غير ذلك، فاستعيرت لما يُتَوَسَّلُ به إلى الله تعالى من فعل البر، ولك أن تجعله حالًا من الوسيلة، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: وابتغوا الوسيلة مستقرة أو كائنة إليه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ (جميعًا) حال من المستكن في الظرف وهو ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمِثْلَهُ﴾ عطف على، ﴿مَّا﴾، أي: وأنَّ مثله معه. والضمير في ﴿وَمِثْلَهُ﴾ و ﴿مَعَهُ﴾ يعود إلى ﴿مَّا﴾، وفي ﴿بِهِ﴾ إلى ﴿مَّا﴾ و ﴿وَمِثْلَهُ﴾. وإنما وحِّد وهما شيئانِ إجراءً له مُجرى اسم الإِشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿لَوْ﴾ وجوابه، وهو ﴿مَّا﴾، ويأتي ﴿مَّا﴾ في جواب لو ولا يأتي في جواب إنْ؛ لأن (ما) له صدر الكلام، فلا يخرج في جواب لو عن كونه صدر الكلام، ويخرج في جواب إنْ عن كونه صدرًا، تقول: لو أتاني ما ضربته، ولا تقول: إن أتاني ما ضربته؛ لأن إن عاملة وجوابها معمولها، وليست لو بعاملة، فجوابها صدر الكلام، فاعرفه.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الجمهور على رفعهما على الابتداء، وفي الخبر وجهان:
أما عند صاحب الكتاب: فمحذوف، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم
стр. 1052
السارق والسارقة؛ أي: حكمهما (١).
وأما عند غيره: فالخبر ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط؛ لأن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي، كأنه قيل: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، إذ ليس يقصد به سارق بعينه، ولا سارقة بعينها، ولا مقال في أن الاسم الموصول يُضمَّنُ معنى الشرط لما فيه من الإِبهام إذا كانت الصلة فعلًا أو ظرفًا.
ونَصَبَهُما عيسى بن عمر (٣) بإضمار فعل؛ أي: اقطعوا السارق والسارقة.
وقوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ يريد يديهما، وهما اليمينان؛ لأن المقطوع من السارق والسارقة يميناهما، تعضده قراءة من قرأ: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) وهو عبد الله ﵁ (٤)، وإنما وضع الجمع موضع الاثنين؛ لأنه ليس في الإِنسان سوى يمين واحدة، كالرأس والقلب والبطن والظهر، وما هذه سبيله يُجْعَلُ الجمع فيه مكان الاثنين لعدم اللَّبْسِ واجتزاءً بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وفي التنزيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥)، ولو
стр. 1053
ثُنِّيَ ما كان في الشيء منه واحد لكان جائزًا، لا أعرضي ذلك خلافًا عند أهل العربية، وقد جمعهما الشاعر في بيت واحد فقال:
١٨١ - وَمَهْمَهَينِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن ... ظَهراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن (١)
فأتى بالتثنية والجمع كما ترى.
﴿جَزَاءً﴾ و ﴿نَكَالًا﴾: مفعولان من أجلهما؛ أي: فاقطعوا للجزاء والنكال، ويجوز أن ينتصبا على المصدر حملًا على المعنى؛ لأن معنى (فاقطعوا): جازوهم ونكلوا بهم، وقد جوز أن يكونا في موضع الحال.
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾:
قوله ، ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (لا يحزنك) نهي، وقريء: (لا يَحْزُنك) بفتح الياء وضم الزاي، و (لا يُحْزِنك) بضم الياء وكسر الزاي (٢)، وهما لغتان، يقال: حَزَنَهُ يَحْزُنه، وأَحْزَنَهُ يُحْزِنه بمعنىً،
стр. 1054
وقد ذكر فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١).
والجمهور على إثبات الألف بعد السين في ﴿يُسَارِعُونَ﴾، من سارع، وقريء: (يُسرعون) بحذفها (٢)، من أسرع، وكلتاهما متقاربتان في المعنى، يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنَى: وقع فيه سريعًا، فكذلك مسارعتهم أو إسراعهم في الكفر: وقوعهم وتهافتهم فيه [أسرع شيء، إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها، قاله الزمخشري] (٣).
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (من الذين) في محل النصب على الحال من ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾ ﴿آمَنَّا﴾، أو الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾، أي: كائنين منهم. و ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾ لا بـ ﴿آمَنَّا﴾ كما زعم بعضهم، و ﴿آمَنَّا﴾ مفعول ﴿قَالُوا﴾، أي: قالوا بأفواههم آمنا، أي: بألسنتهم.
﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾: في موضع الحال.
وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يحتمل أن يكون منقطعًا مما قبله خبرًا لـ ﴿سَمَّاعُونَ﴾، أي: ومن اليهود قوم أو فريق سَمَّاعون، وأن يكون عطفًا على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا﴾، ويرتفع ﴿سَمَّاعُونَ﴾ على خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون، والضمير على هذا في ﴿سَمَّاعُونَ﴾ للفريقين: المنافقين واليهود، وعلى الأول: لليهود.
و﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنهم مُسْتَمِعُونَ للكذب، أي: يقبلونه، ومنه "سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، أي: قبل منه حَمْدَهُ، فاللام على هذا التأويل مزيدة.
стр. 1055
والثاني: أنهم مستمعون أخباركم للكذب، أي: يسمعون لِيَكْذِبُوا عليكم، فاللام على هذا التأويل ليست بمزيدة، وإنما هي للتعليل، والمفعول محذوف.
و﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تكرير للأولى، و ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق به، أي: لأجل قوم. وقد جوز أن يكون متعلقًا بالكذب؛ لأن ﴿سَمَّاعُونَ﴾ الثانية مكررة للأولى، أي: ليكذبوا لقوم آخرين (١). قيل: وهم اليهود الذين لم يَصِلوا إلى مجلس رسول الله ﷺ (٢).
ومعنى ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾: أي: هم عُيونٌ لأولئك الغُيَّب (٣).
و﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾: في موضع جر على النعت لـ ﴿قَوْمٍ﴾.
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ محله النصب على الحال إمَّا من الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾ أو من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، أو من الضمير في ﴿هَادُوا﴾، أو من الضمير ﴿سَمَّاعُونَ﴾، لا من الضمير في ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ كما زعم بعضهم؛ لأن ذلك يكون نفيًا للتحريف عنهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم يحرفون، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى.
أو الرفع على: هم يحرفون، أو على النعت؛ أي: قوم سَمَّاعون مُحَرِّفُون، والجر على النعت لـ (قوم)؛ أي: سماعون لقوم محرفين.
