← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ يعني بِعَضِّه ومات من فِعله قبل أن تُدْرَكَ ذكاتُهُ. والجمهور على ضم الباء من ﴿السَّبُعُ﴾ على الأصل، وقرئ: بإسكانها تخفيفًا (١)، وقيل: هما لغتان (٢). وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء من الموجب قبله من لدن قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [عن ابن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵄ وغيرهما] (٣). أي: إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه (٤). وأصل التذكية في اللغة: التمام، فمعنى ذَكَّيْتُ الذبيحة: أتممت ذبحها، وذكيت النار: أتممت إيقادها، ومنه: فلان ذكي، أي: تام الفهم. وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، قيل: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تُسمى الأنصاب (٥)، فعلى هذا يتعلق بـ (ذُبح) تعلق الجار بالفعل، نحو: ركبت على الفرس، وضربت على الرأس. وقيل: كانوا يعبدونها (٦)، وهي غير الأصنام، لأن الأصنام مصورة منقوشة، والنُّصُبُ غير مصورة (٧)، فعلى هذا يحتمل أن يكون متعلقًا بذُبح

стр. 1017

بمعنى العلة، أي: وما ذبح لأجل النُصُبِ، وأن يكون في محل النَّصْبِ على الحال من المستكن في ﴿ذُبِحَ﴾، أي: وما ذبح مسمًى أو مذكورًا على النُّصُب، فاعرفه فإنه موضع. والنُصُب يحتمل أن يكون جمع نِصَابٍ، ككتاب وكتب، وأن يكون واحدًا كما قال الأعشى: ١٧٥ - وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَعْبُدَنَّهُ ... ................ (١) أي: إياك وهذا النصب، وجمعه أنصاب كطُنُب وأطناب. ويجوز إسكان الصاد مع ضم النون، وإسكانها مع فتح النون (٢)، على تسمية المفعول بالمصدر، كضرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله. وقد جوز فتحهما (٣)، على أنه اسم بمعنى المنصوب، كالقَبَض بالتحريك بمعنى المقبوض، وهو ما قبض من أموال الناس. وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أن وما عملت فيه في محل الرفع بالعطف على ﴿الْمَيْتَةُ﴾ أي: وحُرّم عليكم الاستقسام بالقداح: قيل: كان أحدهم إذا أراد سفرًا، أو غزوًا، أو تجارة، أو نكاحًا أو غير ذلك ضرب بالأزلام، وهي مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى

стр. 1018

بعضها: نهاني ربي، وبعضها غُفْلٌ (١)، فإن خرج الآمر مضى في الحاجة، وإن خرج الناهي قعد عنها، وإن خرج الغُفْلُ أجالها عَوْدًا (٢). وواحد الأزلام زَلَم، وقيل: زُلَمٌ (٣). فمعنى الاستقسام بالقداح: طلب معرفة ما قُسِمَ له مما لم يُقْسَمْ له بالقداح (٤). وقيل: هو الميسر، وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة إلى الاستقسام، وإلى تناول جميع ما حُرّم عليهم في الآية، لأن المعنى: حرم عليكم تناول الميتة وتناول كذا وكذا. (فسق): أي: خروج عن طاعة الله. وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ﴾ (اليوم) ظرف لقوله: ﴿يَئِسَ﴾، واختلف فيه: فقيل: لم يرد به يومًا بعينه، وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنتَ بالأمس شابًا وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس: اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم: يومك. وقيل: يريد يومًا بعينه وهو يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥). وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾: (اليوم) ظرف لأكملت.

стр. 1019

وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (دينًا) انتصب على أحد أربعة أوجه: إما على أنه مفعول ثان على تضمين رضيت معنى اخترت؛ لأنه إذا رضيه فقد اختاره، وإذا اختاره فقد رضيه. أو على المدح وإن كان نكرة كقوله: ١٧٦ - .................. ... وشُعْثًا مراضِيعَ مثلَ السَّعَالِي (١) فنصب (شعثًا) على المدح وهو نكرة كما ترى. أو على البيان. أو على الحال من ﴿الْإِسْلَامَ﴾ (٢). و﴿لَكُمُ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَرَضِيتُ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿الْإِسْلَامَ﴾. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: الفاء للعطف، و (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿اضْطُرَّ﴾، أو الجواب على الخلاف المذكور في غير موضع (٣)، إلّا أنك إذا قدرت الجواب الخبر، كان العائد محذوفًا تقديره: فإن الله له غفور رحيم. والمخمصة: المجاعة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤)، وهي مصدر، كالمغضبة والمعتبة، يقال: خمصه الجوع خمصًا ومخمصة. و﴿غَيْرَ﴾: منصوب علي الحال من المستكن في ﴿اضْطُرَّ﴾. والمتجانف: المتمايل، يقال: تجانف فهو متجانف، وتَجنَّف فهو

стр. 1020

مُتَجَنِّف، وقد قرئ بهما (١)، أي: غير متمايل إليه، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٢)، وهو افتُعِلَ من الضُرِّ، أبدلت التاء طاء لقربها منها، ولتؤاخي الضاد بالإِطباق. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾: قوله : ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ما وذا اسم واحد مبتدأ، وخبره، ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾، أيْ: أيُّ شيء أحل لهم من المطاعم؟ ولك أن تجعل (ذا) بمعنى الذي، فيكون هو خبر (ما)، و ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ صلته، وقد ذكر في "البقرة" (٣). ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (ما): موصولة معطوفة على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ وعائدها محذوف، أي: علمتموه، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أُحِلّ لكم الطيباتُ وصيدُ ما عَلَّمْتُمْ، وقد جوز أن تكون شرطية وجوابها ﴿فَكُلُوا﴾، فتكون في موضع رفع بالابتداء (٤). و ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: في محل النصب على الحال من العائد. والجوارح: الكواسب للصيد من السباع والطير، كالكلب والفهد والنمر، والعُقاب والصَقْر والبافي والشاهين، وهي جمع جارحة، والهاء فيها للمبالغة، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف. وقيل: سميت جوارح؛ لأنها تجرح ما تَصيدُ في الغالب (٥).

