةٍ، قال: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَليسُهُم"، متفق عليه (١). وفي رواية لِمُسْلِمٍ عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ : "إن للهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فضلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدوا مَجْلِسًا فيه ذِكْر قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ

стр. 455

حَتَى يَمْلَؤوا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ، فإذا تَفَزَقُوا عَرَجُوا وَصعدُوا إلى السَّماءِ فَيَسْأَلُهُم اللهُ وهو أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قال: مَاذا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلونَكَ جَنَّتَكَ، قال: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا أيْ ربِّ! قال: فكيف لو رَأَوْا جَنَّتِي، قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، فيقول: وَمِمَّا يَسْتَجِيرونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يا ربِّ، قال: وهل رَأَوْا نارِي؟ قَالُوا: لا، قال: فكيف لو رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، فيقول: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ ما سأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجاروا، قالوا: يقولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلان عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهم؟ فيقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهم" (١). وعنه وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَغَشْيِتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"، رواه مسلم (٢). وعن أبي واقد الحَارث بن عَوْف أن رسول الله ﷺ بَيْنَما هو جَالِسٌ في المَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أَقْبَلَ ثلاثَةُ نَفَرٍ،

стр. 456

فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رسول الله ﷺ وَذَهَبَ واحِدٌ فَوَقَفا على رسول الله ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبا، فَلمَّا فَرَغَ رسول الله ﷺ قال: أَلا أُخْبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى الله فآواهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ"، متفق عليه (١). وعن أبي سعيد الخُدْرِي ﵁ قال: خَرَجَ معاويةُ ﵁ على حَلْقَةٍ فِي المَسْجِدِ فقال: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قال: اللهِ ما أَجْلَسَكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذاك، قال: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كان أَحَدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أَقل عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، إِنَّ رسول الله ﷺ خَرَجَ على حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فقال: "ما أَجْلَسَكُم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرَ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى ما هَدَانَا للإِسْلامِ، ومَنَ بِهِ عَلَيْنَا، قال: "آللهِ ما أَجْلَسَكُمِ إلَّا ذاكَ؟ " أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لَكُم، وَلَكِنَهُ أَتانِي جبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَني أَنَّ اللهَ يُباهِي بِكُمُ الملائِكَةَ"، رواه مسلمَ (٢). واعلم أن الذِّكْرَ على ضَرْبين: ذِكْرُ اللِّسانِ، وذِكْرُ القَلْبِ،

стр. 457

والتَّأثير لِذِكْر القَلْب؛ فإذا كان العبدُ ذاكِرًا بلسانِهِ وَقَلبِهِ فهو الكامِلُ في وصفه في حال سلوكه، قاله القشيري في "رسالته" (١). وقال فيها: وقيل ذكر الله بالقلب سيف المُريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تَقْصِدهُم، وإن البلاء إذا أظلَّ العبْدَ ففزع بقلبه إلى الله يحيدُ عنه في الحال كلَّ ما يكرهه. وذكر فيها: أن ذا النون المصري قال: من ذكر الله ذكرًا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيءٍ، وحفظه الله من كل شيءٍ، وكان له عوضًا عن كل شيءٍ. قال فيها: ومن خصائص الذكر أنه غير مُؤَقَّتٍ بل ما من وقت من الأَوقات إلَّا والعبد مأمور بذكر الله إمَّا فرضًا وإمَّا ندبًا. والصلاةُ وإن كانتْ أشرفَ العبادات فقد لا تجوز في بعض الأَوقات، والذكرُ بالقلب مستدامٌ في عموم الحالات. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].

стр. 458

وقال: ومن خصائص الذِّكر أنَّهُ جُعِلَ في مُقَابَلَتِهِ الذِّكْرُ، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وفي خَبَرٍ أن جبرِيلَ ﵇ قال لرسول الله ﷺ : إن الله تعالى يقول: أعطيتُ أُمَّتَكَ ما لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ قال: قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، لم يقل هذا لأَحدٍ غيرِ هذه الأُمّة. وقيل: إن المَلَكَ يستأمِرُ الذاكرَ في قَبْضِ روحه. وفي بعض الكتب أن موسى ﵇ قال: يا ربِّ أين تسكُنُ؟ فأوحى الله إليه: في قلب عبدي المؤمن، ومعناه سكون الذكر في القلب، فالحق منزه على كل سُكُونٍ وحلولٍ، وإنما هو إثبات ذكر وتحصيل. وقال: قال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلَّا والجليل سبحانه ينادي: عبدي ما أنصفتَني؛ أذكرُك وتنساني، وأدعوك إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذْهِبُ عنك البلايا وأنت معتكفٌ على الخطايا. يا ابن آدم ما تقول غدًا إذا جئتَني؟ (١)

стр. 459

وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجَنَّة قيعانًا، فإذا أخذ الذّاكِرُ في الذِّكرِ أخذتِ الملائكةُ في غَرْسِ الأَشجار، فربما يقف بعضُ الملائكة فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَتَرَ صاحبي. وقال الحسن: تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وقراءةِ القرآن، فإن وجدتموها وإلَّا فاعلموا أن الباب مُغْلَقٌ. وقال حامد الأَسود: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فجئنا إلى موضعٍ فيه حياتٌ كثيرةٌ، فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان بَرْدُ الليل، وَبَرْدُ الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ فقال: اذكروا الله، فذكرت، ورجعت ثُمَّ عُدتُ فَصحْتُ به فقال مثل ذلك، فلم أزل إلى الصَّباحِ في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقط من وطائه حية عظيمة قد تطوقت فيه، فقلت: ما أحسست؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت أطيب من البارحة (١). وقال سَرِيُّ السّقَطي ﵁: مكتوب في بعض الكتب التي أنزل الله تعالى: إذا كان الغالب عَلى عَبْدِي ذكري عَشِقَني وعَشِقْتُهُ، وقال: أوحى الله إلى داود ﵇: بي فافرحوا وبذكري فتنعّموا.

стр. 460

وقال النُّورِيُّ: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبةٌ العارف انقطاعه عن الذكر. وفي الإِنجيل: اذكرْني حين تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ حين أغضب، وارض بنظرتي لك، فإن نظرتي لك خير من نظرتِك لنَفْسِكَ. وقيل لراهب: أنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت. وقيل: إذا تمكن الذِّكْرُ من القلب، فإن دنا منه الشيطان صُرعَ كما يُصْرَعُ الإِنسانُ إذا دنا منه الشيطان، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإِنس. وقال سهل: ما أعرف معصيةً أقبحَ من نسيان هذا الرب. وقال بعضهم: وُصِفَ لي ذاكر في أجمة فأتيته فبينا هو جالس إذا سبع عظيم ضَرَبَهُ ضَرْبَة واستلبَ منه قطعةً فغشي عليه وعليّ، فلما أفقت قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع على، فكلما داخلتني فترة عضني كما رأيت. وقال الجَريري: كان بين أصحابنا رَجُل يكثر أن يقول: الله الله فوقع يومًا على رأسه جِذْعٌ فشجّ رأسَه وسقط الدمُ فانكتب على الأَرض: الله الله. انتهى كلامه في الرسالة، وتركت الأَسانيد رعاية للاختصار (١).
следующие страницы →