ومثله: ﴿يَقُولُونَ﴾ على الأوجه المذكورة. ولك أن تجعل ﴿يَقولُونَّ﴾ حالًا من الضمير في ﴿يُحَرِّفُونَ﴾.
стр. 1056
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم سماعون، و ﴿أَكَّالُونَ﴾ خبر بعد خبر.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ (كيف) منصوب بيحكمونك.
و﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾: (التوراة) رفع بالابتداء، وخبره الظرف، أو بالظرف، والجملة في محل النصب على الحال.
وقوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، أعني للتوراة، كأنه قيل: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله، وأن يكون حالًا منها على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في الظرف وهو (عندهم) على رأي صاحب الكتاب، والعامل فيها الظرف.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾: عطف على ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾:
قوله . ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ محلها النصب على الحال كان ﴿التَّوْرَاةَ﴾، أي: هاديًا ومبينًا.
стр. 1057
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾: في موضع الحال أيضًا من الضمير المجرور في ﴿فِيهَا﴾.
واللام مِن ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَحْكُمُ﴾، [أي: يحكم بأحكام التوراة النبيون للدَّين هادوا]. وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، كأنه قيل: أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للدَّين هادوا (١). ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ عطف على ﴿النَّبِيُّونَ﴾.
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾: قيل: بدل من ﴿بِهَا﴾ في قوله: ﴿يَحْكُمْ بِمَا﴾، وقد أعيد الجار لطول الكلام، وهو جائز أيضًا وإن لم يطل الكلام (٢).
وقيل: الباء متعلقة بما في (الربانيين والأحبار) من معنى الفعل، كأنه قيل: العالمون بما أنزل (٣). و (ما): موصولة.
و﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: حال من العائد المحذوف إلى (ما)، أي: بما استُحفظوه كائنًا منه، و ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلقة بشهداء، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للكتاب.
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾:
قوفه : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، (أَنَّ) في موضع نصب بـ ﴿كَتَبْنَا﴾. و ﴿بِالنَّفْسِ﴾ في موضع رفع بخبر ﴿أَنَّ﴾، أي: وكتبنا عليهم فيها أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حقٍّ.
стр. 1058
وأما (العينَ) وما بعدها من المعطوفات فقرئت بالنصب عطفًا على النفس، وبالرفع (١) عطفًا على موضع ﴿أَنَّ﴾ حملًا على المعنى؛ لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفسُ بالنفس، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يُجْرَى ﴿كَتَبْنَا﴾ مُجْرَى قلنا.
والثاني: أن معنى الجملة التي هي قولك: النفسُ بالنفس مما تقع عليه الكتابة، كما تقع عليه القراءة، تقول: كتبتُ الحمدُ لله، وقرأتُ الحمدُ لله، أو على المستكن في ﴿بِالنَّفْسِ﴾، أو على الاستئناف، فيكون عَطْفُ جُمْلَةٍ على جُمْلَةٍ (٢).
وتقدير النفس قد ذَكرتُ آنفًا، كذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مقطوع بالأنف، والسن مقلوعة بالسن (٣).
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي: ذاتُ قِصاصٍ، ومَن خَصَّ الجروح بالرفع (٤)، فعلى القطع مما قبلها والاستئناف.
وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ للقصاص، وفي ﴿فَهُوَ﴾ للتصدق، وفي ﴿لَهُ﴾ للمتصدق، أي: فمن تصدق من أصحاب الحق بالقصاص، والتَصَدُّقُ به كفارةٌ للمتصدقِ.
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾
стр. 1059
قوله : ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾ قيل: قَفَّيْتُهُ مثل عَقَّبْتُهُ، إذا اتَّبَعْتُهُ، ثم يقال: قَفَّيته بفلان وعَقَّبته به، فتُعديه إلى الثاني بزيادة الباء، والمفعول الأول في الآية محذوف، والظرف الذي هو ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ كالسَّادِّ مَسَدَّهُ، لأنه إذا قَفَّى به على أَثَرِهِ فقد قَفَّى به إياه (١).
و﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب - على الحال من ﴿عِيسَى﴾. و ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في الظرف، وهو الراجع إلى (ما).
وقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ محل الجملة التصب على الحال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾، و ﴿مُصَدِّقًا﴾ عطف على محل الجملة، وإن شئت عطفت على ﴿مُصَدِّقًا﴾ الأول، فيكون حالًا من ﴿عِيسَى﴾، وعلى الأول حال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾.
وقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يحتمل أن يكونا حالين من الإِنجيل، أو من ﴿عِيسَى﴾ ﵇ أي: هاديًا وواعظًا، أو ذا هُدًى وذا موعظةٍ، وأن يكونا مفعولين لهما، كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه الإِنجيل، ويجوز رفعهما وبه قرأ بعض القراء (٢) عطفًا على لفظ ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: في محل النصب. أو الرفع على النعت للموعظة.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾:
قوله : (وَلِيَحْكُمَ) قرئ: بكسر اللام ونصب الميم على أنها لام كي، وهي متعلقة بـ ﴿وَقَفَّينَا﴾، أو بـ ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ (٣)؛ أي: وَقفَّينا ليؤمنوا
стр. 1060
وليحكمَ أهلُ الإِنجيل، أو: وآتيناه الإِنجيل ليحكمَ أهلُهُ بما أنزل الله فيه من الأحكام.
وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بإسكان اللام والميم (١)، على أنها لام الأمر، بمعنى: وقلنا ليحكم، كقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم﴾ (٢).
قيل: وروي في قراءة أُبي ﵁ (وأَنْ لِيحكمْ) بزيادة أن مع الأمر (٣)، على أَنَّ (أَنْ) موصولة بالأمر، كقولك: أمرته بأن قم، كأنه قيل: وآتيناه الإِنجيل وأَمرْنا بأن يحكم أهله، ويجوز في لام الأمر الكسر مع العاطف على الأصل بشهادة قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ و (٤)، والإسكان معه للتخفيف.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا﴾ (بالحق) متعلق بأنزلنا، و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الكتاب. ولك أن تجعل ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿الْكِتَابَ﴾، و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالًا من المستكن في ﴿بِالْحَقِّ﴾. ولك أن تجعل ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من الضمير في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، أي: مُلتبسين بالحق، أو مُحِقِّين.
стр. 1061
وقد جُوِّزَ أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالًا من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ (١).
و﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ في موضع الحال من المستكن في الظرف.
قيل: فإن قيل: أيُّ فَرْقٍ بين التعريفين في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾؟ قيل: الأول تعريف العهد؛ لأنه عُني به القرآن. والثاني تعريف الجنس؛ لأنه عني به جنس الكتب المُنَزَّلة، ويجوز أن يقال: هو للعهد، لأنه لم يُرَدْ به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإِطلاق، وإنما أريد نوع معلوم منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن (٢).
