← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كان كذلك أتوا بحرفٍ جَلْدٍ لا يتغير وهو التاء، فأبدلوا منه وأدغموا في تاء الافتعال. والثاني: أن الواو تقلب تاءً لغير سبب، نحو: تُراث، وتُجاه، وتَيْقورٍ (١) ونحوهن، فلما كان كذلك صار بمنزلة اجتماع متقاربين، يقلب أحدهما إلى صاحبه ليقع الإدغام، كسيّد وميّت، فمتّقي واتَّقى مُفْتَعِلٌ وافْتَعَل في التقدير، وإن مَثَّلْتَ على اللفظ قلتَ: مُتَّعِلٌ أو اتَّعَلٌ، ولام الكلمة من الجمع محذوفة بعد إزالة حركتها، لسكونها وسكون حرف الجمع بعدها، وإنما حذفت دون حرف الجمع، لأن حرف الجمع يدل على الإعراب والجمع، فبقي لذلك. وأصل الاتقاء الحَجْزُ بين الشيئين، يقال: اتقاه بالتُرْس، أي جعله حاجزًا بينه وبينه، ومنه الوقاية، والعبد إذا اتقى الله بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك حاجزًا بينه وبين عذاب الله، [اللهم اجعلنا من المتقين] (٢). وإنما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمتقون مهتدون، لأنهم هم الذين انتفعوا به، فصار لذلك كأنه لهم دون غيرهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (٣)، وإن كان ﵊ منذرًا للجميع. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ يصلح أن يكون جرًا بأنه صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو بدلٌ منهم. أو نصبًا بإضمار فعلٍ، ولك أن تحمله على موضع ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. أو رفعًا بإضمار مبتدأ، أي: هم الذين، أو بالابتداء، والخبر ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾، وعلى هذا جميع ما في القرآن من ﴿الَّذِينَ﴾

стр. 107

و ﴿الَّذِي﴾ يجوز أن تجعله موصولًا بما قبله على أحد الوجهين المذكورين، وأن تقطعه على أحد الأوجه المذكورة ما عدا سبعةَ مواضع، فإن الابتداء بهن واجب ليس إلا: الأول: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (١). والثاني والثالث: قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ في البقرة والأنعام جميعًا (٢). والرابع: قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ في البقرة أيضًا (٣). والخامس: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في التوبة (٤). السادس: قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الفرقان (٥). والسابع: قوله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ في "حم" المؤمن (٦). وأصل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُؤَأْمنون بهمزتين، والماضي منه آمن، وأصله أَأْمن، ووزنه أَفْعَلَ، فالأولى مزيدة، والثانية أصلية، لأنه من الأمن، ثم قلبت الأصلية ألفًا، وإنما انقلبت ألفًا لوقوعها ساكنة بعد حرف مفتوح، فكما أنها إذا خففت في رأس وكأس ونحوهما انقلبت ألفًا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، كذلك قلبت في آمن وآتى ونظائرهما من الأفعال، وفي آدم وآخر وشبههما من الأسماء، غير أن الانقلاب ها هنا لزمها كراهية اجتماع

стр. 108

همزتين، والهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لزم الثانية منهما القلب بحسب الحركة التي قبلها إذا كانت ساكنة، نحو أَاْمن وأوْتمن، وإِيْذن لي. فأما المستقبل فتحذف منه المزيدة، لأن اجتماعهما على الشرط المذكور مرفوض عند القوم، وأيضًا فإن إبقاءها يؤدي إلى اجتماع ثلاث همزات في قولك: أنا أُأَأْمِنُ، فالأولى همزة المتكلم، والثانية همزة أَفعل، والثالثة فاء الفعل، فحذفوا الوسطى كراهية اجتماع الأمثال، وأبدلوا الثالثة واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، ثم أُجري الباب على سَنَنٍ واحد في الحذف، وإن كان لا تجتمع ثلاث همزات، لئلا يختلف الباب، فحروف المضارعة أخوات، إذا وجب الحكم في واحدة أُجري الجميع على ذلك، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من (يعِد) لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم أَتبعوا الباب ذلك، وإن لم يكن فيه ياء لما ذكرت آنفًا، فإذا قلتَ: يؤمن، وتؤمن، ونؤمن، جاز لك فيه وجهان: الهمز والتسهيل: وجه من همز: أن يقول: إن هذه الهمزة إنما قلبت في أَأْمَنَ، وأُوْمِنُ كراهية اجتماعهما، وقد زال ذلك في هذه الأمثلة بالخذف، فأردّ الكلمة إلى أصلها وهو الهمز. ووجه من لم يهمز: أن يقول: إن هذه الهمزة قد لزمها البدل في المثالين: الماضي والمضارع، وهذا القلب الذي لزمها في المثالين إعلالٌ لها، والإعلال إذا لزم مثالًا أُتْبعَ سائر الأمثلة العارية من الاعتلال، كإعلالهم يقوم لقام، وإعلالهم يُكْرِمُ من أجل أُكْرِمُ، وأَعِدُ ليَعِدُ. فأما أُومِنُ فليس فيها إلا قلب الثانية واوًا، لاجتماعهما، فاعرفه. و﴿بِالْغَيْبِ﴾: صلة للإيمان، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢)، وقد يتعدى باللام، كقوله

стр. 109

جل ذكره: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ (١)، قيل: وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تَعَدٍّ بالباء يُفهم من المعنى. وهو مصدر بمعنى الغائب، أي: يؤمنون بالغائب عنهم مما أخبرهم به رسول الله ﷺ من أمر البعث والنشور والحساب، والوعد والوعيد وغير ذلك، وكل ما غاب عنهم مما أنبأهم به فهو غَيْبٌ، وسمي الغائب بالغيب، كما سمي الشاهد بالشهادة، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٢) والصائم بالصوم، والزائر بالزور. والغيبُ هنا ما كان غائبًا عن العيون، حاصلًا في القلوب عند من وفقه الله تعالى. وقيل: يجوز أن يكون بمعنى المفعول، كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٣)، أي: مخلوقه، وهذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، أي: مَضرُوبُه وهو سَهْوٌ، لأن فعله لازم عارٍ من أسباب التعدي، ولو ضَعَّفَ العين لخالف اللفظَ واحتاج إلى النقل فيه أو فيما يضاهيه، إذ الإقدام على مثله لا يكون إلا بما ذكرتُ. ويجوز ألا يكونَ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ صلةً للإيمان، وأن يكون في موضع الحال، أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به، وحقيقتُه: ملتبسين بالغيب، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (٤)، أي: يخشون ربهم غائبين عن أعين الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعًا لأحدٍ، ولا تقربًا إليه، ولكن يخلصون إيمانهم لله، وقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٦) أي: ملتبسًا به. قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أصل يقيمون: (يُؤَقْوِمُون)، لأن ماضيه

стр. 110

أقام، وهو فرع في الإعلال على (فَعَل) فلما أُعِلّ العين في قام، أعل أيضًا بعد دخول الهمزة عليه، وإنما كان فرعًا عليه، لأجل أن حرف العلة يَسْكُنُ ما قبله فيه، إذ الأصل: أَقْوَمَ بوزن أَكْرَمَ، والحركةُ في حرف اللين لا تُستثقَل عند سكون ما قبله، ثم نقلت الحركة من الواو إلى القاف، فصار أَقَوْمَ، ثم قلبت الواو ألفًا، فبقي أقام كما ترى، وحذفت الهمزة من المستقبل حملًا على أُقِيمُ أنا، والأصل: (أُأَقْيِمُ) فحذفت الثانية لما ذكرتُ قبيل من أن اجتماعهما مرفوض عندهم، ثم حُمِل عليه الباب، وإن كان لا تجتمع همزتان، لئلا يختلفَ البابُ، وقد ذُكِرَ. وأما الواو فَعُمِلَ فيها ما عُمِل في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقد ذكر. ووزنه: يُفْعِلُون كيؤمنون. وقيل: في معنى إقامة الصلاة وجهان: أحدهما: تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، مِنْ أقام العُودَ، إذا قوَّمه (٢). والثاني: الدوام عليها، والمحافظة عليها (٣)، كما قال عز وعلا: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٥)، من قامت السوق، إذا نفقت، وأقامها القوم، إذا استعملوها ولم يُعطِّلوها، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس

стр. 111

فيه المُحَصِّلون، وإذا عُطِّلَتْ وأُضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يُرغَبُ فيه (١). و﴿الصَّلَاةَ﴾: فَعَلَةٌ من صلَّى، كالزكاة مِن زَكَّى، وهو اسمٌ وُضِع موضع المصدر، كالسلام والكلام، قالوا: صَلَّيْتُ صلاةً، ولم يقولوا: تَصْليةً، وألفها منقلبة عن واو، بدليل قولهم: صلواتٌ. والصلاةُ من الله تعالى: الرحمةُ. ومن الملائكة: الاستغفارُ، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢)، فالربُّ يرحمُهُ، والملائكةُ يستغفرون له على ما فُسر (٣). ومن غيرهم: الدعاء، قال الأعشى: ٢٨ - ................... ... وَصَلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ (٤) أي: دعا على دنها، وارتسم الرجل، إذا كَبَّرَ ودعا. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون موصولة، و ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ صلتها، وعائدها محذوف، وهو المفعول الثاني لرزقنا، لأن رَزَقَ فِعلٌ يتعدى إلى مفعولين، والتقدير: رزقناهموه. فإنْ قلتَ: لم كُتِبتْ (مما) في "الإمام" (٥) متصلة، وحقها أن تكون منفصلةً لكون (ما) موصولة؟ قلتُ: لأن نون (من) لمَّا وجب قلبها لأجل

стр. 112

الإدغام، وذهبت لذلك من اللفظ، حذفت في الخط مع أن الجار والمجرور كشيء واحدٍ (١). وأن تكون موصوفةً بمعنى شيء، أي: ومِن مالٍ رزقناهم، فتكون ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ في موضع جر على أنها صفةٌ لـ (ما) لأن الجملة إذا وقعت بعد النكرة كانت صفة لها، وإذا وقعت بعد المعرفة كانت حالًا منها، وعلى القول الأول لا يكون لها موضع، لأن الصلة لا موضع لها. وأن تكون مصدريةً، أي: ومِن رِزْقنا، أي: ومن مرزوقنا، تسمية للمفعول بالمصدر، كَخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير (٢). و(مِنْ) للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية، وذلك أنك إذا قلت: أنفقتُ من الدراهم، أَخبرتَ بأنها موضع إنفاقك، كما أنك إذا قلت: خَرجتُ من بغداذَ، كنت مخبرًا بأنها منشأ خروجِك، غير أنها أفادت في الدراهم التبعيض إذ كان ذلك ممكنًا فيها، ولم تفده في قولك: خرجت من بغداذَ، لأنك إذا فارقتها كنت قد فارقت جميع نواحيها. وهي متعلقة بينفقون، أي: ينفقون مما رزقناهم. وقُدّمَ مفعولُ الفعل للاهتمام به مع تشاكل رؤوس الآي (٣). وأَصْل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يُؤَنْفِقُون، لأن ماضيه أنفق، وقد مضى الكلام على نظيره (٤). واختُلف في المُنْفَق هنا، قيل: الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها، وهي الصلاة (٥).

стр. 113

وقيل: التطوع (١). وقيل: الإنفاق في الجهاد (٢). وقيل: إنفاق المرء على نفسه وعياله (٣). والرزق، والحظ، والنصيب، نظائرُ في اللغة. والرزق نقيضه الحرمان، ولهذا قيل: مرزوق ومحروم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾: نهاية صلة ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿يُوقِنُونَ﴾، و (ما) هنا موصولة، كأنه قيل: بالذي أُنزل إليك، وهو القرآن، والذي أُنزل من قبلك، وهو ما عدا القرآنَ من الكتب المنزلة، ولا يجوز أن تكون موصوفة، أي بشيءٍ مُنْزَلٍ، لأنه لا عموم فيه، ولا يكمل إيمان المرء إلا بجميع ما أنزل على رسول الله ﷺ . والجمهور على ضم الهمزة وكسر الزاي في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ في الفعلين على البناء للمفعول. وقرئ: بفتح الهمزة والزاي فيهما على البناء للفاعل (٤)، وهو الله جل ذكره، بشهادة قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ في غير موضع من التنزيل (٥)، أو جبريل ﵇، يعضده: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٦)، والوجه هو الأول، لأنه سبحانه هو المُنْزِل في الحقيقة.

стр. 114

[فصل في الكلام على (ما)] و(ما) تكون على اثني عشر وجهًا: ستة منها أسماء، وستة حروف، فإذا كانت اسمًا فهي على ضربين: معرفة ونكرة، فإن حَسُنَ في موضعها (الذي) فهي معرفة، وإن حسن في موضعها (شيء) فهي نكرة، وإن حسنا معًا اتجه فيها الأمران: التعريف والتنكير. وهي إذا كانت نكرة أيضًا على ضربين: ضرْبٌ تلزمه الصفة، وضرب لا تلزمه، فأما الذي لا تلزمه: فالاستفهامية، والشرطية، والتعجب، وما عداها مما تكون فيه (ما) نكرة، فلا بد لها من صفة تلزمها. فأما الأوّل من الستة: فماء الخبر، ويقال لها: الاسم، والذي، والإيجاب، والإثبات. وهو اسم موصول، ومعنى الموصول: أنه اسم ناقص يحتاج إلى ما يتممه، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت (ما) وحده كان ناقصًا، لأنه لم يفد شيئًا، وكان بمنزلة أن تقول: جاءني (جع) من جعفر مثلًا، فإذا قلت: رأيت ما عندك، أو: ما عندك فانٍ، تَمَّ، وكل ما يتمم الموصول يسمى صلة له، لأنها تتممه وتجبر نقصه، فالصلة تتنزل من الموصول منزلة الجزء من الاسم غير الموصول، ولذلك لم يتم الكلام بالموصول والصلة، كما يتم بنحو: زيد مع جملة. فـ (ما) مع (عندك) بمنزلة أن تقول: زيد وتسكت، فيحتاج إلى ما يتممه، كما يحتاج إليه زيد حتى يكون كلامًا مفيدًا. وبعد .. فإن صلة هذا الاسم وما يجري مجراه من الأسماء النواقص، كالذي وما يتفرع عليه من التأنيث والتثنية والجمع، والألف واللام الكائن بمعنى الذي، ومَنْ وأَيّ على أربعة أضرب: جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، وجملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، وجملةٌ من شرطٍ وجزاءٍ، والرابعُ: الظرف، نحو: في الدار، وخَلْفَك، ويومَ الجمعة، وما أشبه هذا.

