← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فَيَرُدَّ على الشاتم مثل ذلك، كقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (١). وقيل: هو منقطع، ونزلت بسبب رجل ضاف قومًا فلم يطعموه، فَذَكَرَهُمْ بما فعلوه، فعابوه بذلك فنزلت (٢)، فالمعنى على هذا: لكن من ظلم فله أن يَذْكُرَ ما فُعِلَ به، فتكون (مَن) في موضع نصبٍ. وقرئ: (إلا من ظَلَم) على البناء للفاعل (٣)، وفيه أيضًا وجهان: أحدهما: أنه متصل، والمعنى: ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظَلَم. والثاني: أنه منقطع، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن من ظَلَم فإنه مرتكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء. [أو لكن الظالم دعه فإن الله تعالى سيجازيه. أو لكن الظالم يجهر بالسوء ظلمًا. أو لكن الظالم فاجهروا له بالسوء جزاءً] (٤). و(مَن) في موضع نصب على كلا التقديرين، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من اسم الله جل ذكره بمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء إلّا من ظَلَمَ، أي: إلّا الظالم، كما تقول: ما جاءني زيد إلّا عمرو، بمعنى ما جاءني إلّا عمرو، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) فالرفع في اسم الله تعالى على البدل من (مَن) بمعنى: لا يعلم أحد الغيب إلا الله، أي: لا يعلمه إلا الله، فاعرفه فإنه موضع.

стр. 982

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ والخبر ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [وقيل: الخبر محذوف تقديره: جمعه المخازي] (١) والإشارة في ذلك إلى الكفر بالبعض والإِيمان بالبعض. ومعنى اتخاذهم بين ذلك سبيلًا: أن يتخذوا دينًا وسيطًا بينهما كقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢)، أي: طريقًا وسَطًا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة. و﴿حَقًّا﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: هم الذين كفروا كفرًا حقًّا ثابتًا يقينًا لا شُبهة فيه، وأن يكون تأكيدًا لمضمون الجملة (٣)، أي: حق ذلك حقًّا، كما تقول: هذا عبد الله حقًّا، أي: أحقه حقًّا، [وإنما أَكَّدَ لإزالة توهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم الكفر] (٤) وأن يكون في موضع الحال، كقولك: زيد أبوك عطوفًا، وهو وزيد معروفًا، والعامل ما في ﴿أُولَئِكَ﴾ من معنى الفعل. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ في

стр. 983

موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل، أي: ويثيب الذين آمنوا. و﴿أَحَدٍ﴾: عامٌّ في الواحد والاثنين والجماعة، الذكرُ والأنثى في ذلك سواءٌ، ولذلك جاز دخول ﴿بَيْنَ﴾ عليه، و (بين) تقتضى شيئين فصاعدًا. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾: قوله : ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الفاء جواب لشرط محذوف دل عليه معنى الكلام، أي: إن استعظمت ما سألوه منك، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، أي: سؤالًا أكبر من ذلك، والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى السؤال. ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾: (جهرةً) مصدر في موضع الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، أي: قالوا ذلك مجاهرين، والتقدير: قالوا مجاهرين: أرنا الله، أو صِفَةٌ لمصدر محذوف، أي؛ رؤيةً جهرةً، بمعنى أَرِناه نَرَه رؤيةً جهرةً، كقوله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقد مضى الكلام على هذا في البقرة بأشبع من هذا (١). ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾: قوله : ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ (فوقهم) ظرف لرفعنا، أو حال من الطور. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: الباء متعلقة برفعنا، أي: رفعناه بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوا.

стр. 984

و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، وهو منصوب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ قرئ: (لا تَعْدُوا) بإسكان العين وتخفيف الدال (١)، وهو مضارع عدا يعدو، إذا جاوز الحد، وأصله: لا تَعْدُوُوْا بواوين: الأولى لام الفعل، والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت فسكنت، وبعدها واو ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين. وقريء: (لا تَعَدُّوا) بفتح العين وتشديد الدال (٢)، وأصله تعتدوا، فألقيت حركة التاء على العين وأدغمت التاء في الدال للقرب بعد القلب. وقرئ: بإخفاء العين (٣) تنبيهًا على أصلها، وأصله أيضًا لا تعدووا بواوين، ففعل به ما ذكرت آنفًا. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ في (ما) وجهان: أحدهما: أنها مزيدة للتوكيد، ومعنى التوكيد هنا: تحقيق أن العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلَّا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك. والثاني: أنها نكرة تامة، و ﴿نَقْضِهِمْ﴾ بدل منها، والباء متعلقة بمحذوف دلَّ عليه ما بعده، أي فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا من

стр. 985

اللعن [دلَّ عليه ما بعده، أي: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن] (١) والسخط وغير ذلك، أو بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٣) بدل من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، وإنما أعيدت الفاء والجار في البدل لطول الفصل. ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾ ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾، ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ عطف على ﴿نَقْضِهِمْ﴾. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي إلّا إيمانًا أو وقتًا قليلًا. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾: قوله : ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ عطف على ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، أو على ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾. وتكرير (كفرهم) إخبار بأنهم كفروا كفرًا بعد كفر، وهو كفرهم بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين على ما فسر (٤)، فعُطِفَ بعضُ كفرهم على بعض، ولك أن تمنع الحد والحظْر وتعطف على غيرهما مما تقدم. و﴿بُهْتَانًا﴾: مصدر في موضع الحال من الضمير المجرور في ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾، أي: بَهَّاتِين، يقال: بَهَتَهُ بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتانًا، فهو بهَّاتٌ، إذا قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوت (٥). وقيل: هو مصدر يعمل فيه القول لأنه ضرب منه، فهو كقولهم: رجع القهقرى، فهو على هذا بمثابة القول في الانتصاب. وقيل: تقديره قولًا بُهتانًا.