و﴿وَمُهَيْمِنًا﴾: عطف على ﴿مُصَدِّقًا﴾، وهو حال أيضًا، قيل: وأصله مُؤَيْمِنٌ، من آمن غيره من الخوف، وأصله: أأْمَنَ فهو مُآمِنٌ مُأَفْعِلٌ منه، فَسُهِّلَتِ الهمزةُ الثانية كراهة اجتماعهما بأن قلبت ياء، وكان القياس أن تقلب ألفًا فبقي (مُؤَيْمِن)، ثم أُبدل من الهمزة هاء، كما أبدلوا في أَرَقْتُ الماءَ حين قالوا: هَرَقْتُهُ (٣).
والجمهور على كسر الميم، وقرئ: (ومهيمَنًا) بفتحها (٤)، أي: هُوْمِنَ عليه، بأن حُفِظَ من التغيير والتبديل، يقال: هَيْمَنَ على الشيء يُهيمن فهو مُهَيْمِن، وذاك مهيمَن، إذا كان حافظًا له.
قيل: والذي هيمن عليه: الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥) أو الحُفّاظُ في كل بَلَدٍ، لو حُرِّفَ حَرْف منه، أو حركة، أو
стр. 1062
سكون، لتنبَّه عليه كل أحد بخلاف سائر الكتب المنزلة، ولاشْمَأَزُّوا رادّين ومنكرين.
والمراد بالمهيمِن هنا: الكتاب في قول الجمهور، وقيل: المراد به النبي ﷺ (١). وهو الرقيب، أعني المهيمن.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ﴾، محل ﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾ النصب على الحال من المستكن في ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾، أي: ولا تتبع أهواءهم منحرِفًا، أو مائلًا، أو عادلًا عن الذي جاءك، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾ كما زعم بعضهم؛ لأن الأتباع لا يُعدى بـ (عن) إلا إن تضمنه معنى الانحراف، أي: ولا تنحرف أيضًا عن ما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم، قاله الزمخشري (٢)، وهو من التعسف، قال: والوجه هو السابق.
و﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: في موضع نصب أيضًا على الحال من المستكن في ﴿جَاءَكَ﴾.
وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. اللام متعلقة بقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع الصفة لكل، وليس قول من منع ذلك (٣) - وقال: لا يجوز أن يكون ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة لكل؛ لأن ذلك يوجب الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي الذي لا تسديد فيه للكلام، ويوجب أيضًا أن يفصل بين ﴿جَعَلْنَا﴾ وبين معمولها وهو ﴿شِرْعَةً﴾، وإنما يتعلق بمحذوف تقديره أعني - بمستقيم؛ لأن قوله: ﴿لِكُلٍّ﴾ وإن كان مُقَدمًا في اللفظ، فهو مؤخر في الحكم والتقدير؛ لأن من شرط المعمول أن يكون بعد العامل، إما لفظًا، وإما حُكْمًا، وأيضًا فإن ما قدره فاصل بين ﴿جَعَلْنَا﴾ وبين معمولها، فاعرفه.
стр. 1063
والشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة.
والجمهور على كسر الشين، وقرئ: بفتحها (١).
والمنهاج: الطريق الواضح، وكذلك النهج والمنهج. ومعنى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: جعلنا التوراة لأهلها، والإِنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الأحكام والشرائع والعبادات، وأما في التوحيد فالأصل واحد، عن قتادة وغيره (٢).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾. اللام لام كي متعلقة بمحذوف، أي: ولو شاء لصيركم جماعة متفقة على شريعة واحدة، ولكن فرقكم ليبلوكم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة: هل تعملون بها مذعنين أم لا؟
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ المرجع: الرجوع، والمصدر مضاف إلى ما هو فاعل في المعنى، و ﴿جَمِيعًا﴾ حال منه، والعامل المصدر المضاف، كأنه قيل: إليه ترجعون جميعًا.
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ أن: مصدرية موصولة بالأمر، لأنه فعل كسائر الأفعال، كقولك: أمرته بأن قم، ومحلها النصب عطفًا على الكتاب في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، كأنه قيل: وأنزلنا إليك الكتاب
стр. 1064
والحكم، أو الجر عطفًا على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ على إرادة الجار، أو النصب لعدمه، كأنه قيل: أنزلناه بالحق وبأنِ احكم، أي: وبالحكم، أو الرفع، أي: ومن الواجب أن احكم بينهم بما أنزل الله.
ولا يجوز أن تكون (أن) المفسرة بمعنى أي كما زعم بعضهم، لأجل العاطف قبلها مع عدم القول قبلها، أو ما هو في معنى القول، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾، بدل الهاء والميم في ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال، كأنه قيل: واحذرهم فتنتَهم، ولك أن تجعله مفعولًا له، أي: مخافة أن يفتنوك، أو من أن يفتنوك، ثم حذف الجار، فهذه ثلاثة أوجه، فاعرفها.
و﴿عنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَفْتِنُوكَ﴾، أي: أن يضلوك عنه.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾:
قوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الحُكْم: مصدر حَكَم بينهم يَحْكُم حُكْمًا، إذا قضى، وعليه الجمهور، والناصب له ﴿يَبْغُونَ﴾.
والحَكَم بفتح الحاء والكاف: الحاكم، وبه قرأ بعض القراء (٢)، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أَفَحُكْمَ حَكَمِ الجاهلية يبغون؟ ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو منصوب أيضًا بـ ﴿يَبْغُونَ﴾.
وقرئ أيضًا: (أفحُكْمُ الجاهلية يبغون) برفع الميم مع ضم الحاء
стр. 1065
وإسكان الكاف (١) على الابتداء وإيقاع ﴿يَبْغُونَ﴾ خبرًا، وإسقاط الراجع عنه كما أسقط أبو النجم (٢) عنه في قوله:
١٨٢ - قد أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْبًا كلُّه لم أَصْنَعِ (٣)
على قول من رواه (كلُّه) بالرفع، أي: لم أصنعه، فحذف الراجع.
وكإسقاطه عن الصلة في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ﴾ (٤)، أي: يبغونه وبَعْثَه، وعن الصفة في قولك: الناس رجلان: رَجلٌ أكرمتُ، ورجل أهنتُ، أي: أكرمته وأهنته، وعن الحال في قولك: مررت بهند يضرب زيد، أي: يضربها زيد.
وقد جوز فيه وجه آخر، وهو أنك لم تجعل قوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ خبرًا، بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، كأنه قيل: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذي هو حكم، وأقيمت الجملة التي هي صفته مقامه، أعني ﴿يَبْغُونَ﴾، وله نظائر في التنزيل وفي كلام القوم نظمهم ونثرهم، وشهرتها تغني عن ذكرها.