стр. 115

فالصلة بالفعل والفاعل: الذي ضرب زيد، فالذي اسمٌ موصول مبتدأ، وضرب صلته، وفيه ذكر يعود إلى الذي، وهو مع ذلك الذكر جملةٌ من فعل وفاعل، وكذا قولك: الذي ضربتُه زيدٌ، لأن (ضربتُ) وإن كان فعلًا لك، فإنه قد تضمن العائد إلى الذي وهو الهاء، فلذلك جاز أن يكون صلة للذي. والصلة بالمبتدأ والخبر: الذي أخوه منطلق. وبالظرف: الذي في الدار، والذي خلفك. والظرف على ضربين: مكاني وزماني: فالمكاني: أَعَمُّ تصرفًا في الإخبار من الزماني، لكونه يكون خبرًا عن الأشخاص والأحداث. والزماني: أخص، لأنه يكون خبرًا عن الأحداث دون الأشخاص. وإنما لم يجز أن يكون ظرف الزمان خبرًا عن الأشخاص نحو قولك: زيد يوم الجمعة، لعدم الفائدة في ذلك، لأن أحوال الأشخاص مع الأزمنة حال واحدة، ألا ترى أن زيدًا يوم الجمعة هو الذي كان يوم السبت؟ وليس يقع يومًا وينقطع يومًا كالأحداث، نحو: القتال والخروج وشبههما، فإن قلتَ: خرج يوم الجمعة، جاز لأن خروجه قد يختص ببعض الأوقات، فهو بمنزلة أن تقول: القتالُ يومَ الجمعة، لأنه لا يكون في كل وقت. وجاز أن تقول: أين زيد؟ لأن حال الأشخاص تتغير مع الأمكنة، فيكون تارة في الدار، وأخرى في المسجد، وثالثة في السوق. وبالشرط والجزاء: الذي إن تُكْرِمْهُ يكرمْكَ، ولو عَرَّيْتَ الصلة من الذكر العائد إلى الموصول لم يجز، لا تقول: جاءني الذي زيد خارج، ولا: جاءني الذي قام عمرو؛ لأن الجملة إذا لم تتضمن ما يعود إلى الموصول لم يكن بينهما نسب، ولم يحصل المقصود، كما لم يحصل في الخبر، نحو: عمرو زيدٌ منطلق.

стр. 116

ولا يوصل بغير هذه الجمل التي ذكرتها، فلا يدخل في الصلة الاستفهامُ والأمرُ والنهي والتعجب وما أشبه هذا مما ليس بخبر مَحْضٍ، لا تقول: جاءني الذي أَتُكْرِمُهُ؟ وجاءني الذي اضْرِبْهُ، والذي لا تضربه، والَّذي هل تضربُه؛ لأجل أن الصلة يؤتَى بها للإيضاح والتبيين، وليس في الاستفهام والأمر والنهي إيضاح إلا أن تأتي بالقول مع هذه الأشياء، فحينئذٍ يجوز، لأنه يصير أخبارًا، وذلك قولك: الذي أقول فيه اضربه، والذي أقول فيه ما أحسنه، ونحوهما. وبعد .. فإن ماءَ الموصولة يستوي فيها التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وذلك نحو قوله : ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. فإن كان المراد بها القرآن، كانت للتذكير بمعنى الذي، وإن كان المراد بها الآيات والأخبار، كانت للتأنيث بمعنى التي، وقد تكون بمعنى (مَن) كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (١)، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٢)، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٣). وما أشبه هذا. ومن كلام القوم: سبحان ما سبح الرعد بحمده، وسبحان ما سخركن لها (٤). وقيل: وما بناها وما طحاها، وما سواها، وما خلق الذكر: مصادر، وقد قرئ: (مَنْ طابَ) (ومن بناها)، (ومن طحاها)، (ومن سوّاها)، (ومن خلق الذكر)، ويأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله. وبعدُ .. فإن (ما) إذا أتت قبل (ليس)، أو (لم)، أو (لا)، أو بعد (إلا)، فإنها تكون خبرية، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ (٥)،

стр. 117

﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٣)، وما أشبه هذا، وكذلك إذا أتت بعد حروف الجر، نحو: (مما) و (عمَّا) و (لمَّا) و (بما) و (فيما) ونظائرها إلا بعد كاف التشبيه و (ربّ) فإن لهما حكمًا آخر، وربما كانت مصدرًا بعد (الباء) و (عن) نحو: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٤)، ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) وشبههما. فإن وقعت بين فعلين سابِقُهُما عِلْمٌ، أو دِرايةٌ، أو نَظَرٌ اتجه فيها أمران: الخبر والاستفهام، وذلك نحو قوله عز وعلا: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٦)، و ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٧)، و ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (٨)، و ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ﴾ (٩)، و ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ (١٠)، و ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ (١١) ونظائرها، فاعرفه. والثاني من الستة: أن تكون (ما) شرطًا تقتضي صدر الكلام، ويَعْمَلُ فيها ما بعدها من الفعل، وذلك قولك: ما تَصنعْ أَصنعْ، وفي التنزيل: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (١٢)، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١٣)، و ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ (١٤)، وما أشبه هذا، فـ (ما) في هذه المواضع، في موضع نصب بوقوع الفعل عليها. والثالث: أن تكون استفهامًا بمعنى: أي شيء؟ وهي أيضًا تقتضي صدر

стр. 118

الكلام كالشرط، وإنما كان كذلك لأن أصل الاستفهام أن يكون بالحروف، وصيغةُ الاسم على معناه فَرْعٌ على ذلك، فَكما لا يجوز أن تقول: زيد عندك هل، وضربتَ زيدًا أَ، تُريد هل زيد عندك؟ وأَضربتَ زيدًا؟ لأن الحروف تجيء لإفادة المعاني في الأسماء والأفعال، فلا تأتي بعدَ تَقَضِّي ذِكْرِ الاسمِ والفعل، كذلك ما يصاغ من الأسماء على معانيها يقع في مواقعها، فلا تقول: عندك ما، كما لا تقول: زيد في الدار أم في المسجد، بل تقول: ما عندك؟ وأفي الدار زيد أم في المسجد؟ لما ذكرتُ، فاعرفْهُ. ويُسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وأنواعه وصفاته، وعن أجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم، يقول لك القائل: ما عندك؟ فتقول: ثوب، أو قلم، أو طائر، أو إنسان، أو رجل، أو غلام، أو امرأة، أو جارية، أو قارئ، أو كاتب، وما أشبه هذا، ولا تقول: زيد أو عمرو، لأنه لا يسأل بها عن أعيان العقلاء، قال الله تعالى: ﴿مَا هِيَ﴾ (١) و ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ (٢) و ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٤). فإن أقمت (ما) مقام (مَن) كما تقوم الصفة مقام الموصوف، جاز أن تقول: زيد أو عمرو. وبعد .. فإن الاستفهام هو طلب الإفهام إذا وقع ممن لا يَعلمُ، فإذا وقع ممن يَعلمُ فهو مُوبِّخ، أو مُقَرِّرٌ، أو مُبَكِّت. وكل ما جاء في القرآن مما يتعلق بالقديم سبحانه بلفظ الاستفهام، فهو على هذه الوجوه يُتأول، كقوله : ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٥)، إنما يُوَبِّخُ قَوْمَ عيسى ﵇، ويكذبهم فيما ادعوه، لأن عيسى ﵇ لم يقل ذلك، وقال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٦)، إنما يقرر ما في يده، وما أشبه هذا، فاعرفه. والرابع: أن تكون تعجبًا نحو: ما أحسنَ زيدًا! وما أكرمَ عَمْرًا! وفي

стр. 119

التنزيل: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ في البقرة (١)، و ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ في الصاخّة (٢)، ولا ثالثَ لهما في القرآن إلا ما روي عن سعيد بن جبير من قراءته: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ في الانفطار (٣)، فإنَّ (ما) على قراءته تكون للتعجب، و (ما) هذه في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها خبرها، وهي خبرية أيضًا، إلا أنه لا صلة لها ولا صفةً، وإنما لم تُوْصَلْ، لأن التعجب من مواضع الإبهام والبعد من الوضوح والبيان، ألا ترى أنك إذا قلت: ما أحسنَ زيدًا، إنما تتعجب من حسنه، لجهلك بسبب الحسن، فلو جعلت لـ (ما) في التعجب صلةً أزلتها عن أصلها الذي هو الإبهام، لأن الصلة توضّحُ الموصول وتخصصهُ، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون (ما) في قولك: ما أحسن زيدًا اسمًا مجردًا من الصلة والصفة. وقال الخليل ﵀ في تمثيله: إنه بمنزلة قولك: شيءٌ أحسنَ زيدًا (٤). فشيءٌ مبتدأ، وأحسن فعل ماضٍ منقول بالهمزة من حَسُن، كما تقول: ذهب وأذهبتُه، في موضع الخبر. فأما ما ذهب إليه أبو الحسن من أن (ما) في التعجب خبرية بمعنى الذي، وأن ما بعدها صلة لها، وأنها مع صلتها في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: الذي أحسن زيدًا شيء (٥). فإنه مذهب ضعيف لأمرين: أحدهما: ما ذُكر من أن التعجب من مواضع الإبهام، فالنكرة به أليق، وذلك إذا جعلت (ما) بمنزلة شيء، وإذا جعلته بمنزلة (الذي) كان معرفة.

