أبطنٍ آخرُها ذَكَرٌ بحروا أذنها، أي: شقوها، ولم يذبحوها، وحَرَّموا ركوبها، ولم تُطْرَدْ عن ماء، ولم تُمنع من مرعى، وإذا لقيها مُعْيٍ لم يركبْها، واسمها البحيرة، وهي فعيلة بمعنى مَفعولة (١).
والسائبة: كان يقول الرجل: إذا قَدِمْتُ من سفري، أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وهي فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنها مسيَّبةٌ.
وقيل: هي فاعلة على بابها، من ساب يَسيب إذا جَرَى، وهو مطاوع سيبته فساب (٢).
وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا قال: هو سائبةٌ، فلا عقل بينهما ولا ميراث (٣).
والوصيلة من الغنم، إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وهي فعيلة بمعنى الفاعلة لكونها الواصلة.
والحامي: الفحل من الإِبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يُركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى (٤).
أي: ما شرع الله ذلك ولا أمر به، ولكنهم بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾:
стр. 1122
قوله : ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (حسبنا) رفع بالابتداء، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: حسبك درهم، أي: كفاك (١).
و﴿مَا وَجَدْنَا﴾: في موضع رفع بحق الخبر، و ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، أو موصوفة وما بعدها صفتها، أي: كافينا الذي وجدنا، أو كافينا شيء وجدنا. و ﴿وَجَدْنَا﴾ يحتمل أن يكون بمعنى علمنا، وأن يكون بمعنى صادفنا، فعلى الوجه الأول: هو المفعول الثاني، وعلى الثاني: متعلق بوجدنا تعلق الجار بالفعل، نحو: ضربت زيدًا بكذا، ولك أن تجعله حالًا من الآباء، أي: صادفنا آباءنا ثابتين عليه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾:
قوله : ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (عليكم) هنا اسم من أسماء الفعل، سمي الفعل بالجار ومجروره، كما سمي بالظرف ومخفوضه، وبه انتصب ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، كما تقول: عليك زيدًا، بمعنى الزم زيدًا، وكذا (عليكم أنفسكم) معناه: الزموا إصلاح أنفسكم.
وعلى النصب الجمهور، وقرئ: (عليكم أنفسُكم) بالرفع (٢) على الابتداء (٣)، أو على الفاعلية فيمن يرى ذلك (٤)، والكاف والميم في (عليكم) في موضع جر؛ لأن اسم الفعل هو (عليكم) بكماله، و (على) وحدها لم تستعمل اسمًا للفعل بخلاف (رويدكم)، فإن الكاف والميم هنا للخطاب
стр. 1123
فقط، ولا موضع لهما من الإِعراب؛ لأن رويدَ وحدها قد استعملت اسمًا للأمر المواجه من غير كاف الخطاب، هذا إذا كان رويد اسمًا للفعل، فإن جعلتها مصدرًا كان ما بعدها اسمًا ضميرًا مجرورًا بمنزلة الكاف في غلامك وصاحبك؛ لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
وكفاك دليلًا قول صاحب الكتاب ﵀: وقد يجوز أن تقول: عليكم أنفسِكم أجمعين، فتحمله على المضمر المجرور الذي ذكرته للمخاطبة (١). فقد صرح بأن الكاف والميم في موضع الجر، وأنه اسم لا حرف خطاب، كما زعم ابن بابشاذ (٢).
وقال أيضًا: إذا قال: عليك زيدًا، يكون كأنه قال: خذ (٣) زيدًا، ألا ترى أن للمأمور اسمين: اسمًا للمخاطبة مجرورًا، واسمَه الفاعلَ المضمر في النية (٤).
١٩١ - إذا قالت حذامِ فصدِّقُوها ... فإن القولَ ما قالت حذامِ (٥)
стр. 1124
وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا على جواب الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل: لا يَضرُرْكم، وأن يكون مجزومًا على النهي، والضم إتباع كما ذكرت آنفًا في الأصل والتقدير، وأن يكون مرفوعًا على جهة الخبر على معنى ليس يضركم، تعضده قراءة من قرأ (لا يضيرُكم) بكسر الضاد وياء بعدها وضم الراء مع تخفيفها، من ضاره يضيره، وهو أبو حيوة (١).
وقرئ أيضًا: (لا يُضرْكم) بكسر الضاد وضمها وتخفيف الراء مع سكونها (٢)، من ضاره يضيره ويضوره، وهذه القراءة تنصر الوجه الأول والثاني.
وقرئ أيضًا: (لا يضرَّكم) بفتح الراء مع تشديدها (٣)، على أن حقه الجزم إما على الجواب، أو على النهي، ويجوز في العربية (لا يضرِكم) بكسر الراء، والحركة فيهما لالتقاء الساكنين، فمن حرك بالفتح فلخفة الفتحة، ومن حرك بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين، خذ بيانًا شافيًا وفرقًا واضحًا. والكاف والميم مفعول لا يضر.
و﴿مَنْ ضَلَّ﴾: فاعل لا يضر. و ﴿إِذَا﴾ ظرف لقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾.
وبعد .. فقد ورد في التفسير أن سبب نزول قوله :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
стр. 1125
اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾:
أن تميم بن أوس، وأخاه (١) عَدِيَّ بن زيد (٢) - وكانا نصرانيين - خرجا إلى الشام للتجارة ومعهما بديل بن أبي مريم (٣) مولى عمرو بن العاص، وكان مسلمًا مهاجرًا، فلما قدموا الشام مرض بديل، وليس معه غيرهما، فأوصى إليهما، وكتب كتابًا فيه ما معه وطرحه في متاعه، ولم يخبرهما به، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات، ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشًا بالذهب، ودفعا باقي المتاع إلى أهله، فأصاب أهل بديل الصحيفة، فطالبوهما بالإِناء فجحدا، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت (٤).
فإذا فهم هذا، فقوله تعالى:
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (شهادة) رفعٌ بالابتداء، و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ جَرٌّ بالإِضافة، وهو مفعول به على السعة لا ظرف لكونه مضافًا إليه.
و﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرف للشهادة؛ لأنها مصدر، والمصدر يعمل عمل الفعل.
стр. 1126
و ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: بدل من ﴿إِذَا﴾ لأنهما لِزمان واحد، قيل: وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها (١).
ولك أن تجعله ظرفًا لحضر، وجاز ذلك؛ لأن حضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل.
وقوله: ﴿اثْنَانِ﴾ خبر للمبتدأ الذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، إما من المبتدأ تقديره: ذوا شهادة بينكم اثنان، أو من الخبر تقديره: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامه، لا بد من هذا التقدير ليكون المبتدأ هو الخبر.
وقيل: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ (٢)، والعامل في ﴿إِذَا﴾ محذوف. و ﴿حِينَ﴾ على الوجهين المذكورين آنفًا.
وقيل: خبر المبتدأ الذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، والعامل فيه محذوف أيضًا، و ﴿إِذَا﴾ ظرف للشهادة، وليس لك أن تجعل ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ خبرًا للشهادة و ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ ظرفًا لها؛ لأنك تفصل بين المصدر وصلته بخبره وذلك لا يجوز (٣).
ولا يجوز أن يكون ﴿إِذَا﴾ ظرفًا للوصية؛ لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
فإن قلت: إذا جعلت ﴿إِذَا حَضَرَ﴾، أو ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ خبرًا عن الشهادة فبم ارتفع ﴿اثْنَانِ﴾؟ قلت: قيل: ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: الشاهدان اثنان (٤)، دل عليه ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، ولا يجوز أن يرتفع
стр. 1127
بالمصدر الذي هو الشهادة، لأنه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، ولكن ليشهد اثنان.
وقيل: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فيما فرض عليكم شهادة بينكم، و ﴿اثْنَانِ﴾ فاعل الشهادة، على معنى: فيما فُرض عليكم أن يشهد اثنان (١). و ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ على هذا الوجه معمول الشهادة، و ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل منه أو معمول ﴿حَضَرَ﴾ كالوجه الأول.
وقرئ: (شهادةٌ بينَكم) بالرفع والتنوين (٢)، و: (شهادةً) بالنصب والتنوين (٣)، على تقدير: ليشهد شهادةً بينَكم اثنان، أو لِيُقِمْ شهادةً بينَكم اثنان، و (بينَكم) على هاتين القراءتين ظرف بخلاف قراءة الجمهور، وقد ذكر.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾، وكذلك ﴿مِنْكُمْ﴾، ولك أن تجعل ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع الحال من (اثنين)؛ لأن الصفة خصصته فقربته من المعرفة، هذا إذا ارتفع ﴿اثْنَانِ﴾ بالفعل، وأما إذا ارتفع بخبر الابتداء فلا، لعدم العامل.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ عطف على قوله: ﴿اثْنَانِ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب وفي حذف المضاف.
و﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: في موضع الصفة لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾.
واختلف في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ و ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، فقيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ من أقاربكم، و ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من الأجانب (٤)، يعني: إذا حضرت أسباب الموت
стр. 1128
في السفر، ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصية.
و﴿أَوْ﴾: للتفصيل لا للتخيير، لأن المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا أحدًا منكم، عن ابن عباس ﵄ وغيره (١).
وإنما جعل الأقارب أولى؛ لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو أصلح، وهم له أنصح. وقيل ﴿أَوْ﴾ للتخيير (٢)، والموصي مخير فيمن يأتمنه منهما.
وقيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ من المسلمين، و ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من أهل الذمة (٣).
وقيل: هو منسوخ إذ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أول الإسلام، لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر (٤).
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (إن) حرف شرط، و ﴿أَنْتُمْ﴾ رفع بمضمر دل عليه ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ تقديره: إن ضربتم، فلما حذف الفعل لدلالة الثاني عليه وجب أن يفصل بالضمير ليقوم بنفسه، فبقي ﴿أَنْتُمْ﴾.
ومعنى ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سرتم فيها للتجارة، يقال: ضرب في الأرض ضربًا ومضربًا، إذا سار فيها لابتغاء الرزق (٥).
وقول ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ عطف على ﴿ضَرَبْتُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ
стр. 1129
أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ اعتراض بين الموصوف وهو ﴿آخَرَانِ﴾ وصفته وهي ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾، أي: أو آخران من غيركم محبوسان.
وقيل: هو مستأنف، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما: فكيف نعمل إن ارتبنا بهما؟ فقيل: تحبسونهما (١).
و﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾: متعلق بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾، أي: تقفونهما وتصيرونهما للحلف. والخطاب في ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ للورثة.
فإن قلت: أين جواب الشرط؟ قلت: محذوف دل عليه قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، أي: إن أنتم ضربتم فاستشهدوا اثنين.
واختلف في الصلاة في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾:
فقيل: صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس، عن قتادة وغيره (٢).
وعن الحسن: بعد العصر أو الظهر، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما (٣).
وقيل: لما نزلت صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي (٤).
стр. 1130
وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ عطف على (تحبسونهما).
و﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: اعتراض بين القسم وهو ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾، لأنه في معنى القسم، وجوابه وهو ﴿لَا نَشْتَرِي﴾، كأنه قيل: واللهِ لا نشتري به ثمنًا. وجواب الشرط أيضًا محذوف، والمعنى: إن شككتم في شأنهما واتهمتموهما - يعني الآخرَين من غيركم - فحلّفوهما.
واختلف في الضمير في ﴿بِهِ﴾، فقيل: للقسم، وفي ﴿كَانَ﴾ للمقسِم له وهو الميت. و ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول (نشتري)، والمعنى: لا نستبدل بصحة القسم بالله عَرَضًا من الدنيا، أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان ذا قربى، أي: ولو كان من نقسم له قريبًا منا (١).
وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ لله جل ذكره (٢).
وقيل: للشهادة، وإنما ذُكِّر، لأنها قول (٣).
وقيل: لتحريف الشهادة (٤).
وقوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ عطف على قوله: ﴿لَا نَشْتَرِي﴾، وأضيفت الشهادة إلى الله ؛ لأنه أَمَرَ بحفظها وإقامتها: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٥)، ونهى عن كتمانها: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٦).
وعليها الجمهور، أعني على الإِضافة، وقرئ: (شهادةً) بالتنوين (اللهِ)
стр. 1131
بحرف الاستفهام مع المد (١) على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه، ولذلك لم يجمع بينهما، فيقال: أوَالله لأفعلن.
وقرئ: (شهادةً أللهِ) بالتنوين وقطع الهمزة من الجلالة من غير مد (٢) على حذف حرف القسم، كذا حكى صاحب الكتاب ﵀، قال: منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام فيقول: اللهِ لقد كان كذا (٣). وذلك لكثرة الاستعمال، وقطع الهمزة تنبيه على ذلك. وقيل: قَطْعُها عِوَضٌ من حرف القسم (٤).
وقرئ: (شهادةً اللهِ) بالتنوين ووصل الهمزة من اسم الله مع الجر (٥) على القسم من غير تنبيه ولا تعويض، وهو قليل ومع قلته أجازه صاحب الكتاب (٦).
وقرئ أيضًا: (شهادةً اللهَ) بالتنوين ووصل الهمزة ونصب اسم الله جل ذكره (٧) وفيه وجهان:
стр. 1132
أحدهما: منصوب بقوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ﴾، أي: ولا نكتم اللهَ شهادةً.
والثاني: منصوب بفعل القسم محذوفًا.
وقرئ أيضًا: (شهادهْ ألله) بإسكان الهاء وقطع الهمزة من الجلالة من غير مَدٍّ (١).
وقرئ أيضًا: (شهادهْ آلله) بإسكان الهاء وحرف الاستفهام مع المد (٢).
أبو الفتح: أما سكون الهاء: فللوقف عليها ثم استؤنف القسم، وهو وجه حسن، وذلك ليُستأنف القَسَمُ في أول الكلام، فيكون أوقر له وأشد هيبة من أن يُدرج في عُرْض القول، وذلك أن القسم ضرب من الخبر يُذْكَرُ ليؤكد به خبر آخر، فلما كان موضع توكيد مُكِّن من صدر الكلام وأُعطي صورة الإعلام والإعظام، انتهى كلامه (٣).
وأما وجه قطع الهمزة من غير مد ومع المد: فقد ذكر آنفًا، فاعرفه (٤).
وقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾: إن واسمها وخبرها. و ﴿إِذًا﴾ جواب، إذا توسطت لم يكن لها عمل. و (مِن) متعلق بمحذوف تقديره: إنا إذًا لآثمون من الآثمين، وقد ذكر نظيره فيما سلف.
وقرئ: (لَمِلَّاثِمِين) بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون (مِن) فيها (٥)، كقوله: (عادلُّولَى) على قراءة أبي عمرو، ونافع (٦) اعتدادًا
стр. 1133
بالحركة فيمن قال: الحمَرُ (١)، وقد ذكرت هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (إن) للشرط، والفاء للعطف، و ﴿عُثِرَ﴾ فعل ماض مبني للمفعول مسند إلى ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾، ومصدره العثور، ومن المشي: العثار، يقال: عَثَرْتُ عليه بالذنب أعثُرُ عُثُورًا، وعَثَرْتُ من المشي أَعثُرُ عِثارًا، ومعناه: فإن اطلع على أنهما استحقا إثمًا - أي فعَلا ما أوجب إثمًا - واستوجبا أن يقال لهما: أثمتما وإنكما لمن الآثمين، [وهما الشاهدان اللذان هما اثنان أو آخران، أي: فإن عَثَر أهل الميت أو من يلي أمره على أن الشاهدين فَعَلا ما أوجب إثمًا] (٢).
(فآخران): الفاء جواب الشرط، و (آخران): مبتدأ، وفي الكلام حذف موصوف تقديره: فشاهدان آخران، والخبر ﴿يَقُومَانِ﴾.
و﴿مَقَامَهُمَا﴾: مصدر، أي: مَقام الشاهدين اللذين اطُّلِعَ على خيانتهما.
أو فاعل فِعلٍ مضمر (٣)، أي: فليشهد آخران، و ﴿يَقُومَانِ﴾ - على هذا - صفة لـ (آخران). وقيل: هو مبتدأ، وخبره ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٤). وقيل: المبتدأ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾، و (آخران) خبر مقدم، كقولهم: تميمي أنا (٥).
стр. 1134
و ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾: محله الرفع على الصفة لقوله: و ﴿آخَرَانِ﴾، أو النصب على الحال من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾.
وقرئ: (استُحِقَّ) بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول (١)، وهو مسند إلى ضمير الإثم لجري ذكره في قوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، أي: من الذين استحق عليهم الإِثمُ، [كأن المعنى: من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، ولك أن تسنده إلى قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ على معنى: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه. وقيل: هو مسند إلى الإيصاء، وقيل إلى الجار والمجرور] (٢).
وفي ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن (على) على بابها، كقولك: استُحِقَّ عَلَى فلانٍ مالٌ، أي: لَزِمَهُ ووجبَ عليه.
والثاني: أنها بمعنى (مِن)، كأنه قيل: من الذين استُحق منهم الإِثم، كقوله: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ (٣)، أي: من الناس.
والثالث: أنها بمعنى (في)، كأنه قيل: من الذين استُحق فيهم الإِثم (٤).
وقرئ: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بفتحهما على البناء للفاعل (٥)، وهو ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾
стр. 1135
والمفعول محذوف، أي: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أي: الأحقان بها، [لقرابتهما ومعرفتهما أن يجردوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما خيانة الخائنين، أي استحقا ذلك] (١).
واختلف في ارتفاعهما على أوجه:
أحدها: يرتفعان على إضمار مبتدأ، أي: هما الأوليان، كأنه قيل: ومن هما؟ ، فقيل: الأوليان.
والثاني: يرتفعان على البدل من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾، كأنه قيل: فيقوم الأوليان، أو من (آخران).
والثالث: يرتفعان على الابتداء، والخبر (آخران) وقد ذكر.
والرابع: يرتفعان على أنهما فاعل استُحِق، أو استَحَق على كلتا القراءتين، وقد مضى ذكرهما.
والخامس: يرتفعان على الصفة لقوله: (آخران)؛ لأنه لما وُصف أعني (آخران) اختص، فوصف من أجل الاختصاص بما توصف به المعارف.
والأَوليان واحدهما: الأَوْلَى، والجمع: الأَوْلَوْنَ، وتقول في المرأة: هي الوُلْيا، وهما الوُلْيَيَان، وهن الوُلْيَيَاتُ وإن شئت: الوُلَى، كالكُبْرَى، والكبريين، والكبريات والكُبَرِ (٢)، وفي التنزيل: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ (٣) وفيه ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (٤).
стр. 1136
وقرئ: (الأَوَّلِين) (١)، على أنه وصف للذين استحق عليهم، أو بدل منهم وهو جمع أول.
واختلف في معنى الأولية:
فقيل: معناها التقدم على الأجانب في الشهادة، لكونهم أحقّ بها (٢).
وقيل: لكونهم ذكروا أولًا في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
وقرئ: (الأَوَّلان) (٤)، وهو تثنية الأول.
وقرئ أيضًا: (الأَوَّلَيْن) على التثنية (٥)، وانتصابه على المدح.
وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ عطف على ﴿يَقُومَانِ﴾، أي: يقسم الآخران اللذان يقومان مَقام الشاهدين المذكورين.
وقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ﴾: ابتداء وخبر، وهو جواب (يقسمان).
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: وما اعتدينا فيما قلناه إن شهادتنا أحق من شهادتهما.
وروي في قصة بُدَيل: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حَلَفَ رجلان من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتنا أحق من شهادتهما (٦).
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾:
стр. 1137
قوله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى ما ذكر من الحكم، أي: ذلك الذي تقدم من بيان الحكم - وهو رد اليمين - أقرب.
﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ أي: من أن يأتوا، أو إلى أن يأتوا، أي: من الإِتيان، [أو إلى الإِتيان] بالشهادة على ما كانت.
ومحل ﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾: النصب على الحال من الشهادة، أي: غير مُغَيَّرَةٍ، وقيل: هو متعلق بقوله: ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ (١).
وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾ عطف على ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾، أي: أقرب إلى أن يخافوا.
وقوله: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ (أن) في موضع نصب بقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾. ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لأن ترد، وأن يكون وصفًا لأيمان. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تحلفوا أيمانًا كاذبة، أو تخونوا أمانة، و ﴿وَاسْمَعُوا﴾ سَمْعَ إجابة وقبول.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ (يوم) يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ (٢) أي: لا يهديهم في ذلك اليوم إلى طريق النجاة.
وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر.
أو يوم يجمعهم يلتقي كل عامل عمله.
وقيل: هو مفعول به، وفي الكلام حذف مضاف، أي: واسمعوا خبر يوم يجمع الله الرسل (٣).
стр. 1138
﴿فَيَقُولُ﴾: عطف على ﴿يَجْمَعُ﴾.
﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ما، وذا اسم واحد، وهو منصوب بأُجبتم انتصابَ مصدره كأنه قيل: أيَّ إجابةٍ أجبتم؟ ولك أن تجعل ذا بمعنى الذي، و ﴿أُجِبْتُمْ﴾ صلة الذي والعائد محذوف، و (ما) مبتدأ، و (ذا) خبره، أي: ما الذي أجبتم به؟ والأول أمتن لأن هذا يؤدي إلى حذف العائد مع الجار.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الجمهور على رفع ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، لكونه خبر إن، وقرئ: (علامَ الغيوب) بالنصب (١)، على أن الكلام قد تم بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ على معنى: إنك الموصوف بالكمال في جميع الأشياء، ثم نصب (عَلَّامَ الغيوبِ) على أحد ثلاثة أوجه:
إما على المدح، أو على النداء، أو على أنه بدل من اسم إن.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ (٢)، على معنى أنه يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبوهم وسموهم سحرة، وما جاؤوا به سحرًا وأساطير الأولين، وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، وأن
стр. 1139
يكون مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك إذ يقول الله، على معنى: ذلك يقع أو يحدث.
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: يحتمل أن يكون (عيسى) مفتوحًا على إتباع حركته حركة الابن؛ لأنه قد وصف به وهو بين علمين، كقولك: يا زيدَ بنَ عمرو، فحركة زيد حركة إتباع، وحركة ابن حركة إعراب، وأن يكون مضمومًا، كقولك: يا زيدُ بنَ عمرو، فزيد مضموم؛ لأنه منادى مفرد، وابن منصوب لأنه صفة مضافة، كقولك: يا زيدُ صاحبَ بشر.
فإن قلت: (عيسى) آخره ألف والألف لا تكون عليها فتحة ولا ضمة، قلت: تقدر عليها.
وقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾. (عليك) يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿نِعْمَتِي﴾، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لها، وأن يكون حالًا منها، أي: عالية عليك، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لعليك، وقد مضى نظيرهما فيما سلف.
و﴿أَيَّدْتُكَ﴾: قويتك، وقرئ: (آيَدْتُكَ) على أفعلتك (١)، وقد مضى الكلام عليها في سورة البقرة بأشبع من هذا فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٢).
وقوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (تكلم) في محل النصب على الحال من الكاف في ﴿أَيَّدْتُكَ﴾. و ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿تُكَلِّمُ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿تُكَلِّمُ﴾. و ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف على موضع ﴿فِي الْمَهْدِ﴾، على معنى: تكلمهم طفلًا وكهلًا، أي: تكلمهم في هاتين الحالين من غير أن يتفاوت كلامك.
стр. 1140
والكهل: الذي قد انتهى شبابه، يقال: اكتهل الرجل، إذا انتهى شبابه.
وقيل: المعنى يكلمهم في المهد آية وأعجوبة، ويكلمهم كهلًا بالوحي والرسالة. فإن قلت: إذا جعلت ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالًا كان قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا عليه، فإن جعلته ظرفًا على أي شيء تعطف قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾؟ قلت: على ﴿تُكَلِّمُ﴾؛ لأن التقدير: أيدتك به مكلمًا الناس في المهد وكهلًا.
وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾، و ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ﴾ وما بعدها كلها عطف على قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الطِّينِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾، و ﴿مِنَ﴾ لابتداء غاية الخلق. ومفعول ﴿تَخْلُقُ﴾ محذوف، والكاف في ﴿كَهَيْئَةِ﴾ في موضع نصب على أنها صفة لذلك المفعول تقديره: وإذ تخلق من الطين هيئة مثل هيئة الطير، وكذلك قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ في موضع الصفة للهيئة المحذوفة، ولك أن تجعله حالًا منها؛ لأنها خصصت بالوصف. ومعنى ﴿بِإِذْنِي﴾: بتسهيلي وإرادتي.
وقوله: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ يعني في الهيئة التي كان يخلقها عيسى ﵇ وينفخ فيها، ولا يجوز أن يكون الضمير للهيئة المضاف إليها كما زعم بعضهم؛ لأنها ليست من خلقه ونفخه، وكذلك المستكن في ﴿فَتَكُونُ﴾، أي: فتكون الهيئة طيرًا، والهيئة مصدر والمراد بها المهيأ، كضرب الأمير، وخلق الله، وقد مضى الكلام على الطير والطائر في "آل عمران" (١).
وقوله: ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ﴾ ظرف لقوله: ﴿كَفَفْتُ﴾.
وقرئ: ﴿سِحْرٌ﴾ بغير ألف على أنه مصدر، والإِشارة إلى المُنْزَل،
стр. 1141
وبالألف (١) على أنه اسم فاعل، والإِشارة إلى المُرْسَل، وقيل: هو فاعل في معنى المصدر، كما قالوا: عائذًا بالله من شرها، يريدُون عوذًا، أو عياذًا (٢)، فتكون الإِشارة في هذا أيضًا إلى المُنْزَلِ.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾:
قوله : ﴿أَنْ آمِنُوا﴾، في ﴿أَنْ﴾ وجهان: أحدهما مصدرية، والثاني مفسرة بمعنى: أي.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: اذكر إذ قال الحواريون.
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته ورفع الباء (٣)، على معنى: هل يفعل ذلك وأنت تعلم أنه يستطيعه؟ كما تقول: هل يستطيع فلان أن يزورني؟ على معنى: هل يزورني؟ وأنت تعلم أنه يستطيع ذلك، وتقول العرب: ما أستطيع ذلك، أي: ما أنا فاعل ذلك، هذا قول الحسن (٤).
وقيل: إنما قالوا ذلك قبل استحكام معرفتهم بالله جل ذكره في ابتداء أمرهم، ولذلك قال لهم عيسى صلوات الله عليه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تشكّوا في اقتداره واستطاعته (٥).
стр. 1142
وقيل: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته؟ (١) على أن استطاع بمعنى أطاع، كما أن استجاب بمعنى أجاب، وقد ذكر فيما سلف.
وقرئ (هل تستطيعُ ربَّك) بالتاء النقط من فوقه ونصب الباء من (ربك) (٢) على معنى: هل تستطيع أنت يا عيسى سؤال ربك؟ ثم حُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟
وأن في قوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾ على قراء الجماعة في موضع نصب بيستطيع لعدم الجار وهو (على) أو (في)، أو جر على إرادته، وكذلك هو في قراءة الكسائي، غير أن العامل على هذه القراءة المصدر المحذوف الذي هو السؤال، ولا يجوز أن يكون العامل على قراءته (تستطيع)؛ لأنه لا يجوز أن تقول: هل تستطيع أنت أن يفعل غيرك كذا؟
والمائدة فيما ذَكر أهل اللغة: الخِوَانُ إذا كان عليه الطعام، فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة، وإنما هو خوان (٣)، واختلفوا في اشتقاقها، فقال بعضهم: هي مشتقة من ماد القوم يميدهم، إذا أطعمهم، وقال آخرون: هي من ماد [فلان] فلانًا يميده، إذا أعطاه ورَفَدَهُ، كأنها تميد مَن
стр. 1143
دنا منها، فهي على هذين الوجهين فاعلة.
وقال أبو إسحاق: عندي أنها فاعلة من ماد يميد، إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها (١).
وقال أبو عبيدة: هي فاعلة بمعنى مفعولة، كعِيشةٍ راضِيَةٍ (٢).
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾:
قوله : ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في ﴿أَنْ﴾ وجهان:
أحدهما: مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف تقديره: أنك قد صدقتنا.
والثاني: مصدرية، و (قد) لا تمنع ذلك (٣).
وقرئ: (ويُعلَم) بالياء النقط من تحته على البناء للمفعول (٤)، (وتكونَ) بالتاء النقط من فوقه (٥)، والمستكن للقلوب.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُمَّ﴾ نداء، وأصله: يا ألله، فحذف حرف النداء وعوضت منه الميم، وقد مضى الكلام عليه في "آل عمران" بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٦).
стр. 1144
و ﴿رَبَّنَا﴾: نداء ثان.
و﴿تَكُونُ﴾: صفة لمائدة، وعن ابن مسعود ﵁: (تكنْ) بالجزم (١) على جواب الطلب، ونظيرهما: ﴿يَرِثُنِي﴾، و (يَرِثْني) مرفوعًا ومجزومًا (٢).
و﴿لَنَا﴾: يحتمل أن يكون خبر كان، و ﴿عِيدًا﴾ إما خبر بعد خبر، وإما حال من المستكن في الظرف، ولك أن تجعل ﴿عِيدًا﴾ الخبر، و ﴿لَنَا﴾ حالًا من عيد لتقدمه عليه.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من ﴿لَنَا﴾ بتكرير العامل، أي: لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا، هذا إذا جعلت ﴿لَنَا﴾ حالًا من عيد لتقدمه عليه، وأما إذا جعلته الخبر فهما في موضع نصب على النعت لعيد.
وقرئ: (لِأُولانا وأُخرانا) (٣) على تأنيث الأمة أو الفرقة.
و﴿وَآيَةً﴾: عطف على ﴿عِيدًا﴾، أي: دَلالة وعَلامة. و ﴿مِنْكَ﴾ نعت لها.
فإن قلت: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ بأي شيء يتعلق؟ قلت: بقوله ﴿أَنْزِلْ﴾، أو بمحذوف إن جعلته صفة لمائدة.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾:
стр. 1145
قوله : ﴿مِنْكُمْ﴾ محله النصب على الحال من المستكن في ﴿يَكْفُرْ﴾.
﴿عَذَابًا﴾: اسم واقع موقع المصدر الذي هو التعذيب، والهاء في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ للمصدر كما تقول: ظننته زيدًا قائمًا.
فإن قلت: لم زعمت أن العذاب اسم واقع موقع المصدر، وهلا تركته على حاله وهو ما يُعَذَّب به؟ قلت: لوجهين:
أحدهما: أن الفعل الذي هو ﴿أُعَذِّبُهُ﴾ قد استوفى مفعوله.
والثاني: لو كان المراد بالعذاب ما يُعَذَّبُ به دون التعذيب لم يكن بُدٌّ من الجار، ولقيل: لا أُعذبُ به أحدًا من العالمين.
فإن قلت: ما محل قوله: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾؟ قلت: النصب على أنها صفة لقوله: ﴿عَذَابًا﴾. فإن قلت: فأين الراجع من الصفة إلى الموصوف؟ قلت: قيل: لما كان الضمير في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ للمصدر الذي هو التعذيب، والمصدر جنس، و ﴿عَذَابًا﴾ نكرة كان الأول داخلًا في الثاني، والثاني مشتمل على الأول كاشتمال الرجل على زيد في قولك: زيد نعم الرجل (١).