وقرئ: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء النقط من تحته على الإِخبار عنهم، وبالتاء
стр. 1066
النقط من فوقه على الخطاب (١)، لقوله: ﴿لَجَعَلَكُمْ﴾، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (من) استفهام بمعنى النفي في موضع رفع بالابتداء، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره و ﴿حُكْمًا﴾ منصوب على البيان.
قيل: واللام في قوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ للبيان، كاللام في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٣) أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدلَ من الله، ولا أحسنَ حكمًا منه (٤).
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾:
قوله : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ محل ﴿يُسَارِعُونَ﴾ النصب إما على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ إن جعلت (ترى) من رؤية [العين، أو على أنها مفعول ثان إن جعلتها من رؤية] القلب (٥).
والجمهور على التاء في قوله: ﴿فَتَرَى﴾ على أن الفاعل هو المخاطب، وقرئ: (فيرى) بالياء (٦)، وفي الفاعل ثلاثة أوجه:
стр. 1067
أحدها: مضمر دلت عليه الحال، كأنه قيل: فيرى رائيهم.
والثاني: اسم الله جل ذكره.
والثالث: ﴿الَّذِينَ﴾.
والمعنى: يرون أن يسارعوا، ثم حذف (أن) فارتفع الفعل، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ على هذا الوجه في موضع رفع، وعلى الأوجه المذكورة في موضع نصب.
[ومعنى يسارعون فيهم: أي في موالاة اليهود ومصانعتهم على ما فسر] (١).
وقوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ (يقولون) في موضع الحال من الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾، والدائرة: واحدة الدوائر من دوائر الزمان، أي: صَرْفٌ من صروفه، ودولة من قوله، وهي صفة غالبة لا يكاد يذكر معها الموصوف.
وقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ موضع ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ نصب بخبر عسى، ولو قُدِّمَتْ على اسم عسى لكان في موضع رفع بعسى (٢).
وقيل: موضعه رفع على البدل من اسم الله تعالى، وهو بدل الاشتمال (٣).
و﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: في موضع جر على النعت لأمر. ﴿فَيُصْبِحُوا﴾: عطف على ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾:
стр. 1068
قوله : (ويقولَ الذين آمنوا) قرئ: بالنصب (١) عطفًا على ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ (٢) حملًا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن معنى (عسى الله أن يأتي)، و (عسى أن يأتي الله) واحد، فعطف على المعنى.
ومثله في الحمل على المعنى دون اللفظ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) على قراءة من قرأ: (وأكنْ) بالجزم (٤)، فعطف (وَأَكُنْ) على معنى (فَأَصَّدَّقَ) لأن معناه الجزم، إذ هو جواب ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾، والمعنى: هذا أخرتني، وهذا للتحضيض فهو بمنزلة الأمر، كأنه قيل: أَخِّرْنِي أصدقْ وأكنْ، فعطف (وأكن) على معناه دون اللفظ.
وإنما لا يجوز أن يكون عطفًا على لفظ (أن يأتي) على ما هي في التلاوة؛ لأن ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ خبر عسى، والمعطوف عليه في حكمه، فيحتاج إلى ضمير يرجع إلى اسم عسى، ولا ضمير في قوله: (ويقولَ الذين آمنوا) فيصير كقولك: فعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز أن تقول: عسى زيد أن يقوم ويأتيَ عَمرو، إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي عمرو، لعدم الرابط بين الاسم والخبر.
وقيل: هو عطف على لفظ ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ على ما هي في التلاوة، والراجع من الخبر إلى الاسم مقدر محذوف تقديره: ويقول الذين آمنوا به (٥).
стр. 1069
وقيل: هو عطف على الفتح؛ لأنه بمعنى أن يفتح، ويقدر معه (أن)، أعني مع (ويقول)، وإنما احتيج إلى إضمار أن، ليكون مع (ويقول) مصدرًا، فيعطف اسمًا على اسم، كأنه قيل: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وبأن يقول الذين آمنوا؛ أي: وبقولهم (١).
وأما من قال: إن موضع (أن يأتي) رفع على البدل من اسم الله تعالى (٢)، فهو عطف على لفظ ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾، فيكون داخلًا في اسم عسى، واستغني عن خبرها بما تضمنه اسمها من الحدث، كما تقوله: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو. وبالرفع على الاستئناف، أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.
وقرئ: (يقول الذين آمنوا) بغير عاطف (٣): على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقولون: كيت وكيت، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك، وفي غيرها بالعاطف، وكل منهم وافق رسمه في ذلك (٤).
وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾، خبره: ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ونهاية صلة الموصول: ﴿لَمَعَكُمْ﴾. و ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: خبر بعد خبر. ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لهؤلاء. والخبر ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
و﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: مصدر في موضع الحال، وهو مصدرُ فِعْلٍ مضمر تقديره: وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم، على أن يكون يجهدون جملة من الفعل والفاعل في موضع الحال من الضمير في أقسموا، أي:
стр. 1070
مجتهدين، ثم أقيم الفعل المضارع مقامه، ثم أضمر وجعل المصدر دليلًا عليه، كقولك: إنما أنت سيرًا، تريد: تسير سيرًا.
ويجوز أن ينتصب على المصدر، والعامل فيه إما ﴿أَقسَمُوا﴾ وهو من معناه لا من لفظه، أو فعل دل عليه ﴿أَقسَمُوا﴾، كأنه قيل: اجتهدوا جهد أيمانهم.
وكسرت إن من ﴿إِنَّهُمْ﴾، لأن اللام في خبرها؛ ولأنها جواب القسم.
وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قيل: من جملة قول المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس، أو من قول الله شهادةً لهم بحبوط الأعمال (١).
والجمهور على كسر الباء من (حبِطت)، وهو اللغة المشهورة، وقرئ: بفتحها (٢) وهو لغية.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾:
قوله : ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء وخبره فعل الشرط.
وقرئ: (يرتدَّ) بفتح الدال وتشديدها، وأصله يرتدد، فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وحركت الثانية لالتقاء الساكنين، وإنما حركت بالفتح طلبًا للخفة مع ثقل التضعيف، ويجوز كسرها على أصل التقاء الساكنين.
стр. 1071
وقرئ: (يرتدد) بإظهار التضعيف والجزم (١) على الأصل؛ لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضاعفين ظهر التضعيف نحو ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ (٢) وشبهه، وهو في الإِمام بدالين (٣).
و﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في فعل الشرط؛ أي: كائنًا منكم. و ﴿عَنْ﴾ متعلق بفعل الشرط.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الفاء جواب الشرط، والراجع من الجزاء إلى الاسم الذي ضُمِّنَ معنى الشرط محذوف تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانَهم أو غيرِهم.
وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ في موضع جر على النعت لقوم.
و﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾: فيه وجهان، أحدهما: عطف عليه، والثاني: حال من الهاء والميم في ﴿يُحِبُّهُمْ﴾، أي: وهم يحبونه.
﴿أَذِلَّةٍ﴾: جمع ذليل، ولا يجوز أن يكون جمع ذَلول من الذِل الذي هو نقيض الصعوبة كما زعم بعضهم عادلًا إلى جانب المعنى؛ لأن ذَلولًا لا يجمع على أذلة، وإنما يجمع على ذُلُلٍ (٤). و ﴿أَعِزَّةٍ﴾: جمع عزيز.
والجمهور على جر ﴿أَذِلَّةٍ﴾ و ﴿أَعِزَّةٍ﴾ على أنَّهما نعتان لقوم، وقرئ: (أذلةً) و (أعزةً) منصوبين (٥) على الحال من قوم، أي: في حال لينَهم وعطفهم على المؤمنين، وشدتهم على الكافرين، والمعنى: أنهم أهل لين ورقة على
стр. 1072
المؤمنين، وأهل جفاء وغلظة على الكافرين. أو على المدح وإن كان نكرة كقوله:
١٨٣ - ................. ... وشُعْثًا مَراضِيعَ مثلَ السَّعالي (١)
فنصب (شعثًا) على المدح وهو نكرة كما ترى.
وقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ نعت لهم أيضًا بعد نعت، ولذلك أتى بغير العاطف، كما أتى ﴿أَذِلَّةٍ و ﴿أَعِزَّةٍ﴾. ولك أن تجعله حالًا من المستكن في ﴿أَعِزَّةٍ﴾، أي: يعزونهم مجاهدين.
وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ﴾ عطف على ﴿يُجَاهِدُونَ﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه.
واللومة: المرة من اللوم، واللومُ العَذْلُ، تقول: لامه على كذا لومًا ولومة، فهو لائم. وذاك مَلُوم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما وُصِف به القوم من المحبة، والذلة، والعزة، والمجاهدة، وانتفاء خوف اللومة.
وقوله: ﴿يُؤْتِيهِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا.
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، وما بعده عطف على الخبر.
ومعنى ﴿إِنَّمَا﴾ وجوب اختصاصهم بالموالاة، قيل: فإن قيل: قد
стр. 1073
ذُكرتْ جماعة، فهلا قيل: إنما أولياؤكم، فالجواب: أن أصل الكلام ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ فجعلت الوِلاية لله على طريق الأصالة، ثم نُظِمَ في سلك إثباتها له إثباتُها لرسول الله ﷺ والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، وأن يكون في موضع نصب على المدح.
وقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في (يؤتون)، بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط والجزاء على إقامة الظاهر مقام المضمر، كأنه قيل: فإنهم هم الغالبون. قيل: وإنما عُدل عن المضمر إلى الظاهر إعلامًا لهم بأنهم حزب الله، أي جندْه، وحزب الرجل أصحابه، يقال: تحَزَّبَ القوم، إذا اجتمعوا، وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمرٍ حَزَبَهم (٢)، والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾:
قوله : (وَالكُفَّارِ) قرئ: بالجر عطفًا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، أي: من الذين ومن الكفار، وبالنصب (٣)، عطفًا على ﴿الَّذِينَ
стр. 1074
اتَّخَذُوا﴾، كأنه قيل: ولا تتخذوا الكفارَ. فإن قلت: بأي شيء يتعلق قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾؟ قلت: بمحذوف هو حال من ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾، أي: كائنين منهم.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا﴾ عُدِّي نادَى بالجار؛ لأنه بمنزلة دعاء، كقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (١). و (إذا) ظرف لاتخذوها، والهاء في ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ للصلاة، أو للمناداة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما وصف به المذكورون من الهُزْءِ واللعب، وهو مبتدأ، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، أي: ذلك صادر منهم بسبب جهلهم.
﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: في موضع رفع على النعت لقوم. قيل: وإنما نفى العقل عنهم؛ لأن هُزْأهم ولَعِبهم من أفعال السفهاء والجهَلة، فكأنهم لا عقل لهم (٢).
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾:
قوله : ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ الجمهور على كسر القاف في تنقِمون، وماضيه نقَم بفتح القاف، وقرئ: (تنقَمون) بفتحها (٣)
стр. 1075
وماضيه نقِم بكسر القاف وهي لغية حكاها الكِسائي (١)، يقال: نَقَم من كذا ينقِم، ونَقِم يَنْقَمُ نَقْمًا فيهما، إذا كرهه أَشَدَّ الكراهية.
قال أبو إسحاق: والأجود نقَمت أنقِم، يعني بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، وأنشد بيت قيس بن الرُّقيَّات (٢):
١٨٤ - ما نَقَمُوا من بني أمية إلَّا ... أنهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا (٣)
بفتح القاف وكسرها (٤).
و﴿أَنْ﴾ وما اتصل بها في موضع نصب بـ ﴿تَنْقِمُونَ﴾ على أنه المفعول الأول، و ﴿مِنَّا﴾ الثاني، كما تقول: نقمت من زيد كذا، فـ (كذا) هو المفعول الأول، و (من زيد) هو الثاني، أي: هل تكرهون منا إلّا إيمانَنا بالله وبالكتب المُنزَّلة كلِّها.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (منا) في موضع نصب على الحال من أن والفعل، كأنه قيل: وما تنقمون إلّا إيماننا كائنًا منا؟ قلت: لا يجوز ذلك، لأنك تثبت له قَدَمًا في الراجع، ونحوُ هذا الموصول لا راجع له مع تقديم ما في الصلة على الموصول (٥).
стр. 1076
وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ قد جوز أن يكون محل قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ نصبًا إِمّا عطفًا على المنصوب وهو ﴿أَنْ آمَنَّا﴾ [بمعنى: وما تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي الجمع بين إيماننا وبين مكركم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تكرهون منا إلا مخالفة ما بيننا وهو دخولنا في الإسلام وخروجكم عنه، وليس هذا مما يُنقَم ويُنكَر] (١). أو بفعل محذوف يدل عليه ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾، أي: ولا تنقمون أن أكثرهم فاسقون.
وأن يكون جرًا عطفًا على المجرور، أي: وما تكرهون منا إلّا إيماننا بالله وبما أنزل، وبأن أكثركم فاسقون.
وأن يكون رفعًا على الابتداء والخبر محذوف، أي: وفِسقُكم ثابت معلوم عندكم؛ لأنكم علمتم أنَّا على الحق وأنكم على الباطل، إلّا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا.
وأن تكون الواو بمعنى مع، أي: وما تكرهون منا إلّا الإِيمان مع أنكم فاسقون.