стр. 1021

وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ نصب على الحال من التاء والميم في (علمتم)، قيل: وفائدة هذه الحال أن يكون من يُعَلِّمُ الجوارحَ نِحريرًا في علمه، مدربًا فيه، موصوفًا بالتكليب؛ لأن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ يغني عنها (١). والمكلِّبُ: الذي يُعَلِّم الجوارحَ الصيدَ، يقال: كَلَّبَ وأَكْلَبَ، إذا اتخذ الجوارح وأدبها، وقد قرئ بهما (مكَلّبين) و (مكْلِبين) بالتشديد والتخفيف (٢)، وفَعَّل وأَفْعل يشتركان كثيرًا. وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال بعد حال، وقيل: هو حال من المستكن في ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ لأن العامل الواحد لا يعمل في حالين، ويحتمل أن يكون مستأنفًا (٣). وقوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: شيئًا مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ ترجع إلى (ما) في قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾ على معنى: وسَمُّوا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى الإرسال، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤)، فيكون على التقديم والتأخير، أي: واذكروا اسم الله عليه، وكلوا مما أمسكن عليكم. وقيل: إلى (ما) في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ على معنى سموا عليه عند إرساله (٥). ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ

стр. 1022

أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾: قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾، و ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، [أي: وأحل لكم المحصنات، أي: نكاحهن (١)]. وأن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أي: والمحصنات حِلٌّ لكم أيضًا. و﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: حال من المحصنات إن عطفتها على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾، أو من المستكن فيها إن جعلتها مبتدأ. وقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (إذا) ظرف لـ ﴿أُحِلَّ﴾. وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من المضمر المرفوع في ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، أي أَعِفّاء. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: حال ثانية على قول من جوز أن يعمل العامل الواحد في حالين، ومن لم يجوز جَعَلَهُ حالًا من المستكن في ﴿مُحْصِنِينَ﴾، ويحتمل أن يكون صفة لمحصنين (٢)، [والمعنى: أَعِفّاء غير مجاهرين بالزنا ولا مسرّين له. والمسافحة: المجاهرة بالزنا. وأما اتخاذ الأخدان: هو أن يتخذ الشخص صديقة يزني بها في السر، وكانوا في الجاهلية لا يستنكفون منه على ما فسر (٣)]. ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ عطف على ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وحكمه في الإعراب حكمه، ولا يجوز أن يكون عطفًا على ﴿مُحْصِنِينَ﴾ لدخول (لا) معه

стр. 1023

تأكيدًا للنفي، ولا نفي في ﴿مُحْصِنِينَ﴾ (١). والأخدان: الصدائق، واحدها خِدْنٌ، والخدن يقع على الذكر والأنثى. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ومن يكفر بموجِبِ الإِيمان وهو الله جل ذكره (٢)، ثم حُذف المضاف للعلم به. والثاني: ومن يكفر بالمؤمَن به، وهو شرائع الإِسلام، وما أَحَلّ الله وحَرّم (٣)، على تسمية المفعول بالمصدر، كضَرْبِ الأميرِ. وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (في) متعلق بقوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إن جعلت الألف واللام للتعريف، وإن جُعِلت بمعنى (الذي) كان متعلقًا بمحذوف يفسره هذا الظاهر، أي: وهو خاسر في الآخرة، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأبين من هذا (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا

стр. 1024

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (إلى) تحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وأن تكون متعلقة بمحذوف على أن تجعلها في محل النصب على الحال، أي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مضافة إلى المرافق، وهي تفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، وأجمع الجمهور على غسل المرافق ودخولها فيه. وقوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباء للإِلصاق، والمراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه أو كله مُلصِق للمسح برأسه، والواجب منه ما يقع عليه اسم المسح، بدليل ما روي "أن رسول الله ﷺ مسح على ناصيته" (١)، والناصية عند العرب مُقَدَّمُ شعر الرأس، فماسح أدنى جزء من مقدم رأسه ماسحٌ على ناصيته موافق لفعل رسول الله ﷺ ، والحديث حجة له على من خالفه في ذلك (٢) وَقَدَّرَ الناصيةَ بربع الرأس مستدِلًّا بالحديث المذكور آنفًا، وهو عليه؛ لما ذكرتُ من أن الناصية عند العرب مقدم شعر الرأس من غير تقييد ولا تقدير، ولو حلف حالف ألّا يضرب على ناصية فلان فضرب على أدنى جزء من مقدم رأسه لكان حانثًا بالإِجماع، وذلك حجة. والمسح إمرار اليد على الشيء. وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرئ: بالنصب عطفًا على الوجوه والأيدي، وبالجر (٣) عطفًا على الممسوح حملًا على المعنى كقوله:

стр. 1025

١٧٧ - يا لَيتَ زوجَكِ قَدْ غَدا ... مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحا (١) وقوله: ١٧٨ - عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ... ................... (٢) لا لِتُمْسَحَ، والدليل على أن الأرجل مغسولة قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فجيء بالغاية كما ترى، ولو كانت ممسوحة لما جيء بالغاية؛ لأن المسح لم تُضْرَب له غايةٌ في الشريعة، فيقاسُ هذا عليه. وقول عَطاءٍ ﵀: والله ما علمت أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين (٣). وقول عائشة ﵄: لأَن تُقطعا أحب إليَّ من أن أمسح على القدمين بغير خُفٍّ (٤). وليس قول من قال: مجرور على الجوار (٥)، كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، بمستقيم لأجل العاطف (٦). وقيل: إن الغَسْلَ سُمِّيَ مَسْحًا على ما تستعمله العرب من قولهم:

стр. 1026

تَمَسَّحْتُ للصلاة، أي: توضأت كغيرها (١). وقرئ: (وأرجلُكم) بالرفع (٢) على الابتداء، والخبر محذوف، أي: وأرجلكم مغسولة. [قال الشافعي ﵀: قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، فقد أكد جل ثناؤه قصد القدمين بالغسل كما قدر الوجه واليدين فكانا، وهذه الآية أنه لا يجزئ في القدمين إلا ما يجزئ في الوجه من الغسل أو الرأس من المسح، فكان يحتمل أن يكون أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعض المتوضئين دون بعض، فلما مسح رسول الله ﷺ على الخفين وأمر به من أدخل رجليه في الخفين وهو كامل الطهارة، دلت سنة رسول الله ﷺ على أنه إنما أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعض المتوضئين دون بعض. انتهى كلامه] (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الجنب يستوي فيه الذكر والأنثى، والتثنية والجمع لكونه مصدرًا، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وإن كنتم ذوي جنب. ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أصله فتطهروا، فأدغمت التاء في الطاء للقرب بعد القلب، فلما أُدغمت سَكَنَتْ فاجتُلبت ألف الوصل لذلك.