стр. 120

والثاني: أن من شرط الخبر أن يفيد ما لا يفيده المبتدأ، وإذا كان تقدير (ما أحسنَ زيدًا) الذي أحسنَ زيدًا شيءٌ، لم يكن في قولك: (شيءٌ) فائدة لم تُعْلَمْ قبلُ؛ لأن الذي جعل زيدًا حسنًا شيءٌ لا محالة، ولا يلزم هذا الخليلَ، لأن معنى التعجب دخل في قولك: ما أحسن زيدًا، ولم يدخل في قولك: شيء أحسن زيدًا، فقد يتفق معنى اللفظين في الأصل، ثم يستعمل أحدهما لمعنىً والآخر لمعنىً، ألا ترى أن شَهِد وحَضَر بمعنىً واحدٍ، فإذا قلت: أَشْهَدُ لَزَيْدٌ منطلقٌ، كان قَسَمًا، ولا يجوز ذلك في حضر، وكذلك العَمْرُ والعُمْرُ بفتح العين وضمها بمعنىً، وهو البقاء، إلا أنه استعمل في القَسَم، أحدهما وهو المفتوح، ونحو هذا كثير في كلام القوم. والخامس: أن تكون نكرة بمعنى شيء، ويلزمها (١) النعت، كقولك: رأيت ما مُعْجِبًا لك، أي: شيئًا معجبًا لك، ومنه قول الشاعر: ٢٩ - رُبَّما تَكْرَهُ النفوسُ من الأمْـ ... ـرِ له فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقالِ (٢) أراد رُبَّ شيءٍ تكرهُ النفوسُ، وكذلك (ما) في قولهم: نعم ما صنعت، وبئس ما صنعت، بمعنى شيء، وقد يجوز أن تكون معرفة، كقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٣)، و ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٤) إن قُدِّرَتْ بمعنى الذي كانت معرفة، وإن قُدّرتْ بمعنى. شيء كانت نكرة. والسادس: أن تكون نكرة بغير صلة ولا صفة كالتعجب، ويكون

стр. 121

موضعها نصبًا على التمييز، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١)، أي: فَنِعْمَ شيئًا هي، كما تقول: نعم رجلًا زيدٌ، أي: نعم الرجل رجلًا زيد، وكذلك التقدير: نعم الشيء شيئًا، ثم قام (ما) مقام شيء، والكلام يأتي عليها في موضعها إن شاء الله، فهذه وجوه (ما) الاسمية. فأما الحرفية فستة أيضًا: أحدهما: أن تكون نافية، ورُتْبَتُهَا أن تكون صدر الجملة، ويحسن دخولها على القبيلين: الأسماء والأفعال. فأما دخولها على الأسماء: فبمنزلة (ليس) في رفعها المبتدأ ونصبها الخبر في لغة أهل الحجاز، نحو: ما زيد منطلقًا، وفي التنزيل: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (٢). ومشابهتها لليس من وَجهين: أحدهما: الدخول على المبتدأ والخبر. والثاني: نفي ما في الحال، ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيد خارجًا، كنت تنفي الحال. وأما بنو تميم فلا يجعلون لها عملًا، وَيُجْرُونها مُجرَى أخواتها التي تدخل على القبيلين، نحو: هل وبل. قال صاحب الكتاب ﵀ في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: وبنو تميم يرفعون إلا مَن دَرَى كيف هي في المصحف (٣). فإن قدمتَ الخبرَ، أو نقضتَ النفيَ، أو أوليتَها ما يكون مفعولَ خبرها رَفعتَ ليس إلا، نحو: ما منطلق زيد، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ (٤)، وما طعامَكَ زيدٌ آكِلٌ، ولولا رَفْعُ آكلٍ لما جازت المسألة؛ لأنك إذا رفعت آكلًا

стр. 122

لم يكن قد جعلت لـ (ما) عملًا في زيد، وإذا لم يكن زيد معمولَه، كان وقوعُ (طعامك) بينه وبين زيد جائزًا، إذ لا يكون فصلًا بين العامل والمعمول بالأجنبي. وأما دخولها على الأفعال فعلى ضربين: أحدهما: أن تدخل على الماضي بمعنى (لم)، نحو: ما خرج زيد، أي: لم يخرج، وفي التنزيل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١). والثاني: أن تدخلَ على المضارع لنفي الحال بمعنى (لا)، نحو: ما يخرج زيد، أي: لا يخرج، نفيتَ أن يكون منه خروج في الحال، ومنهم من يسميها جحدًا، وقد أنكر بعض أهل العلم وقال: وليس الأمر على ذلك، وذاك أنها إذا كانت نافية، فإنما تنفي عما تدخل عليه ما ثبت له قبل دخولها، أو جاز أن يثبت له. والجحد: هو أن يَكْذِبَ النافي في نَفْيِه، مثال ذلك: أن يقول المثبت: قام زيد. فيقول النافي: ما قام زيد. ويقول المخبر: زيد قائم. فيقول النافي: ما زيد قائمًا. فإن صدق في نفيه سمي نفيًا، وإن كذب في نفيه سمي جحدًا، ويجوز أن يسمى الجَحْدُ نفيًا، لأن النفي أعم، ولا يجوز أن يسمى النفي جحدًا. والجحد في القرآن، نحو قوله تعالى إخبارًا عمن كفر من أهل الكتاب: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ (٢). فأكذبهم الله بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤). فأكذبهم الله بقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ (٦). فأكذبهم الله

стр. 123

بقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (١) وما أشبه هذا. وبعد ... فإن (ما) إذا أتت بعدها (إلا)، فهي نفي إلا في ثلاثة عشر موضعًا: أولها في "البقرة"، قوله : ﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ (٢)، وفيها: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٣). والثالث في "النساء"، قوله تعالى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ﴾ (٤) وفيها: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥). والخامس في "المائدة"، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٦). والسادس في "الأنعام"، قوله عز وعلا: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا﴾ (٧) وفيها: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا﴾ (٨). والثامن في "هود"، قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا﴾، في موضعين: أحدهما في ذكر أهل النار (٩). والثاني في ذكر أهل الجنة (١٠). والعاشر في "يوسف"، قوله سبحانه: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا﴾ (١١)، وفيها: ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا﴾ (١٢). والثاني عشر في "الكهف"، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (١٣)، وفي هذه وحدها خلاف، ويأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله.

