← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإن قلتَ: فإن كان الأمر على ما زعمتَ، فما معنى قول القائل: قرأ عَلَى الخبر؟ قلتُ: معناه: على لفظ الخبر، والمعنى معنى الاستفهام، وحَذْفُ المضافِ وإقامة المضاف إليه مُقامه كثيرٌ شائع في كلام القوم إذا خلا الكلام من اللبس. ووجه من حذفَهُ بعد أن ألقى حركته على الساكن قبله: أنه كره اجتماعهما لما ذكرت في غير موضع، فأزاله بالحذف بعد النقل، إذ وَجَدَ السبيلَ إلى ذلك، كما قالوا: من بُوك؟ وكم ابلُكَ؟ ومن امُّكَ؟ حين أرادوا تخفيف الهمزة، ونحو هذا شائع كثير في كلام القوم. ووجه من قلب الثانية: أنه كره اجتماعهما لما ذكرت في غير موضع، فأبدل الثانية منهما ألفًا، كما قال: ٣٨ - سَألَتْ هُذَيلٌ ... ........................... (١) ونحو هذا يُسْمَعُ ولا يقاس عليه، وأيضًا فإن أكثر ما ورد في التنزيل من هذا النحو بعده الساكن، فكان ذلك يكون جمعًا بين الساكنين. والذي جَسَّر القارئَ على ذلك بعدَ النقل عن السلف: فَرْطُ ما في الألف من زيادة المد. ووجه من قلب الأولى: أنه كره أيضًا اجتماعهما، فأبدل الأولى منهما هاء، كما قالوا: هيّاك في إيّاك. ووجه من جعلها بين بين: أنه كره اجتماعهما أيضًا، فأزالهما بتخفيف الأولى، وهو ضعيف، لأنه كالجمع بين الساكنين على غير حَدِّه.

стр. 142

فهذه تسعة أوجه، فاعْرِفْهُنَّ وقس عليهن ما يرد عليك من نظائرهن في التنزيل (١). فإن قلت: فإنذار رسول الله ﷺ قد انتفعَ به كثيرٌ من الناس، فما معنى نفي الإيمان مع وجود ما ذكرتُ؟ . قلت: قيل: هذا عمومٌ معناهُ الخصوصُ، وهو فيمن سبق في علم الله أنه يموت على غير فطرة الإسلام، فاللفظ وإن كان عامًا، فالمراد به الخاص، ونحوه كثير في التنزيل (٢). ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾: قولى : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الختم والطبع والرسم نظائر، وهو التغطية على الشيء لئلا يُتوصَّلَ إليه، ولا يُطَّلَع عليه. وسمي القلب قلبًا لتقلبه بالخواطر والعُزُوم، قال الشاعر: ٣٩ - ما سُمِّيَ القلبُ إلا مِن تَقَلُّبِهِ ... والرأيُ يُصْرَفُ والإنسانُ أَطْوارُ (٣)

стр. 143

و ﴿غِشَاوَةٌ﴾ مرتفعة بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف على مذهب أبي الحسن (١)، فلا ضمير على هذا في الظرف، لأن فعلًا واحدًا لا يرتفع به فاعلان من غير العاطف. وقرئ: (غشاوةً) بالنصب (٢) حملًا على المعنى، أي: وجعل على أبصارهم غشاوةً. يعضده: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (٣)، ومثله في الحَمْل على المعنى قولُ الشاعر: ٤٠ - يا ليتَ زوجَكِ قَد غَدا ... مُتَقلِّدًا سَيفًا وَرُمحَا (٤) أي: وحاملًا رمحًا. وقال آخر: ٤١ - عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا ..... (٥)

стр. 144

أي: وسقيتها ماء باردًا. فإن قلتَ: هل يجوز أن ينتصب بـ (ختم)؟ قلت: لا، لأنه غير نافذ بنفسه. والغشاوة، والغطاء، والساتر، نظائر في اللغة، وهي فِعَالةٌ من غَشّاهُ، إذا غطّاه، وكل ما كان مشتملًا على الشيء فهو مبني على (فِعَالة) كالعصابة، والعمامة، والقلادة، وما أشبه هذا، عن الزجاج وغيره (١)، ويجوز (غِشاوة) بكسر الغين وفتحها وضمها (٢)، و (غِشْوةٌ) مثلها، فهذه ستة أوجه فيها (٣)، وفيها وجه سابع (عِشاوةٌ) بالعين غير المعجمة (٤)، من العَشَا المقصور، مصدر الأعشى، وهو الذي لا يبصر بالليل (٥)، وقد قرئ بهن (٦). فإن قلتَ: لمَ وُحِّدَ السمعُ؟ قلت: لأنه مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع في الأمر العام، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وعلى مواضع سمعهم (٧). فإن قلتَ: ما حملك أن تقدر في الكلام حذف المضاف؟ قلتُ: حملني على ذلك فساد المعنى؛ لأن نفس السمع معنىً، والمعنى لا يُختم

стр. 145

عليه، وإنما يختم على الأعيان، وأن تجعل السمع بمعنى السامعة، وهي الأذن، كما سُمي الشاهد بالشهادة، والغائب بالغيب، وَوُحّد كما وحد البطن في قوله: ٤٢ - كلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا .... (١) والحَلْق في قوله: ٤٣ - * في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينَا (٢) * يفعلون ذلك إذا أمن اللبس، وهو كثير في كلام القوم، وعن ابن أبي عبلة (٣): (وعلى أسماعهم) على الجمع (٤)، وهو عندي جمع السمع الذي هو بمعنى السامعة، لا السمع الذي هو المعنى، فاعرفه. والعذاب، والألم، والوجع، نظائر في المعنى.

стр. 146

وعَظُم الشيءُ يعظُم، بالضمّ فيهما، عِظَمًا وعَظَمَة، فهو عظيم، ونقيضه: الحقير. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ (مَن يَقُولُ) مَنْ: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الخبر، و ﴿وَمِنَ﴾ متعلقة بالاستقرار، وهي للتبعيض، وفتحت النون لالتقاء الساكنين، وقد مضى الكلام عليها في الاستعاذة. وأصل الناس عند صاحب الكتاب: أُنَاسٌ (١) حذفت همزته، وهي فاء الكلمةِ تخفيفًا، كما قيل: لُوقَةٌ في أَلُوقة، وهي طَعامٌ يُعمَلُ من الزُّبْدِ (٢)، قال الشاعر: ٤٤ - حَديثُكِ أَشْهَى عِندَنا من أَلُوقَةٍ (٣) وجعلت الألف واللام كالعوض منها، وحذفها معهما كاللازم، لا يكاد يقال: الأناسُ، فالألف التي بين النون والسين على هذا مزيدة، ويشهد لأِصْلِه: إنسانٌ وأُناسٌ وأَناسِيٌّ وإنْسٌ، سُمُّوا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنَسون، أي: يُبْصَرون، كما سمي، الجن لاجتنانهم. وقيل: لأنه يستأنس بهم (٤).