وأن يكون تعليلًا معطوفًا على تعليل، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلّا الإِيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات، ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا (٢).
والجمهور على فتح الهمزة، ووجهه ما ذكر، وقرئ: (وإن أكثركم) بكسرها (٣) على القطع والاستئناف.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ
стр. 1077
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾:
قوِله : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى المنقوم وهو الإِيمان، وفي الكلام حذف مضاف، أي: بِشَر من أهل ذلك.
﴿مَثُوبَةً﴾: نصب على البيان، والمبيَّن ﴿بِشَرٍّ﴾. والمثوبة: الثواب، واختلف في وزنها، فقيل: مَفْعُلَةٌ والأصل: مثوبة كَمَكْرُمَةٍ، نقلت حركة الواو إلى الثاء وبقيت الواو ساكنة، وقيل: مفعولة كمقولة، والأصل: مَثْوُوْبَة، ألقيت حركة الواو التي هي العين على الثاء فَسَكَنَتِ الواوُ وبعدها واو مفعولة ساكنة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فبقي مثوبة بوزن مفولة على الخلاف المشهور بين صاحب الكتاب وبين أبي الحسن (١).
وقرئ: (مثْوَبة) بإسكان الثاء وفتح الواو (٢)، وقد ذكرت وجه ذلك في "البقرة" عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ (٣).
و﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾: في موضع النصب على الصفة لقوله: ﴿مَثُوبَةٌ﴾.
و﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: محل ﴿مَنْ﴾ إما الرفع على إضمار مبتدأ على تقدير جواب قائل يقول: مَن ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله، كقوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ (٤)، أي: هي النار. أو الجر على البدل من شر، أو النصب على إضمار فعل يدل عليه ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، أي: أنبئكم مَن لعنه.
стр. 1078
وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ قرئ: (وعَبَدَ الطاغوتَ) بفتح العين والباء ونصب الطاغوت (١). وقرئ: (وعَبُدَ الطاغوتِ) بفتح العين وضم الباء وجر الطاغوت (٢).
مَن فتح العين والباء جعله فعلًا ماضيًا، وعطفه على صلة ﴿مَنْ﴾، لأنه ماض مثله ونصب به الطاغوت، كأنه قيل: مَن لَعَنَهُ اللهُ، وَمَن عَبَدَ الطاغوتَ، وأفرد الضمير في (عبد) حملًا على لفظ (مَن) دون معناه.
ومَن ضم الباء جعله اسمًا على فَعُلٍ، وهو بناء يوضع للمبالغة، على معنى: أنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كل مذهب، كقولهم: رجل يَقُظ، للذي تكثر منه الفطنة والتيقظ، وحَذُرٌ، للكثير الحذر، ونَدُسٌ، للفَهِم.
وإنما بنوا مِن عَبْدٍ عَبُدًا وإن كان أصل هذا البناء للصفات؛ لأن عَبْدًا أيضًا في الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، وَجر ما بعده بالإِضافة، وهو منصوب بـ (جعل) معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ﴾، أي: وجعل منهم القردة والخنازير ومن يبالغ في عبادة الطاغوت، وهذه القراءة قراءة حمزة، والأُولى قراءة الجماعة، وهاتان القراءتان هما المشهورتان المستعملتان.
وقرئ أيضًا: (وعبدوا الطاغوت) (٣) على أنه فعل وفاعل، والجمع على معنى (من).
وقرئ: (وعُبُدَ الطاغوتِ) بضم العين والباء، ونصب الدال، وجر ما
стр. 1079
بعده (١) على الإضافة، على أنه جمع عَبْدٍ، كسَقْفٍ وسُقُفٍ، أو جَمْعُ عبيد كرغيف ورُغُفٍ، وقتيل وقُتُلٍ، أو جمع عابد كبازل وبُزُلٍ، ومعناه: وخدم الطاغوت.
وقرئ أيضًا: (وعُبَّدَ الطاغوتِ) بضم العين وفتح الباء وتشديدها وجر ما بعده (٢)، على أنه جمع عابد، كشاهد وشُهَّد، وبازل وبُزَّل.
وقرئ أيضًا: (وعُبَّادَ الطاغوتِ) بضم العين وفتح الباء وتشديدها مع ألف بعدها ونصب الدال وجر ما بعده (٣)، على أنه جمع عابد، كضارب وضُرّاب وشاهد وشُهّاد.
وقرئ أيضًا: (وعابدَ الطاغوت) (٤) على أنه اسم فاعل من عَبَدَ، كضارب من ضَرَبَ، وهو واحد في معنى الجمع.
وقرئ أيضًا: (وعَبَدَة الطاغوت) (٥) وهو جمع عابد ككاتب وكتبة.
وقرئ أيضًا: (وعُبَدَ الطاغوتِ) (٦)، بوزن حُطَمِ على أنه صفة مِثْلُهُ، وهو مفرد كحطُمٍ ولُبَدٍ.
وقرئ أيضًا: (وعبيدَ الطاغوت) (٧)، وهو جمع عَبْدٍ، وهو جمع عزيز ككلب وكليب.
стр. 1080
وقرئ أيضًا: (وعِبادَ الطاغوتِ) (١)، وهو جمع عابد كقائم وقيام، أو جمع عبد.
وقرئ أيضًا: (وأَعْبُدَ الطاغوتِ) (٢) وهو جمع عبد كفَلْسٍ وأَفْلُسٍ.
وهو في هذه الأوجه كلها منصوب بـ (جعل) معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ﴾، و (الطاغوتِ) جَرٌّ بالإِضافة كقراءة حمزة.
وقرئ أيضًا: (وعُبِدَ الطاغوتُ) على البناء للمفعول ورفع الطاغوتُ (٣) على الفاعلية، والراجع محذوف، والتقدير: وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم.
وقرئ: (وعَبُدَ الطاغوتُ) (٤) كَشَرُفَ وظَرُفَ، بمعنى صار الطاغوت معبودًا من دون الله، كما تقول: أَمُرَ فلان، إذا صار أميرًا.
وبعد .... فإن من لم يجعل (عَبَدَ) فعلًا جاز له أن ينصبه على العطف على ما قبله، أي: وجعل منهم عَبُدَ الطاغوت، وأن يجره عطفًا على (من لعنه الله) بمعنى: هل أنبئكم بمن لعنه الله وعَبُدِ الطاغوت، وأن يرفعه على الابتداء، والخبر محذوف، أي: وعبُدُ الطاغوت منهم، أو بالعكس، أي: وهم عبُدُ الطاغوت، والأول أحسن.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: (مكانًا) منصوب على التمييز، والمميَّز
стр. 1081
﴿شَرٌّ﴾، وجُعِلَ الشرُّ للمكان وهو لأهله لعدم اللبس، ولِضَرْبٍ من المبالغة، وإنما قيل: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ولا شَرَّ في أحد الفريقين، على وجه الإِنصاف في الخطاب، والعدل في المقال.