стр. 124

والثالثَ عَشَرَ قوله : ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حيث كان في القرآن (١). والثاني: أن تكون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر، نحو: بلغني ما صنعتَ، أي: صنيعُكَ. ونحو قوله : ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢) أي: بتكذيبهم، أو بكذبهم على قَدْرِ القراءتين (٣)، وقولهَ: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ (٤)، و ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ (٥). و ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا﴾ (٦) أي: كإيمان الناس، وكإرسالنا، وبئس اشتراؤهم. وكل (ما) أتت بعد كاف التشبيه أو بعد بئس: فهي مصدرية، وفيه خلاف، وستراه في موضعه إن شاء الله. وقد اختلفوا فيها: فصاحب الكتاب يجعلها حرفًا، وأبو الحسن يجعلها اسمًا (٧). و(ما) هذه فيمن جعلها اسمًا ليست كالتي بمعنى الذي، وإن كانتا اسمين، لأن المصدرية إنما تُوصَل بالفعل فقط، والتي بمعنى الذي توصل بالجمل المذكورة في الباب، فاعرفه، وعلى كلا القولين لا يعود عليها من صلتها شيء. ومثل ذلك (ما) الظرف والدوام، ويقال لها أيضًا: (ما) التأبيد والتأجيل. و (ما) المقدار، وذلك نحو قوله : ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٨) و ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٩) و ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ﴾ (١٠) أي: وقت دوام

стр. 125

قيامك، ووقت دوام إحرامك، ومدة دوام السموات والأرض. والثالث: أن تكون (ما) كافة للعامل عن عمله، وهي تقع بين ناصب ومنصوب، أو جار ومجرور، أو رافع ومرفوع. فالناصب والمنصوب: (إنَّ) وأخواتها، فإذا اتصلت (ما) بهذه الحروف كفتها عن عملها، ويرتفع الاسم بعدها بالابتداء نحو: إنما زيد قائم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقد يجوز أن تجعل (ما) تأكيدًا ويترك ما بعدها على حاله، وينشد بيت النابغة (٢) على وجهين: ٣٠ - قالتْ أَلا لَيْتَما هذا الحَمَامُ لَنَا ... إلى حمامَتِنا ونصفُهُ فَقَدِ (٣) برفع الحمَامِ ونصبه، فمن نصب الحمام أعمل ليت في (هذا)، وجعل الحمام صفته، و (لَنا) في موضع خبر ليت. ومن رفع (الحمام) ففيه وجهان: أحدهما: أن تكون (ما) كافة، و (هذا) في موضع رفع بالابتداء، والحمام صفته، و (لنا) في موضع خبر المبتدأ. والثاني: أن تكون (ما) بمعنى الذي في موضع نصب بـ (ليت)، وقد حذف المبتدأ من صلة (ما)، تقديره: ليت الذي هو هذا الحمام، فهو مبتدأ، وهذا خبره، والحمام صفة لهذا، وكل ذلك صلة لما، و (لنا) خبر ليت. فأما وقوعها بين الجار والمجرور فقولهم: رُبَّما رجلٍ أكرمته. و(ما): تأتي بعد رُبَّ على ثلاثة أوجه:

стр. 126

أحدها: أن تكون كافة، ليحسن بعدها وقوع المعرفة والفعل، لأن رب تجر ما بعدها، ولا تدخل على المعرفة، ولا على الفعل، فلما لحقتها (ما) كفتها عن عملها، وحسن دخولها عليهما في نحو: ربما زيد قائم، وربما قام زيد، وربما رجل قام، فكفتها عن عملها كما ترى، ولما كانت رب إنما تأتي لما مضى، وجب أن تكون (ربما) كذلك تدخل على الماضي، كقوله: ٣١ - رُبَّما أوفيتُ في عَلَمٍ ... تَرْفَعَنْ ثَوْبي شَمالاتُ (١) فأما دخولها على المضارع في نحو قوله : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) فالكلام يأتي عليها في موضعها إن شاء الله. والثاني: أن تكون (ما) في (ربما) زائدة ملغاة، فتجر ما بعدها بربّ، تقول: ربما رجلٍ أكرمته، وربما طعامٍ أكلته، فتجر ما بعدها بها كما ترى، قال الشاعر: ٣٢ - رُبَّما ضَرْبَةٍ بسيفٍ صقيلٍ ... دُونَ أُخْرَى وَطَعْنَةٍ نَجْلاءِ (٣) جَرّ ضربة بـ (ربَّ) وجعل (ما) لغوًا كما ترى. والثالث: أن تكون (ما) في ربما نكرة بمعنى شيء، كما قال الشاعر: ٣٣ - رُبَّما تَكْرَهُ النفوسُ من الأَمـ ... ـر لَهُ فَرْجَةٌ كحَلِّ العِقالِ (٤)

стр. 127

أي: رب شيء تكره النفوس، ويدل على أنها اسمٌ عَوْدُ الذكر إليها، والكاف في محل الرفع على أنه صفة لِفَرْجَة، أو في محل النصب على الحال من المنوي في (له). وأما وقوعها بين الرافع والمرفوع: [فقولك]: قَلّما تقولَنَّ، وطالما تَسْكُتَنَّ، فقلَّ وطال فعلان ماضيان، كُفَّا بـ (ما)، وجُعلتْ (ما) كالعوض لهما من الفاعل، ولذلك وليهما الفعل، وقد عُلم أن الفعل لا يلي الفعل، وأما قول الشاعر: ٣٤ - صَدَدْتِ فأَطولتِ الصُّدُودَ وقَلَّما ... وِصَالٌ على طولِ الصُّدودِ يَدُومُ (١) ففيه أربعة أقوال للنحويين: قال صاحب الكتاب ﵀: (ما) في قلما اسم في موضع رفع بـ (قَلّ)، و (وصال) مبتدأ وما بعده خبره، والجملة صلة لـ (ما) والتقدير عنده: وقلما يدوم وصال، لأنه إنما أراد تقليل الدوام (٢). وقال المبرد: (ما) في قلما صلة ملغاة، والاسم بعدها مرتفع بقلَّ، كأنه قال: وقل وصالٌ يدوم على طول الصدود (٣).

стр. 128

وقال بعضهم: (ما) في قلما ظرف بمعنى الحِين والوقت، كأنه قال: وقَلَّ وقتٌ يدوم فيه وصال على طول الصدود (١). وقال بعضهم: (ما) في قلما كافة ليصلح أن يليها الفعل الذي لم يكن ليصلح أن يليها بغير (ما)، وإنما أَوْلَى (قلما) الاسمَ فقال: وقلما وصال، لضرورة الشعر. ووجه الكلام أن يقال: قلما يدوم وصال، فَيُولي (قلما) الفعل دون الاسم (٢). والرابع (٣): أن تكون (ما) تأكيدًا، وبعضهم يسميها صلة وزائدة. والأول أمتن، لأنه ليس في القرآن حرف إلّا وله معنى. وسئل بعض العلماء عن التوكيد وما معناه، إذ الإسقاط لا يُخِلّ بالحرف، فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد، لا يجدونه بإسقاط الحرف، وقال: مثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا، فإذا تغير البيت بزيادة أو نقصان أنكره، وقال: أجد نفسي على خلاف ما أجدها بإقامة الوزن، فلذلك هذه الحروف تتغير نفسُ المطبوع عند نقصانها، ويجد نفسه بزيادتها على معنى خلاف ما يجدها بنقصانه. وإذا كانت تأكيدًا، يأتي بعدها الاسم والفعل، وتقع أبدًا حشوًا أو آخرًا، ولا تقع أوّلًا، لأن وقوعها أولًا يؤدي إلى العناية بها. فإذا وقعت حشوًا لم يَخْلُ أمرُها من أربع أحوال: إما أن تكون بين رافع ومرفوع، أو ناصب ومنصوب، وجازم ومجزوم، أو جار ومجرور.

стр. 129

فمثال كونها بين الرافع والمرفوع: نحو قول الشاعر: ٣٥ - لو بِأَبانَينِ جاءَ يَخْطُبُها ... رُمّلَ ما أَنْفُ خَاطبٍ بِدَم (١) أي: رُمّلَ أنفُ خاطبٍ، ورَمَّلَه بالدم فترمَّل وارْتَمَل، أي تلطخ. وأبانان: جبلان معروفان، يقال لأحدهما: أبانٌ الأبيضُ، وللآخر: أبانٌ الأسودُ. ومثال كونها بين الناصب والمنصوب: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٢). وفي هذه كلام تراه بعدُ إن شاء الله. ومثالُ كونها بين الناصب والمنصوب، والجازم والمجزوم نحو قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٤). فقوله: أين منصوبة بقوله: تكونوا، وتكونوا مجزومة بقوله: أين، فقد وقعت بين الناصب والمنصوب والجازم والمجزوم، وكذلك قوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥). وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٦). ومثال كونها بيبن الجار والمجرور: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٧). وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٨). و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٩)، ﴿أَيَّمَا