стр. 1027

وقرئ: (فَأَطْهِرُوا) (١) من الإِطهار، على معنى: فَطَهِّروا أبدانكم. وقد مضى الكلام على الغائط والصعيد في سورة النساء (٢). وقوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ من صلة قوله: ﴿فَامْسَحُوا﴾. وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ما يريد الله ليجعل عليكم من ضيق في باب الطهارة حتى لا يرخص عليكم في التيمم. ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء. واللام دخلت لتبيين الإِرادة، أي: إرادته تطهيركم. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾: عطف عليه، أي: ولِيتمّ برخصة إنعامه عليكم بعزائمه. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ مفعول ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ محذوف، أي: لعلكم تشكرون نعمته، أو تشكرونه على نعمه عليكم بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه فيثيبَكم. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾: قوله : ﴿إِذْ قُلْتُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لقوله: ﴿وَاثَقَكُمْ﴾، أي: عاقدكم به عقدًا وثيقًا، وهو الميثاق الذي أخذه على المؤمنين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، والرضا والكره، وقالوا: سمعنا وأطعنا، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣).

стр. 1028

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿شُهَدَاءَ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿قَوَّامِينَ﴾، وقد ذكر في "النساء" (١). وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ترك العدل، ولذلك عُدّي بحرف الاستعلاء حملًا على المعنى؛ لأن جَرَم لا يتعدى به، والمصدر مضاف إلى المفعول، أو إلى الفاعل، وقد ذكر قبيل (٢). وقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير المصدر الذي هو العدل، دل عليه ﴿اعْدِلُوا﴾، أي: العدل أقرب إلى التقوى وأدخل في مناسبتها. وقيل: المعنى: أقرب لاتقاء النار (٣). وتاء التقوى مبدلة من واو، وواوها مبدلة من ياء؛ لأنه من وقيت، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾: قوله : ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تفسير للوعد مع تمام الكلام على ﴿الصَّالِحَاتِ﴾، والمفعول الثاني محذوف وهو الموعود به، والأول ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولا يجوز أن تكون الجملة واقعة موقع المفرد،

стр. 1029

و ﴿وَعَدَ﴾ واقع عليها، كما زعم بعضهم (١). مستشهدًا بقول الشاعر: ١٧٩ - وجدنا الصالحين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعينًا سلسبيلًا (٢) أَنَّ الجملةَ التي هي (لهم جزاء) واقعة موقع المفرد، ومحلها النصب لوقوعها موقع المفعول الثاني لقوله: ﴿وَجَدْنَا﴾، ولذلك نصب ما بعدها عطفًا عليها؛ لأن ما ذهب إليه شيء يختص بباب ظننت، ووجدت من باب ظننت، وليس وعدت من بابها فافترقا لذلك، فاعرفه فإنه موضع (٣). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾: قوله ، ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ (عليكم) يحتمل أن يكون متعلقًا بالنعمة، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لها، وأن يكون حالًا منها، أي: عالية عليكم، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لعليكم، وقيل: ﴿إِذْ﴾ ظرف لقوله: ﴿اذْكُرُوا﴾، وليس بشيء (٤). ﴿أَنْ يَبْسُطُوا﴾: (أن) في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته. ومعنى بَسْطِ اليدِ: مدها إلى المبطوش به، يقال: بسط إليه يده، إذا بطش به، وبسط إليه لسانه، إذا شتمه. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا

стр. 1030

وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾: قوله : ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (منهم) في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾، ولك أن تعلقه بقوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾. والنقيب: قيل: الضمين (١). وقيل: الشهيد (٢). وحقيقته في اللغة: الذي يَنْقُبُ عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف؛ لأنه يتعرفها، يقال: نَقُبَ فلان على القوم يَنْقُبُ، إذا صار نقيبًا ولم يكن نقيبًا (٣). وقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلقَسَم، وإن شرطية، وفي ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ جواب للقسم، وهذا الجواب ساد مسد جواب القسم والشرط جميعًا، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب في غير موضع. والجمهور على تشديد الزاي في قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ على معنى: نصرتموهم ومنعتموهم من أيدي العُداة، ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة القبيح، وقرئ: (وعَزَرْتُموهم) بتخفيفها (٤) على معنى: حُطْتموهم، وكَنَفْتموهم، يقال: عَزَرْتُ فلانا، إذا حُطْتَهُ وكَنفته، والمعنيان متقاربان. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ فيه وجهان:

стр. 1031

أحدهما: أنه مصدر على حذف الزوائد، كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١) على أحد الوجهين. والثاني: أنه اسم بمعنى المُقْرَض، فيكون مفعولًا به، كما تقول: أقرضته مالًا. وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط، أو الجواب على الخلاف المذكور في غير موضع. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: الإِشارة إلى ما ذكر، أي: بعد ذلك الشرط المؤكَّد المعلق بالوعد العظيم. و﴿مِنْكُمْ﴾: في محل النصب على الحال من المستكن في فعل الشرط. و ﴿سَوَاءَ﴾: ظرف لضل بمعنى: وسط السبيل، وقد مضى الكلام على هذا في سورة البقرة بأشبع من هذا (٢). ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (ما) صلة أو موصوفة، وقد ذكر فيما سلف (٣)، والباء متعلقة بقوله: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾، والباء للسببية، أي: فبسبب نقضهم طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا (٤). وقيل: مسخناهم (٥). وقيل: ضربنا عليهم الجزية (٦).

стр. 1032

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: صَيَّرناها يابسة غليظة صلبة، وأصل يائها: الواو؛ لأنه من القسوة، يقال: قسا يقسو قسوة، وإنما قلبت للكسرة. وقرئ: (قاسِيَةً) بألف بعد القاف (١)، لقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) لم يُختلف فيه. وقرئ: (قَسِيَّةً) بحذف الألف، وقلب الواو ياء، وإدغام ياء فعيلة فيها (٣)، أي رَدِيَّة، من قولهم: درهم قَسِيٌّ، أي: زائف؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لِينٌ، والمغشوش فيه يُبْسٌ وصَلابة (٤). والقاسي والقَسِي أَخَوان في الدلالة على اليُبس والصَلابة، غير أن فعيلًا أبلغ من فاعل (٥). وقرئ: (قِسِيَّة) بكسر القاف (٦) للإتباع، كعِصيّ في عُصِيّ. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من الهاء والميم في ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾، وأن يكون بيانًا لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قَسوةَ أشدُّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه. وقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ (خائنةٍ) تحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى خيانة، وبه قرأ بعض القراء: (على خِيانة منهم) (٧)، كالعافية والطاغية، وفاعلة في أسماء المصادر كثيرة، وفي الكلام حذف مضاف،

стр. 1033

أي: ولا تزال تطلع على ذي خيانة، أو ذوي خيانة، وأن تكون صفة لموصوف، أي: ولا تزال تطلع على فرقة خائنة (١). قال أبو إسحاق: ويقال: رَجُلٌ خَائِنَةٌ، انتهى كلامه (٢). كقولهم: رَجُلٌ راويةٌ للشعر، للمبالغة. و ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع الجر على الصفة لخائنة. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ منصوب على الاستثناء، والاستثناء من الهاء والميم في ﴿مِنْهُمْ﴾ على الوجه الأول، أو من المستكن في ﴿خَائِنَةٍ﴾ على الوجه الثاني، كأنه قيل: ولا تزال تطلع على فرقة يخونون إلّا قليلًا منهم، وهم الذين آمنوا منهم على ما فسر (٣)، وأعيد ذكر ﴿مِنْهُمْ﴾ على وجه التوكيد. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم، فحُذِفَ الموصوف (٤). وعن الكسائي: مَن أخذنا ميثاقهم، فحُذف (مَن) (٥). وقيل: (مِن) صلة على مذهب أبي الحسن (٦).

стр. 1034

وقيل: (مِن) متعلقة بقوله: ﴿أَخَذْنَا﴾، أي: وأخذنا مِن الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم (١). وهذه الجملة عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢). قيل: وإنما قيل: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، ولم يقل: ومن النصارى؛ لأنهم ابتدعوا النصرانية وسموا أنفسهم بها ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى ﵇: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (٣) على ما فسر (٤). فإن قلتَ: هل يجوز تقديم قوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ على قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾؟ . قلت: لا، لأجل أن فيه إضمارًا قبل الذكر لفظًا وتقديرًا. قال أبو الحسن: هذا كما تقول: مِن زيدٍ أخذتُ دِرهمه (٥)، ولا يجوز أخذت درهمه من زيد. وقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (فأغرينا) عطف على قوله: ﴿فَنَسُوا﴾، أي: فألصقنا وألزمنا، من غَرِيَ بالشيء، إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره، ومنه الغِراء الذي يُلْصَقُ به الشيء يكون من السَّمَكِ (٦)، إذا كَسَرْتَ الغين مَدَدْتَ، وإذا فتحتَ قَصَرْتَ (٧)، تقول منه:

стр. 1035

غَرَوْتُ الجلد، إذا ألصقته بالغِراء، وقوس مَغْرُوَّةٌ، والياء في أغرينا من واو لما ذكرت آنفًا (١). وقوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾، وأن يكون حالًا من العداوة، ولا يجوز أن يكون ظرفًا للعداوة؛ لأن العداوة مصدر كالمعاداة، يقال: عَدُوٌّ بَيِّنُ العداوة والمعاداة، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. والضمير في ﴿بَيْنَهُمُ﴾ قيل: لليهود والنصارى (٢)، وقيل لِفِرَقِ النصارى المختلفين (٣). و﴿إِلَى﴾: تحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾، وأن تكون متعلقة بالعداوة والبغضاء، أي: تباعدت قلوبهم ونياتهم إلى يوم القيامة، أو: تباغضوا إلى يوم القيامة، ويجوز أن تكون حالًا من أحدهما، فتكون متعلقة بمحذوف، أي: مستقرة أو مستقرًا إلى يوم القيامة. والهمزة في (البغضاء) للتأنينث، كالتي في نحو السراء والضراء. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾: قوله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ محل ﴿يُبَيِّنُ﴾ النصب على الحال من قوله: ﴿رَسُولُنَا﴾، ومثله الثاني (٤)، وكذلك ﴿وَيَعْفُو

стр. 1036

عَنْ كَثِيرٍ﴾، أي: مبينًا لكم وعافيًا عن كثير. و﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: في محل النصب على الحال من العائد المحذوف إلى (ما) أي: تخفونه كائنًا منه. وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿جَاءَكُمْ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿نُورٌ﴾. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾: قوله : ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ محل ﴿يَهْدِي﴾ الرفع على النعت لكتاب (١)، أو النصب على الحال من (الكتاب) لكونه قد وصف، أو من المنوي في ﴿مُبِينٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ مفعول ثان لـ ﴿يَهْدِي﴾، والأول: ﴿مَنِ﴾، أي: إلى سبل السلام. ولك أن تجعله بدلًا من قوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والمرادُ به طُرُقُ السلامةِ والنجاةِ من عذاب الله ، عن أبي إسحاق وغيره (٣). وقيل: ﴿السَّلَامِ﴾ هو الله جل ذكره، والسلام اسم من أسمائه، أي: طُرُقُ اللَّه، عن السدي وغيره (٤). وإسكان باء السبل جائز تخفيفًا، وبه قرأ بعض القراء (٥).

стр. 1037

و ﴿مَنِ﴾ في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾: تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وقد جوز أن يكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ للرسول، فيكون ﴿يَهْدِي﴾ حالًا منه، أو المنوي في ﴿يُبَيِّنُ﴾. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للكتاب، وفي ﴿رِضْوَانَهُ﴾ لله جل ذكره. والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان، وقد قرئ بهما (١). و﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾: عطف على ﴿يَهْدِي﴾ وحكمه في الإِعراب حكمه. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾: قوله : ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ (مَن) استفهامُ تقرير في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿يَمْلِكُ﴾، أي: قل لهم: فمن يمنع من قدرته ومشيئته إن أراد أن يهلك المسيح وأمه؟ ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: عطف عليهما، وأراد بعطف (من) عليهما تنبيهًا على أنهما مخلوقان كمن في الأرض، لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية والعبودية. و﴿جَمِيعًا﴾: منصوب على الحال من المستكن في الظرف حملًا على معنى (مَن)، ولك أن تجعله حالًا من المسيح وأمه ومن في الأرض، والعامل على الوجه الأول: الظرف، وعلى الثاني: ﴿أَنْ يُهْلِكَ﴾. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ

стр. 1038

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾: قوله : ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مِنّا من هو ابن الله وحبيبه، يعنون عُزيرًا وعيسى ﵇. والثاني: نحن أبناءُ رُسِلِ اللَّه، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾: قوله : ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾. والفترة: انقطاعُ ما بين الأنبياء، أي: جاءكم على حينِ فتورٍ من إرسال الرسل، وانقطاعٍ من الوحي، [وتواتر منهم، لأن الرسل كانت متواترة إلى وقت رفع الله عيسى ﵇ على ما فسر (١)]. و﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: في موضع الصفة لفترة. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: أن في موضع نصب، أيْ: كراهةَ أو مخافةَ أن تقولوا، ثم حُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٢). وقوله: ﴿وَلَا نَذِيرٍ﴾ عطف (على لفظ) ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾. ويجوز في الكلام (ولا نذيرٌ) بالرفع عطفًا على الموضع (٣)، ولا يجوز لأحد أن يقرأ به؛ لأن القراءة سنة متبعة، يأخذها الخلف عن السلف من غير اعتراض.

стр. 1039

وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ قيل: متعلق بمحذوف، أي: لا تعتذروا فقد جاءكم (١). ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ﴾ الكلام فيها كالكلام في قوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾، وقد ذُكر (٢). ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ محل ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ (٣) النصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا﴾، أي: ولا تَنكصوا عن الأرض التي أُمرتم بدخولها مدبرين على أعقابكم من خوف الجبابرة جبنًا وهلعًا. وقوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (فتنقلبوا): يحتمل أن يكون منصوبًا على الجواب، وأن يكون مجزومًا عطفًا على ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. و ﴿خَاسِرِينَ﴾: يحتمل أن يكون حالًا من الفاعل في ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾، وأن يكون خبر ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ على تضمين ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ معنى فتصيروا. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ أي: داخلون فيها، فحذف المفعول للعلم به. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ

стр. 1040

فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ قوله : ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (من الذين) في موضع الرفع على النعت لـ ﴿رَجُلَانِ﴾. ومفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، أي: يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: قال رجلان من المتقين. و ﴿يَخَافُونَ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾، والراجع إلى الموصول الواو، وقد جُوز أن يكون الواو في ﴿يَخَافُونَ﴾: لبني إسرائيل، والراجع إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل، وهم الجبارون، وهما رجلان منهم (١)، يعضد هذا الوجه قراءة من قرأ: (يُخافون) بضم الياء على البناء للمفعول، وهما مجاهد، وسعيد بن جبير رحمهما الله (٢)، كأنه قيل: رجلان من المَخُوفين. وقيل: هو من الإِخافة، ومعناه: من الذين يُخَوَّفُون بالتذكرة والموعظة، وصفهم الله سبحانه بالخوف منه إذا وعظوا، أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب، هذه الأوجه على قراءة من ضم الياء في (يُخافون) (٣). وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ محلها الرفع على أنها صفة أخرى لـ ﴿رَجُلَانِ﴾، أو النصب على الحال من ﴿رَجُلَانِ﴾ في، أو من المستكن في ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ وقد معها مرادة (٤). ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿أَبَدًا مَا دَامُوا﴾ (أبدًا) ظرف للدخول، و ﴿مَا دَامُوا﴾

стр. 1041

بدل من ﴿أَبَدًا﴾ وهو بدل البعض من الكل، وهما ظرفان، أعني ﴿أَبَدًا﴾ و (ما داموا)، أما (أبدًا) فالظرفية فيه ظاهر؛ لأنه يراد به الدهر، وأما ﴿مَا دَامُوا﴾ فما مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدر يراد به الوقت، يقال: فعلت كذا خُفُوقَ النجمِ. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ﴾ عطف على المستكن في ﴿فَاذْهَبْ﴾، وقد ذكر نظيره فيما سلف بأشبع من هذا (١). ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ محل ﴿وَأَخِي﴾ يحتمل أن يكون نصبًا على العطف على ﴿نَفْسِي﴾؛ لأن أخاه إذا كان مطيعًا له فهو يملكه كما يملك نفسه. أو على الضمير في ﴿إِنِّي﴾ على تأويل: إني لا أملك إلّا نفسي، وإن أخي لا يملك إلّا نفسه. وأن يكون رفعًا على العطف على محل إن واسمِها على تأويل: إني لا أملك إلّا نفسي وأخي كذلك لا يملك إلّا نفسه. أو على المستكن في ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ بمعنى: لا أملك أنا وأخي إلّا أنفسنا، والذي جوز ذلك من غير تأكيد: الفصلُ. وأن يكون جرًا على العطف على الضمير في ﴿نَفْسِي﴾ وإن كان ضعيفًا عند أهل البصرة، لقبح عطف الظاهر على المضمر المجرور إلَّا بإعادة الجار (٢).

стр. 1042

وقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ كرر (بين) هنا لقبح العطف على المضمر المجرور إلّا بتكرير الجار. ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ﴾ الهاء في ﴿فَإِنَّهَا﴾ راجعة إلى الأرض المقدسة، أي: فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم لا يدخلونها ولا يملكونها. و﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: ظرف للتيه في قول الحسن، وقتادة، قالا: لم يدخلها أحد منهم. وقال غيرهما: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف للتحريم (١). و﴿يَتِيهُونَ﴾: في محل النصب على الحال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ومعنى ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون سبيلًا، يقال: تاه في الأرض، إذا ذهب فيها متحيرًا يَتيه تِيهًا وتَيَهانًا. والتِّيه: المفازة التي يُتاه فيها، والجمع: اتْياهٌ وأتاويهُ. وقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: فلا تجزن عليهم، يقال: أَسِيَ على فلان يَأْسَى بكسر الجين في الماضي وفتحها في الغابر أَسىً، إذا حَزِن، واختلف في ألف يأسى، فقيل: بدل من واو، وقيل: من ياء. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ

стр. 1043

﴿لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ (بالحق) في موضع نصب على الحال من النبأ، أي: اتل ذلك ملتبسًا بالصدق، موافقًا لما في كتب الأولين، أو من المستكن في ﴿وَاتْلُ﴾، وقد جوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: تلاوة ملتبسة بالحق والصحة (١). و﴿إِذْ﴾ ظرف للنبأ؛ لأن خبرهم وحديثهم كان في ذلك الوقت، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَاتْلُ﴾، كما زعم بعضهم، لأن التلاوة لم تكن في ذلك الوقت، وقد جُوز أن يكون بدلًا من النبأ على تقدير حذف المضاف، أي: اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت (٢). والقُربانُ: اسمُ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله سبحانه من نَسِيْكَةٍ، أو صدقة، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لم يُثَنَّ، وعن أبي علي: تقديره: إذْ قَرَّبَ كل واحد منهما قربانًا، كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) أي: كل واحد منهم. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾: قوله ، ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: ملتبسًا بهما، حاملًا لهما. واختلف في معنى ذلك: فقيل: معناه: إني أريد أن ترجع بإثم قتلي، والإِثم الذي كان منك قبل قتلي، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤).

стр. 1044

وقيل: المعنى: بإثم قتلك إياي، وإثم ذنبك الذي لم يُتقبل قُربانُك من أجله، عن مجاهد (١). وقيل: بإثم قتلي لك لو قتلتك، وإثم قتلك لي (٢). وفي الكلام على الأوجه حذف مضاف، أي: بمثل إثمي، كما تقول: ضربته ضرب الأمير اللص، وقرأت قراءة فلان، ونحو هذا كثير شائع في كلام القوم نَثرِهم ونَظمِهم. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي: رَخَّصَتْ وسَهَّلَتْ، عن أبي الحسن (٣). وطَوَّعت فَعَّلت من الطَّوع، وهو الإجابة إلى الشيء (٤). وقرئ: (فطاوعت) بألف بعد الطاء مع تخفيف الواو (٥)، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فَعَّلَ. والثاني: أن يراد أن قتل أخيه كأنه دَعَا نفسَه إلى الإِقدام عليه، فطاوعته ولم تمتنع. واللام في ﴿لَهُ﴾ لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيد ماله (٦).

стр. 1045

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (يبحث): في موضع نصب على الصفة لغراب. ﴿لِيُرِيَهُ﴾: المستكن في ﴿لِيُرِيَهُ﴾ لله تعالى، أو للغراب، والهاء لقابيل، أي: ليريه الله، أو ليريه الغراب، أي: ليعلِّمه، لأنه لما كان سَبَبَ تعليمِه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز. ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾: الجملة في موضع نصب على أنها مفعول ثان ليري. ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ والسوءة يعني بها هنا العورة، وما لا يجوز أن يتكشف من جسد الإِنسان، وقيل: يعني بها جيفة المقتول (١). وقوله: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ الجمهور على قلب ياء الإِضافة ألفًا لخفتها، وقرئ: (يا ويلتي) مضافًا على الأصل (٢)، وكلتاهما لغة شائعة (٣). والويل: كلمة يستعملها الإنسان عند تَنَدُّمٍ، أو عند شدة، قال صاحب الكتاب ﵀: الويل كلمة تقال عند الهَلَكَة، انتهى كلامه (٤). وقد تدخل عليها الهاء فيقال: وَيْلَةٌ، قال مالك بن جعدة (٥):

стр. 1046

١٨٠ - لأُمِّكَ ويلَةٌ وعليكَ أُخْرَى ... فلا شاةٌ تُنيلُ ولا بعير (١) وكفاك دليلًا: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾، ونوديت كما يُنادَى العَجَبُ والحسرة، أي: يا ويلةً احضري فهذا إبَّانُكِ (٢). ﴿أَنْ أَكُونَ﴾: أي: عن أن أكون. ﴿فَأُوَارِيَ﴾: عطف على ﴿أَنْ أَكُونَ﴾، وقيل: هو منصوب على جواب الاستفهام (٣)، ورُدَّ ذلك، إذ ليس المعنى: أَيكونُ مني عَجْزٌ فمواراةٌ، ألا ترى أنك إذا قلت: أين بيتك أزورك؟ كان معناه: لو عرفت بيتك لزرتك، وليس المعنى هنا: لو عجزت لواريت (٤). والجمهور على نصب ياء (فأواريَ) لما ذكرت آنفًا، وقرئ: (فأواريْ) بإسكانها (٥) على: فأنا أواري، أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف، وله نظائر في التنزيل. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا

стр. 1047

﴿النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ (من) لابتداء الغاية، وهي متعلقة بـ ﴿كَتَبْنَا﴾، أي: ابْتُدئتِ الكتابةُ وأُنشئتْ من أجل ذلك، وقيل: هي متعلقة بـ ﴿النَّادِمِينَ﴾ (١)، والوجه هو الأول وعليه الجل؛ لأن الابتداء بكتبنا فيه ما فيه. ومعنى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ أي: من جراء ذلك وجريرته، وقيل: من أجل ذلك، أي: من جناية ذلك (٢)، مِن أَجَلَ شَرًّا يَأْجُلُ ويَأْجِلُ أَجْلًا، إذا جَنَاه وهَيَّجَه، كأنك إذا قلت: من أجلك فغلت كذا، أردت من أن جنيتَ فعلهُ وأوجبتَهُ، ويدل عليه قولهم: من جَرَّاكَ فعلته، أي: من أن جَرَرْتَهُ، بمعنى جنيته، ويقال: فعلت ذلك من أَجْلك. ومن إِجْلك بفتح الهمزة وكسرها (٣). وبالكسر قرأ ابن القعقاع (٤). فإذا خففت الهمزة ألقيت حركتها على النون، وحركت النون إمّا بالفتح وإما بالكسر على اللغتين، وحذفت الهمزة على مذاق العربية (٥). والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى القتل المذكور. ﴿أَنَّهُ﴾: موضع أنَّ نصب بـ ﴿كَتَبْنَا﴾، والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والحديث، وقد جوز كسر أنَّ على الاستئناف (٦).

стр. 1048

﴿مَنْ قَتَلَ﴾: (من) شرط في موضع رفع بالابتداء وخبره فعل الشرط. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: أي: بغير قتل نفس، لا على وجه القصاص. و ﴿بِغَيْرِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿قَتَلَ﴾. وقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ الجمهور على جر ﴿فَسَادٍ﴾ عطفًا على ﴿نَفْسٍ﴾، بمعنى: أو بغير فساد في الأرض، واختلف في الفساد هنا، فقيل: هو الشرك، وقيل: هو قطع الطريق (١). وقرئ: (فسادًا) بالنصب (٢) على إضمار فعل، أي: أَحْدَثَ أو عَمِلَ فسادًا أو فَسَدَ فسادًا، فيكون مصدرًا. ﴿فَكَأَنَّمَا﴾: الفاء جواب الشرط، والشرط وجوابه في موضع رفع بخبر ﴿أَنَّهُ﴾، و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿النَّاسَ﴾، أي: قتلهم مجتمعين، ومثله الثاني. وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ظرف لقوله: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾، والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾: إلى ما تقدم من الكتابة ومجيء الرسل، أي: بعد كتابتنا عليهم، وبعد مجيء الرسل بالآيات لمسرفون في القتل لا يبالون بعظمته. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾:

стр. 1049

قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ (جزاء) رفع بالابتداء، ونهاية صلة الذين ﴿فَسَادًا﴾، وهو مفعول من أجله، أي: يسعون فيها للفساد، أو مصدر من غير فعله، وإنما هو محمول على المعنى، لأن سعيهم في الأرض لما كان على وجه الفساد نزل منزلته، كأنه قيل: ويفسدون فيها فسادًا، أي: إفسادًا، ثم وضع موضعه كما وضع ﴿نَبَاتًا﴾ (١) موضع إنباتًا على أحد الوجهين. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الواو في (يسعون)، أي: يسعون فيها مفسدين، وخبر الابتداء ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ وما عطف عليه. وأن وما اتصل بها في تأويل المصدر، أي: جزاؤهم التقتيل، أو التصليب، أو التقطيع، أو النفي. و﴿أَوْ﴾ في جميع ذلك للتخيير (٢)، والتخيير للإِمام، وفيها تفصيل وأحكام على قدر اختلاف العلماء فيها، ولا يليق ذكرها هنا. وقوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ في موضع نصب على الحال من الأيدي والأرجل، أي: مختلفة، وهي اليد اليمنى والرجل اليسرى. وقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ (ذلك) مبتدأ، والإشارة إلى الأشياء المحكوم بها عليهم. و ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ (خزي) رفع بالابتداء، والخبر ﴿ذَلِكَ﴾، أو بِلَهم على رأي أبي الحسن، والجملة في موضع رفع بخبر ﴿ذَلِكَ﴾. و﴿فِي الدُّنْيَا﴾: في موضع رفع على النعت للخزي، ولك أن تعلقه بـ ﴿خِزْيٌ﴾ تعلق الجار بالفعل، ويحتمل أن يكون ﴿خِزْيٌ﴾ خبر ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿لَهُمْ﴾ حال من ﴿خِزْيٌ﴾ لتقدمه عليه.

стр. 1050

وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ﴾ (عذاب) مبتدأ، والخبر (لهم)، و ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ صفة مقدمة، فيكون حالًا، ويجوز أن يكون ظرفًا للخبر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾: قوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ إما النصب على الاستثناء من المعاقبين عِقَابَ قَطْع الطريقِ خاصة، وأما حكم القتل، والجراح، وأخذ المال، فإلى الأَولياء، إنْ شاؤُوا عفَوا، وإن شاؤُوا استوفَوا، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁، قال: يسقط عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم حَدُّ اللَّهِ خاصةً، ولا يسقط عنهم حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في مال (١). أو الرفع على الابتداء، والخبر ﴿فَاعْلَمُوا﴾، والراجع إليه من الخبر محذوف تقديره: فاعلموا أن الله غفور لهم أو رحيم بهم، وإنما حذف للعلم (به) (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (إلى) يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَابْتَغُوا﴾، وأن يكون متعلقًا بالوسيلة، لأنها بمعنى المتوسَّل (٣)، والوسيلة: ما يتوسل به إلى الغير، أي: يتقرب من قرابة، أو صنيعة، أو

стр. 1051

غير ذلك، فاستعيرت لما يُتَوَسَّلُ به إلى الله تعالى من فعل البر، ولك أن تجعله حالًا من الوسيلة، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: وابتغوا الوسيلة مستقرة أو كائنة إليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾: قوله : ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ (جميعًا) حال من المستكن في الظرف وهو ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمِثْلَهُ﴾ عطف على، ﴿مَّا﴾، أي: وأنَّ مثله معه. والضمير في ﴿وَمِثْلَهُ﴾ و ﴿مَعَهُ﴾ يعود إلى ﴿مَّا﴾، وفي ﴿بِهِ﴾ إلى ﴿مَّا﴾ و ﴿وَمِثْلَهُ﴾. وإنما وحِّد وهما شيئانِ إجراءً له مُجرى اسم الإِشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿لَوْ﴾ وجوابه، وهو ﴿مَّا﴾، ويأتي ﴿مَّا﴾ في جواب لو ولا يأتي في جواب إنْ؛ لأن (ما) له صدر الكلام، فلا يخرج في جواب لو عن كونه صدر الكلام، ويخرج في جواب إنْ عن كونه صدرًا، تقول: لو أتاني ما ضربته، ولا تقول: إن أتاني ما ضربته؛ لأن إن عاملة وجوابها معمولها، وليست لو بعاملة، فجوابها صدر الكلام، فاعرفه. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾: قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الجمهور على رفعهما على الابتداء، وفي الخبر وجهان: أما عند صاحب الكتاب: فمحذوف، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم

стр. 1052

السارق والسارقة؛ أي: حكمهما (١). وأما عند غيره: فالخبر ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط؛ لأن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي، كأنه قيل: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، إذ ليس يقصد به سارق بعينه، ولا سارقة بعينها، ولا مقال في أن الاسم الموصول يُضمَّنُ معنى الشرط لما فيه من الإِبهام إذا كانت الصلة فعلًا أو ظرفًا. ونَصَبَهُما عيسى بن عمر (٣) بإضمار فعل؛ أي: اقطعوا السارق والسارقة. وقوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ يريد يديهما، وهما اليمينان؛ لأن المقطوع من السارق والسارقة يميناهما، تعضده قراءة من قرأ: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) وهو عبد الله ﵁ (٤)، وإنما وضع الجمع موضع الاثنين؛ لأنه ليس في الإِنسان سوى يمين واحدة، كالرأس والقلب والبطن والظهر، وما هذه سبيله يُجْعَلُ الجمع فيه مكان الاثنين لعدم اللَّبْسِ واجتزاءً بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وفي التنزيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥)، ولو

стр. 1053

ثُنِّيَ ما كان في الشيء منه واحد لكان جائزًا، لا أعرضي ذلك خلافًا عند أهل العربية، وقد جمعهما الشاعر في بيت واحد فقال: ١٨١ - وَمَهْمَهَينِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن ... ظَهراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن (١) فأتى بالتثنية والجمع كما ترى. ﴿جَزَاءً﴾ و ﴿نَكَالًا﴾: مفعولان من أجلهما؛ أي: فاقطعوا للجزاء والنكال، ويجوز أن ينتصبا على المصدر حملًا على المعنى؛ لأن معنى (فاقطعوا): جازوهم ونكلوا بهم، وقد جوز أن يكونا في موضع الحال. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾: قوله ، ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (لا يحزنك) نهي، وقريء: (لا يَحْزُنك) بفتح الياء وضم الزاي، و (لا يُحْزِنك) بضم الياء وكسر الزاي (٢)، وهما لغتان، يقال: حَزَنَهُ يَحْزُنه، وأَحْزَنَهُ يُحْزِنه بمعنىً،

стр. 1054

وقد ذكر فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). والجمهور على إثبات الألف بعد السين في ﴿يُسَارِعُونَ﴾، من سارع، وقريء: (يُسرعون) بحذفها (٢)، من أسرع، وكلتاهما متقاربتان في المعنى، يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنَى: وقع فيه سريعًا، فكذلك مسارعتهم أو إسراعهم في الكفر: وقوعهم وتهافتهم فيه [أسرع شيء، إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها، قاله الزمخشري] (٣). وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (من الذين) في محل النصب على الحال من ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ ﴿آمَنَّا﴾، أو الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾، أي: كائنين منهم. و ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾ لا بـ ﴿آمَنَّا﴾ كما زعم بعضهم، و ﴿آمَنَّا﴾ مفعول ﴿قَالُوا﴾، أي: قالوا بأفواههم آمنا، أي: بألسنتهم. ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾: في موضع الحال. وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يحتمل أن يكون منقطعًا مما قبله خبرًا لـ ﴿سَمَّاعُونَ﴾، أي: ومن اليهود قوم أو فريق سَمَّاعون، وأن يكون عطفًا على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا﴾، ويرتفع ﴿سَمَّاعُونَ﴾ على خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون، والضمير على هذا في ﴿سَمَّاعُونَ﴾ للفريقين: المنافقين واليهود، وعلى الأول: لليهود. و﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنهم مُسْتَمِعُونَ للكذب، أي: يقبلونه، ومنه "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، أي: قبل منه حَمْدَهُ، فاللام على هذا التأويل مزيدة.

стр. 1055

والثاني: أنهم مستمعون أخباركم للكذب، أي: يسمعون لِيَكْذِبُوا عليكم، فاللام على هذا التأويل ليست بمزيدة، وإنما هي للتعليل، والمفعول محذوف. و﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تكرير للأولى، و ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق به، أي: لأجل قوم. وقد جوز أن يكون متعلقًا بالكذب؛ لأن ﴿سَمَّاعُونَ﴾ الثانية مكررة للأولى، أي: ليكذبوا لقوم آخرين (١). قيل: وهم اليهود الذين لم يَصِلوا إلى مجلس رسول الله ﷺ (٢). ومعنى ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾: أي: هم عُيونٌ لأولئك الغُيَّب (٣). و﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾: في موضع جر على النعت لـ ﴿قَوْمٍ﴾. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ محله النصب على الحال إمَّا من الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾ أو من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، أو من الضمير في ﴿هَادُوا﴾، أو من الضمير ﴿سَمَّاعُونَ﴾، لا من الضمير في ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ كما زعم بعضهم؛ لأن ذلك يكون نفيًا للتحريف عنهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم يحرفون، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى. أو الرفع على: هم يحرفون، أو على النعت؛ أي: قوم سَمَّاعون مُحَرِّفُون، والجر على النعت لـ (قوم)؛ أي: سماعون لقوم محرفين. ومثله: ﴿يَقُولُونَ﴾ على الأوجه المذكورة. ولك أن تجعل ﴿يَقولُونَّ﴾ حالًا من الضمير في ﴿يُحَرِّفُونَ﴾.
следующие страницы →