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾:
قوله : ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ (بالكفر) و ﴿بِهِ﴾ حالان من الفاعل في ﴿دَخَلُوا﴾ و ﴿خَرَجُوا﴾، أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، أي: دخلوا ملتبسين بالكفر، وخرجوا متأزرين به.
وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ حالان من الفاعل في ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، أي: قالوا ذلك داخلين بالكفر خارجين به، ولذلك دخلت (قد) تقريبًا للماضي من الحال.
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾:
قوله : ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ عطف على ﴿الْإِثْمَ﴾، والمصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿السُّحْتَ﴾ نصب به، ومثله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾، وإنما عَمِلَ القولُ في الإِثم؛ لأنه مقول.
وقد مضى الكلام على (بئسما) فيما سلف من الكتاب (١).
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا
стр. 1082
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿يُنْفِقُ﴾ مُستأنف، تأكيد للوصف بالسخاء، ودَلالة على أنه لا ينفق إلّا على مقتضى الحكمة والمصلحة، قاله الزمخشري (١)، ولا يجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ كما زعم بعضهم، لعدم الراجع من الحال إلى ذي الحال (٢).
وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ﴾ محل ﴿مَا﴾ الرفع على الفاعلية وفعله (يزيدَنَّ)، و ﴿كَثِيرًا﴾ مفعول أول لـ (يزيدن)، و ﴿طُغْيَانًا﴾ الثاني.
﴿كُلَّمَا﴾: ظرف لأطفأ. و ﴿لِلْحَرْبِ﴾ في موضع الصفة لنار، ولك أن تعلقه بـ ﴿أَوْقَدُوا﴾.
وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: (فسادًا) يحتمل أن يكون في موضع الحال، وأن يكون مفعولًا له، وأن يكون مصدرًا، وقد أوضحت ذلك عند قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (٣).
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾:
قوله : ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ في الكلام حذف موصوف وهو مفعول أكلوا، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: صفتان له، أي: رزقًا كائنًا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وهذا عبارة عن
стр. 1083
التوسعة، كقولك: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، أي: شَمِلَهُ الخيرُ وأحاط به.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (ساء) هنا بمعنى بئس، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقد مضى الكلام على إعراب ﴿مَا﴾ فيما سلف من الكتاب (١).
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: جميع ما أنزل إليك، عن ابن عباس ﵄ (٢).
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك، ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ جواب الشرط، بمعنى: وإن لم تفعل فلك ما يوجبه كِتمان الوحي كله، فوضع السبب موضع المسبب، يعضده ما روي عنه ﷺ : "بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعًا، فأوحى الله إليّ: إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضَمِنَ لي العِصْمًةَ فقويت" (٣).
وقرئ: (رسالته) على الإفراد، لأنه مصدر والمصدر جنس، والجنس
стр. 1084
جمع في المعنى، وقرئ: (رسالاته) على الجمع (١)، لاختلاف جنس الرسالة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾، إعلم وفقنا الله وإياك أن النحاة اختلفوا في تأويل رفع قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾، فذهب صاحب الكتاب وموافقوه (٢) إلى أنه رفع بالابتداء، والنية به التأخير عما في حَيِّزِ إنَّ من اسمها وخبرها، وخبر الابتداء محذوف، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وأنشدوا شاهدًا له:
١٨٥ - وإلَّا فاعلموا أَنَّا وأنتُم ... بغاةٌ ما بقينَا في شِقاقِ (٣)
أي: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا في شقاق وأنتم كذلك.
ونظيره:
١٨٦ - فمن يك أمسى بالمدينةِ رحلُهُ ... فإنِّي وقيارٌ بها لغريبُ (٤)
стр. 1085
أي: فإنِّي لغريب بها وقيار بها كذلك، وإنما احتاجوا إلى هذا التقدير؛ لأنه لا يجوز الحَمْلُ على الموضع ما لم تَفْرُغْ من خبر الأول، لا تقول: إن زيدًا وعمرو قائمان، كما تقول: إن زيدًا قائم وعمرو، وسبب امتناع ذلك من حيث إنك إذا رفعت عمروًا عطفًا على محل إن واسمها كان مرفوعًا بالابتداء، وكان بمنزلة أن تقول: عمرو وإن زيدًا، في أن (عمرو) لا يكون فيه تأثير لـ (إنّ)، فإذا قلت: إن الزيدِينَ وعمرو قائمون، احتجت أن ترفع (قائمون) بكلِّ واحد من (إنّ) والابتداء؛ لأنه خبر المنصوب بإن والمرفوع بالابتداء، وذلك أن (إنَّ) إذا نصب الزيدِينَ وجب أن يرفع خبره، وعمرو إذا ارتفع بالابتداء وجب أن يرتفع خبره أيضًا بالابتداء؛ لأن (إنّ) ينتظم الجزأين في عمله، كما ينتظمهما الابتداء في عمله علي الحد المعروف عند أرباب هذه الصناعة.
فإذا كان (قائمون) خبرًا عن اسم إنّ وعن المبتدأ الواقع بعده أفضى بك الحالِ إلى أن تُعْمِل فيه رافعين مختلفين، ولا يعمل عاملان مختلفان في معمول واحد، ولو جاز هذا لجاز أن يكون زيد في قولك: أقائم زيد، مرفوعًا بالابتداء والفعل معًا، وذلك لا يقوله ذو لُبٍّ، فلما كان كذلك رفعوا (الصابئون) بالابتداء، ونووا به التأخير، وأضمروا له الخبر فرارًا من إعمال رافعين مختلفين في معمول واحد.
فالصابئون مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ولا محل لها كما لا محل للتي عُطِفَتْ عليها.
وذهب أبو الحسن، والكسائي: إلى أنه رفع بالعطف على المضمر في (هادوا) (١)، وهذا فاسد من جهة المعنى ضعيف من جهة العربية.
стр. 1086
أما وجه فساده من جهة المعنى: فهو أن ذلك يوجب أن يشارك الصابئ اليهودي في اليهودية، وليس كذلك، فإن قلت: فإن ادعيا أن ﴿هَادُوا﴾ في معنى تابوا، قلت: ينادي على بطلان دعواهما هنا قولُه تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إذ لو كانوا مؤمنين لما قال: إنْ آمنوا فلهم كذا.
وأما وجه ضعفه من جهة العربية: فهو أن المضمر لم يؤكد ولم يفصل بينهما بما يقوم مُقام التأكيد.