стр. 130

الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ (١). و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (٢) وما أشبه. فـ (ما) في جميع هذه الآيات تأكيد، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٣). وشبهها، فإن (ما) فيها (٤) للتأكيد. والخامس: أن تكون (ما) مُسَلِّطةً للعامل على الجزاء، كقولك: إذ ما تخرجْ أخرجْ، وكيفما تصنعْ أصنعْ، وحيثما تكنْ أكنْ، سَلَّطَتْ (ما) إذ، وكيف، وحيث على الجزاء، ولولا (ما) لم يجز أن يُجازَى بـ إذ، وكيف، وحيث، ومن المجازاة بـ (إذ ما) بيتُ الكتاب: ٣٦ - إذ ما أتيتَ على الرسولِ فَقُلْ لَهُ ... حَقًّا عليكَ إذا اطْمأَنَّ المَجْلِسُ (٥) إتيانه بالفاء في قوله: (فقل له) دليل على الجزاء. والسادس: أن تكون (ما) مُغَيِّرَةً للحرف عن حاله، كقولك في لو: (لوما)، غَيَّرَتْها إلى معنى هلّا، وفي التنزيل: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ (٦) أي: هلا. وبعد .. فإن (ما) إذا كانت نفيًا، أو تأكيدًا، أو كافةً، أو مُسَلِّطَةً، أو مُغَيِّرَةً، فهي حرف. وفي المصدرية خلاف وقد ذكرته، وهي فيما سوى ذلك اسم، وقد أوضحت الجميع، فهذه وجوه الماءات الاسمية والحرفية فاعرفها،

стр. 131

وقد ذكروا فيها وجوهًا أُخَرَ، وهي ترجع إلى ما ذكرت، وقد تَرِدُ (ما) في التنزيل تحتمل وجوهًا من المعاني، وستراها موضحةً في أماكنها إن شاء الله. ونعود إلى ما كنّا فيه، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ﴾ الواقع بعد ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، وحكمُهُ في الإعراب حُكْمُهُ، هذا على قول من جعل الآيتين جميعًا في جميع المؤمنين، أو في مؤمني أهل الكتاب، وأما من جعل الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سلام ﵁ (١) فمحل ﴿الَّذِينَ﴾: الرفع على الابتداء، وخبره: ﴿أُولَئِكَ﴾، ويَحتمل على هذا الوجه أيضًا أن يكون عطفًا على ﴿الَّذِينَ﴾. والإنزال، والحدْر، والحطُّ، نظائر في اللغة، يقال: أَنزلتُه، وحَدَرْتُه، وحَطَطْتُه. والنزول نظيره: الهبوط، ونقيضه: الصعود. والكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾: ضمير المخاطب، وهو النبي ﷺ ، وقد جُوّز أن تكون للجنس، فتكون في معنى الجمع، كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: ﴿هُمْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، وإنما جيء بـ ﴿هُمْ﴾ هنا للتوكيد، ويسميه البصريون فصلًا، والكوفيون عمادًا، والكلام يأتي عليه في غير هذا الموضع إن شاء الله. وفائدة التوكيد في ﴿هُمْ﴾ مع تقديم (الآخرة): تحقيق عَودِ الضمير إلى المذكورين لا إلى غيرهم، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٣)، وتَعريضٌ

стр. 132

بأهل الكتاب ممن هو على غير وصفهم. والباء من (بالآخرة) متعلقة بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾ وهذا يدل على جواز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ، إذ المعمول لا يقع إلا حيث يصح وقوع العامل، لأجل أن المعمولى تابع للعامل، فلا يكون له تصرف لا يكون لعامله، وأجمل أحواله أن يقع في موقعه، فأما أن يفوقه في التصرف والوقوع حيث لا يقع هو، فلا، ولهذا مَنع صاحبُ الكتاب ﵀ أن تقول: القتالُ زيدًا حين تأتي (١)، لأن زيدًا منصوب بـ (تأتي) ومعمول له، فكما لا يجوز أن تقدم تأتي على حين فتقول مثلًا: القتال تأتي حين، كذلك لا يجوز أن تقدم على حين زيدًا الذي هو معمول تأتي، لما ذكرت، فاعرفه فإنه أصل من الأصول. والآخرة تأنيث الآخِر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة الدار، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (٢)، وسميت آخرة لأنها تكون بعد الدنيا، ولأنها أخرت حتى تَفْنَى الدنيا، ثم تكون، وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. والآخِرُ، والثاني، والتالي نظائر. وأما الآخَر بفتح الخاء، فيأتي على تفصيل الاثنين، كقولك: أحدهما كذا والآخَرُ كذا. وأصل ﴿يُوقِنُونَ﴾ يُؤَيْقِنُونَ، لأن ماضيه أيقن كأكرم، فحذفت الهمزة منه لما ذكرت في غير موضع (٣)، وأُبدلت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، كما فُعل في مُوْقِنٍ ونحوه. وقرئ: (يُؤْقِنُون) بالهمز (٤) على جعل الضمة في جوار الواو لقربها منها

стр. 133

كأنها فيها، فمن حيث جاز همزُ واوِ (وُعِدَ) و (وُجُوهٍ) ونحوهما لانضمامها، كذلك جاز همز واو (يوقنون) ونحوه، وهذا يعضد قول صاحب الكتاب في جعله الحركة بين يدي الحرف. والإيقان، والعلم، والتحقيق، نظائر في اللغة. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿عَلَى هُدًى﴾، والجملة في محل الرفع إن جعلت ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أو ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ على ما ذكر قبيل، وإلا فلا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: في محل الجر على أنها صفة ﴿هُدًى﴾، متعلقة بمحذوف، وقد ذكر في أول "الحَمْدُ". ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الخبر. و ﴿هُمُ﴾: فصل يؤتَى به للتوكيد، ولا موضع له من الإعراب. وقيل: يؤتى به للدلالة على أن الوارِدَ بعده خبر لا صفة (١). فصل في تفسير (الفصل) اعلم وفقك الله: أن هذا (الفصل) لا يكون إلا بضمائر المرفوع، وهي اثنا عشر مضمرًا منفصلًا: أنا، نحن، أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن، هو، هي، هما، هم، هن. اثنان للمتكلم وهما: أنا، نحن، وخمسة للمخاطب، وخمسة للغائب على الترتيب المذكور. ولهذا الفصل شريطتان (٢): إحداهما: أن يكون بين المبتدأ والخبر وما هو جارٍ مجراهما من باب

стр. 134

كان وأخواتها، وباب إنّ، وباب ظننت وأخواتهما. والثانية: أن يكون بين معرفتين. مثال وقوعه بين المبتدأ والخبر: زيد هو القائم، لك أن تجعل (هو) فصلًا عاريًا من الإعراب، وتجعل القائم خبر زيد، ويكون الكلام من جزأين، ولك أن تجعل (هو) مبتدأ، والقائم خبره، وتجعل الجملة في موضح خبر زيد، وهو الآن ليس بفصل. ومثال وقوعه في باب كان: قولك: كان زيد هو القائمُ، إن جعلته فصلًا نصبت القائم، لأن (هو) لا اعتداد به، وإن لم تجعله فصلًا رفعت القائم لكونه خبرًا له، وتكون الجملة في موضع نصب لكونها خبرًا لكان. ومثال وقوعه في باب (إن) قولك: إن زيدًا هو القائم، لك أن تجعل (هو) فصلًا عاريًا من الإعراب، وتجعل القائم خبر إنّ، ولك أن تجعل (هو) مبتدأ والقائم خبره. وتكون الجملة في موضع رفع بحق خبر إنّ. ومثال وقوعه في باب ظننت: قولك: ظننت زيدًا هو القائم، إن جعلت (هو) فصلًا نصبت القائم، ,إن لم تجعله فصلًا رفعت القائم، كما ذكرتُ في باب كان. وكذلك حكم الضمائر كلِّها مهما جَعَلْتَ واحدًا منها فصلًا، فلا بد لك من الإتيان بالألف واللام في الاسم الواقع بعده، وإن لم تجعله فصلًا، فأنت مُخَيَّرٌ فيهما، فاعرفه، لو قلتَ: كان زيد هو قائمًا، لم يجز، لأن ما بعده نكرة، وأما قولهم: ما كان زيد هو خيرًا منك، فأتوا بـ (هو) الفاصل هنا لأجل أن خيرًا قد تخصص بـ (منك) فقارب المعرفة، ولذلك لم يجيزوا: زيدٌ الأفضل من عمرو، لأن (من) إنما تدخل لِتُحْدِثَ فيه ضربًا من التخصيص، فاذا دخلت لام المعرفة جعلت الاسم بحيث توضع اليد عليه، فإذا لَحِقَتْ (مِن) معها كان كالنقض للتعريف الحادث باللام، فكأنهم إذا قالوا: كان زيد هو خيرًا منك، قدّروا فيه الألف واللام، وبنوا على هذا الأصل مسألةً،