стр. 986

وقيل: بَهَتُوا بُهْتانًا (١). والبهتان العظيم: هو ما رموها به من الفاحشة. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾: قوله : ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾: ﴿عِيسَى﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحَ﴾، أو عطف بيان له، و ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كذلك. ولك أن تجعله نعتًا لـ ﴿عِيسَى﴾، وأن تنصبه بإضمار أعني. وقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (شبه) مسند إلى (لهم)، كما تقول: خُيِّلَ إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه، وقيل: هو مسند إلى ضمير المقتول وإن لم يجر له ذكر؛ لأن قوله: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ يدل عليه، كأنه قيل: ولكنْ شُبِّهَ لهم مَن قَتَلوه، ولا يجوز أن يكون مسندًا إلى المسيح؛ لأن المسيح مُشَبَّهٌ به، وليس بمشبَّهٍ، هذا قول الزمخشري (٢). وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ (منه) في موضع جر على الصفة لشك، أي: لفي شَكٍّ حادث منه، أي من جهته، ويبعد تعلقه بشك كما زعم بعضهم؛ لأنه يقال: شك في كذا، ولا يقال: شك من كذا (٣). وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: (علمٍ) في موضع رفع بالابتداء، و (من) مزيدة لاستغراق الجنس، وفي الخبر وجهان:

стр. 987

أحدهما: ﴿بِهِ﴾، و ﴿لَهُمْ﴾، لغو، كـ ﴿لَهُ﴾ في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، و ﴿لَهُمْ﴾ يتعلق بما تعلق به الخبر، كقولك: عندك في الدار زيد. والثاني: ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿بِهِ﴾ في موضع نصب على الحال، إمّا من المستكن في الظرف الذي هو الخبر، أو من ﴿عِلْمٍ﴾، كقوله: ١٧١ - لِعزَةَ موحِشًا طَلَلٌ قديم ... ........................ (٢) ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾، كما زعم بعضهم؛ لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه. ولك أن ترفع ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ بالظرف وهو ﴿بِهِ﴾، أو بلهم على رأي أبي الحسن. وقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء ليس من الأول، لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، أي: ولكنهم يتبعون الظن. ويجوز في الكلام رفع ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ على البدل من ﴿عِلْمٍ﴾؛ لأن موضعه رفع على ما ذكرت آنفًا، على أن تجعل اتباع الظن عِلْمَهم على الاتساع، كقولهم: تحيتك الضربُ، و: عتابك السيفُ، وقوله: ١٧٢ - وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ ... إلَّا اليَعَافِيرُ وإلا العِيسُ (٣) فجعل اليعافير والعيس أنيسها اتساعًا.

стр. 988

واليعافير: جمع يعفور وهو الخِشْفُ، وولد البقرة الوحشية أيضًا. وقيل: اليعافير تيوس الظباء (١). والعيس بالكسر: الإِبل البيض يخالِطُ بياضَها شيءٌ من الشُقرة، واحدها أعيسُ، وهذا كله مجاز واتساع. قوله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ اختُلف في الهاء في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾، فقيل: لعيسى ﵇ (٢)، وقيل: للذي شُبِّه لهم أنه عيسى (٣)، وقيل للعلم، كقولك: قتلته عِلْمًا، إذا عَلِمْتَهُ عِلْمًا تامًا (٤). وقيل: للأمر، أي: وما قتلوا أمره (٥). و﴿يَقِينًا﴾: إمَّا نعت لمصدر محذوف، أي: قتلًا يقينًا، أو حال من الضمير في ﴿يَقِينًا﴾، أي: ما قتلوه متيقنين، كما زعموا في قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾: ، وقيل: هو تأكيد لقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾، كقولك: وما قتلوه حقًّا، أي: حُقَّ انتفاءَ قتلِهِ حقًّا، وقيل: الوقف على قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾، على تقدير: تيقنوا ذلك يقينًا (٦). ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (إن) بمعنى ما، كالتي في قوله: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٧)، والجار

стр. 989

والمجرور بعده في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وما منهم أحد، يعني من اليهود والنصارى، فأحد مبتدأ، والخبر الجار والمجرور. ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: جواب قسم محذوف، والجملة القسمية في موضع الصفة لأحد، ثم حذف الموصوف الذي هو (أحد) وأقيمت الصفة مقامه، ونظيره: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، أي: وما منكم أحد إلا واردها، ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٢) أي: وما منا أحد، هذا مذهب أهل البصرة (٣)، وقال أهل الكوفة (٤): المحذوف: (مَن)، أي: وما منهم إلّا مَن ليؤمنن به، وأبى ذلك أهل البصرة؛ لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يجوز حذف بعض الاسم (٥). والضمير في ﴿بِهِ﴾ لعيسى ﵇، وفي ﴿مَوْتِهِ﴾ لأحدٍ المحذوف (٦) وقيل: في ﴿بِهِ﴾ لله تعالى (٧)، وقيل: لرسول الله ﷺ (٨)، وقيل: كلاهما لعيسى ﵇؛ لأنه يخرج آخر الزمان، [أي: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى ﵇] (٩). والمستكن في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ﴾ لِأَحَدٍ المقدر.

стр. 990

والجمهور على فتح النون الأولى حملًا على لفظ أَحَدٍ، أو (مَن) على المذهبين، وقرئ: (ليؤمنُن بهم) بضم النون وجمع الضمير (١) حملًا على معناه. و﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف لشهيد. [والمنوي في ﴿يَكُونُ﴾ لعيسى صلوات الله عليه، أي: يكون عيسى ﵇ شاهدًا في يوم القيامة على أهل عصره، بتكذيب من كذبه، وبتصديق من صدقه منهم على ما فسر] (٢). ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾: قوله : ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ متعلق بما تعلق به ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وقد ذكر (٣). [والمعنى: ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه، وهو ما عدد عليهم من الكفر وغيره]. ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾: عطف على ﴿فَبِظُلْمٍ﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: نعت لمصدر محذوف، أي: صدًا كثيرًا، أو ناسًا كثيرًا. و﴿وَأَخْذِهِمُ﴾: عطف على (صدهم)، ومثله ﴿وَأَكْلِهِمْ﴾، والمصادر من