стр. 147

وقال غيره: ليس في الكلمة حذف، وإِنّ أصله (نَاسٌ)، والألفُ منقلبة عن واو، وهي عين الكلمة، واشتقاقه من ناسَ يَنُوسُ نَوْسًا، إذا تحرك. قال الخليل: النَّوْسُ: تذبذبُ الشيءِ في الهواء، كَنَوْس القرط المعلق في الأذن، وهو ينوس نوسًا، واستدلوا بقول العرب في تصغيره: نُوَيْسٌ، ولو كان أصله أناسًا لوجب أن يقولوا في تصغيره: أنيس. وأجاب صاحب الكتاب أو بعضُ من انتصر له عن (نُويس): بأنه من المصغر الآتي على خلاف مكبره، كمُغَيرِبَان، وأُنَيْسِيَان. وبقي فيه شيء أذكره في آخر القرآن في سورة (الناس) إن شاء الله (١). وفي لام التعريف التي فيه وجهان: أحدهما: أنها للجنس، كالتي في الدرهم والدينار إذا قلت: كثر الدرهم والدينار. والثاني: أنها للعهد، وللإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم. فإن جعلتها للجنس: كان (مَن) في قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ نكرة موصوفة، و ﴿يَقُولُ﴾ صفة لها، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا .. كقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ (٢). وإن جعلتها للعهد: كانت ﴿مَنْ﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، كقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (٣). و(مَن) لها أربعة مواضع: أحدها: أن تكون موصولة.

стр. 148

والثاني: أن تكون موصوفة. والثالث: أن تكون استفهامًا، كقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ (١). والرابع: أن تكون شرطًا، نحو: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ (٢). وستراها موضحة في أماكنها إن شاء الله. ويستوي فيها التذكير والتأنيث، والتوحيد والتثنية والجمع. والضمير الراجع إليها يجوز أن يُذَكَّرَ ويُفْرَدَ حملًا على لفظها، وأن يؤنث ويثنى ويجمع حملًا على معناها، كقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣) فأفرد الضمير. وقال في موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ﴾ (٥)، فجمع كما ترى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ (٦) فَذَكَّر حملًا على اللفظ. وقرئ: (ومن تقنت) بالتاء (٧) حملًا على المعنى، وكذا هنا قال: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾، فأفرد الضمير ثم قال: (آمنا .. وما هم)، فجمع كما ترى، ولا يجوز عكسه، وإنما جُوِّزَ أن يحمل أولًا على اللفظ فَيُفرَدَ، ثم يجمع حملًا على المعنى، ولم يُجَوَّز عكسُ ذلك؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، فاعرفه، فإنه أصل من الأصول (٨). ووزن يقول: يفْعُلُ كيخرج، وأصله: يقْوُل بسكون القاف وضم الواو،

стр. 149

لأن نظيره من الصحيح يقتل، ثم أُلقيت حركة الواو على القاف، لأنها قد اعتلت في قال، والمضارع يعتلّ باعتلال الماضي، فعلوا ذلك طلبًا للتشاكل، فاعرفه وقس عليه ما يَرِدُ عليك من نظائره. والأصل في ﴿آمَنَّا﴾: أَأْمنا، فقلبت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها كراهة اجتماع الهمزتين، وقد مضى الكلام عليها قُبيلُ بأشبع من هذا (١). والمَدَّةُ الواقعة بعد الهمزة في ﴿الْآخِر﴾ مزيدة لبناء (فاعل) كما في ضارب ونحوه، وليست بدلًا من شيء. ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: هم: ضمير منفصل مرفوع بـ (ما) عند أهل الحجاز، ومبتدأ عند تميم، و ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الوجه الأول، وفي محل الرفع على الثاني، وهذا على قول من جوز: زيد بقائم، وهو الأخفش (٢)، لأن الخبر عنده مثل المبتدأ، من حيث كان المبتدأ. وأما من لم يُجَوِّز - وهم الجمهور - فلا، وتكون (ما) حجازية ليس إلا، والباء مزيدة لتأكيد النفي غير متعلقة بشيء. وهكذا كل حرف جر زيد في المبتدأ، نحو: بحسبك أن تفعل، أو الخبر، أو الفاعل، نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٣) فاعرفه. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون ﴿يُخَادِعُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يَقُولُ﴾، والعامل فيها ﴿يَقُولُ﴾، أي: يقول آمنا مخادعين، أو من الضمير الذي في اسم الفاعل في قوله: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾، والعامل فيها اسم الفاعل، أي: وما هم بمؤمنين في حال خداعهم (٤).

стр. 150

فإن قلت: هل يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لقوله: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾؟ قلت: معاذ الله مما أوردتَ، أتنفي عنهم ما أثبت الله لهم؟ إياك والعَوْدَ إلى مثل هذا الإيراد في كتاب الله. فإن قلت: هل يجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿آمَنَّا﴾؟ فالجواب: أن ذلك لا يجوز، لأن ﴿آمَنَّا﴾ محكي عنهم بيقول، فلو جعلته حالًا منه لكان محكيًا أيضًا، وهو فاسد من وجهين: أحدهما: أنهم [ما] (١) قالوا آمنا وخادعنا. والثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿يُخَادِعُونَ﴾. ولو كان منهم لكان (نخادع) بالنون (٢). ويجوز أن يكون مستأنَفًا لا موضع له من الإعراب، فيوقف دونه (٣). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: عطف على اسم الله، و ﴿وَمَا﴾ حرف نفي. ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: نصب بـ (يخادعون)، ولا يجوز أن يكون منصوبًا على الاستثناء، لأن الفعل لم يستوف مفعوله قبل ﴿إِلَّا﴾، فإلا في هذا الموضعِ وشبهه مِمَّا الفعل الذي قبل إلا مفرغّ لما بعده، سواءً كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعاني دون الألفاظ، نحو: هل، ألا ترى أنك تقول: هل زيدٌ مُنْطَلِقٌ؟ فيكون لِهَلْ تأثير في المعنى دون اللفظ، وكذلك إذا قلت: ما جاءني زيد، لا يدل على أن غيره لم يأتك، فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد، كان له تأثير في المعنى دون اللفظ، وهو الحصر على مجيء زيدٍ دون غيره، فاعرفه وقس عليه نظائره، وقد ذكرتُ وجهَ من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾، (وما يخادعون) في الكتاب

стр. 151

الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (١). وقرئ: (وما يُخْدَعون) بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول (٢)، يقال: خَدَعْتُ زيدًا نفسَهُ، ومعناه: عن نفسه. وفاعل الخدع الشيطان، أي: وما يخدعهم الشيطان إلا عن أنفسهم، ثم عومل معاملة "اختار" و "أمرتك" (٣). يقال: خَدَعَه يَخْدَعُه خَدْعًا وخِداعًا، إذا ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم (٤)، أي: يخفون خلاف ما يبدون، وأصل الخدع: الإخفاء، ومنه قيل للخزانة التي يُخْفَى فيها المتاع: المخْدَع (٥). والمعنى: يعملون عمل المخادع. وقيل: يخادعون أولياء الله (٦)، أو رسوله، فحذف المضاف للعلم به (٧). وقيل: أصل الخدع في اللغة: الفساد، ومنه قول سويد بن أبي كاهل (٨) يصف ثَغْرَ امرأةٍ:

стр. 152

٤٥ - حُرَةٌ تَجْلُو شَتِيتًا واضِحًا ... طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الريقُ خَدَعْ (١) أي فسد، هكذا قرأت على شيخي أبي اليمن الكندي (٢) ﵀ ورضي عنه بدمشق في داره في سنة ثلاثٍ وستمائة (٣). والمعنى: يفسدون ما يظهرون من الإيمان بما يُضمِرونَ من الكفر، كما أفسد الله عز وعلا عليهم نِعَمَ الدنيا بعذاب الآخرة. والخديعة، والغرور، والتمويه، نظائر في اللغة. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي ليس يشعرون أنَّ وبال ذلك راجع عليهم، يقال: شعرتُ أشعر شِعْرًا وشُعورًا، أي: علمت. والشعور بالشيء، والإحساس به، والفطنة له، نظائر في المعنى، والله أعلم. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾: قوله : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (مَرَضٌ) رفع بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف على قول من يرى ذلك، وقد ذكر في غير موضع (٤). والمرض، والسقَم، والوَجع، والألم، نظائر في المعنى.

стр. 153

وفعله مرِض يمرَض - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - مرضًا. وأصل المرض: الضعف والفتور، قال أهل التأويل: فسمي الشك في الدين مرضًا ونفاقًا، لأنه يُضعف الدينَ واليقينَ، كالمرض الذي يُضعف البدنَ ويُنقص قواه، ولأنه يؤدي إلى الهلاك بالعذاب، كما أن المرض في البدن يؤدي إلى الهلاك بالموت (١). وقرئ: (مَرْضٌ) بسكون الراء (٢)، وهما لغتان، كالحلَب والحلْب، والطرَد والطرْد. فإن قلت: هل يجوز أن يكون مخففًا من مَرَضٍ كما قالوا: سَلْفٌ في سَلَف. قلت: أَبَى ذلك الأكابر لخفة الفتحة، وإنما ذلك في المكسور، كفخِذٍ وكتِفٍ، والمضموم: كَطُنُب وعَضُدٍ، وهو مُطَّرِدٌ في كلام القوم. وأما ما جاء عنهم من ذلك في المفتوح نحو: سلْفَ في سَلَف، فشاذٌّ لا يقاس عليه (٣). ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ زاد: فعل يكون لازمًا، تقول: زاد الشيءُ يزيد زيدًا وزيادة، أي: ازداد، ومنه قول الشاعر: ٤٦ - وأَنتُمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ على مِائةٍ ... فأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فكيدُوني (٤) أي: معشرٌ زيادةٌ على مائة. ويكون متعديًا إلى مفعولين، تقول: زاده

стр. 154

اللهُ خيرًا، وزدته درهمًا، و ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ فعداه إلى مفعولين كما ترى. ومعنى زيادة الله إياهم مرضًا: أنهم كانوا شاكين في المُنُزَلِ قبل القرآن، فزادهم شكًّا ونفاقًا بإنزال القرآن، على ما فُسِّر المرض هنا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿عَذَابٌ﴾ رَفْعٌ بالابتداء أو بالظرف، و ﴿أَلِيمٌ﴾: نعت للعذاب، وهو فَعِيل بمعنى مُفْعِل، لأنه من آلمه يؤلمه إيلامًا، فهو مُؤلم، كما تقول: أوجعه يوجعه إيجاعًا، فهو مُوجع. والأليم والمؤلم، كالوجيع والموجع، وفعيل بمعنى مفعل كثير في كلام القوم، وفي التنزيل أيضًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، أي: مبدعهما، لأنه من أبدع، ومنه مكان حَرِيزٌ، أي: مُحْرِزٌ، وفلان حكيم، أي: مُحْكِم. و ﴿أَلِيمٌ﴾ يُجمَع على إِلام وعلى أُلَمَاء، ككريم وكِرام وكُرماء (٢). (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ): الباء متعلقة بمحذوف، لكونها في موضع الصفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، و (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، أي: عذاب أليم مستقر أو ثابت، أو كائن بتكذيبهم أو بكذبهم، على قدر القراءتين (٣). و(يُكَذِّبوُنَ): في موضع نصب بأنها خبر كان. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون الباء متعلقة بنفس ﴿أَلِيمٌ﴾؟ قلتُ: قد جوز ذلك. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون صلة (ما كانوا) دون (يُكَذِّبوُنَ)، كأنه قيل: ولهم عذاب أليم بكونهم مكذِّبين؟ قلت: لا يجوز ذلك، لأن كان هنا هي الناقصة، والناقصة قد جُرِّدت للدلالة على الزمان، وعريت من الحدث،

стр. 155

وعوضت الخبر، فلذلك لم يُسكتْ على اسمها دون خبرها، فإذا جعلتَ صلتها ﴿كَانُوا﴾ دون (يُكَذِبوُنَ) كنتَ جامعًا بين العَوَضِ والمُعَوَّض، وذلك لا يجوز في حال السعة والاختيار مع استعمالك ما رفضوه. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون كان هنا مزيدة؟ قلتُ: لا يجوز ذلك، لأن المزيدة تقع حشوًا أو آخرًا، وها هنا واقعة أولًا، أعني قبل اسمها. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون (ما) موصولة، ويكون العائد محذوفًا، كأنه قيل: بالذي كانوا يكذّبونه؟ قلتُ: لا يمتنع ذلك، غير أن كونها مصدرية أولى؛ لأنها إذا كانت مصدرية لم تحتج إلى حذف وإضمارٍ. والكذب: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وفي الحديث: "إياكم والكذبَ فإنه مُجانِبٌ للإيمان" (١)، ونقيضه الصدق، والتكذيب: نسبة المخبِر إلى الكذب. والكذب، والباطل، والفاسد، نظائر في المعنى. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، فيه معنى الشرط، في موضع نصب، وفي ناصبه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: جوابه وهو ﴿قَالُوا﴾، لأنه ليس بشرطٍ محضٍ. والثاني: فعل مضمر يدل عليه ﴿قَالُوا﴾، لأن ﴿إِذَا﴾ فيه معنى الشرط، وجوابه ﴿قَالُوا﴾، والجواب لا يعمل فيما قبله من الشرط، لئلا يختلط معنى الشرط بمعنى الجواب. والثالث: ﴿قِيلَ﴾، وهو سهو، لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.

стр. 156

وأصل ﴿قِيلَ﴾: قُوِلَ، فاستثقلت الحركة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد حذف حركتها، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهذا أصل مطرد في كل ما اعتلت عينه من الأفعال. ويجوز إشمام الفاءِ الضمَّ مع بقاء العين ساكنة تنبيهًا على الأصل، ومنهم من يقول: قُوْلَ، فيضم على أصلها، فتبقى الواو على حالها، وكذلك ما كان عينه ياء تقلب الياء فيه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها (١). قال أبو علي: والأصل في هذه اللغات الثلاث كسر الفاء، والأخريان داخلتان عليها (٢). وأجاز الأخفش: (قُيْل) بضم القاف مع بقاء الياء ساكنة، لأن كليهما عارض (٣). فإن قلتَ: ﴿قِيلَ﴾ مسند إلى ماذا؟ قلت: إلى معنى قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول، أو هذا الكلام، لأن القول يعمل في المقولات. فإن قلت: ما منعك أن تسنده إلى ﴿لَهُمْ﴾ كما زعم بعضهم (٤)؟ قلت: منعني عدم الفائدة فيهما (٥). فإن قلت: ما حملك أن أسندته إلى معنى قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ دون لفظه؟ قلت: لأن الفعل خبر، وإسناد الخبر إلى الخبر نقضٌ للعادة، ودفعٌ للمشاهدة لعدم الفائدة، وأيضًا فإن ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ جملة، والجملة لا تكون فاعلةً، وإذا لم تكن فاعلة لم تقم مقام الفاعل.

стр. 157

و ﴿لَهُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿قِيلَ﴾، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة بـ ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾، وكلاهما في موضع نصب. فإن قلت: على أي شيء عُطف ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؟ قلت: على (يُكَذِّبوُنَ)، وقد جُوِّزَ أن يعطف على ﴿يَقُولُ آمَنَّا﴾ (١)، لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، لكان صحيحًا. والمعنى: لا تفسدوا في الأرض بالكفر والمعصية وبصدِّ الناس عن الإيمان بالمُنزَل والمُنزَل عليه، ﵊. والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ للمنافقين، وقيل: لليهود (٢). والناهون: المؤمنون. والفسادُ: تغيرُ الشيء عن حال استقامته، ونقيضُه: الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. ﴿إِنَّمَا﴾: (ما) كافة لإنَّ عن عملها، و ﴿إِنَّمَا﴾ لحصر الحكم على شيء، كقولك: إنما يَرْحَمُ اللهُ، أو لحصر الشيء على حكم، كقولك: إنما زيدٌ كاتبٌ، أي: ليس فيه من الفضيلة التي تنسب إليه له موى الكتابة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣) لأنهم طلبوا منه ما لا يقدر عليه البشر، فأثبت لنفسه صفة البشر، ونَفَى عنه ما عداها. و﴿نَحْنُ﴾: اسم مضمر منفصل مبني على الضم، يقع على الواحد الجليل القَدْر، والاثنين والجماعة المخبرين عن أنفسهم، وحركت النون لالتقاء الساكنين، وإنما حركت بالضم دون أختيه؛ لأن ﴿نَحْنُ﴾ ضمير مرفوع

стр. 158

للمتكلم، فأَشبهتِ التاءَ في فَعَلْتُ. وقيل: لأنه ضمير الجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضم من جنس الواو، فلما احتِيج إلى حركته لالتقاء الساكنين حركوه بما يكون للجماعة. وقيل: الأصل (نَحُنْ) نقلت حركة الحاء إلى النون. وهو في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مُصْلِحُونَ﴾ خبره. وفي معناه وجهان: أحدهما: أنهم يظهرون الإصلاح وهم فيه كاذبون. والثاني: أن إفسادهم عندهم إصلاح (١). ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾: قوله : ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ (ألا): تنبيه تدخل على كل كلام مكتف بنفسه، مستغنٍ عن غيره، نحو: ألا إنه زيد منطلق، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (٢). ونظيره: أما تسمع؟ أما ترى؟ وهي مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا، كقوله : ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ (٣). ويكون ما بعدها مستأنفًا، ولهذا كُسرت (إنَّ) بعدها. وقد جوز أن يكون معناها حقًّا، وتفتح (أنَّ) بعدها كما تفتح بعد حقًّا في قولك: حقًّا أنك ذاهب (٤)، والهاء والميم اسم إن. و ﴿هُمْ﴾: مبتدأ،

стр. 159

و ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ خبره، والجملة خبر إنّ، ولك أن تجعل ﴿هُمْ﴾ توكيدًا لاسم إنّ، فيكون في موضع نصب، أو فصلًا لا موضع لها، من الإعراب، و ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ الخبر. وضم الميم في ﴿هُمْ﴾ لالتقاء الساكنين بالرد إلى الأصل، وأجاز الفراء الكسر على أصل التقاء الساكنين. واللام في قوله: ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ للعهد، لتقدم ذكرهم في قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: (لكن) معناها الاستدراك بعد النفي، كقولك: ما جاءني زيد لكنْ عمرو، وتكون للخروج من قصة إلى قصة أخرى، كقولك: جاءني زيد لكن عمرو لم يأت. فقولك: عمرو لم يأت، جملة منفية، وما قبل لكن جملة مثبتة، فهي لا تخلو من النفي، إما قبلها وإما بعدها، فلما قيل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ سبق إلى الوهم أنهم يفص لمون ذلك من حيث يشعرون، فلذلك قيل: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يشعرون أن الله تعالى يُطْلِعُ رسولَه ﵊ على إفسادهم، أو ما أعد الله لهم من العذاب. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾: قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: أي: قيل لهم هذا القول، وقد ذكرت قبيل (١). ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: الكاف في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، أي: إيمانًا مثل إيمان الناس، ومثله ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، و (ما) فيهما مصدرية، كما في: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ (٢).

стр. 160

وقد جوز أن تكون اللام في ﴿النَّاسِ﴾ للعهد، أي: كما آمن رسول الله ﷺ ومن معه، وهم ناس معهودون، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ (١). أو عبد الله بن سلام وأشياعه (٢)، لأنهم من جِلْدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم. وأن تكون للجنس، أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية. أو جُعِل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومَن عداهم كالبهائم في فَقْدِ التمييز بين الحق والباطل (٣). وكذلك اللام في، ﴿السُّفَهَاءُ﴾ تحتمل الوجهين. ويجوز في ﴿هُمُ﴾ الأوجه الثلاثة المذكورة في ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كذلك. وسفهاءُ: جمع سفيه، كفقيه وفقهاء، وحكيم وحكماء. والسَّفَه والطيش بمعنىً. وأصلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، يقال: ثوبٌ سَفِيهٌ، إذا كان خفيفًا باليًا، وهو في الناس: خفة الحلم، عن الزجاج وغيره (٤). ويجوز في قوله: ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾ أربعة أوجه: تحقيق الهمزتين وهو الأصل. وقلب الثانية واوًا كراهة اجتماعهما (٥). وتخفيف الأولى بين بين - بين الهمزة والواو على مذاق العربية - مع تحقيق الثانية.

стр. 161

وتخفيف الأولى مع قلب الثانية واوًا، وهو أضعفهنَّ، فاعرفه (١). ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ قوله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. (لقوا): أصله لَقِيُوا، استثقلت الضمةُ على الياء، فنقلت إلى القاف بعد حذف - حركتها، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع بعدها. وقيل: بل حذفت كحركة الياء حذفًا وضُمّت القاف لِتَثْبُتَ الواو. والعرب تقول: لَقِيتُ فلانًا ولاقيته. وقرئ: (لاقَوُا الذين) (٢)، وأصله: (لاقيوا) فقلبت، الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت فتحة القاف تدل على الألف المحذوفة. وقيل: بل أسكنت الياء استخفافًا، ثم حذفت لما ذكرت (٣). فإن قلت: لم حذفت الواو في ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ﴾ من اللفظ حالة الوصل، وأثبتت في (لاقَوُا الذين)؟ قلت: حذفت في، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ﴾ لأن في الكلمة ما يدل عليها وهو ضَمُّ القاف، وأثبتت، في (لاقَوُا الذين) لأنه ليس فيها ما يدل عليها. فإن قلت: لم حُرِّكَتِ الواو من (لاقَوُا الذين) بالضم دون أختيه؟ قلت: لخمسة أوجهٍ أذكرهن عند قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ (٤) إن شاء الله.

стр. 162

واللقاء للشيء، والاجتماع معه، والحضور معه، نظائر في المعنى. ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: أصله (خَلَوُوا) فاستثقلت الحركة على الواو فحذفت، وحذفت الواو التي هي اللام لالتقاء الساكنين. وقيل: بل قلبت أَلِفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف كراهية اجتماع الساكنين، وبقيت الفتحة قبلها تدل عليها. وخلوتُ بفلان، وإليه، ومعه: إذا انفردتَ معه، غير أن خلوت به أكثر استعمالًا من خلوت إليه. فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمتَ، فلِمَ جيء هنا بإلى دون الباء؟ قلتُ: قيل: إنما جيء بإلى دون الباء هنا ليدل الكلام على معنى الابتداء والانتهاء، لأن أول لقائهم كان للمؤمنين، ثم لرؤسائهم، كأنه قيل: وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم (١). وقيل: ﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)، أي مع الله، ومنه قول الشاعر: ٤٧ - إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبني رِضَاها (٣)

стр. 163

أي: عنّي، والأول أمتن، لبقاء (إلى) على بابها (١). ولك أن تجعل (خلا) بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، أي: مضوا إلى شياطينهم، وقد مضى الكلام على الشيطان واشتقاقه ووزنه في الاستعاذة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: ﴿إِنَّا﴾ إنّ واسمها، والظرف الذي هو ﴿مَعَكُمْ﴾ خبرها، وقد أُجيز فيه إسكان العين (٢). والأصل في ﴿إِنَّا﴾ إنَّنا بثلاث نونات، ثم حذفت إحداهن كراهية اجتماع الأمثال، والمحذوفة هي الوسطى، بدلالة قوله تعالى: (وَإِنْ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفيَنَّهُمْ) (٣) على قراءة من خفف النون (٤)، وقد أتى على الأصل والتمام في نحو قوله : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٥). ومعنى قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: الاستهزاء: السخرية والاستخفاف. ويجوز في ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ونحوه خمسةُ أوجهٍ: تحقيق همزته وهو الأصل. وتخفيفها بين بين على مذاق العربية، وهو المختار بعد الأول (٦).

стр. 164

وقلبها ياء خالصة، لانكسار ما قبلها، وهو في المرتبة دون الثاني (١). وحذفها مع ضم الزاي (٢). وحذفها مع إبقاء الزاي على حركتها (٣)، وكلاهما ضعيف لما في أحدهما من الحذف والنقل، أو الحذف والتغيير، كالقاضون والغازون، وفي الآخر إلى ما لا يوجد في كلام القوم، وهو واو ساكنة قبلها كسرة، فاعرفه، فإنّ فيه أَدْنى غُموض. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾: قوله : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. (الله يستهزئ بهم): أي يجازيهم جزاءَ استهزائهم، وسمي جزاء الاستهزاء باسمه، لأنه مثله في الصورة، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٥). والعرب تسمي الشيء باسم الجزاء عليه، على طريق التشاكل والازدواج (٦). قيل: وإنما قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ولم يقل: مستهزئٌ بهم، لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتَجَدُّدَهُ وقتًا بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم، على ما فُسِّرَ (٧). ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: عطف على ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾. متعلق بـ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، ولك أن تعلقه بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾.

стр. 165

و ﴿يَعْمَهُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾. ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يتركهم ويطيل لهم، من مَدَّ الجيشَ، وأمدَّه: إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مَدَّ الدواةَ وأمدها: زادها ما يصلحها. والطغيان: مصدر قولك: طغَا فلان يطغَا بالفتح فيهما، ويطغو أيضًا، وطَغِيَ يَطْغَى أيضًا، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، إذا جاوز الحد، وكلُّ مجاوزٍ حدّه في العصيان طاغٍ. والطُغْيان، والطُغْوان، والطغوى: مصادرُ بمعنىً. وحُكي كسر الطاء في الطِّغيان، وبه قرأ بعضهم (١)، وهما لغتان بمعنىً، كاللُّقيان واللِّقيان فاعرفه. والطُّغيان، والعتُوُّ، والبغيُ، والاستعلاء، والتطاول، نظائر في المعنى. والعَمَهُ: مثل العَمَى، إلا أن العَمَى عامٌّ في البصر والرأي، والعَمَهُ في الرأي خاصة، وهو التحير والتردد لا يَدري أين يتوجه. يقال: عَمِه الرجل يَعْمَهُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، عَمَهًا وعموهًا وعَمَهانًا، فهو عامِهٌ وعَمِهٌ، إذا تحير، والجمع: عُمَّهٌ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾: (أولئك): رفع بالابتداء، و ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، و ﴿بِالْهُدَى﴾: تمام الصلة. وأصلُ ﴿اشْتَرَوُا﴾: اشْتَرَيُوا، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، وبقيت فتحة الراء قبلها تدل عليها. وقيل: بل أسكنت الياء تخفيفًا، ثم حذفت لما ذكرت آنفًا،

стр. 166

وَحُرِّكَتِ الواو لالتقاء الساكنين بالضمِّ وهو الأشيع، وبالكسر على أصل التقاء الساكنين، وبالفتح للتعديل، وقد قرئ بهن (١). فإن قلتَ: لم كان الضم فيها الأشيع؟ قلت: لأنها واو جَمْعٍ، فأرادوا الفرق بينها وبين واو (أو) و (لو)، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٢). وقيل: لأن الضم هنا أخف من الكسر، لأنه من الواو، عن ابن كيسان (٣). وقيل: حُرِّكت بحركة الياء المحذوفة، عن الفراء (٤). وقال الزجاج: اختير لها الضم، لأنها واو جمعٍ، فضُمَّتْ كما ضُمَّت النون في (نحنُ) (٥)، وقيل: ضمت لأنها ضمير فاعلٍ، فهي كالتاء في فعلتُ (٦). وقد أجيز همزُها لانضمامها، على إجراء غير اللازم مُجرى اللازم (٧). ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه، واستبدالها به، على

стр. 167

سبيل الاستعارة، لأن الاشتراء فيه إعطاءُ بَدَلٍ، وأخذ آخر. والقوم - أخزاهم الله - إنما تركوا الهدى وآثروا الضلالة عليه. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: أي فما ربحوا في تجارتهم، لأن التجارة لا تربح وإنما يُربح فيها ويُخسر فيها. قال أبو إسحاق: والعرب تقول: قد خسر بيعك، وربحت تجارتك، يريدون بذلك الاختصار وسعة الكلام (١). وقريء: (تجاراتهم) على الجمع (٢)، لاختلاف أنواعها، كما جُمع الظنُّ في قوله جل ذكره: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٣) لذلك، وهو مصدر قولك: تَجَرَ فلانٌ يتجُرُ بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر تَجْرًا وتجارةً بمعنىً، فعرفه. والتجارة: صناعة التاجر الذي يبيع ويشتري للربح. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في اشترائهم الضلالة بالهدى. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾: قوله : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي﴾. ﴿مَثَلُهُمْ﴾: رفعٌ بالابتداء، ﴿كَمَثَلِ﴾: خبره، الكاف متعلقة بمعنى الاستترار إن جعلتها حرفًا، وإلا فلا. والمَثَلُ والمِثْلُ بمعنىً، وهو النظير، يقال: مِثْلٌ ومَثَلٌ ومَثِيلٌ، كشِبْهٍ وشَبَهٍ وشَبيهٍ. و﴿الَّذِي﴾: هنا بمنزلة (مَن) و (ما) ولهذا أُفْرِدَ الضميرُ في قوله: ﴿مَا

стр. 168

حَوْلَهُ﴾ على اللفظ، ثم جمع في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ على المعنى، كما يُفعل بمن وما (١). وقيل: ﴿الَّذِي﴾ هنا وُضع موضع الذين (٢)، وحذفت النون منه لطول الكلام بالصلة، كما حذفت في قوله: ٤٨ - أبني كُلَيبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللذا ... قَتَلا الملوكَ وفَكَّكَا الأَغْلالَ (٣) و﴿اسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى أوقد، ومثله استجاب بمعنى أجاب، لأن [معنى] (٤) استجاب: طلب الإجابة بقصده لها. وأجاب: أوقع الإجابة بفعلها، وكلاهما واحد، قال الشاعر: ٤٩ - وَدَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُحِيبُ (٥) أي: فلم يجبه، وكذا استقر بمعنى قر، وقيل: استفعل لا يكون بمعنى أفعل، كما لا يكون استعلم بمعنى أعلم، ولكن استوقد بمعنى استدعى الإيقاد (٦). ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: (لمّا) هنا اسم للوقت بمعنى حين، ويليها الفعل الماضي، فإذا وليها الفعل الماضي اقتضت جوابًا، وجوابها عاملها، تقول: لما جئْتَ جئتُ، بمنزلة: حين جئتَ جئتُ.

стр. 169

﴿أَضَاءَتْ﴾: يقال: أضاءت النار وضاءت لغتان بمعنىً، إذا كثر نورها، والإضاءة فرط الإنارة وأضاءت تكون متعدية، تقول: أضاءتِ الشمسُ البقعةَ، وأضاءَ القمرُ الدارَ، ومنه قول الفرزدق (١): ٥٠ - أَعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيسٍ لَعلَّمَا ... أَضَاءتْ لَكَ النارُ الحِمَارَ المُقيَّدا (٢) فعدّاه كما ترى. وهنا يجوز أن يكون متعديًا ولازمًا. ﴿مَا حَوْلَهُ﴾: (ما) موصولة، و ﴿حَوْلَهُ﴾ ظرف فكان، وهو صلة ﴿مَا﴾ متعلق بمحذوف، و ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿أَضَاءَتْ﴾، أي: أضاءت النار الذي استقر حوله من الأمكنة. والضمير في ﴿حَوْلَهُ﴾ للمستوقد. ويجوز أن يكون ﴿مَا﴾ في موضع رفع بإسناد الفعل إليه، تعضده قراءةُ مَن قرأ: (فلما ضاءت ما حوله)، وهما ابنُ أبي عَبْلَةَ، وابنُ السُّمَيْفِع (٣)، والتأنيث في ﴿أَضَاءَتْ﴾ للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد بِقاع وأماكن. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾، نكرة موصوفة و ﴿حَوْلَهُ﴾ صفة لها في موضع نصب أو رفع على الوجهين، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مزيدة و ﴿حَوْلَهُ﴾ نصب بـ ﴿أَضَاءَتْ﴾. وقيل: في جواب (لما) وجهان: أحدهما: أن جوابه ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، وإنما جُمع الضميرُ بعد الإفراد في قوله: ﴿حَوْلَهُ﴾ حملًا على المعنى، لأن المستوقد لا يراد به واحد.

стр. 170

والثاني: أنه محذوف، كما حذف في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ (١)، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خَمَدَتْ فبقوا خَابِطِينَ في ظلام متحيِّرين، متحسرين على فَوْتِ الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار، ويكون ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ على هذا كلامًا مستأنفًا، والضمير على هذا في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ للمنافقين (٢). والباء في ﴿بِنُورِهِمْ﴾ للتعدية، ألا ترى أنه أوصل الذّهاب إلى المفعول، كما تفعل الهمزة في نحو: أذهبتُ زيدًا، إلا أنه لما أتى بعد الفعل دخل على الاسم، فكان له فيه عمل وهو الجرّ، والهمزة لمَّا دخلت على صدر الفعل ولم تتصل بالاسم لم يكن لها عمل، فنصب الفعلُ الاسمَ، فالباء في ذهبتُ بزيدٍ، جزء من الفعل، وداخل في جملته من وجهٍ؛ لأنه أوصله إلى زيدٍ، وأوقعه عليه في المعنى، ومُتصلٌ بالاسم من وجهٍ آخرَ، وهو أنه داخل عليه [لفظًا، والهمزة من جملة الفعل] (٣) لفظًا ومعنىً. واعلم أنك إذا قلت: ذهبتُ بزيد، كان على وجهين. أحدهما: أن تريدَ أنك صاحبته. والثاني: ألَّا تكون صاحبته، ويكون المعنى: أنك نحيته وأزلته، بمنزلة الهمزة إذا قلت: أذهبتُ زيدًا، فاعرفه. ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾: معطوف على ﴿ذَهَبَ﴾، وترك على معنيين: أحدهما: أن يكون بمعنى طرح وخَلَّى، فيتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو الهاء والميم في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾. و﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ يتعلق بترك على أنه ظرف، ويجوز أن يكون حالًا من الهاء والميم فيتعلق بمحذوف، أي: تركهم كائنين، أو مستقرين في ظلمات.

стр. 171

والثاني: أن يكون بمعنى صيَّر، فيجري مجرى أفعال القلوب، فيتعدى إلى مفعولَين، فيكون المفعول الثاني ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾، [كأنه قيل: هم في ظلمات] (١)، ثم دخل ﴿تَرَكَ﴾ فنصب الجزأين، فـ ﴿فِي﴾ لا على هذا أيضًا يتعلق بمحذوفٍ. و﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أي: تركهم غير مبصرين شيئًا. وقيل: مفعوله من قبيل المتروك المُطَّرَحِ الذي لا يُلْتفتُ إلى إخطاره (٢) بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعدٍ أصلًا، نحو: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). وجُوّز أن يكون ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ هو المفعول الثاني لـ ﴿تَرَكَ﴾ على الوجه الثاني، و ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ ظرف يتعلق بـ (تركهم)، أو بـ ﴿يُبْصِرُونَ﴾، وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾، أو من المفعول الأول متعلقًا بمحذوف (٤). وظلمات: جمع ظلمة، والظلمة عدم النور، وقيل: اشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا؟ أي: ما منعك وشغلك؟ لأنها تسد البصر، وتمنع الرؤية، وفيها ثلاث لغات: ظُلُمات بضم اللام على الإتباع، وإنما حرك للفرق بين الاسم والصفة، فحرك الاسم لخفته، وسكِّن النعت لثقله، وظُلَمات بفتحها، وظُلْمات بتسكينها استثقالًا للضمة عليها، وقد قرئ بهن (٥).

стр. 172

قال ابن جني: وكل ذلك جائز حسن (١). ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾: قوله : ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (صم): خبر مبتدأ محذوف، أي: هم صم، و ﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: خبر بعد خبر، أي: هم صمٌّ عن الهدى فلا يسمعونه، بُكْمٌ عنه فلا يقولونه، عمي عنه فلا يبصرونه، على ما فُسِّر (٢). وقرئ: (صمًّا بُكْمًا عُمْيًا) بالنصب (٣) على الحال من الضمير في (تركهم)، أو في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾، أو على الذم، أو على: جَعَلَهم صمًا (٤). وصمٌ جَمْعُ أَصَمَّ، يقال: أصَمُّ وصُمٌّ وصُمَّانٌ، كما يقال: أَسْوَدُ وسُودٌ وسُودانٌ. وسبيل (أَفعَلَ) إذا كان صفة أن يُجمع على: فُعْلٍ، فإن كان اسمًا جُمع على: أفاعل، كأحمد وأحامد. ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ابتداء وخبر، وهو كلام مستأنف، وقيل: في موضع نصب على الحال، وهو من الضمير في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ (٥)، وهو سهوٌ، لأن ما بعد الفاء لا يكون حالًا، لأن الفاء وُضع في الأمر العام للترتيب، والحال عارٍ من الترتيب (٦).

стр. 173

ورَجَعَ فعل لازم، ومصدره رجوع، ومتعدٍ ومصدره رَجْعٌ، أي: فهم لا يرجعون إلى الحق، أو لا يَردُّون جوابًا إن جعلته متعديًا، كقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (١). والرجوع عن الشيء، والارتداد عنه، والانقلاب عنه، والزوال عنه، نظائر في اللغة، فاعرفه. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾: قوله : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا تحتمل أوجهًا: أن تكون للإباحة: على معنى أن المثالين سواء في استقلال كل واحد منهما بوجه التمثيل، فبأيهما مَثَّلْتَهم فأنت مصيب، وإن مثلتهم بهما جميعًا فكذلك، كما أنك إذا قلت: جالِسِ الحَسَنَ أو ابنَ سِيرينَ، معناه: أنهما سِيَّان في استصواب أن يُجالَسا أو أَحَدُهُما، ومنه قوله جل ذكره: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢) أي: الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، وذلك أن ﴿أَوْ﴾ في أصلها لِتَسَاوي شيئين أو الأشياء في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، فاعرفه. وأن تكون للتخيير: على معنى: أنت مخير فيهم، مَثِّلْهم بأي المثالين شئتَ، كما أنك إذا قلت: خذ درهمًا أو دينارًا، كان كذلك. وأن تكون للشك: على معنى: أن الناظر في حال هؤلاء المنافقين مُتَحَيِّزٌ في أمرهم، فلا يَدري بأي المثالين يمثلهم؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٣) أي: لو رآهم راءٍ لحار في مقدار عددهم.

стр. 174

وأن تكون للإبهام: على معنى: أن بعضهم يمثلهم بالمثال الأول، وبعضهم بالثاني. وأن تكون بمعنى الواو: كأنه قيل: مثَلُهم كمثل المستوقِدِ وكأصحاب صيِّبٍ (١). ومنع المحققون من أهل البصرة أن تكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، ولا بمعنى (بل) فاعرفه (٢). والكاف من ﴿كَصَيِّبٍ﴾ في موضع رفع عطفًا على الكاف في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾، لأنها خبر لقوله : ﴿مَثَلُهُمْ﴾. ولك أن تجعله خبر مبتدأ محذوف دل عليه المثل الأول، أي: أو مثلهم كمثل صيب. والصَّيِّبُ: المطر الذي يَصُوبُ، أي: ينزل ويقع، من قولك: صاب يصوب صوبًا، إذا انْحَدَرَ، وحدُّه الجاري من علٍ، وهو فَيْعِلٌ كسيّد وميّت، وأصله: صَيْوِب، ثم قلبت الواو ياء لاجتماعهما، وأحد الحرفين ساكن، وهو قياس مُطَّرِد تقدمت الواو أو تأخرت نحو: لويت عنقه لَيًّا، وأصله: لويًا، فقلبت وأدغمت لما ذكرت آنفًا. وزعم الكوفيون: أن أصله: صَوِيب، على فَعِيل، ثم أدغم، وهو سهو، لأنه لو كان كما زعموا لصحت الواو، كما صحت في طويل وعويل (٣). ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: (من) لابتداء الغاية متعلق بصيّب تعلق الجار