стр. 135

وهي قولهم: كان زيد هو يقول ذاك، جوزوا أن يكون (هو) فصلًا إذا كان الخبر مضارعًا، ولم يجوزوا إذا كان الخبر اسم فاعل، نحو: قائل، وقالوا: لأنا نُقَدِّرُ في يقول معنى الألف واللام، ويصح هذا التقدير، لأنَّ (يقول) ممتنعٌ من أن يَظهر فيه الألف واللام. وأما إذا كان الخبر قائلًا، فإنه محتمل لظهور الألف واللام فيه، فلا معنى لتقديرها. وفي الفصل كلام كثير لا يليق ذكره هنا، وهذا القدْر كافٍ لمن له قلب ويعرف العربية. أَوْ ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانٍ، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، والجملة في محل الرفع على أنها خبر ﴿وَأُولَئِكَ﴾ (١). قيل: فإن قيل: فَلِمَ أتى ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢)؟ قيل: قد اختلف الخبران هنا، فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثَمّة، فإنهما متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقرِّرَة لما في الأولى، فهي من العطف بمعزلٍ (٣). و﴿أُولَئِكَ﴾: اسم مبهم موضوع للجمع، ويكون للمذكر والمؤنث، وليس له واحد من لفظه، فأما من غير لفظه فواحده: ذلك إذا كان للمذكر، وتلك إذا كان للمؤنث، والكاف فيه حرف للخطاب لا موضع له من الإعراب، وقد ذكرتُ وجهه عند قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وفيه ثلاث لغات: أولئك، وهي لغة قريش، وأولاك، وأولالِك (٤).

стр. 136

ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى هُدًى﴾ مَثَلٌ لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، شُبهتْ حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، كما تقول: زيد على الحق، وهو على الباطل. والمفلح: الفائز بالبغْيَة، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظَّفَرِ ولم تستغلق عليه. وكل مؤمن مفلح؛ لأنه ظافر ببغيته، وأصله: مُؤَفْلِحٌ، لأن ماضيه أفلح.، كأحسن، فحذفت الهمزة منه حملًا على المضارع، وقد ذكرت سبب الحذف في المضارع في غير موضع (١). والفلاح، والنجاح، والظفر، نظائر في اللغة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: [فصل في (إن)] ﴿إِنَّ﴾ حرف توكيد، وتكون من آلات القَسَم، وعملُها: نصب الاسم ورفع الخبر، لأنها كفعل قُدِّمَ مفعولُه على فاعله ليس إلا، نحو: ضرب زيدًا غلامُه، وهي من العوامل نظير كان وظننت ونحوهما، فلذلك كان لا بد لها من اسم وخبر، كما كان ذلك لجميع العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر. ووجه شبهها بالفعل: أنها على وزنه، وأن آخرها مبني على الفتح، كما أن آخر سائر الأفعال الماضية كذلك إلا أنها خولف بعملها بتقديم المنصوب على المرفوع؛ ليدل على أنها عملت على جهة التشبيه بالفعل، وكان تقديم المنصوب أولى، لتكون أبعد من مشابهة الفعل، إذ الأصل فيه أن يكون الفاعل بجنبه، فإذا أُخِر المرفوع هنا حصلت مخالفتها للفعل،

стр. 137

وانحطاطها عن رتبته، وكذلك الكلام في أخواتها. واسمها ﴿الَّذِينَ﴾، فأما خبرها فَيَحتمِلُ ثلاثةَ أوجهٍ: أحدها: ﴿سَوَاءٌ﴾، وما بعده مرتفع به على الفاعلية، كأنه قيل: إن الذين كفروا مُسْتَوٍ عليهم إنذارُك وعدمُهُ، كما تقول: إن زيدًا مختصِمٌ أخوه وابنُ عمه. والثاني: الجملة، على أن تجعل ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في موضع رفع بالابتداء و ﴿سَوَاءٌ﴾ خبرًا مقدمًا، أي: إنذارُك وعدمُه سواء عليهم، والجملة خبر لـ ﴿إِنَّ﴾. والثالث: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، و ﴿سَوَاءٌ﴾ وما بعده - على هذا - اعتراض بينهما لا موضع لها من الإعراب. و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: على الوجهين الأولين خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم لا يؤمنون، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر (١). وأجاز أبو علي أن يكون حالًا من الضمير المنصوب على حد: مَعَهُ صَقْرٌ صائدًا به غدًا، و ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢). فإن قلت: ما منعك أن تجعل ﴿سَوَاءٌ﴾ مبتدأ وما بعده خبره كما زعم بعضهم؟ قلت: منعني تنكيرُه، وقد تقرر أنه إذا اجتمع المعرفة والنكرة لم يكن الخبر إلا النكرةَ، لأن الخبر يجب أن يكون مجهولًا، وما يخبر عنه معروفًا، ولو عكست لم يجز، لأن الإخبار بما يُعرف عما لا يُعرف عكس العادة، لعدم الفائدة (٣).

стр. 138

فإن قلت: لم جاء هنا بغير العاطف، وفي "يس" ﴿سَوَاءٌ﴾ (١) مع العاطف؟ قلت: قيل: لأن ما في "يس" مع ما بعده جملة معطوفة على جملة أخرى، فاحتاجت إلى العاطف، والجملة هنا ليست بمعطوفة، فهي من العطف بمعزل. وسواء: اسم مشتق من التساوي، وهو بمعنى الاستواء، تقول: استوى الشيء إذا اعتدل استواءً (٢)، قال: ٣٧ - وقيلٍ يقولُ الناسُ من ظلُماتِهِ ... سواءٌ صَحِيحَاتُ العيونِ وعُورُها (٣) والاسم: السواء، وُصف به كما يوصف بالمصادر، ومنه قوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤)، وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (٥) بمعنى مستوية، ولكونه بمعنى الاستواء لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع، والهمزة فيه منقلبة عن ياء؛ لأجل أن باب (طَوَيْتُ) أكثرُ من باب قُوَّة، فَحُمِلَ على الأكثر. قال أبو علي: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولهم: ما أبالي أشهدتَ أم غِبتَ؟ وما أدري أَأَقْبلتَ أم أدبرتَ؟ وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرًا، لأن فيه التسوية التي

стр. 139

في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أَخَرَجَ زيدٌ أم [أ] (١) قام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام وعَدَمُ عِلْمِ أَحَدِهما بِعَيْنِه، كما أنك إذا أخبرت فقلت: سواءٌ عليَّ أَقعدتَ أم ذهبتَ، فقد سويت بين الأمرين عليك، فلما عَمَّتْهُما التسويةُ، جرى على هذا الخبر لفظُ الاستفهام لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهامًا (٢). وقال صاحب الكتاب: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة (٣). يعني أن هذا جرى على صور الاستفهام، ولا استفهام؛ كما أن ذاك جرى على صورة النداء، ولا نداء (٤). والإنذار: إعلام بتخويف، هكذا حَدَّهُ أهل اللغة (٥)، وفي المثل: "قد أَعْذَرَ مَن أنذر" (٦). والإنذار، والتخويف، والتحذير، نظائر في اللغة. وأحد مفعولي الإنذار هنا محذوف، لأن أنذر فعل يتعدى إلى مفعولين، بشهادة قوله سبحانه: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ (٧)، وقوله: ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ (٨)، وإنما حُذف هنا لكونه أبلغ في الوعيد وأقطع (٩).