стр. 991

لدن قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ﴾ مضافة إلى الفاعل. والواو في ﴿وَقَدْ نُهُوا﴾ للحال، [والباء للسببية من لدن قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي فبسبب نقض هؤلاء اليهود الذين وصفوا بسبب قتلهم، وبسبب ظلمهم، وبسبب صدهم الناس إلى قوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ﴾] (١). ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾: قوله : ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ (الراسخون) رفع بالابتداء و ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ متعلق به، أي: الثابتون فيه. و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ أي: كائنين منهم. و﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: عطف على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، و ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خبر الابتداء. و﴿الْمُقِيمِينَ﴾: منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة عند صاحب الكتاب (٢)، وهو عند الكسائي (٣) مجرور محمول على (ما) في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، أي: يؤمنون بالكتب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء، أو الملائكة على ما فسر (٤). وقيل: هو عطف على الكاف في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يؤمنون بالذي أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء، وهذا وجه حسن من جهة المعنى، لكن ضعيف من جهة الإِعراب؛ لما ذكرت فيما سلف

стр. 992

من الكتاب أن عطف الظاهر على المضمر المجرور لا يجوز عند أهل البصرة إلّا بإعادة الجار (١). وقيل: هو عَطْفٌ على الهاء والميم في ﴿مِنْهُمْ﴾ في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾، أي: منهم ومن المقيمينِ الصلاة. وقيل: هو عطف على الكاف في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من قبلك ومن قبل المقيمين. وهذان الوجهان أيضًا فيهما من الضعف ما ذكرت آنفًا في الوجه الذي قبلهما (٢). وقيل: هو عطف على (قبل) في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: من قبلك ومن قبل المقيمين، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٣). وقيل: هو على إضمارٍ، أي: وبصلاة المقيمين [والمعنى: يؤمنون بالله وبالصلاة، أي: وبوجوبها] (٤). والمختار الوجه الأول، لما للقوم في النصب على الاختصاص والمدح من الانحراف والميل، ولسلامته من الطعن والرد، ولكونه قول صاحب الكتاب، والقول ما قالت حَذام. فإن قلت: هل يجوز أن تجعل خبر المبتدأ الذي هو ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾؟ . قلت: نعم إن جعلت ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ مجرورًا بالعطف على ما ذكر، وإن جعلته منصوبًا ونصبته على المدح فلا؛ لأن المدح لا يكون إلّا بعد تمام الكلام (٥).

стр. 993

وفي مصحف عبد الله بن مسعود ﵁: (والمقيمون) بالواو، وبه قرأ بعض القراء (١). والمختار الياء لأجل الرسم مع موافقة الجل له. وأما رفع قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ﴾ فعلى الابتداء، و ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ خبره، أو على إضمار مبتدأ، أي: وهم المؤتون. ولك أن تعطفه على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، أو على المستكن فيه، أو في ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾، أو على المضمر في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). و﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿وَالْمُؤْتُونَ﴾. وقرئ: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾ بالنون على إخبار الله عن نفسه بلفظ الجمع، وبالياء النقط من تحته (٣)، بمعنى: سيؤتيهم الله، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. و﴿أُولَئِكَ﴾: في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ولك أن تجعله في موضع نصب بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، أي: ونؤتي أولئك. ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾: قوله : ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ الكاف في موضع نصب إمَّا نعت لمعنًى

стр. 994

محذوفٍ و (ما) مصدرية، أي: أوحينا إليك إيحاءً مِثْلَ إيحائنا إلى نوحٍ، أو لِعَينٍ محذوفٍ فتكون (ما) موصولة، أي: أوحينا إليك شيئًا مثل الذي أوحيناه إلى نوح من الأحكام وغيرها (١). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ (من) متعلقة بأوحينا، أو بالنبيين، ولا يجوز أن تكون حالًا من ﴿النَّبِيِّينَ﴾؛ لأن ظرف الزمان لا يكون حالًا لِلجُثَّة، كما لا يكون خبرًا عنها. وقوله: ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ كل هذه الأسماء عطف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وجميعها أعجمية ما عدا ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾، وهو جمع سِبط، وقد مضى الكلام عليه في "البقرة" (٢). والمانع لهذه الأسماء من الصرف العجمة والتعريف. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ قرئ: بفتح الزاي على أنه مفرد كالتوراة والإنجيل، وهو فعول بمعنى مفعول، من زَبَرْتُ الكتاب، إذا كَتَبْتَهُ. وقرئ: بضمها (٣)، على أنه جمع زبور بحذف الزيادة، كأن الواو حذفت فبقي زَبْرٌ، ثم جُمع على فُعول كبحر وبحور، كما جمع ظريف على ظروف، كأنه ظرف أو مصدر كالدُخُول سُمّي به الكتاب. قال أبو إسحاق: وأصل الزَّبْرِ في اللغة: إحكام العمل في البئر

стр. 995

خاصة، يقال: بئر مزبورة، إذا كانت مطوية بالحجارة (١). ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾: قوله : ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿وَرُسُلًا﴾، ونصبه من وجهين: إمَّا بمضمر في معنى أوحينا، وهو أرسلنا، كأنه قيل: أرسلناك وأرسلنا رسلًا، أو بما فسره هذا الظاهر وهو قد قصصناهم، أي: وقصصنا رسلًا قد قصصناهم، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ورسلًا قد قصصنا أخبارهم عليك. و ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾: عطف على ما قبله. فإن قلت: ما محل قوله: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ و ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ من الإِعراب؟ قلت: أما على الوجه الأول؛ فمحلهما النصب على الصفة لرسل، وأما على الثاني: فلا محل لهما؛ لأنهما مفسرتان للعامل. وقرئ: (ورسل قد قصصناهم) و (رسلٌ لم نقصصهم) بالرفع فيهما (٢)، ووجهه ظاهر. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: من قبل هذه السورة، وقيل: من قبل هذا اليوم (٣). قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (تكليمًا): مصدر مؤكد للفعل، وفائدة هذا التأكيد رفع المجاز وإزالة اللبس، وأن الله سبحانه تولى كلامه بنفسه بغير واسطة، ولا إلهام، ولا وحي (٤).

стр. 996

والجمهور على رفع اسم الله ، وقرئ: (وكلم اللَّهَ) بالنصب (١)، ووجه كلتيهما ظاهر. ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾: قوله : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (رسلًا) يحتمل أن ينتصب على البدل من قوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ (٢)، وأن ينتصب على الحال من الهاء والميم في ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾، أي: قد قصصناهم مُرْسَلين، وفائدة هذه الحال في الصفة وهي ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ كقولك: مررت بزيد رجلًا صالحًا، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ (٣)، وأن ينتصب على المدح، ولك أن تنصبه بفعل مضمر، أي: أرسلنا رسلًا. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ اللام في ﴿لِئَلَّا﴾ يحتمل أن تتعلق بمضمر في معنى الرسل وهو أرسلنا، أي: أرسلناهم لذلك، وأن تتعلق بـ ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أو بما هو دي معناه. و ﴿حُجَّةٌ﴾ اسم يكون، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ الخبر. و ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ في محل النصب على الحال من حجة، كقوله: ١٧٣ - لِعِزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ ... ................... (٤) ولك العكس، وهو أن تجعل ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ الخبر، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ الحال، ولا يجوز تعلق أحدهما بـ ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنها مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه.

стр. 997

و ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لاسم يكون، أو لخبرها، وأن يكون في موضع رفع صفة لاسمها. ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾: قوله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الجمهور على تخفيف ﴿لَكِنِ﴾ ورَفْعِ اسمِ اللَّهِ على الابتداء. وقريء: (لكنَّ) بالتشديد ونصب ما بعدها (١). والخبر ﴿يَشْهَدُ﴾ على كلتا القراءتين، وإن كان حكمه مختلفًا على المذهب المنصور، وهذا محمول على المعنى؛ لأن الاستدراك لا بد له من مستدرَك، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٢) قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾، بمعنى أنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد. [والثاني: أنه لما نزل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قالوا: ما نشهد بهذا، فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾] قاله الزمخشري (٣). وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (بعلمه) في موضع نصب على الحال إمّا من المفعول وهو الهاء في ﴿أَنْزَلَهُ﴾، أي: أنزله ملتبسًا بعلمه، أو معلومًا، أو أنزله وهو معلومه، أو من الفاعل وهو المستكن في ﴿أَنْزَلَهُ﴾، أي: أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤).

стр. 998

وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ الواو واو الحال، أي: أنزله والملائكة شاهدون بأنه حق وصدق. و ﴿شَهِيدًا﴾ حال أو تمييز، وقد ذكر في غير موضع (١). فإن قلت: ما محل قوله: ﴿أَنْزَلَهُ﴾؟ قلت: لا محل له، لأنه مفسر لقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ﴾، فإن قلت: هل يجوز أن يكون قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ ويكون حكمها كحكمها؟ قلت: لا يبعد ذلك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾: قوله : ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ (إلا طريق جهنم) استثناء من ﴿طَرِيقًا﴾، وفيه معنى العموم لكونه في سياق النفي، أعني ﴿طَرِيقًا﴾. و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾، وهي بمنزلة مررت برجلٍ معه صقرٌ صائدًا به غدًا. و﴿أَبَدًا﴾: ظرف لخالدين، وهو في المستقبل نظير قط في الماضي، نحو: ما أضربك أبدًا؛ وما ضربتك قَطُّ. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾: قوله : ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون للتعدية، كهمزة أفعل المنقول من فَعَل متعلقة بجاءكم، أي: بسبب إقامة الحق. وأن تكون في موضع الحال من الرسول،

стр. 999

أي: جاءكم ملتبسًا بالحق، أو معه الحق. و ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في موضع الحال من الحق. ولك أن تعلقه بجاء. وقوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ اختلفت النحاة في نصب قوله: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾: فذهب صاحب الكتاب ﵀ وموافقوه إلى أنه منصوب بمضمر دل عليه قوله: ﴿فَآمِنُوا﴾، وذلك أنه لما أمرهم بالإِيمان علم أنه يريد أن يخرجهم من أمر ويدخلهم فيما هو خير منه لهم، فقال: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾، أي: اقصدوا أو ائتوا أمرًا خيرًا لكم مما أنتم فيه من الكفر، وهو الإِيمان، فهو مفعولُ فِعلٍ مضمر (١). وذهب الفراء: إلى أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم (٢). وذهب أبو عبيدة: إلى أنه خبر كان المحذوفة، أي: يكن الإِيمان خيرًا (٣). وكذلك القول في قوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ (٤). ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (الحق) منصوب

стр. 1000

بقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ على التضمين، كأنه قيل: ولا تذكروا إلّا الحقَّ. ولك أن تجعله نعتًا لمصدر محذوف، أي: إلّا القول الحق، وهو تنزيه الله عن الشريك والولد. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (المسيح) رفع بالابتداء، وخبره ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، و ﴿عِيسَى﴾ بدل أو عطف بيان، وقد ذكر فيما سلف من السورة (١). و﴿وَكَلِمَتُهُ﴾: عطف على ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾. و ﴿أَلْقَاهَا﴾: في موضع الحال وقد معه مرادةٌ، واختلف في ذي الحال وعاملها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذا الحال الكلمة وعاملها معناها، وهو الإِنشاء والاختراع؛ لأنه وُجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة أب أو نطفة. والثاني: أن ذا الحال وعاملها كلاهما محذوف، أي: وكلمته إذ كان ألقاها، فإذ ظرف للكلمة، وكان فعل حقيقي بمنزلة وجد وحدث، وفيه ضمير يعود إلى الله جل ذكره، و ﴿أَلْقَاهَا﴾ حال منه، والعامل كان؛ لأنه فعل حقيقي كسائر الأفعال. والثالث: أن ذا الحال الهاء المجرورة في ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾، والعامل فيها معنى الإِضافة، أي: وكلمة الله ملقيًا إياها. ومعنى ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصلها إليها وحصَّلَها فيها (٢). و﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: عطف على قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، وقيل: عطف على المستكن في ﴿أَلْقَاهَا﴾ على أنه جبريل صلوات الله عليه، أي: ألقى الله وجبريلُ الكلمةَ إلى مريم (٣). والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ و ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ لله جل ذكره.

стр. 1001

وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ (ثلاثةٌ) خبر مبتدأ محذوف، واختلف في تقديره على ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقدير: ولا تقولوا المعبود أو الله ثلاثة كما تقول النصارى، وذلك أنهم يقولون فيما حُكي عنهم: هو جَوْهَرٌ واحدٌ له ثلاثةُ أقانيمَ، ثم اختلفوا في الأقانيم، فبعضهم قالوا: هي ذوات، وبعضهم قالوا: هي صفات، وطائفة منهم قالوا: الأب الذات، والابن العِلْمُ، وروحُ القُدُسِ الحياةُ. والأقانيم: الأصول، واحدها أُقنومٌ. والثاني: أن التقدير: الآلهة ثلاثة. والثالث: أن التقدير: ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة، فحُذف المبتدأ والمضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويعضد هذا الوجه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (١). فإن قلت: لم سمي عيسى ﵇ روحًا؟ قلت: اختلف في ذلك على أوجه: أحدها: أنه سمي روحًا؛ لأنه كان بسبب نفخة جبريل صلوات الله عليه بإذن الله، والنفخ يسمى في اللغة روحًا، قال ذو الرمة يصف نارًا: ١٧٤ - فقلتُ له ارفَعْها إليكَ وأَحْيِها ... بِرُوحِكَ ............ (٢) أي: بنفخك. والثاني: أنه سمي روحًا؛ لأنه رُوحٌ من الأرواح، وذلك أن الله عز

стр. 1002

وجل لما أخرج ذرية آدم ﵇ من ظهره فجعلهم أرواحًا كان روح عيسى ﵇ في تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، فأُرسل إلى مريم فدخل في فيها فحملت، وإنما أضافه إليه سبحانه دون غيره تشريفًا له. والثالث: أنه سمي روحًا؛ لأنه ذو روح وُجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي، وإنما أنشأه الله إنشاءً أو اخترعه اختراعًا، ولذلك سمي كلمته؛ لأنه بكلمته وأمره من غير واسطة أب ولا نطفة، وقد ذكر. وقيل: معني قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: ورحمة منه، كقوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ اسم الله رفع بالابتداء، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿وَاحِدٌ﴾ توكيد له، كقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٣)، وقولهم: مَضَى أمسِ الدابرُ (٤)، وقيل: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ نعت له، على معنى أنه منفرد في إلاهِيَّتِهِ. وقيل: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ هو الخبر، و ﴿إِلَهٌ﴾: بدل من اسم الله، أي: إنما المعبود واحد (٥). وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ و (أن) في موضع نصب على حذف الجار وهو (مِن)، أو (عن)، أي: سبحه تسبيحًا من أن يكون، أو عن أن يكون له ولد، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور (٦).

стр. 1003

والجمهور على فتح همزة ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ونصب النون على أنها الناصبة للفعل، وقرئ بكسرها ورفع النون (١)، على أنها النافية بمعنى (ما)، أي: سبحانه ما يكون له ولد. والكلام على هذه القراءة جملة وتفصيلًا مبين في العقيدة. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (وكيلًا) منصوب على البيان، أو على الحال، وقد ذكر في غير موضع (٢). ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾: قوله : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ﴾ أي: من أن يكون. ومعنى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يأنف، من نَكَفْتُ الدمعَ أَنْكُفُهُ نَكْفًا، إذا نَحَّيْتَهُ عن خَدِّكَ بإصبعك أَنَفَةً أن يُرى أثر البكاء عليك. ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: عطف على ﴿الْمَسِيحُ﴾، ولك أن تعطفه على اسم ﴿يَكُونَ﴾، وفي الكلام حذف على كلا التقديرين، وفيه وجهان: أحدهما: أن التقدير ولا كُلُّ واحدٍ من الملائكة أن يكون عبدًا لله. والثاني: أن التقدير: ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبادًا لِلَّه، ثم حذف ذلك لدلالة ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ عليه إيجازًا واختصارًا. ومعنى ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: المقربون من رحمة الله ورضاه. وقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ الجمهور على الياء النقط من تحته وضم الشين، وقرئ بالنون وكسر الشين (٣) وهما لغتان، يقال: حَشَرْتُ القومَ

стр. 1004

أَحْشُرُهم، وأحشِرُهم حشرًا، إذا جمعتَهم، ومنه يوم الحشر، وأما الياء والنون فوجه كليهما ظاهر. و ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الهاء والميم في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾: قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الذين) يحتمل أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب بصضمر يفسره الظاهر وهو ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، أي: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفي، ولا يجوز تقدير الفعل قبل ﴿الَّذِينَ﴾؛ لأن ﴿وَأَمَّا﴾ لا يليها الفعل. ومثله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ و ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). وقد ذكر نظائره فيما سلف. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾: قوله : ﴿جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ محل ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الرفع على الصفة لبرهان، ولك أن تعلقه بجاء، فيكون في موضع نصب. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾: قوله : ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا﴾ (صراطًا) مفعول ثان لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ على معنى: ويعرفهم ذلك، وهو طريق الإِسلام (٢).

стр. 1005

والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ لله جل ذكره، أي: ويهديهم إلى عبادته. وقيل: التقدير: ويهديهم إلى صراطه، و ﴿صِرَاطًا﴾: حال منه (١)، ثم حذف ذو الحال للعلم به، قلت: وفائدة هذه الحال في صفتها، وقد مر نظيره فيما سلف (٢)، وقيل: للقرآن، وقيل: للفضل، وقيل: للرحمة؛ لأنهما بمعنى الثواب (٣). ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾: قوله : ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ عند أهل البصرة، وبقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ عند أهل الكوفة، ولو كان الأمر كما زعموا لكان ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ فيها، كما لو تقدمت (٤). وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بفعل مضمر يفسره ﴿هَلَكَ﴾. ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾: الجملة في موضع الرفع على الصفة لامرئ، أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد، ولك أن تجعلها في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾ أي: هلك عاريًا عنه أو خاليًا منه، والتقدير: ليس له ولد ولا والد، وإنما حذف اكتفاء بلفظ الكلالة. وقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ عطف عليها، وحكمها في الإِعراب حكمها.

стр. 1006

﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾: الفاء جواب الشرط. وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ جملة مستأنفة. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ اختلف أهل العربية في تفسير الألف في ﴿كَانَتَا﴾ على وجهين: أحدهما: أنه ضمير الأختين، دل على ذلك قوله: ﴿وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾، وهو اسم كان، و ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ خبرها. فإن قلت: قد منعت النحاة أن يقال: إن الذاهبَةَ جاريَتَهُ صاحِبُها؛ لأنك لا تفيد بالخبر شيئًا ما لم يُسْتَفَدْ من المبتدأ، وحكم الجزء الذي هو الخبر أن يفيد ما لم يُفِدْهُ المبتدأ، والآية في الظاهر مثل هذه المسألة في أن الخبر يتضمن ما يتضمن الاسم. قلت: أجل الأمر كما ذكرتَ وزعمتَ، غير أن في الآية نكتةً عجيبةً، وقد أفاد الخبر فيها ما لم يفد الاسم، وذلك أنه لما قال: ﴿كَانَتَا﴾ احتمل أن تكونا صغيرتين أو كبيرتين، فلما أتى لفظ التثنية وقيل: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ اشتمل على الصغير والكبير، وعلم أن الصغَرَ والكِبَرَ لا اعتبار بهما، وأن الاعتبار بالعدد متجردًا من الصغر والكبر، وهذا قول أبي عثمان المازني، وسبب ذلك أنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصغار. والثاني: أنها ضمير (مَن) والتقدير: فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين فصاعدًا، ثم أضمر (مَن) للعلم به، وحُمل الضمير على معناه، فثُني وجُمع، فقيل: فإن كانتا، وإن كانوا، وهذا قول أبي الحسن (١). وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في (لهما) على رأي صاحب الكتاب، ومن ﴿الثُّلُثَانِ﴾ على رأي مذهب أبي الحسن، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿الثُّلُثَانِ﴾ على مذهب صاحب الكتاب

стр. 1007

لعدم العامل في الحال، [والله أعلم] (١). وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ (إخوةً) خبر كان، و ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً﴾: بدل من الخبر، والمراد بالإِخوة: الإِخوة والأخوات تغليبًا لحكم الذكورة. ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾: الفاء جواب الشرط، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فللذكر منهم. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ مفعول التبيين محذوف، و ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ مفعول من أجله، أي: يبين الله أحكامه لكم كراهة أن تضلوا، ثم حذف المضاف. وقيل: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ هو المفعول به للتبيين، والتقدير: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه، فأن والفعل بتأويل المصدر، وكلاهما بَصْريٌّ. وفيه قول ثالث: أي: يبين لكم لئلا تضلوا، فحذف (لا) للعلم به، وهو كوفي (٢). هذا آخر إعراب سورة النساء والحمد لله وحده

стр. 1008

إعراب سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾: قد ذَكَرْتُ في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أنه يقال: وَفَى بكذا، وأَوْفَى وَوَفَّى بمعنى واحد، وأن أصله: أَوْفِيُوا (١). والعقود: العهود، والعقد: العهد المُوثَقُ، وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: المعقود. قوله : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أضيفت البهيمة إلى الأنعام للبيان، ليعلم بالإِضافة أن جميع البهيمة لم تدخل في التحليل، لأن البهيمة تشتمل على الأنعام وغيرها. والبهيمة: كل حيّ لا يميز، عن أبي إسحاق (٢)؛ لأنها أبهمت عن الفهم والتمييز، وقيل: لأنها أُبْهِمَ عليها النطقُ (٣). والبهيمة: تقع على كل ذي أربع من دواب البر والبحر، وجمعها: البهائم. والأنعام: الإِبل والبقر والغنم، وهي الأزواج الثمانية، وهذه الإِضافة

стр. 1009

التي بمعنى (مِن)، أي: البهيمة من الأنعام، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١). ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: (ما) في موضع نصب على الاستثناء من (بهيمة الأنعام)، وفي الكلام حذف مضاف، أي: إلا مُحَرَّمَ ما يُقرأ عليكم من القرآن، من نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ (غير) منصوب على الحال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾، أي: أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد. وقيل: حال من الضمير في ﴿أَوْفُوا﴾، عن أبي الحسن (٣)، أي: أوفوا بالعقود غير محلين الصيدَ، ثم حذفت النون للإضافة، والياء لالتقاء الساكنين، وأضيف اسم الفاعل إلى المفعول. والصيد: المَصِيدُ، والصيد مصدرُ صَادَهُ يَصيدُهُ وَيَصَادُهُ صَيْدًا، إذا اصطاده (٤). وكلاهما يحتمل هنا، أي: غير محلين المصيدَ أو اصطيادَه في حال إحرامكم. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ محلها النصب على الحال من المنوي في ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ والعامل ﴿مُحِلِّي﴾. والحُرُمُ: جمع حَرامٍ، وهو المحرم، كأنه قيل: أحللنا لكم البهيمة من الأنعام في حال امتناعكم من المصيد وأنتم مُحْرِمون، أي: ملتبسون بالإِحرام. والجمهور على ضم الراء في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ على الأصل،

стр. 1010

وقرئ: بإسكانها تخفيفًا (١). أبو الفتح: هذه اللغة تميمية، يقولون في رسُل: رسْل، وفي كتُب: كتْب (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾: قوله : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع شَعيرة، قيل: هي اسمُ ما أُشعر، أي: جُعل شِعارًا وعَلَمًا للنسك: من مواقف الحج، ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحاج، يُعرفون بها من الإِحرام والطواف والسعي والحلق والنحر (٣). ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: أي: ولا تستحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه. قيل: هو الأشهر الحرم، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤)، وقيل: هو رجب (٥).

стр. 1011

ومعنى إحلاله: ما كانوا يفعلونه من تحريم القتال فيه مرة وتحليله أخرى، كقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (١). ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ جمع هَدْية، كجَدْي في جمع جَدْيةِ السَّرْج (٢)، وهو ما أُهدي إلى البيت، وتُقرب به إلى الله من الذبائح. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: وهي جمع قِلادة، والقِلادة: ما قُلِّد به الهدي من نَعْلٍ، أو عُروة مزادة (٣)، أو لحاء شجر وشبه ذلك، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ولا ذوات القلائد؛ لأن المراد تحريم المقلدة لا القلادة. [وقيل: ليس في الكلام حذف مضاف، وإنما المراد النهي عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض لما يُهْدَى، على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلًا أن تحلوها] (٤). ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، أي: قاصديه، وهم الحجاج والعمار، يقال: أَمَّهُ يَؤُمُّه أمًّا، إذا قصده، فهو آمّ، وفي الكلام حذف مضاف أيضًا، أي: لا تستحلوا مَنْعَهُمْ أو قتالهم، أو غيره. والجمهور على إثبات النون في ﴿وَلَا آمِّينَ﴾ ونصب (البيت)، وقرئ بطرحها وخَفْضِ البيتِ على الإِضافة (٥).

стр. 1012

وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿آمِّينَ﴾، أي: آمِّين مبتغين، ويبعد أن يكون صفة لآمِّين، كما زعم بعضهم (١)؛ لأن اسم الفاعل إذا وُصف أو صُغِّرَ نحو: هذا ضاربٌ ظريفٌ زيدًا، أو ضويرب زيدًا، لم يعمل في حال السعة والاختيار، لمفارقته شَبَهَ الفعل بذلك (٢). والجمهور على الياء في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾، وقرئ: (تبتغون) بالتاء (٣)، على الخطاب للمؤمنين. قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ الجمهور على فتح الفاء، وقرئ: (فاِصطادوا) بكسرها (٤)، قيل: وهو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء، [والمعنى: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تستحلوه وأنتم محرمون] (٥). وقرئ أيضًا: (وإذا أحللتم) بزيادة همزة قبل الحاء (٦)، وهما لغتان، يقال: حَلَّ المُحْرِمُ يَحِلُّ حَلالًا، وأَحَلَّ يُحِلُّ إحلالًا، بمعنى واحد. وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ قيل: جَرَم يجري مجرى كسب في تعدّيه إلى مفعول واحد واثنين، تقول: جَرَمَ ذنبًا، نحو: كسبه، وجَرمتُهُ ذنبًا، نحو: كسبتُه إياه، ويقال:

стр. 1013

أجرمته ذنبًا، على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، وعليه قراءة عبد الله: (ولا يُجرمنكم) بضم الياء (١)، والجمهور على فتحها، وقيل: هما لغتان بمعنى، عن الكسائي وغيره (٢). وفاعل هذا الفعل على القراءتين: ﴿شَنَآنُ﴾، ومفعوله الأول ضمير المخاطبين، و ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ هو الثاني، وفيه قولان: أحدهما: ولا يحملنكم شنآن قوم على الاعتداء، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم. والثاني: ولا يكسبنكم شنآن قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام الاعتداءَ. قال الرماني: وأصل القولين: القَطْعُ، يقال: جَرَمَ يَجْرِمُ جَرْمًا، إذا قطع (٣)، فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه عن غيره، وجَرَمَ بمعنى كسب لانقطاعه عن الكسب. وقرئ: (شَنَآنُ) بفتح النون الأولى، وهو مصدر قولك: شَنِئْتُهُ أَشْنَؤُهُ شَنَآنًا، إذا أبغضتَه، ونظيره من المصادر: النَزَوان، والغَلَيان. وقرئ: بإسكانها (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر، قال الجوهري: وكلاهما شاذ، أما التحريك: فشاذ في المعنى؛ لأن فَعَلان إنما هو من بناء ما كان معناه الحركة

стр. 1014

والاضطراب كالضَرَبان والخَفَقان، وأما التسكين: فشاذ في اللفظ؛ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه، انتهى كلامه (١). والثاني: أنه صفة، ككسْلان وغضْبان. فتقديره على الأول: لا يحملنكم بُغضُ قوم. وعلى الثاني: لا يحملنكم رَجُلٌ بَغِيضُ قومٍ، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، والمصدر مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٢) أي: لا يحملنكم بغضكم لقوم على كذا، أو بغض قوم إياكم، فيكون مضافًا إلى الفاعل. وقرئ (إنْ صَدُّوكم) بكسر الهمزة (٣)، على أَنَّ (إِنْ) هي الشرطية، وجوابها محذوف، والمعنى: إنْ يقع صَدٌّ مِثلُ ذلك الصد فلا يحملنكم على الاعتداء، تعضده قراءة من قرأ: (إنْ يَصُدوكم)، وهو عبد الله ﵁ (٤). وقرئ: بفتحها (٥)، على أنها المصدرية، أي: لأن صدوكم، فموضعها نصب على أنه مفعول من أجله، والصد على هذا قد تقدم من المشركين، وهو صد الحديبية على ما فسر (٦). ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ

стр. 1015

وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾: قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (الميتة) اسم ما لم يُسَمَّ فاعله، وما بعدها من المحرمات عَطْفٌ عليها. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: رُفِعَ الصوتُ به لغير الله، وهو قولهم: باسم اللاّتِ والعُزَّى عند ذبحه (١). ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: هي التي خنقوها حتى ماتت، أو اختنقت بحبل. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي أثخنوها ضربًا بعصا أو حجر حتى ماتت، يقال منه: وقَذَهُ يَقِذُهُ وَقْذًا وهو وَقِيذ، إذا ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَرَدَّت (٢) من جبل وشبهه فماتت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: التي نطحتها أخرى حتى ماتت بالنطح، فهي المنطوحة، فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمتَ، فلم ثبتت الهاء فيها، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول حذفت الهاء منه، ككف خَضيبٍ، [ولحية دهين] (٣)، وعَينٍ كحيل، وشاة نطيح؟ قيل: إذا لم يذكر الموصوف معه أُثبتتِ الهاءُ معه؛ لأنه صار كالاسم، هذا قول الفراء (٤)، وقيل أيضًا: إنها الناطحة حتى تموت، فعلى هذا فلا مقال في جواز إثبات الهاء فيها (٥). والوجه: أنها فعيلة بمعنى مفعولة، تعضده قراءة من قرأ: (والمنطوحة) وهو عبد الله ﵁ (٦).

стр. 1016

﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ يعني بِعَضِّه ومات من فِعله قبل أن تُدْرَكَ ذكاتُهُ. والجمهور على ضم الباء من ﴿السَّبُعُ﴾ على الأصل، وقرئ: بإسكانها تخفيفًا (١)، وقيل: هما لغتان (٢). وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء من الموجب قبله من لدن قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [عن ابن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵄ وغيرهما] (٣). أي: إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه (٤). وأصل التذكية في اللغة: التمام، فمعنى ذَكَّيْتُ الذبيحة: أتممت ذبحها، وذكيت النار: أتممت إيقادها، ومنه: فلان ذكي، أي: تام الفهم. وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، قيل: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تُسمى الأنصاب (٥)، فعلى هذا يتعلق بـ (ذُبح) تعلق الجار بالفعل، نحو: ركبت على الفرس، وضربت على الرأس. وقيل: كانوا يعبدونها (٦)، وهي غير الأصنام، لأن الأصنام مصورة منقوشة، والنُّصُبُ غير مصورة (٧)، فعلى هذا يحتمل أن يكون متعلقًا بذُبح

стр. 1017

بمعنى العلة، أي: وما ذبح لأجل النُصُبِ، وأن يكون في محل النَّصْبِ على الحال من المستكن في ﴿ذُبِحَ﴾، أي: وما ذبح مسمًى أو مذكورًا على النُّصُب، فاعرفه فإنه موضع. والنُصُب يحتمل أن يكون جمع نِصَابٍ، ككتاب وكتب، وأن يكون واحدًا كما قال الأعشى: ١٧٥ - وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَعْبُدَنَّهُ ... ................ (١) أي: إياك وهذا النصب، وجمعه أنصاب كطُنُب وأطناب. ويجوز إسكان الصاد مع ضم النون، وإسكانها مع فتح النون (٢)، على تسمية المفعول بالمصدر، كضرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله. وقد جوز فتحهما (٣)، على أنه اسم بمعنى المنصوب، كالقَبَض بالتحريك بمعنى المقبوض، وهو ما قبض من أموال الناس. وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أن وما عملت فيه في محل الرفع بالعطف على ﴿الْمَيْتَةُ﴾ أي: وحُرّم عليكم الاستقسام بالقداح: قيل: كان أحدهم إذا أراد سفرًا، أو غزوًا، أو تجارة، أو نكاحًا أو غير ذلك ضرب بالأزلام، وهي مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى

стр. 1018

بعضها: نهاني ربي، وبعضها غُفْلٌ (١)، فإن خرج الآمر مضى في الحاجة، وإن خرج الناهي قعد عنها، وإن خرج الغُفْلُ أجالها عَوْدًا (٢). وواحد الأزلام زَلَم، وقيل: زُلَمٌ (٣). فمعنى الاستقسام بالقداح: طلب معرفة ما قُسِمَ له مما لم يُقْسَمْ له بالقداح (٤). وقيل: هو الميسر، وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة إلى الاستقسام، وإلى تناول جميع ما حُرّم عليهم في الآية، لأن المعنى: حرم عليكم تناول الميتة وتناول كذا وكذا. (فسق): أي: خروج عن طاعة الله. وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ﴾ (اليوم) ظرف لقوله: ﴿يَئِسَ﴾، واختلف فيه: فقيل: لم يرد به يومًا بعينه، وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنتَ بالأمس شابًا وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس: اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم: يومك. وقيل: يريد يومًا بعينه وهو يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥). وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾: (اليوم) ظرف لأكملت.

стр. 1019

وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (دينًا) انتصب على أحد أربعة أوجه: إما على أنه مفعول ثان على تضمين رضيت معنى اخترت؛ لأنه إذا رضيه فقد اختاره، وإذا اختاره فقد رضيه. أو على المدح وإن كان نكرة كقوله: ١٧٦ - .................. ... وشُعْثًا مراضِيعَ مثلَ السَّعَالِي (١) فنصب (شعثًا) على المدح وهو نكرة كما ترى. أو على البيان. أو على الحال من ﴿الْإِسْلَامَ﴾ (٢). و﴿لَكُمُ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَرَضِيتُ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿الْإِسْلَامَ﴾. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾: الفاء للعطف، و (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿اضْطُرَّ﴾، أو الجواب على الخلاف المذكور في غير موضع (٣)، إلّا أنك إذا قدرت الجواب الخبر، كان العائد محذوفًا تقديره: فإن الله له غفور رحيم. والمخمصة: المجاعة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤)، وهي مصدر، كالمغضبة والمعتبة، يقال: خمصه الجوع خمصًا ومخمصة. و﴿غَيْرَ﴾: منصوب علي الحال من المستكن في ﴿اضْطُرَّ﴾. والمتجانف: المتمايل، يقال: تجانف فهو متجانف، وتَجنَّف فهو

стр. 1020

مُتَجَنِّف، وقد قرئ بهما (١)، أي: غير متمايل إليه، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٢)، وهو افتُعِلَ من الضُرِّ، أبدلت التاء طاء لقربها منها، ولتؤاخي الضاد بالإِطباق. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾: قوله : ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ما وذا اسم واحد مبتدأ، وخبره، ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾، أيْ: أيُّ شيء أحل لهم من المطاعم؟ ولك أن تجعل (ذا) بمعنى الذي، فيكون هو خبر (ما)، و ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ صلته، وقد ذكر في "البقرة" (٣). ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (ما): موصولة معطوفة على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ وعائدها محذوف، أي: علمتموه، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أُحِلّ لكم الطيباتُ وصيدُ ما عَلَّمْتُمْ، وقد جوز أن تكون شرطية وجوابها ﴿فَكُلُوا﴾، فتكون في موضع رفع بالابتداء (٤). و ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: في محل النصب على الحال من العائد. والجوارح: الكواسب للصيد من السباع والطير، كالكلب والفهد والنمر، والعُقاب والصَقْر والبافي والشاهين، وهي جمع جارحة، والهاء فيها للمبالغة، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف. وقيل: سميت جوارح؛ لأنها تجرح ما تَصيدُ في الغالب (٥).
следующие страницы →