وذهب الفراء: إلى أنه معطوف على (الذين) من حيث إنه لما لم يظهر فيه الإِعراب بقي المعطوف مرفوعًا على أصله (١)، وهذا ليس بشيء لعدم الاطراد فيه (٢). وقيل: (إنّ) بمعنى نَعم (٣)، كقوله:
١٨٧ - ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ (٤)
وهذا أيضًا ضعيف لقلته في الكلام.
وقيل: إن ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في موضع نصب بالعطف على إسم إن، ولكنه أتى على لغة الذين يجعلون التثنية بالألف على كل حال، والجمع بالواو على كل حال (٥)، وهو ضعيف أيضًا لقلته وقلةِ المستعملين له.
стр. 1087
وقيل: إن النون هو حرف الإِعراب لا الواو (١)، وهذا أيضًا ليس بشيء، لأن ذلك أتى مع الياء لا مع الواو، وسبب امتناعه مع الواو من حيث إن الواو حرف يختص بنوع من الإِعراب، والياء تكون للنصب مرة وللجر أخرى، فإذا جمع بين الواو والإعراب في النون كان أذهب في الجمع بين علامتي إعراب، فلذلك لم يُقَل: مسلمون، كما قيل: مسلمين.
وقيل: خبر إن محذوف لدلالة الثاني عليه، والعطف بقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ إنما أتى بعد تمام الكلام وانقضاء اسم إن وخبرها (٢)؛ لأن المحذوف من اللفظ إذا كان في الكلام ما يدل عليه في حكم الملفوظ به، كما حذف خبر إن في قوله تعالى: (إن الله وملائكتُهُ يصلون على النبي) (٣) على قراءة من رفع (ملائكته) (٤) تقديره: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه، فحذف الأول وهو خبر (إنّ) لدلالة الثاني عليه، كقولك: إن زيدًا وعمرو منطلق، فعمرو مبتدأ، ومنطلق خبره، وخبر إن محذوف لدلالة الثاني عليه، وهذا أحسن الأقوال بعد قول صاحب الكتاب ﵀، والقول ما قالت حَذامِ.
والجمهور على رفعه ووجهه ما ذكر، وقرئ: (والصابئين) بالنصب (٥) عطفًا على اسم إن، ولا تجوز القراءة به لأجل مخالفته "الإمام" مصحف عثمان ﵁.
стр. 1088
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وهو ﴿آمَنَ﴾، أو الجزاء وهو ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾، والجملة خبر إن، أو خبر ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾: على الخلاف المذكور آنفًا، والراجع إلى اسم إن محذوف تقديره من آمن منهم، بشهادة قوله في "البقرة": ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) ولك أن تجعل ﴿مَنْ﴾ موصولة في موضع نصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه، وخبر إن ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، ودخلت الفاء في الخبر لِتَضَمُّنِ اسم إن معنى الشرط، وقد ذكر (٢).
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ﴾ ظرف لـ ﴿كَذَّبُوا﴾ وفيه معنى الشرط، فلابد له من جواب، وجوابه: ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ أي: رسول منهم.
﴿بِمَا لَا تَهْوَى﴾ يحتمل أن يكون (ما) موصوفًا، وأن يكون موصولًا، وعائده محذوف، أي: بما لا تهواه.
﴿فَرِيقًا﴾: نصب بكذّبوا، و ﴿فَرِيقًا﴾ الثاني نصب بيقتلون، و ﴿يَقْتُلُونَ﴾ بمعنى قتلوا، وإنما جيء به على لفظ المضارع على حكاية حال ماضية، كما قال: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣).
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي
стр. 1089
وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾ قرئ: بالنصب (١)، على أَنَّ (أنْ) هي الناصبة للفعل كالتي في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) والحِسبان على بابه.
وقرئ: (أن لا تكونُ) بالرفع (٣)، على أنّ أنْ هي المخففة من الثقيلة، كالتي في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ (٤)، والتقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة، فخففت أنّ وحذف ضمير الشأن، ودخول (لا) عوض من التخفيف، ومن وقوع الفعل بعدها، ولا يكون التخفيف مع الفعل إلّا بعد وجود أحد الأحرف الأربعة التي هي: لا، وقد، وسوف، والسين، نحو: علمت أن قد خرج زيد، وعلمت أن لا يخرج زيد، وأن سيخرج زيد، وأن سوف يخرج زيد، ولو قلت: علمت أن خرج زيد، وأن يخرج زيد، من غير واحد من هذه الأحرف لم يجز. ولو قلت: علمت أنْ زيد قائم، جاز من غير تعويض، كبيت الكتاب:
١٨٨ - في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد عَلِمُوا ... أَنْ هالكٌ كُلُّ من يَحْفَى وينتَعِلُ (٥)
أصله: أنه هالك، فخففت أنَّ وحذف ضمير الشأن.
стр. 1090
وإنما لم يعوضوا إذا وقع بعدها الاسم، لأجل أن (أن) لحقها هنا ضرب واحد من التغيير وهو الحذف، ولحقها إذا وقع بعدها الفعل ضربان: أحدهما الحذف، والآخر: وقوع الفعل بعدها، وذاك أن هذا الباب موضوع للأسماء في الأصل من حيث إنه مشبه بالفعل، وإذا عدل به عن الأصل من وجهين كان التغيير أقوى، فيحتاج إلى التعويض، وإذا كان التغيير وجهًا واحدًا لم يعتد به وجاز ألا يعوض.
وإنما دخل فعل الحِسبان على (أن) التي هي للتحقيق؛ لأنهم قطعوا بذلك واعتقدوه دون أن يكونوا نافين للفتنة على سبيل الرجاء والطمع، فلما كان كذلك نزل حسبانهم لقوته في صدورهم وثبوته في نفوسهم منزلة العلم واليقين، كأنه قيل: وعَلِمُوا أنه لا تكون فتنة (١).
وكان هنا هي التامة، وسَدَّ أن وما اتصل بها مَسَدَّ مفعولي الحِسبان.
﴿فَعَمُوا﴾: أصله عَمِيُوا، فاستثقلت الضمة على الياء فأزيلت عنها وحذفت لالتقاء الساكنين هي والواو.
والجمهور على فتح العين والصاد من قوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ على البناء للفاعل، وقرئ: بضمهما على البناء للمفعول (٢)؛ أي: عَمَّاهم الله، وصمَّهم، بمعنى: رماهم وضربهم بالعَمَى والصَّمَم، كما يقال: نزكتُه، إذا ضَرَبْتَهُ بالنيزك (٣)، ورَكَبْتُهُ، إذا ضربتَه بركبتك، هذا قول الزمخشري (٤).
وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ارتفع ﴿كَثِيرٌ﴾ على أحد ثلاثة أوجه: