أما وجه فساده من جهة المعنى: فهو أن ذلك يوجب أن يشارك الصابئ اليهودي في اليهودية، وليس كذلك، فإن قلت: فإن ادعيا أن ﴿هَادُوا﴾ في معنى تابوا، قلت: ينادي على بطلان دعواهما هنا قولُه تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إذ لو كانوا مؤمنين لما قال: إنْ آمنوا فلهم كذا.
وأما وجه ضعفه من جهة العربية: فهو أن المضمر لم يؤكد ولم يفصل بينهما بما يقوم مُقام التأكيد.
وذهب الفراء: إلى أنه معطوف على (الذين) من حيث إنه لما لم يظهر فيه الإِعراب بقي المعطوف مرفوعًا على أصله (١)، وهذا ليس بشيء لعدم الاطراد فيه (٢). وقيل: (إنّ) بمعنى نَعم (٣)، كقوله:
١٨٧ - ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ (٤)
وهذا أيضًا ضعيف لقلته في الكلام.
وقيل: إن ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في موضع نصب بالعطف على إسم إن، ولكنه أتى على لغة الذين يجعلون التثنية بالألف على كل حال، والجمع بالواو على كل حال (٥)، وهو ضعيف أيضًا لقلته وقلةِ المستعملين له.
стр. 1087
وقيل: إن النون هو حرف الإِعراب لا الواو (١)، وهذا أيضًا ليس بشيء، لأن ذلك أتى مع الياء لا مع الواو، وسبب امتناعه مع الواو من حيث إن الواو حرف يختص بنوع من الإِعراب، والياء تكون للنصب مرة وللجر أخرى، فإذا جمع بين الواو والإعراب في النون كان أذهب في الجمع بين علامتي إعراب، فلذلك لم يُقَل: مسلمون، كما قيل: مسلمين.
وقيل: خبر إن محذوف لدلالة الثاني عليه، والعطف بقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ إنما أتى بعد تمام الكلام وانقضاء اسم إن وخبرها (٢)؛ لأن المحذوف من اللفظ إذا كان في الكلام ما يدل عليه في حكم الملفوظ به، كما حذف خبر إن في قوله تعالى: (إن الله وملائكتُهُ يصلون على النبي) (٣) على قراءة من رفع (ملائكته) (٤) تقديره: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه، فحذف الأول وهو خبر (إنّ) لدلالة الثاني عليه، كقولك: إن زيدًا وعمرو منطلق، فعمرو مبتدأ، ومنطلق خبره، وخبر إن محذوف لدلالة الثاني عليه، وهذا أحسن الأقوال بعد قول صاحب الكتاب ﵀، والقول ما قالت حَذامِ.
والجمهور على رفعه ووجهه ما ذكر، وقرئ: (والصابئين) بالنصب (٥) عطفًا على اسم إن، ولا تجوز القراءة به لأجل مخالفته "الإمام" مصحف عثمان ﵁.
стр. 1088
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وهو ﴿آمَنَ﴾، أو الجزاء وهو ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾، والجملة خبر إن، أو خبر ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾: على الخلاف المذكور آنفًا، والراجع إلى اسم إن محذوف تقديره من آمن منهم، بشهادة قوله في "البقرة": ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) ولك أن تجعل ﴿مَنْ﴾ موصولة في موضع نصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه، وخبر إن ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، ودخلت الفاء في الخبر لِتَضَمُّنِ اسم إن معنى الشرط، وقد ذكر (٢).
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ﴾ ظرف لـ ﴿كَذَّبُوا﴾ وفيه معنى الشرط، فلابد له من جواب، وجوابه: ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ أي: رسول منهم.
﴿بِمَا لَا تَهْوَى﴾ يحتمل أن يكون (ما) موصوفًا، وأن يكون موصولًا، وعائده محذوف، أي: بما لا تهواه.
﴿فَرِيقًا﴾: نصب بكذّبوا، و ﴿فَرِيقًا﴾ الثاني نصب بيقتلون، و ﴿يَقْتُلُونَ﴾ بمعنى قتلوا، وإنما جيء به على لفظ المضارع على حكاية حال ماضية، كما قال: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣).
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي
стр. 1089
وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾ قرئ: بالنصب (١)، على أَنَّ (أنْ) هي الناصبة للفعل كالتي في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) والحِسبان على بابه.
وقرئ: (أن لا تكونُ) بالرفع (٣)، على أنّ أنْ هي المخففة من الثقيلة، كالتي في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ (٤)، والتقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة، فخففت أنّ وحذف ضمير الشأن، ودخول (لا) عوض من التخفيف، ومن وقوع الفعل بعدها، ولا يكون التخفيف مع الفعل إلّا بعد وجود أحد الأحرف الأربعة التي هي: لا، وقد، وسوف، والسين، نحو: علمت أن قد خرج زيد، وعلمت أن لا يخرج زيد، وأن سيخرج زيد، وأن سوف يخرج زيد، ولو قلت: علمت أن خرج زيد، وأن يخرج زيد، من غير واحد من هذه الأحرف لم يجز. ولو قلت: علمت أنْ زيد قائم، جاز من غير تعويض، كبيت الكتاب:
١٨٨ - في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد عَلِمُوا ... أَنْ هالكٌ كُلُّ من يَحْفَى وينتَعِلُ (٥)
أصله: أنه هالك، فخففت أنَّ وحذف ضمير الشأن.
стр. 1090
وإنما لم يعوضوا إذا وقع بعدها الاسم، لأجل أن (أن) لحقها هنا ضرب واحد من التغيير وهو الحذف، ولحقها إذا وقع بعدها الفعل ضربان: أحدهما الحذف، والآخر: وقوع الفعل بعدها، وذاك أن هذا الباب موضوع للأسماء في الأصل من حيث إنه مشبه بالفعل، وإذا عدل به عن الأصل من وجهين كان التغيير أقوى، فيحتاج إلى التعويض، وإذا كان التغيير وجهًا واحدًا لم يعتد به وجاز ألا يعوض.
وإنما دخل فعل الحِسبان على (أن) التي هي للتحقيق؛ لأنهم قطعوا بذلك واعتقدوه دون أن يكونوا نافين للفتنة على سبيل الرجاء والطمع، فلما كان كذلك نزل حسبانهم لقوته في صدورهم وثبوته في نفوسهم منزلة العلم واليقين، كأنه قيل: وعَلِمُوا أنه لا تكون فتنة (١).
وكان هنا هي التامة، وسَدَّ أن وما اتصل بها مَسَدَّ مفعولي الحِسبان.
﴿فَعَمُوا﴾: أصله عَمِيُوا، فاستثقلت الضمة على الياء فأزيلت عنها وحذفت لالتقاء الساكنين هي والواو.
والجمهور على فتح العين والصاد من قوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ على البناء للفاعل، وقرئ: بضمهما على البناء للمفعول (٢)؛ أي: عَمَّاهم الله، وصمَّهم، بمعنى: رماهم وضربهم بالعَمَى والصَّمَم، كما يقال: نزكتُه، إذا ضَرَبْتَهُ بالنيزك (٣)، ورَكَبْتُهُ، إذا ضربتَه بركبتك، هذا قول الزمخشري (٤).
وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ارتفع ﴿كَثِيرٌ﴾ على أحد ثلاثة أوجه:
стр. 1091
إما على البدل من الضمير، أو على أنه فاعل على لغة من قال: أكلوني البراغيث، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك كثير منهم، أي العَمَى والصَّمَمُ كثير منهم (١).
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ خبر (إن)، والمعنى: أحد ثلاثة، ولهذا أضيف، ولا يجوز فيه غير الإضافة؛ لأنه لا معنى للفعل فيه.
ولو قلت: زيد ثالث اثنين، ورابع ثلاثة لنصبت؛ لأن فيه معنى الفعل؛ أي: صيرهم ثلاثة وأربعة بنفسه، ويجوز الإِضافة تخفيفًا (٢).
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، (مِن) مزيدة لاستغراق الجنس، و ﴿إِلَهٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف.
وقوله: هو ﴿إِلَّا إِلَهٌ﴾ بدل من موضع (من إله). والمعنى: وما إله لنا قط، أو في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية، لا ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له، وأجاز الكسائي (إلا إلهٍ) بالجر على البدل من اللفظ (٣)، وليس بالمتين؛ لأن (مِن) لا تزاد في الواجب. ويجوز في الكلام إلا إلهًا على الاستثناء، ولا يجوز لأحد أن يقرأ به؛ لأن القراءة سنة متبعة لا يجوز فيها القياس.
وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ اللام في ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وهذا الجواب ساد مَسَدّ جَوابِ القسم والشرط جميعًا.
стр. 1092
﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿كَفَرُوا﴾، و (من) للبيان، كالتي في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١)، ويحتمل أن تكون للتبعيض، على معنى: ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم؛ لأن كثيرًا منهم تابوا.
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ إنما دخلت ﴿إِلَى﴾ بعد ﴿يَتُوبُونَ﴾؛ لأن التوبة بمعنى الرجوع، والهمزة للتقريع والتوبيخ.
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ محلها الرفع على الصفة لرسول، أي: ما هو إلّا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله أتى بالعلامات الدّالة على صدق نبوته كما أتوا بها.
وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ابتداء وخبر. وصدِّيق فِعِّيل من أبنية المبالغة كسِكّيت وشِرّيب.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾: جملة مستأنفة لا محل لها من الإِعراب، أخبر الله تعالى عنه بأنه رسول كغيره من الرسل، وعن أمه بأنها صديقة، ثم أخبر عنهما بأكل الطَّعام تصريحًا ببعدهما عما نسب إليهما (٢).
وقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (أنّى) سؤال عن الجهات، وهو منصوب بـ
стр. 1093
﴿يُؤْفَكُونَ﴾، أي: من أين يُصرَفون عن الحق الواضح؟
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿مَا لَا يَمْلِكُ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصوفًا، وأن يكون موصولًا، وهو منصوب بـ ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾:
قوله : ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: لا تغلوا في دينكم غلوًا غير الحق، أي: غلوًا باطلًا؛ لأن الغلو في الشيء يكون حقًّا، ويكون باطلًا (١). وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿لَا تَغْلُوا﴾، أي: لا تغلوا في دينكم متجاوزين الحق، كما يفعل أهل الأهواء والبدع.
ولا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ كما زعم بعضهم؛ لأنه لازم.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ عطف على قوله: ﴿لَا تَغْلُوا﴾.
وأهواء: جمع هَوًى وهو هوى النفس، وهوى النفس مقصور، وأما هواء الجو فممدود، وجمعه أهوية، ككساء وأكسية.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
стр. 1094
مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾:
قوله ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لعنوا: أبعدوا من رحمة الله، و ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾، أي: كائنين، و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بلعن. و ﴿دَاوُودَ﴾ لا ينصرف للعجمة والتعريف.
قيل: إن أهل أيلة (١) لما اعتدوا في السبت، قال داود ﵇: اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة، ولما كفر أصحاب عيسى ﵇ بعد المائدة، قال عيسى ﵇: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير (٢).
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾: ابتداء وخبر، والإِشارة إلى اللعن، أي: ذلك اللعن الشنيع بسبب المعصية التي صدرت منهم.
ويحتمل أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر دل عليه معنى الكلام، أي: فعلنا ذلك بعصيانهم.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) موصوفة في موضع نصب، وأن تكون موصولة في موضع رفع، وقد ذكر فيما سلف.
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
стр. 1095
أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾:
قوله : ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أَن وما اتصل بها في موضع رفع على أنه هو المخصوص بالذم، كزيد في قولك: بئس الرجل زيد، أي: لبئس شيئًا قدّمت لهم، أو الذي قَدَّمَتْهُ لهم أنفسهم سَخَطُ الله عليهم، أي: لبئس زادُهم إلى الآخرة سَخَطُ الله (١).
وقيل: في موضع نصب على البدل من ﴿مَا﴾، على أن ﴿مَا﴾ نكرة (٢). أو على تقدير: لأن سَخِط الله عليهم (٣).
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ (أشد) مفعول أول لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾، و ﴿الْيَهُودَ﴾ الثاني، و ﴿عَدَاوَةً﴾ نصب على التمييز. واللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ متعلقة بقوله: ﴿عَدَاوَةً﴾، وقد ذكرتُ قبيل أن العداوة مصدر كالمعاداة.
و﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: عطف على ﴿الْيَهُودَ﴾، و ﴿أَقْرَبَهُمْ﴾ مفعول أول
стр. 1096
لتجدن المعطوف، و ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الثاني. و ﴿مَوَدَّةً﴾، تمييز أيضًا، و ﴿لِلَّذِينَ﴾، متعلق بالمودة. والمودَّة: المحبة، والعامل في التمييز: أشد، وأقرب.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾: ابتداء وخبر، والإِشارة إلى وصفهم بقرب المودة، و ﴿قِسِّيسِينَ﴾ اسم أنّ، و ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر.
والقَسِّيس: العابد، والقَسُّ مثله، وأصله في اللغة التتبع، يقال: قَسَّ الشيءَ يَقُسُّه قَسًّا، إذا تتبعه وطلبه، ثم صارَ كالعَلَم على رئيس من رؤساء النصارى في العبادة والطاعة (١).
والرهبان: جمع راهب، كراكب وركبان، ومصدره: الرَّهْبَةُ والرهبانية.
وقيل: إن الرُّهبان يكون واحدًا وجمعه: رهابين ورهابنة أيضًا (٢).
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ عطف على (بأنهم) (٣).
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ﴾ (ترى) من رؤية البصر. و ﴿تَفِيضُ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾، أي فائضة. والفيض: السيلان عن شدة امتلاء، يقال: فاضَ الماءُ يَفِيضُ فَيْضًا وفَيْضُوضَةً (٤)، إذا سال من كثرته، وكذا هنا تمتلئ أعينهم من الدمع حتى تفيضَ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المُسَيِّبِ مقام السبب.
стр. 1097
وقيل: قُصِدَت المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجُعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع من أجل البكاء، من قولك: دمعت عينه دمعًا (١).
و﴿مِنَ﴾ في ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ متعلقة بتفيض، وهي لابتداء الغاية، أي: ابتدأ الفيض ونشأ من كثرة الدمع. ولك أن تجعلها متعلقة بمحذوف على أنها في موضع النصب على الحال من المستكن في ﴿تَفِيضُ﴾، أي: تفيض مملوءة من الدمع، و ﴿مِنَ﴾ على هذا للتبيين.
وأما (مِن) في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا﴾ فتحتمل أن تكون لتبيين الموصول الذي (ما عرفوا) وأن تكون للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله؟ و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ في موضع الحال من الراجع المحذوف، أي: من الذي عرفوه كائنًا من الحق.
وقوله: (يَقُولُونَ﴾ في موضع نصب أيضًا على الحال من الواو في ﴿عَرَفُوا﴾.
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾.
قوله : ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَنَا﴾، و ﴿لَا نُؤْمِنُ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿لَنَا﴾، والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل، أي: أي شيء حصل أو ثبت لنا غير مؤمنين.
قيل: وهو إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه، وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين. وقيل: لَمَّا رجعوا إلى قومهم وقد
стр. 1098
آمنوا، لاموهم على إيمانهم وعنفوهم، فأجابوهم بذلك (١).
وقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما) موصول في موضع جر بالعطف على اسم الله، أي: بالله وبما جاء. و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿جَاءَنَا﴾، ولك أن تعلقه بجاء على أن الحقَّ هو الله جل ذكره، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (٢)، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٣)، كأنه قيل: وما لنا تاركين الإِيمان بالله وبما جاءنا من عنده.
وقوله: ﴿وَنَطْمَعُ﴾ قد جوز أن يكون حالًا من المستكن في ﴿لَا نُؤْمِنُ﴾ على معنى: أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يَصْحَبوا الصالحين، وأن يكون معطوفًا على ﴿لَا نُؤْمِنُ﴾، أي: وما لنا غير مؤمنين وغير طامعين في صحبة الصالحين (٤).
وقوله: ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا﴾ أن: في موضع نصب لعدم الجار وهو في، أو جر على إرادته، على الخلاف المذكور في غير موضع (٥).
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾:
стр. 1099
قوله : ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ (ما) موصول، أي: جازاهم بما تكلموا به من اعتقاد وإخلاص، من قولهم: هذا قول فلان، أي: اعتقاده وما يذهب إليه.
و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿فَأَثَابَهُمُ﴾.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإشارة إلى الثواب.
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ قد مضى الكلام عليه في "البقرة" عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١).
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾:
قوله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (في) متعلقة باللغو، تقول: لغوت في اليمين، واللغو: مصدر لغا يلغو لَغْوًا، إذا تكلم بشيء من غير تفكر ورَوِيّة، واللغو في اليمين: الساقطُ الذي لا يتعلق به حكم، يقول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله، كذا فسرتْ أم المؤمنين عائشة ﵂ حين سئلت عنه (٢)، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵀ (٣).
стр. 1100
وقيل: هي متعلقة بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾، ولك أن تجعله في موضع الحال من اللغو، فيكون من صلة محذوف (١).
وقوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾: (ما) مصدرية، أي: بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها بالقصد والنية، من قولهم: عَقْدٌ مُمَرٌّ، أي: وثيق، ومنه: بَعِيرٌ عَقِدٌ، إذا كانَ قويًّا مُمَرَّ الخَلْق، وفي الكلام حذف، أي: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة للعلم به، أو بنكث ما عَقَّدتم، ثم حذف المضاف لما ذكرت آنفًا. ولك أن تجعلها موصولة وعائدها محذوف، أي: بالذي عقَّدتم الإيمان عليه.
وقرئ: (عقَدتم) بتخفيف القاف (٢)، وهو الأصل، وقرئ: بتشديدها (٣)، ليدل على تأكيد العزم بالالتزام بها، وقرئ: (عاقدتم) بألف بعد العين (٤)، وهو كعافاه الله وشبهه.
وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾: مبتدأ وخبر، وتكفير اليمين فعل ما يجب بالحنث فيها، والكفارة الاسم، والهاء في كفارته تعود على النكث؛ لأنه هو الموجب للكفارة، وقيل: تعود إلى (ما) من قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾، ولا بد من حذف ما ذكرت وهو الحِنث، أي: فكفارة حِنثه كذا، ولا يجوز أن تعود على اللغو كما زعم بعضهم؛ لأن اللغو لا كفارة فيه (٥).
و﴿إِطْعَامُ﴾: مصدر أطعم، كإكرام وإحسان في مصدر أكرم وأحسن، وهو مضاف إلى المفعول به، أي: فكفارة ذلك أن تطعموا عشرة مساكين.
стр. 1101
ويجوز في الكلام تنوين إطعام ونصب عشرة، كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (١).
وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ نعت لمحذوف وهو مفعول تقديره: أن تطعموهم قوتًا من أوسط ما، أي: قوتًا متوسطًا؛ لأن منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يُقَتِّرُ. و (ما): موصول وعائده محذوف، أي: تطعمون منه أهليكم، أو تطعمونه أهليكم.
و﴿أَهْلِيكُمْ﴾: جمع أهل، يقال: أهل الرجل، وأهلة الرجل، وعلى الأهلة جاءت قراءة من قرأ: (أهاليكم)، وجمع بالواو والياء، وفي الحديث: "إن لله أهلين" (٢).
وقرئ: (أهاليكم) (٣)، وهو جمع أهلاة في القياس، كالليالي والأراضي، الواحد ليلاة في القياس والتقدير، وأُنشد على ذلك:
١٨٩ - *في كُلِّ ما يومٍ وكُلِّ لَيْلاهْ* (٤)
وقالوا في تصغيرها: لُيَيْلِيَة (٥)، وأما تسكين الياء في حال النصب
стр. 1102
فللتخفيف، كما قالوا: رأيت معديْ كرب، تشبيهًا للياء بالألف.
وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾، و ﴿أَوْ﴾ للتخيير، والحالف الحانث مخير بين إحدى هذه الثلاثة على الإِطلاق.
وقرئ: (أو كُسوتهم) بضم الكاف (١)، وهي لغية، كقِدوة وقُدوة، وإسوة وأُسوة.
وقرئ: أيضًا: (أو كَإسوتِهم) بفتح الكاف وهمزة بينها وبين السين وكسر التاء (٢)، بمعنى: أو مِثْلُ إسوة أهليكم إسرافًا كان أو تقتيرًا لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم، والكاف على هذه القراءة في موضع رفع تقديره: أو طعامهم كإسوتهم، بمعنى: كمثل طعامهم إن لم تطعموهم الأوسط.
وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فعليه صيام ثلاثة أيام، أو: فكفارته صيام ثلاثة أيام.
ويجوز في الكلام تنوين صيام ونصب (ثلاثة أيام)، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى المذكور، أي: ذلك المذكور تكفير أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، فتُرِكَ ذِكْرُ الحِنث لحصول العلم به، إذ قد عُلِمَ [أن الكفارة إنما تجب بالحنث في الإقسام لا بنفس الإقسام وعينه] (٤).
стр. 1103
و (إذا): منصوب بالكفارة، لأنها بمعنى التكفير.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، أي: تبيينًا مثل ذلك. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيما يعلمكم من الأحكام.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ﴿الْخَمْرُ﴾: مبتدأ، وما بعدها عطف عليها، والخبر ﴿رِجْسٌ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: شأن هذه الأشياء، أو تعاطيها رجس، ولذلك وُحِّدَ الخبرُ.
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؟ قلت: محله الرفع إما على أنه خبر بعد خبر، أو على أنه نعت للخبر.
والخمر: جمع خمرة، كتمر في جمع تمرة، سميت بذلك لمخامرتها العقل (١)، وقيل: سميت الخمر؛ لأنها تُركت فاختمرت، واختمارها تَغَيُّرُ ريحها (٢).
والميسر: القمار، وقد أوضحت في "البقرة" عند قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣).
والأنصاب: حجارة تنصب حول البيت واحدها. نُصْبٌ، وقد ذكر أيضًا (٤).
стр. 1104
والأزلام: القداح التي كانوا يضربون بها على الميسر واحدها زَلَمٌ وزُلَمٌ.
والرجس: القَذَرُ.
وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الهاء في ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ تعود إلى المضاف المحذوف المذكور آنفًا (١)، أو إلى الرجس، أو إلى المذكورات كلها على إرادة الجنس، كأنه قيل: هذا الجنس فاجتنبوه (٢).
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾:
قوله : ﴿فِي الْخَمْرِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿أَنْ يُوقِعَ﴾، وأن يكون متعلقًا بالعداوة أو البغضاء، وقد ذكر نظيره فيما سلف من السورة.
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الأمر، بشهادة قول عمر ﵁ حين سمعها: انتهينا انتهينا، إنها تذهب العقل والمال (٣).
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ﴿إِذَا﴾ منصوب بما دل عليه معنى الجملة، كأنه قيل: لا يأثمون إذا ما اتقوا ما حُرِّمَ عليهم منها. و ﴿مَا﴾:
стр. 1105
مزيدة للتأكيد، قيل: يوجد بثباتها معنى لا يوجد مع حذفها، وذلك أن دخولها يدل على الدوام؛ لأنه إذا قيل: إذا اتقوا، احتمل أن يكون مرة واحدة، أو واحدًا بعد واحد أو أكثر، غير أن الظاهر أنه واقع على مرة واحدة، فإذا جيء بها فقيل: (إذا ما اتقوا) دل على الاتقاء، أي وقت وقع؟ وفي أي حال؟ .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾:
قوله : ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ اللام لام القسم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وخصت بالفتح طلبًا للخفة، و ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ في موضع جر لكونه صفة لشيء، وفي ﴿مِنَ﴾ وجهان:
أحدهما: للتبيين كالتي في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١).
والثاني: للتبعيض؛ لأن المحَرَّم صيدُ البَرِّ خاصة في حال الإِحرام، وفي الحرم. وقد مضى الكلام على الصيد عند قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ صفة لشيء، والهاء تعود على شيء، ولك أن تعيدها على الصيد وتجعل ﴿تَنَالُهُ﴾ في موضع الحال إما من شيء لكون الصفة خصصته فقربته من المعرفة، أو من ﴿الصَّيْدِ﴾ أي: نائلته.
وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾.
وقوله: ﴿مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (مَن) موصول، ونهاية صلته ﴿بِالْغَيْبِ﴾، والغيب مصدر بمعنى غائب، وهو في موضع نصب على الحال إما من
стр. 1106
المنوي في ﴿يَخَافُهُ﴾ الراجع إلى [﴿مَنْ﴾، أي: يخافه غائبًا عن أعين، أي في صيد السر، أو من البارز في ﴿يَخَافُهُ﴾ الراجع إلى] (١) الله جل ذكره، أي: يخافه غائبًا عنه، يعني من يخافه ولم يره.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، والإِشارة إلى الابتلاء.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾:
قوله : ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾، أي: لا تقتلوه مُحْرِمين.
وحُرُمٌ: جمع حرام، كقَذال وقُذُلٍ (٢)، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، أي: مُحْرِمٌ، الذكر والأنثى فيه سواء، [فإذا قيل: رجل محرم، قيل: امرأة محرمة] (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (منكم) في موضع الحال من المستكن في ﴿قَتَلَهُ﴾ و ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حال منه أيضًا، أو من المستكن في ﴿مِنْكُمْ﴾.
قيل: والتعمد ما يقتله مما يحرم عليه قتله، والخاطئ في قتل الصيد والناسي لإحرامه ملحق بالمتعمد عند جمهور الفقهاء، يعضدهم قول الزهري:
стр. 1107
نزل الكتاب بالعمد ووردت السُّنّة بالخطأ (١).
وقوله: (فَجَزاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ) (فجزاءُ) مبتدأ، وخبره محذوف، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: فعليه جزاءٌ مِثْلَ ما قتل، بمعنى: فعليه أن يَجزيَ مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت مِن ضَرْبٍ زيدًا، ثم مِن ضَرْبِ زيدٍ، تعضده قراءة من قرأ: (فجزاءٌ مثلَ) بالنصب على الأصل وهو أبو عبد الرحمن السلمي (٢).
وقيل: (مثل) على هذه القراءة مزيدة، أي: فعليه جزاء ما قتل، كما تقول: أنا أُكرم مِثْلَكَ، أي: أنا أكرمُكَ؛ لأن الواجب على الجاني جزاء المقتول لا جزاء مثله (٣).
وقرئ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا﴾ بتنوين جزاء مع الرفع، ورفع (مثل) (٤) بمعنى: فعليه جزاء يماثل ما قتل، فـ ﴿مِثْلُ﴾ على هذه القراءة صفة لجزاء.
وقرئ: في غير المشهور: (فجزاءً مثلَ ما) بنصب الجزاء والمِثْلِ (٥). على تقدير: فلْيَجْزِ جزاءً مثلَ ما.
وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يحتمل أن يكون صفة للجزاء، كـ ﴿مِثْلُ﴾ على
стр. 1108
قراءة من نون ﴿فَجَزَاءٌ﴾، أي: جزاءٌ مماثل كائن من النَّعم، أو جزاءً مماثلًا كائنًا من النَّعم، على قراءة من نصب (جزاء)، وكذا على قراءة من أضاف، وأن يتعلق بالمصدر الذي هو (جزاءُ) على هذه القراءة، أعني على قراءة من أضاف، وكذلك على قراءة من نون الجزاء، ونصب مِثْلًا؛ لأنه عاملٌ فيها، فهما من صلته، كقولك: أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا بالسوط.
فإن قلت: هل يجوز أن يتعلق بالجزاء على قراءة من نون؟ قلت: لا، لكونه قد وُصف بقوله: ﴿مِثْلُ مَا﴾ وما يتعلق بالمصدر فهو من صلته، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أنه لا يفصل بين الصلة والموصول بالصفة وغيرها مما قد قُدّر وشُرط أن يكون بعد تمام الموصول.
وليس قول من قال: هو حال من الضمير في ﴿قَتَلَ﴾ لأن المقتول يكون من النعم، بمستقيم، لفساده من جهة المعنى، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى (١).
وقرئ في غير المشهور: (من النَّعْم) بإسكان العين (٢) استثقالًا للحركة على حرف الحلق (٣).
وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في الظرف الذي هو خبر ﴿فَجَزَاءٌ﴾ المحذوف، أو من جزاء على رأي أبي الحسن فيمن وصفه بِمِثْلٍ، أي: فعليه جزاءٌ مماثل حاكمًا به، أي: بمثل ما قتل. [أو صفة للجزاء، أي جزاء مماثل محكوم به، هذا على قول من نون، ومن أضاف كان في موضع الحال، وقد ذكرت ذا الحال وعاملها آنفًا] (٤).
стр. 1109
و ﴿ذَوَا﴾ رفع بيحكم، و ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع رفع على الصفة لقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾، والموصوف محذوف، أي: حكمان عادلان من المسلمين.
وقرئ: في غير المشهور: (ذو عدل منكم) على الإِفراد (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: المراد به الجنس لا الإِفراد، كأنه قيل: يحكم به مَن يعدل منكم.
والثاني: المراد به الإِفراد، وهو الإِمام.
وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (هديًا) منصوب إما على الحال من الضمير في ﴿بِهِ﴾ والعامل ﴿يَحْكُمُ﴾ وهو بمعنى مُهدًى، أو من ﴿فَجَزَاءٌ﴾ على قراءة من وصفه بمثل على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في الخبر المحذوف على رأي صاحب الكتاب.
أو على البدل من (مثل) على قراءة من نصبه، أو مِن محله على قراءة من جره بالإِضافة.
وإما على التمييز لما في ذلك من البيان والكشف للإبهام الذي فيه؛ لأن جزاءَ المِثْلِ يحتمل أن يكون بالقيمة، وأن يكون بالخِلْقة، فلما قيل: ﴿هَدْيًا﴾ كُشِفَ الإِبهامُ وقُصِرَ على نوع مخصوص مما كان محتملًا.
وقيل: هو منصوب على المصدر (٢)، أي: يُهديه هديًا، وليس بالمتين؛ لأن المراد بالهدي هنا ما يُهدى إلى الحرم من النعم وهو عين لا معنىً.
стр. 1110
و ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: صفة لهدي، والذي جوز ذلك كون الإِضافة لفظية لا معنوية، كقولك: هذا رجل ضارب زيد غدًا، فلولا تقدير الانفصال لما جاز لك أن تصف به النكرة. [ومعنى بلوغه الكعبة: أن يذبح بالحرم، ويفرّق على مساكين الحرم] (١).
وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ عطف على (جزاءٌ) فيمن رفعه، وأما من نصبه، أعني (جزاء)، فيجعلها خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب عليه كفارة طعام مساكين، أو فعليه كفارة طعام مساكين، فيكون المحذوف الخبر.
و﴿طَعَامُ﴾: بدل من كفارة، أو عطف بيان لها.
وقرئ: (أو كفارةُ طعامِ مساكين) على الإِضافة (٢)، وهذه الإِضافة مبينة للمضاف بمعنى مِنْ أَيْ، أو كفارة من طعام، كقولك: خاتم فضة، أي: من فضة.
وقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عطف على ﴿كَفَّارَةٌ﴾، و ﴿أَوْ﴾ للتخيير.
والجمهور على فتح العين في قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾، وقرئ: (أو عِدل ذلك) بكسرها (٣).
قال الفراء: العَدل بالفتح: ما عادل الشيء من غير جنسه، كالصوم والإِطعام. والعِدل بالكسر: المِثْلُ، تقول: عندي عِدل غلامك، وعِدل شاتك، إذا كان غلامًا يعدل غلامًا، أو شاة تعدل شاة (٤). ومنه عِدْلا
стр. 1111
الحِمْلِ؛ لأن كل واحد منهما عُدِل بالآخر حتى تساويا واعتدلا، كأن المفتوحَ تَسْمِيةٌ بالمصدر، والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح ونحوه.
و﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الطعام. و ﴿صِيَامًا﴾ تمييز للعَدْل، كما تقول: لي مِثْلُهُ رجلًا، أي: أو مِثْلُ ذلك من الصيام.
وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾، أو بما بعده، أي: فعليه أن يُجازِيَ، أو يُكَفِّر، أو يُطعم، أو يَصوم، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإِحرام.
والوبال: المكروه والضرر الذي قد ينال في العاقبة مَن عمل سوءًا لِثِقْلِهِ عليه، من قولهم: وَبُلَ المرتع يَوْبُل بالضم فيهما وَبْلًا ووبالًا ووبالة، فهو وبِيلٌ، أي: ثقيل وخيم، ومنه قوله جل ذكره: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (١)، أي: ثقيلًا.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾: (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط، أو الجواب. والفاء في ﴿فَيَنْتَقِمُ﴾ جواب الشرط، و (ينتقم) خبر مبتدأ محذوف، أي: ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي عنه فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء ورُفع الفعلُ، كما دخلتْ ورُفع في قوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ (٢) أي: فهو لا يخاف.
فإن قلت: لم قدرت هذا التقدير، وزعمت أنه على إضمار مبتدأ؟ قلت: لأن الفاء لا يقع بعده فعل يمكن جزمه إلّا على إضمار ما يصرفه عن الجزم نحو ما ذكرتُ من الآيتين، وسببه أنك لو لم تقدر ذلك لم يكن للفاء وجه من حيث إنها تأتي عند امتناع الجزم، وأنت لو قدرت في قوله جل
стр. 1112
ذكره: ﴿فَيَنْتَقِمُ﴾ وشبهه أنه ليس على حذف المبتدأ، لكنت قد أدخلت الفاء على ما يصح جزمه، نحو أن تقول: (ومن عاد فينتقم الله منه)، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو ينتقم الله منه، ليكون ممتنعًا من الجزم، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا، ومن قال غيرَ هذا فهو مخلط في كلامه عارٍ عما عليه أهل هذه الصناعة (١).
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾:
قوله : ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الضمير في ﴿وَطَعَامُهُ﴾ للبحر، واختلف في طعام البحر، فقيل: ما طرحه البحر ميتًا، أو نَضَبَ عنه الماء فأُخذ بغير صيد فهو طعامه (٢).
وقيل: هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر؛ لأنه نبت عن ماء البحر (٣).
وقيل: صيده ما صِيد، وطعامه أكله، فأباح الصيد واللحم (٤)، فالضمير على هذا للصيد، لا للبحر.
و﴿مَتَاعًا﴾: مفعول من أجله، أي: أُحل لكم تمتيعًا لكم، وقيل: هو مصدر مُؤَكِّد (٥)، لأنه لما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، كان دليلًا على أنه قد متَّعهم
стр. 1113
به تمتيعًا، كما أنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١)، كان دليلًا على أنه قد كتب عليهم ذلك، فقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
قوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (ما) مع الفعل بتأويل المصدر بمعنى الدوام، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وقت دوامكم محرمين. و ﴿حُرُمًا﴾ خبر دام، وقد ذكرت قبيل أن ﴿حُرُمًا﴾ جَمع حَرام.
والجمهور على ضم الدال في (ما دُمتم) فيمن يقول: دام يدوم، كصام يصوم، وقرئ: (ما دِمتم) بكسرها (٣)، فيمن يقول: دام يَدام، كخاف يخاف.
وقرئ في غير المشهور: (ما دمتم حَرَمًا) بفتح الحاء والراء (٤)، على أنه اسم واقع موقع المصدر الذي هو الإحرام، كالنبات موضع الإنبات على أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٥) أي: ما دمتم ذَوِي حَرَمٍ، أي: ذوي إحرام.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾:
стр. 1114
قوله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (جعل) هنا بمعنى صير، كقوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١). و ﴿الْكَعْبَةَ﴾ المفعول الأول، و ﴿قِيَامًا﴾ الثاني. و ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ بدل من ﴿الْكَعْبَةَ﴾، وقيل: عطف بيان لها على جهة المدح والثناء لا على جهة التوضيح والبيان، كما تجيء الصفة كذلك، وهي صفات البارئ جلت قدرته؛ لأن اسمه تعالى غيرُ مشترك.
وقيل: ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى خلق، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢)، فـ ﴿قِيَامًا﴾ على هذا يكون حالًا من ﴿الْكَعْبَةَ﴾ (٣).
وقرئ: (قِيامًا) بالألف (٤)، وهو مصدر قام، كالصيام في مصدر صام، وأُعِلّ كما أعِلّ فعله.
ومعنى قيامًا للناس: أي سببًا وانتعاشًا لهم. [في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضًا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم] (٥).
وقرئ: (قِيَمًا) بغير ألف (٦)، وهو محذوف من قيام، كخِيَمٍ في خيام.
﴿وَالشَّهْرَ﴾ ﴿وَالْهَدْيَ﴾ ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾: عطف على الكعبة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ محل (ذلك) الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الحكم الذي ذكرناه ذلك مِن جعل الكعبة قيامًا للناس، أو ما ذكر من حفظ حرمة الإِحرام بترك الصيد وغيره، أو النصب على إضمار فعل، أي: ذكرنا ذلك، أو بيناه، أو جعلناه كذلك.
стр. 1115
واللام في ﴿لِتَعْلَمُوا﴾: متعلقة على كلا التقديرين بالمحذوف المذكور، أي: لتعلموا أن الله يعلم كل شيء، وهو عالم بما يصلحكم وينعشكم مما أمركم به وكلفكم.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾:
قوله : ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ اختَلف أهل العربية في أصل ﴿أَشْيَاءَ﴾ ووزنها: فذهب الخليل وصاحب الكتاب وموافقوهما (١): إلى أن أصلها شيئاء بهمزتين تفصل بينهما ألف مزيدة، فالهمزة الأولى لام الكلمة بإزاء الفاء من (طرفاء)، والثانية منقلبة عن ألف التأنيث كهمزة طرفاء، إلّا أنهم استثقلوا اجتماع همزتين ليس بينهما حاجز قوي لكون الألف ساكنًا، وهو من جنس الهمزة أيضًا، ألا تراه يعود إليها إذا مسته الحركة، فقدموا الهمزة التي هي لام الكلمة وأوقعوها قبل الفاء الذي هو الشين فقالوا: أشياء، ووزنها لفعاء، وهم وإن كانوا يَجمعون بين الهمزتين إذا فَصل بينهما ألف نحو (آأنذرتهم)، فليس هذا بمردود؛ لأن إزالة الاجتماع أذهب في الخفة على كل حال، ومن أجل أن أصلها فعلاء كصحراء امتنعت من الصرف.
ومما يقطع بأن ﴿أَشْيَاءَ﴾ أصلها فعلاء: أنهم جمعوها على أشاوى، كما جمعوا صحراء على صحارى، قال:
١٩٠ - يا ابنةَ الرجالِ كم من لذَّةٍ ... وأَشَاوَى من نَعِيمٍ لم تَدُمْ (٢)
стр. 1116
والأصل: صحاريّ بياءين، الأولى منهما بدل من الألف الأولى التي في صحراء انقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، والياء الثانية بدل من ألف التأنيث التي كانت انقلبت همزة لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة؛ فلما زال عنها هذا الوصف زال أن تكون همزة، ثم حذفت الأولى من صحاريّ للتخفيف، فصار صحارِيْ، ثم أبدل من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت صحارَى كمدارَى والأصل: مَدَارِي، على مفاعل كمساجد، فكذلك أشاوى أصلها أشاييُّ بثلاث ياءات، الأولى عين الكلمة التي أخرت إلى موضع اللام، والأخريان بمنزلة الياءين في صحاريَّ، ثم فعل بها ما فعل بصحاري، فصارت أشايا، وأبدل من الياء التي هي عين في شيء واو، فبقيت أشاوى؛ كما أبدلت منها في جَبيت الخراج جِباوة، والأصل: جباية، وهي عندهم اسم مفرد اللفظ مجموع المعنى بمنزلة طَرْفاء، وليس بجمع شيء.
وذهب أبو الحسن وموافقوه (١): إلى أن أصلها أَشْيِئَاءُ، فاجتمعت همزتان بينهما ألف مزيدة، ووزنها أفعلاء، ثم حذفت الهمزة التي هي لام الكلمة حذفًا كراهة اجتماع الهمزتين، وإذا جاز حذف الهمزة منفردة في سوائية حيث قالوا: سَوَايَة، كان حذفها في نحو أفعلاء أَجْوَزَ لأمرين:
أحدهما: أن الهمزة متكررة.
والثاني: أن الجمع أحق بالتخفيف من الواحد، فصارت أشياء بوزن أفعاء، فإن قيل: هذا غلط؛ لأن شَيْئًا فَعْلٌ، وفَعْلٌ لا يجمع على أفعلاء، وإنما يجمع على فُعول وفِعال وغير ذلك، فالجواب عنه ما ذكره الشيخ أبو علي عن أحمد بن يحيى من قولهم: رجال سُمَحَاء، والواحد سَمْحٌ، وكما جمع فَعْلٌ على فعلاء، كذلك جمع على أفعِلاء؛ لأن أفعِلاء نظير فُعَلاء.
فإن قلت: كيف تصغر أشياء على رأي أبي الحسن؟ قلت: أخبرني
стр. 1117
شيخنا أبو اليمن الكندي وقت قراءتي عليه في داره أن المازني سأل أبا الحسن عن تصغيرها فقال: أُشَيَّاءُ، فقال له: تركت قولك: لأن مثال أفعلاء لا يصغر على لفظه، ألا تراك لا تقول أغينياء ولا شيئًا من نحوه، وإنما يجب عليك أن ترده إلى الواحد، ثم تجمع بالألف والتاء فتقول: شُيَيْئَات، كما تقول: في قناديل: قنيديلات، وفي أغنياء وشعراء: غُنَيُّون، وشويعِرون، فلم يأتِ بمقنع (١).
وأجاب عنه الشيخ أبو علي وقال: إن السبب المانع من تصغير أفعلاء وما شابهه من أبنية الكثرة، أن التصغير علم القلة، فإذا أَلْحَقْتَهُ مثالًا موضوعًا للكثرة كنتَ كأنك جمعت بين الضدين، وهذا السبب قد ارتفع في أشياء من حيث إنهم أضافوا إليه العدد القليل فقالوا: ثلاثة أشياء، وأربعة أشياء، فَتَنَزَّلَ أفعلاء منزلة أفعال، وصار عوضًا منه، فكما أنك تصغر أفعالًا فتقول: أحيمال؛ لأنه عقد قلة، فلا ينافي التصغير، كذلك يجوز أن تصغر أفعلاء على لفظها؛ لكونها دالةً على القلة من جهة النيابة عن أفعال.
وأما جمعهم له على فعالَى، ولم يوجد أفعلاء مُكَسّرًا على فعالَى، فلأجل أن أفعلاء لم يُكَسَّرْ في الأصل، لأجل أنه يدل على الكثرة، وجمع الجمع يراد لإِفادة الكثرة، نحو: أكلب وأكاليب، وهذا لما صار بمنزلة أفعال وقام مقامه بالدَّلالة المذكورة آنفًا جاز تكسيره، كما جاز تصغيره على لفظه.
وذهب الكسائي وموافقوه (٢): إلى أن أشياء جمع شَىْء، ووزنه أفعال، كأشياخ وأبيات في جمع شيخ وبيت، وإنما لم ينصرف لشبه آخره بآخر حمراء، ووجه شبهه بحمراء أن العرب تقول في الجمع: أشياوات، كما
стр. 1118
تقول: حمراوات، ويلزم على هذا ألا يصرف أسماء ولا أبناء، لأنهم قالوا: أسماوات وأبناوات، فَصَرْفُهم كليهما يدل على فساد هذا القول.
وذهب بعض أهل الكوفة (١): إلى أن أصلها أَشْيِئاء كمذهب أبي الحسن، إلا أن واحدها عندهم شَيِيْءٌ، كخَلِيل، ثم جُمع على أفعلاء، كأخلّاء، ثم أعل بالحذف كما ذُكر في مذهب أبي الحسن.
وذهب آخرون (٢): إلى أن أصل شيء: شيِّء ووزنه فَيْعِل كهيّن، ثم خفف بالحذف، كما خفف هيْن، غير أن عين (شيء) ياء، وعين (هين) واو؛ لأنه من هان يهون، ثم جمع على أفعلاء فقالوا: أشياء، كما قالوا: أَهْوِناء، ثم أعل بالحذف على ما تقدم.
وعن أبي حاتم (٣): أشياء أفعال، مثل بيت وأبيات، وتَرْكُ الصرفِ فيه سَمَاع.
هذه ستة أقوال، والقول قول صاحب الكتاب، لكونه لا يَرِد عليه إشكال، وإنما فيه شيء واحد، وهو أنه قَلَبَ الكلمة ليزيل اجتماع الهمزتين، والقلب كثير في كلام القوم فيما لا يؤدي إلى التخفيف، فكيف ما يؤدي إليه؟
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الشرط وجوابه، وما عطف عليهما وهو قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الجملة في موضع جر على أنها صفة لأشياء.
والجمهور على ضم التاء وفتح الدال في قوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ على البناء للمفعول، وقرئ: (إن تَبدُ لكم) بفتح التاء وضم الدال على البناء
стр. 1119
للفاعل (١)، وهو ضمير الأشياء، وكلتا القراءتين متقاربة في المعنى؛ لأنها إذا أُبْدِيَتْ بَدَتْ.
وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ الضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ للمسألة التي سلفت منهم، أي: عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مِثلها. وقيل: للأشياء التي سألوا عنها (٢).
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾؟ قلت: قيل: فيه وجهان:
أحدهما: مستأنف.
والثاني: محله الجر على النعت لأشياء، والنية به التقديم، أي: عن أشياء قد عُفِيَ لكم عنها.
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ الضمير في ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ للمسألة التي دل عليها ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾ (٣)، أي: قد سأل هذه المسألة قوم من الأولين، ولو كان الضمير في (سألها) للأشياء كما زعم بعضهم لقيل: قد سأل عنها، كما قيل: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٤).
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾؟ (٥)
стр. 1120
قلت: قيل: معناه وإن تسألوا عن غيرها، فحُذف المضاف وهو غير، وأقيم المضاف إليه مُقامه، وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأنه لا يصح أن يقول لهم: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، ثم يقول لهم: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، فإذا قُدِّر حذف المضاف صار كأنه نهاهم أن يسألوا عما لم ينزل به القرآن، وأباح لهم السؤال عما نزل به القرآن (١).
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَأَلَهَا﴾، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾؛ لأنه ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون صفة للجثة، كما لا يكون حالًا منها ولا خبرًا عنها.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا﴾ أي: بمرجوعها أو بسببها كافرين.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾:
قوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (من) مزيدة للتأكيد، وفي ﴿جَعَلَ﴾ هنا وجهان:
أحدهما: بمعنى سَمَّى، فيتعدى إلى مفعولين: أحدهما ﴿بَحِيرَةٍ﴾، والآخر محذوف، أي: ما سَمَّى الله حيوانًا بحيرة.
والثاني: بمعنى صنع ووضع، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة، أي: ما صنع ولا وضع بحيرة، وما بعدها إلى قوله: ﴿وَلَا حَامٍ﴾ عطف عليها.
ويجوز في الكلام نصب المعطوفات حملًا على محل ﴿بَحِيرَةٍ﴾.
والبحيرة: فيما ذكر أهل اللغة: الناقة كانت الجاهليةُ إذا نتجت خمسةَ
стр. 1121
أبطنٍ آخرُها ذَكَرٌ بحروا أذنها، أي: شقوها، ولم يذبحوها، وحَرَّموا ركوبها، ولم تُطْرَدْ عن ماء، ولم تُمنع من مرعى، وإذا لقيها مُعْيٍ لم يركبْها، واسمها البحيرة، وهي فعيلة بمعنى مَفعولة (١).
والسائبة: كان يقول الرجل: إذا قَدِمْتُ من سفري، أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وهي فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنها مسيَّبةٌ.
وقيل: هي فاعلة على بابها، من ساب يَسيب إذا جَرَى، وهو مطاوع سيبته فساب (٢).
وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا قال: هو سائبةٌ، فلا عقل بينهما ولا ميراث (٣).
والوصيلة من الغنم، إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وهي فعيلة بمعنى الفاعلة لكونها الواصلة.
والحامي: الفحل من الإِبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يُركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى (٤).
أي: ما شرع الله ذلك ولا أمر به، ولكنهم بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾:
стр. 1122
قوله : ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (حسبنا) رفع بالابتداء، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: حسبك درهم، أي: كفاك (١).
و﴿مَا وَجَدْنَا﴾: في موضع رفع بحق الخبر، و ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، أو موصوفة وما بعدها صفتها، أي: كافينا الذي وجدنا، أو كافينا شيء وجدنا. و ﴿وَجَدْنَا﴾ يحتمل أن يكون بمعنى علمنا، وأن يكون بمعنى صادفنا، فعلى الوجه الأول: هو المفعول الثاني، وعلى الثاني: متعلق بوجدنا تعلق الجار بالفعل، نحو: ضربت زيدًا بكذا، ولك أن تجعله حالًا من الآباء، أي: صادفنا آباءنا ثابتين عليه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾:
قوله : ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (عليكم) هنا اسم من أسماء الفعل، سمي الفعل بالجار ومجروره، كما سمي بالظرف ومخفوضه، وبه انتصب ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، كما تقول: عليك زيدًا، بمعنى الزم زيدًا، وكذا (عليكم أنفسكم) معناه: الزموا إصلاح أنفسكم.
وعلى النصب الجمهور، وقرئ: (عليكم أنفسُكم) بالرفع (٢) على الابتداء (٣)، أو على الفاعلية فيمن يرى ذلك (٤)، والكاف والميم في (عليكم) في موضع جر؛ لأن اسم الفعل هو (عليكم) بكماله، و (على) وحدها لم تستعمل اسمًا للفعل بخلاف (رويدكم)، فإن الكاف والميم هنا للخطاب
стр. 1123
فقط، ولا موضع لهما من الإِعراب؛ لأن رويدَ وحدها قد استعملت اسمًا للأمر المواجه من غير كاف الخطاب، هذا إذا كان رويد اسمًا للفعل، فإن جعلتها مصدرًا كان ما بعدها اسمًا ضميرًا مجرورًا بمنزلة الكاف في غلامك وصاحبك؛ لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
وكفاك دليلًا قول صاحب الكتاب ﵀: وقد يجوز أن تقول: عليكم أنفسِكم أجمعين، فتحمله على المضمر المجرور الذي ذكرته للمخاطبة (١). فقد صرح بأن الكاف والميم في موضع الجر، وأنه اسم لا حرف خطاب، كما زعم ابن بابشاذ (٢).
وقال أيضًا: إذا قال: عليك زيدًا، يكون كأنه قال: خذ (٣) زيدًا، ألا ترى أن للمأمور اسمين: اسمًا للمخاطبة مجرورًا، واسمَه الفاعلَ المضمر في النية (٤).
١٩١ - إذا قالت حذامِ فصدِّقُوها ... فإن القولَ ما قالت حذامِ (٥)
стр. 1124
وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا على جواب الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل: لا يَضرُرْكم، وأن يكون مجزومًا على النهي، والضم إتباع كما ذكرت آنفًا في الأصل والتقدير، وأن يكون مرفوعًا على جهة الخبر على معنى ليس يضركم، تعضده قراءة من قرأ (لا يضيرُكم) بكسر الضاد وياء بعدها وضم الراء مع تخفيفها، من ضاره يضيره، وهو أبو حيوة (١).
وقرئ أيضًا: (لا يُضرْكم) بكسر الضاد وضمها وتخفيف الراء مع سكونها (٢)، من ضاره يضيره ويضوره، وهذه القراءة تنصر الوجه الأول والثاني.
وقرئ أيضًا: (لا يضرَّكم) بفتح الراء مع تشديدها (٣)، على أن حقه الجزم إما على الجواب، أو على النهي، ويجوز في العربية (لا يضرِكم) بكسر الراء، والحركة فيهما لالتقاء الساكنين، فمن حرك بالفتح فلخفة الفتحة، ومن حرك بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين، خذ بيانًا شافيًا وفرقًا واضحًا. والكاف والميم مفعول لا يضر.
و﴿مَنْ ضَلَّ﴾: فاعل لا يضر. و ﴿إِذَا﴾ ظرف لقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾.
وبعد .. فقد ورد في التفسير أن سبب نزول قوله :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
стр. 1125
اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾:
أن تميم بن أوس، وأخاه (١) عَدِيَّ بن زيد (٢) - وكانا نصرانيين - خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بديل بن أبي مريم (٣) مولى عمرو بن العاص، وكان مسلمًا مهاجرًا، فلما قدموا الشام مرض بديل، وليس معه غيرهما، فأوصى إليهما، وكتب كتابًا فيه ما معه وطرحه في متاعه، ولم يخبرهما به، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات، ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشًا بالذهب، ودفعا باقي المتاع إلى أهله، فأصاب أهل بديل الصحيفة، فطالبوهما بالإِناء فجحدا، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت (٤).
فإذا فهم هذا، فقوله تعالى:
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (شهادة) رفعٌ بالابتداء، و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ جَرٌّ بالإِضافة، وهو مفعول به على السعة لا ظرف لكونه مضافًا إليه.
و﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرف للشهادة؛ لأنها مصدر، والمصدر يعمل عمل الفعل.