стр. 140

ويجوز في نحو ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تسعةُ أوجهٍ (١): تحقيق الهمزتين. وتخفيف الثانية بين بين على مذاق العربية. وتوسيط ألف بينهما محققتين. وتوسيطُها والثانية بين بين. وحذف حرف الاستفهام. وحذفه بعد إلقاء حركته على الساكن قبله. وقلب الثانية ألفًا. وقلب الأولى هاء. وتخفيفها بين بين. ولكل واحد من هذه الأوجه وجه في العربية: فوجه من حققهما: أنه أتى بهما على الأصل. ووجه من خفف الثانية منهما: أنه كره اجتماعهما لثقلهما، وقد أجمعت العرب على تسهيل الثانية في نحو: آدم وجاءٍ ونحوهما لما ذكرت، فَحَمَلَ المُخْتَلَفَ فيه على المُجْمَعِ عليه. ووجه من وَسَّطَ بينهما بألف وحقق الثانية: أنه كره اجتماعهما لما ذكرت آنفًا، فأزالَهُ بالحائل، فلما زال ذلك بالحائل بَقَّى الثانية على حالها. ووجه من خفف الثانية مع التوسيط: أنه قَدَّرَ بقاءَ الاستثقالِ مع تخفيفه الثانية، لأن المخففة بزنة المحققة، لقيامها في النظم مقامها، فلذلك خففها مع التوسيط. ووجه من حذف حرف الاستفهام: أنه حذفه تخفيفًا مع عدم اللبس، لإتيانِ (أم) بعده. فإن قلت: هل يجوز أن تكون (أم) هنا منقطعة على قول من قرأ (أنذرتهم) على الخبر (٢)، كقولهم: إنها لإِبِلٌ أم شاءٌ؟ قلت: لا، لأنك إن جعلتها كذلك قطعتَ (سواءً) مما بعده، و (سواءٌ) يقتضي خبرين فصاعدًا، وأما الأقل فلا.

стр. 141

فإن قلتَ: فإن كان الأمر على ما زعمتَ، فما معنى قول القائل: قرأ عَلَى الخبر؟ قلتُ: معناه: على لفظ الخبر، والمعنى معنى الاستفهام، وحَذْفُ المضافِ وإقامة المضاف إليه مُقامه كثيرٌ شائع في كلام القوم إذا خلا الكلام من اللبس. ووجه من حذفَهُ بعد أن ألقى حركته على الساكن قبله: أنه كره اجتماعهما لما ذكرت في غير موضع، فأزاله بالحذف بعد النقل، إذ وَجَدَ السبيلَ إلى ذلك، كما قالوا: من بُوك؟ وكم ابلُكَ؟ ومن امُّكَ؟ حين أرادوا تخفيف الهمزة، ونحو هذا شائع كثير في كلام القوم. ووجه من قلب الثانية: أنه كره اجتماعهما لما ذكرت في غير موضع، فأبدل الثانية منهما ألفًا، كما قال: ٣٨ - سَألَتْ هُذَيلٌ ... ........................... (١) ونحو هذا يُسْمَعُ ولا يقاس عليه، وأيضًا فإن أكثر ما ورد في التنزيل من هذا النحو بعده الساكن، فكان ذلك يكون جمعًا بين الساكنين. والذي جَسَّر القارئَ على ذلك بعدَ النقل عن السلف: فَرْطُ ما في الألف من زيادة المد. ووجه من قلب الأولى: أنه كره أيضًا اجتماعهما، فأبدل الأولى منهما هاء، كما قالوا: هيّاك في إيّاك. ووجه من جعلها بين بين: أنه كره اجتماعهما أيضًا، فأزالهما بتخفيف الأولى، وهو ضعيف، لأنه كالجمع بين الساكنين على غير حَدِّه.

стр. 142

فهذه تسعة أوجه، فاعْرِفْهُنَّ وقس عليهن ما يرد عليك من نظائرهن في التنزيل (١). فإن قلت: فإنذار رسول الله ﷺ قد انتفعَ به كثيرٌ من الناس، فما معنى نفي الإيمان مع وجود ما ذكرتُ؟ . قلت: قيل: هذا عمومٌ معناهُ الخصوصُ، وهو فيمن سبق في علم الله أنه يموت على غير فطرة الإسلام، فاللفظ وإن كان عامًا، فالمراد به الخاص، ونحوه كثير في التنزيل (٢). ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾: قولى : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم والطبع والرسم نظائر، وهو التغطية على الشيء لئلا يُتوصَّلَ إليه، ولا يُطَّلَع عليه. وسمي القلب قلبًا لتقلبه بالخواطر والعُزُوم، قال الشاعر: ٣٩ - ما سُمِّيَ القلبُ إلا مِن تَقَلُّبِهِ ... والرأيُ يُصْرَفُ والإنسانُ أَطْوارُ (٣)

стр. 143

و ﴿غِشَاوَةٌ﴾ مرتفعة بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف على مذهب أبي الحسن (١)، فلا ضمير على هذا في الظرف، لأن فعلًا واحدًا لا يرتفع به فاعلان من غير العاطف. وقرئ: (غشاوةً) بالنصب (٢) حملًا على المعنى، أي: وجعل على أبصارهم غشاوةً. يعضده: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (٣)، ومثله في الحَمْل على المعنى قولُ الشاعر: ٤٠ - يا ليتَ زوجَكِ قَد غَدا ... مُتَقلِّدًا سَيفًا وَرُمحَا (٤) أي: وحاملًا رمحًا. وقال آخر: ٤١ - عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا ..... (٥)

стр. 144

أي: وسقيتها ماء باردًا. فإن قلتَ: هل يجوز أن ينتصب بـ (ختم)؟ قلت: لا، لأنه غير نافذ بنفسه. والغشاوة، والغطاء، والساتر، نظائر في اللغة، وهي فِعَالةٌ من غَشّاهُ، إذا غطّاه، وكل ما كان مشتملًا على الشيء فهو مبني على (فِعَالة) كالعصابة، والعمامة، والقلادة، وما أشبه هذا، عن الزجاج وغيره (١)، ويجوز (غِشاوة) بكسر الغين وفتحها وضمها (٢)، و (غِشْوةٌ) مثلها، فهذه ستة أوجه فيها (٣)، وفيها وجه سابع (عِشاوةٌ) بالعين غير المعجمة (٤)، من العَشَا المقصور، مصدر الأعشى، وهو الذي لا يبصر بالليل (٥)، وقد قرئ بهن (٦). فإن قلتَ: لمَ وُحِّدَ السمعُ؟ قلت: لأنه مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع في الأمر العام، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وعلى مواضع سمعهم (٧). فإن قلتَ: ما حملك أن تقدر في الكلام حذف المضاف؟ قلتُ: حملني على ذلك فساد المعنى؛ لأن نفس السمع معنىً، والمعنى لا يُختم

стр. 145

عليه، وإنما يختم على الأعيان، وأن تجعل السمع بمعنى السامعة، وهي الأذن، كما سُمي الشاهد بالشهادة، والغائب بالغيب، وَوُحّد كما وحد البطن في قوله: ٤٢ - كلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا .... (١) والحَلْق في قوله: ٤٣ - * في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينَا (٢) * يفعلون ذلك إذا أمن اللبس، وهو كثير في كلام القوم، وعن ابن أبي عبلة (٣): (وعلى أسماعهم) على الجمع (٤)، وهو عندي جمع السمع الذي هو بمعنى السامعة، لا السمع الذي هو المعنى، فاعرفه. والعذاب، والألم، والوجع، نظائر في المعنى.
следующие страницы →