وقد جوز أن يكون الضمير في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ لـ (مَن) على أن يكون في الكلام حذف مضاف، أي: مِثلَ تعذيبه (٢)، كقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، على ما ستراه موضحًا في مكانه إن شاء الله سبحانه.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾:
стр. 1146
قوله : ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع بأنها اسم كان، والخبر (لي).
وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصولًا وما بعده صلته، وأن يكون موصوفًا وما بعده صفته، وأن يكون بمعنى المصدر، أي: ما ينبغي لي أن أقول قولًا ليس بحق لي أن أقوله، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿أَنْ أَقُولَ﴾.
و﴿بِحَقٍّ﴾: في موضع نصب بخبر ليس، و ﴿لِي﴾ صفة لحق، فلما قدم عليه نصب على الحال، وهذا يعضد قول من جوز تقديم حال المجرور عليه (١) نحو: مررت راكبًا بزيد، ولك أن تجعل ﴿لِي﴾ الخبر، و ﴿بِحَقٍّ﴾ إما خبرًا بعد خبر، أو حالًا من المستكن في الخبر.
وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ مستأنف، واختلف في معناه، فقيل: المعنى تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أي: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك (٢).
وعن ابن عباس ﵄: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك (٣)، ومعناه قريب من معنى الأول، وحقيقته: أنك تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم (٤)، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، لأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد.
стр. 1147
وإنما قيل: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾؛ لأن التشاكل في كلام القوم مطلوب، ونظيرهما قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (١).
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾:
قوله : ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مَا﴾ موصولًا، وأن يكون موصوفًا، وهو في كلا التقديرين في موضع نصب بـ ﴿قُلْتُ﴾ على أنه مفعول به؛ لأن معنى ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ما أمرتهم إلّا بما أمرتني به، أو ما ذكرت لهم إلّا ما أمرتني به.
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (أن) تحتمل أن تكون مصدرية موصولة بفعل الأمر الذي هو ﴿اعْبُدُوا﴾، ومحلها الرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو أن اعبدوا.
فإن قلت: كيف جاز أن توصل أن بفعل الأمر، ولم يجز ذلك في الذي وأخواته؟ قلت: قيل: لأن (الذي) اسم ناقص يحتاج إلى صلة توضحه كإيضاح الصفة للموصوف، وفعل الأمر لا يصح به بيان، لأن البيان يكون بما عُلِمَ، ولذلك احتاج إلى عائد من الصلة إليه، و (أن) حرف لا يحتاج إلى بيان ولذلك لم يجب أن يكون في صلته ضمير يعود إليه.
وأن تكون مفسرة لا موضع لها من الإِعراب، ولا يجوز أن تكون مفسرة إلّا بشرط أن يُحمل فعل القول وهو ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ على معناه دون اللفظ،
стр. 1148
وهو ما أمرتهم إلّا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله، هذا قول الزمخشري (١).
وسبب ذلك: أن القول قد صُرِّحَ به، و (أَيْ) (٢) لا يكون مع التصريح بالقول، وقال: إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسّر إما فعل القول، وإمّا فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له.
أما فعل القول: فيحكى بعد الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلّا أن اعبدوا الله، ولكن: ما قلت لهم إلّا اعبدوا الله.
وأما فعل الأمر: فمسند إلى ضمير الله تعالى، فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم؛ لأن الله لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم إلّا على تأويل ما ذكرته آنفًا من قوله، ثم قال: وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلًا من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، أو من الهاء في ﴿بِهِ﴾، وكلاهما غير مستقيم؛ لأن البدل هو الذي يقوم مَقام المُبدل منه، ولا يقال: ما قلت لهم إلّا أن اعبدوا الله، بمعنى: ما قلت لهم إلّا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلًا من الهاء، لأنك لو أقمت ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مقام الهاء فقلت: إلّا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته، ولكن إن جعلتها موصولة عَطْفَ بيانٍ للهاء لا بدلًا جاز، انتهى كلامه (٣).
قلت: البدل جائز من (ما) على أن تجعل ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بمعنى: ما ذكرتُ لهم إلّا عبادة الله، ومن الهاء أيضًا على قول من لم يَنْوِ بالأول الطرْحَ وهو الوجه، أعني قول من لم يَنْوِ بالأول الطرح، وكفاك
стр. 1149
دليلًا تجويزهم: الذي مررت به أبي عبد الله منطلق (١).
وقوله: ﴿رَبِّي﴾ نعت لاسم الله أو بدل منه، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿شَهِيدًا﴾.
و﴿مَا دُمْتُ﴾: (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر بمنزلة الدوام، وفي الكلام حذف مضاف وهو الزمان، أي: مدة دوامي، والعامل فيها ﴿شَهِيدًا﴾، والمعنى: وكنتُ رقيبًا عليهم مدة دوامي كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به.
و﴿دُمْتُ﴾ هنا يحتمل أن تكون الناقصة، وأن تكون التامة، بمعنى: ما أقمت فيهم. و ﴿فِيهِمْ﴾ على الوجه الأول: متعلق بمحذوف لكونه الخبر، وعلى الثاني: بدمت لكونه ظرفًا له، فاعرفه.
وقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (أنت) فَصْلٌ لا موضع له من الإِعراب، أو توكيد لاسم كان، و ﴿الرَّقِيبَ﴾ خبر كان.
وقرئ: (الرقيبُ) بالرفع (٢) على خبر المبتدأ الذي هو (أنت)، والجملة في موضع نصب بحق خبر كان.
واختُلف في الوفاة هنا، قيل: هي وفاة الموت، وقيل: هي الرفع إلى السماء (٣).
والرقيب: الحافظ، وأصله من المراقبة وهي المراعاة، وقد ذكر فيما سلف (٤).
стр. 1150
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾:
قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ قرئ: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ بالرفع (١) على أن ﴿هَذَا﴾ مبتدأ و ﴿يَوْمُ﴾ خبره، وهو هو؛ لأن الإِشارة إلى يوم القيامة.
و﴿يَوْمُ﴾ مضاف إلى (ينفع) وهو معرب لكونه مضافًا إلى معرب، فبقي على أصله، والجملة في موضع نصب لكونها معمول القول.
وقرئ: (يومَ) بالنصب (٢) إمّا على أنه ظرف للقول، و ﴿هَذَا﴾ منصوب بأنه مفعول القول، أي: قال الله هذا القول في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وإما على أن ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، والظرف خبره، والعامل فيه محذوف، أي: قال الله هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى ﵇ يقع أو يكون يوم ينفع.
و(يومَ) على هذه القراءة أيضًا معرب لما ذكرت آنفًا، هذا مذهب أهل البصرة (٣).
وقال أهل الكوفة: ﴿يَوْمُ﴾ في موضع رفع على أنه خبر ﴿هَذَا﴾، وإنما بُني لكونه مضافًا إلى الفعل، وعندهم يجوز بناؤه وإن أضيف إلى معرب؛ لأن أصل الإِضافة للأسماء، وأن يضاف الاسم المفرد إلى مثله، فإذا أضيف إلى جملة أو فعل ماض أو مستقبل فقد أُخرج عن أصله فبني، لإِزالته عن جهته، وأما عند أهل البصرة: فلا، إلَّا إذا أضيف إلى مبني، كقوله أعني الشاعر:
стр. 1151
١٩٢ - على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبَا ... ........................ (١)
والجمهور على إضافة ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾، وقرئ: (يومٌ) بالتنوين (٢) على جعل ﴿يَنْفَعُ﴾ صفة له، أي هذا يوم ينفع فيه الصادقين صدقهم كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣) أي: لا تجزي فيه، وقد ذكر.
وعلى رفع قوله: ﴿صِدْقُهُمْ﴾ (٤) على أنه الفاعل، وقرئ: (صدقَهم) بالنصب (٥) على أنه مفعول من أجله، أي: لصدقهم، أو على إسقاط الجار وهو الباء، أي: بصدقهم، والفاعل ضمير اسم الله جل ذكره.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (خالدين) حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾.
و﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان، والعامل فيه ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ محل (ما) الرفع بالعطف على ﴿مُلْكُ﴾. قيل: وإنما ترك التغليب وجيء بما دون مَن؛ لأن (ما) يتناول الأجناس كلها
стр. 1152
تناولًا عامًا، ألا تراك تقول إذا رأيت شبحًا من بعيد: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فلما كان كذلك تُرك التغليبُ وجيء بما دون (مَن) لأجل ما فيه من العموم. والله تعالى أعلم بكتابه (١).
هذا آخر إعراب سورة المائدة والحمد لله وحده
стр. 1153
إعراب سورة الأنعام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾:
قوله : ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (جعل) هنا متعد إلى مفعول واحد وهو ﴿الظُّلُمَاتِ﴾؛ لأنه بمعنى الخلق والإِنشاء، وقد يتعدى إلى مفعولين إذا كان بمعنى التصيير أو التسمية، وقد مضى الكلام على معنى الجعل وأقسامه في البقرة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الذين) رفع بالابتداء، وخبره ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وعَدَل هنا يحتمل أن يكون متعديًا والمفعول محذوف، بمعنى: يعدلون به غيرَه مما لا يقدر على خلق شيء ولا إنشائه، أي: يسوونه به، يقال: عَدَلت فلانًا بفلان عدولًا، إذا سويتَ بينهما. وأن يكون لازمًا، بمعنى: مائلون عنه إلى غيره، من قولهم: عدل عن الطريق، إذا مال عنها، وفي التنزيل: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (٢). فالباء في قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ على هذا بمعنى (عن)، وهو في كلا الوجهين متعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾، ولك أن تعلقه بـ ﴿كَفَرُوا﴾ على الوجه الثاني، بمعنى: الذين كفروا بوحدانية ربهم مائلون عن الحق.
стр. 1154
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾:
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: خلق أصلكم وهو آدم ﵇، عن الحسن وغيره (١)، ثم حُذِف المضاف. وفي ﴿مِنْ﴾ وجهان:
أحدهما: لابتداء الغاية متعلق بخلق.
والثاني: للبيان في موضع الحال من المضاف المحذوف، أي: خلق أصلكم كائنًا من طين.
وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، فإن قلت: ما معنى ﴿ثُمَّ﴾ هنا؟ قلت: قيل: لترتيب زمان بعد زمان؛ لأن الله جل ذكره قضى الآجال قبل خلق السماوات والأرض، وإنما هي لإِتيان خبر بعد خبر، كأنه قيل: أُخبِركم أن الله خلق آدم من طين، ثم أخبركم أن الله قضى أجلًا، ونظيره:
١٩٣ - قل لمن سادَ ثم سادَ أبوه ... ثم قد ساد قَبلَ ذلكَ جَدُّه (٢)
وقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (أجل) مبتدأ، و ﴿مُسَمًّى﴾ نعت له، و ﴿عِنْدَهُ﴾ الخبر، ولولا تخصيصه بالصفة لكان الوجه لا بل الواجب تقديم الظرف عليه، كما تقول: عندي مالٌ، وتحت رأسه سَرْجٌ.
فإن قلت: الجاري على الألسنة، المستعمل في كلام القوم، أن يقال: عندي فرسٌ أشهبُ، وثوبٌ أخضرُ، فيقدم الخبر، فما باله مؤخرًا هنا؟
стр. 1155
قلت: قيل: أُخّر هنا تفخيمًا لشأن الساعة وتعظيمًا لها (١)، كأنه قيل: وأيُّ أَجَلٍ مُسَمًّى عنده؟ فلما كان هذا المعنى منوطًا به، وجب تقديمه وتأخير خبره.
واختلف في الأجلين.
فقيل: الأجل الأول أجل الموت، والأجل الثاني أجل القيامة، على معنى أنه أحكم أجلًا، وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت، ولم يعلمكم بأجل القيامة (٢).
وقيل: الأجل الأول: ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والثاني: ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ (٣).
وقيل: الأول قبض الروح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت (٤).
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. (وهو الله): ابتداء وخبر، وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، على معنى: أنه الله، وأنه في السماوات وفي الأرض، بمعنى أنه عالم بما فيهما، أو المدبر، أو المنفرد بالتدبير فيهما، كما تقول: المأمون الخليفة في المشرق والمغرب، بمعنى المدبر فيهما، ولو قلت: زيد في الدار والبيت، لم يجز إلّا أن يكون في الكلام ما يدل على أنه يدبر أمرهما، وأن يكون متعلقًا بما
стр. 1156
دل عليه معنى اسم الله وهو المعبود، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١).
و﴿يَعْلَمُ﴾: على هذا خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في المعبود، أو كلام مستأنف، كأنه قيل: هو يعلم سركم وجهركم.
وأما على الوجه الأول: فيحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا ثالثًا.
وعن أبي علي: أنه أَبَى أن يتعلق ﴿فِي﴾ باسم الله؛ لأنه صار بدخول الألف واللام والتغيير الذي دخله كالعَلَم، ولهذا قال جل ذكره: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢)، وقيل: إن ﴿فِي﴾ متعلقة بـ (يعلم) على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾، على معنى: يعلم سركم وجهركم فيهما، فهما ظرفان للعِلْمِ (٣).
وعن الشيخ أبي علي: أن محل قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ النصب على الحال من السر والجهر، والعامل فيه محذوف، قال: ولا يجوز أن يتعلق بالسر نفسه؛ لأنه يصير من صلته، فلا يجوز تقدمه عليه، قال: ولا يكون هو ضمير القصة والشأن، كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤)؛ لأنك حينئذ تفصل بين المبتدأ الذي هو اسم الله، وبين خبره الذي هو ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ بشيء ليس يتعلق بالمبتدأ ولا الخبر، إنما هو متعلق بمفعول الخبر، فيصير فصلًا بأجنبي.
قلت: ويجوز أن يكون ﴿وَهُوَ﴾ ضمير الشأن، ويكون خبر اسم الله جل
стр. 1157
ذكره ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على التأويل المذكور قبيل.
وقيل: اسم الله بدل من ﴿وَهُوَ﴾ والخبر ﴿يَعْلَمُ﴾ (١).
وقيل: تمام الكلام ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ من صلة ﴿يَعْلَمُ﴾ (٢)، وليس بشيء؛ لأن الله تعالى معبود فيهما، بشهادة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٣)، وعالم بما فيهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤)، وإذا كان كذلك فلا وجه لاختصاص إحدى الصفتين بأحد الظرفين (٥)، تعالى الله جل وعز عن ذلك.
وقوله: ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ تسمية للمفعول بالمصدر، كضرب الأمير، وخلق الله، يعضده: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٦) في غير موضع من التنزيل.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾: يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، وأن تكون مصدرية.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾:
قوله : ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ مِن في ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، وهو عامل لفظًا ومعنى، ويتغير بحذفه المعنى، كما يتغير اللفظ، وليس حذفه وثباته سواء، كما يزعم كثير من الناس، ولا يفرقون بين: ما جاءني من أحد، وبين: ما جاءني من
стр. 1158
رجل، وبينهما فرق عظيم، وذلك أن (مِن) في قولك: ما جاءني مِن أحد زائدة لفظًا ومعنى، وفي قولك: ما جاء من رجل زائدة لفظًا لا حكمًا، وهو معنى قول المحققين من النحاة: هو زائد من وجه، غير زائد من وجه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
وفي ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ للتبعيض؛ لأن الأول خرج مخرج عموم الآيات، كأنه قيل: أيُّ آيةٍ أتتهم هي بعض آيات ربهم؟
فإن قلت: ما محل ﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؟ قلت: أما الأولى فمحلها الرفع على الفاعلية، وأما الثانية فصفة للأولى، وإن حملتها على اللفظ كان محلها الجَرَّ، وإن حملتها على الموضع كان محلها الرفع، ونظيرهما: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١)، وغيرِه.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾:
قوله : ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ قيل: هو مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظمُ آيةٍ وأكبرها وهو الحق (٢).
﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني القرآن المعجز، و ﴿لَمَّا﴾ ظرف لـ ﴿كَذَّبُوا﴾.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (ما) موصول، و ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: فسوف يأتيهم أنباء الشيء الذي كانوا يستهزئون به، وهو القرآن، أي أخباره وأحواله، بمعنى سيعلمون ما يؤول إليه أمرهم واستهزاؤهم.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
стр. 1159
وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كم) هنا استفهام وموضعه نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ إما على أنه مفعول به، و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ هو المفسر له، وإما على أنه ظرف أو مصدر، و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ مفعول به لأهلكنا، ويكون المفسِّر محذوفًا وهو الزمان، أو المَرَّةُ، كأنه قيل: كم زمانًا، أو كم حينًا، أو كم مرة أهلكنا فيه قَرنًا. والقرن فيما ذكر أهل اللغة: أهل كل عصر واحدٍ، مأخوذ من اقترانهم في العصر، قال الشاعر:
١٩٤ - إذا ذهب القرنُ الذي أنتَ فيهمِ ... وخُلِّفتَ في قَرْنٍ فأنتَ غريبُ (١)
ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَرَوْا﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، من أجل أن له صَدْرَ الكلام.
وقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع النعت لـ ﴿قَرْنٍ﴾، وإنما جُمع حملًا على المعنى، إذ المراد بالقرن الجِنْسُ، والجنس: جمع في المعنى.
وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصوفًا، وأن يكون موصولًا، أي: تمكينًا، أو التمكين الذي لم نمكنه لكم، وفي الكلام حذف مضاف وهو الزمان، أي مدة ذلك.
فإن قلت: ما الفرق بين مكّن له في الأرض، وبين مكنه فيها؟ قلت: قيل: مكن له في الأرض، إذا جعل له مكانًا، ومنه قوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ (٣)، وأما مَكَّنْتُهُ في الأرض: فأثبته فيها،
стр. 1160
ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (١)، ولتقارب المعنيين جُمع بينهما في قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (٢).
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (ما) في قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ﴾ مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿مَكَّنَّا﴾ على تضمين مكنا معنى أعطينا؟ قلت: نعم قد جوز ذلك (٣).
والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمودًا (٤) وغيرهم من البَسْطَةِ في الأجسام، والسعة في الأموال، وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ السماء هنا يحتمل أن تكون المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب، وأن تكون السحاب، وأن تكون المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم (٥). قال الشاعر:
١٩٥ - إذا سَقَطَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانُوا غِضَابَا (٦)
وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٧).
و﴿مِدْرَارًا﴾: نصب على الحال من ﴿السَّمَاءَ﴾، والمدرار: المغزار، ومفعال من أسماء المبالغة، يقال: دِيمة مدرار، إذا كان مطرها غزيرًا، كقولهم: امرأة مذكار، إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، وكذلك مئناث في الإِناث (٨).