стр. 175

بالأفعال، فيكون في موضع نصب. ولك أن تعلقه بمحذوف على أنه صفة للصيّب فيكون في موضع جر. والهمزة في السماء بدل من ألف، والألف التي أُبدلت الهمزة عنها بَدَلٌ من الواو، وهذا مذهب الحذاق من النحويين. والسماء هذه المظلة، وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء أيضًا المطر، يقال: أصابهم سماء، أي مطر كثير، و "ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم" (١)، قال الشاعر: ٥١ - إذا سَقَطَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... ... ...................... (٢) فإن قلتَ: لم قلتَ: إن الألف التي أبدلت الهمزة عنها بدل من الواو دون الياء؟ قلتُ: لأنه من سما يسمو. ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: ظلمات: مرتفعة بالابتداء والظرف خبره، أو بالظرف على المذهبين، وهو الجيد لاعتماده على موصوف، وهو الصيب، والجملة في موضع جر على أنها صفة للصيّب، ولك أن تجعلها حالًا من المنوي في ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ على أحد الوجهين، والهاء في ﴿فِيهِ﴾ تعود على الصيب. والرعد: الصوت الذي يسمعِ من السحاب. والبرق: الذي يلمع من السحاب، مِن بَرَقَ الشيءُ يَبْرُق بَريقًا، إذا لمع. ﴿يَجْعَلُونَ﴾: في موضع جرٍّ على أنها صفة للمضروب بهم المثل، وهو ذَوُو صَيِّب، لأن تشبيه المنافقين بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق،

стр. 176

لا بنفس المطر، والتقدير: أو كذوي صيب جاعلين، ونظيره قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٢). وقد جُوّز أن تكون في موضع نصب على الحال من الهاء في ﴿فِيهِ﴾، والراجع على ذي الحال محذوف، والتقدير: من صواعقه (٣). وأن يكون مستأنفًا لا محل له من الإعراب، وذلك أنه لما ذُكر الرعد والبرق على ما يؤذِنُ بالشدة والهول، فكأن قائلًا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. ويجوز عندي وجه آخر، وهو أن يكون حالًا من المضروب بهم المثل، إذ حصل فيهم تخصيص [ما] (٤) بالإضافة، كما يحصل بالوصف فاعرفه (٥). والإِصْبَعُ مؤنثة وقد تُذَكّر (٦)، وفيها خمس لغات: أُصْبُعٌ بضم الهمزة والباء، وبفتحهما، وبكسرهما وبكسر الهمزة وفتح الباء، وبالعكس (٧). والأُذُنُ: الحاسة التي يُسمع بها، وهي مؤنثة، وقد تخفف وتثقل (٨).

стр. 177

﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْعَلُونَ﴾، أي: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم. والصواعق جمع صاعقة، والصاعقة: نار تسقط من السماء في رَعْدٍ شديد، عن أبي زيد (١)، يقال: صعقتهم السماء، إذا أَلْقَتْ عليهم الصاعقةَ، والصاعقة أيضًا: صيحة العذاب، ويقال أيضًا: صَعَقتْهُ الصاعقةُ، إذا أهلكته فصَعِقَ، أي: مات إما بشدة الصوت، أو بالإحراق. وقرئ: (من الصواقِع) بتقديم القاف (٢). وهي لغة تميم، عن أبي عمرو (٣). ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مفعول له، كقوله: ٥٢ - وأَغْفِرُ عَوراءَ الكريمِ ادَّخارَهُ ... ................... (٤) أي: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لحذر الموت، ثم حُذف الجار فوصل الفعل إلى المصدر فنصبه.

стр. 178

والحذر: الطلب للسلامة من المضرة. وقرئ: (حِذارَ الموت) (١). والحذَرُ مصدر حَذِرَ، والحِذارُ مصدر حاذَرَ. وقيل: انتصب على أنه مصدر، أي: يحذرون حَذَرًا، مثل حذر الموت (٢). ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: ابتداء وخبر، وهذه الجملة اعتراض لا محل لها من الإعراب. ومحيط: أصله (مُحْوِطٌ)، لأنه من حاط يحوط، فأُلقِيتْ كسرةُ الواو على الحاء، فانقلبت ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. والإحاطة بالشيء، والإطافة به، والإحداق به، نظائر في اللغة، ومعنى إحاطة الله بهم: أنهم لا يفوتونه. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾: قوله : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ (يكاد) أي: يقرب، والعرب تقول: كاد يفعل كذا، بغير (أن)، لكونه موضوعًا للمقاربة، و (أن) تُخَلِّصُ الفعلَ للاستقبال. وقد يُشَبَّه بعسى، فيقال: كاد أن يفعل، قال: ٥٣ - * قد كادَ مِن طُولِ البِلَى أن يَمْصَحَا (٣) * والأول أشهر وأفصح، وعليه الأكثر، فاعرفه، وهو إذا لم يصحبه

стр. 179

حرف نفي قارب الوقوع ولم يقع، كما في الآية، وإذا صحبه حرف نفي فهو واقع لا محالة، ولكنه بعد تأخُّرٍ، كقوله : ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) وعينه واو، وأصله: كَوِدَ، كخَوِفَ، يَكاد كَودًا ومكادةً، وحَكَى سيبويه عن بعض العرب: كُدتُ أفعلُ كذا، بضم الكاف (٢). و﴿الْبَرْقُ﴾: اسمه، و ﴿يَخْطَفُ﴾: في موضع نصب لكونه خبره، أي: قارب البرق خَطْفَ أبصارهم، والخَطْفُ: الأخذ بسرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ خَطْفًا. والجمهور على فتح الياء والطاء، وقرئ: (يخطِف) بكسر الطاء (٣)، على أن ماضيه خَطَف بفتح الطاء. والفتح في المستقبل أشيع وأعْلى. وقرئ أيضًا: (يَخَطِّف) بفتح الياء والخاء مع تشديد الطاء (٤)، وأصله: (يختطف) فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها طاءً، ثم ألقيت حركتها على الخاء. و: (يَخِطِّف) بكسر الخاء والطاء (٥)، ووجهه: أنه لما أسكن التاء للإدغام كسر الخاء لالتقاء الساكنين، واستغنى بحركتها عن نقل الحركة إليها. و: (يِخِطِّف) بكسر الياء والخاء على إتباع الياء الخاء (٦).

стр. 180

و: (يُخَطِّف) من خَطَّف، و (يَخْطّف) بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الطاء (١)، وهو ضعيف لما فيه من الجمع بين الساكنين على غير حَدِّه، والمحققون من النحاة يعبرون عن نحو هذا بالاختلاس والإخفاء، ولا يجيزون إطلاق هذا اللفظ عليه (٢). وعن أُبيّ ﵁: (يَتَخَطَّفُ) (٣) من قوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٤). والاختطاف، والاستلاب، والانتزاع، نظائر في اللغة. ﴿كُلَّمَا﴾ كُل: حَرْفُ جملةٍ (٥) ضُمّ إلى (ما)، وهو اسم فيه معنى الشرط والجزاء، فصار أداةً للتكرار، وانتصب على الظرف لانضمام (ما) إليه، وعاملها جوابها وهو: ﴿مَشَوْا﴾، أي: متى ما أضاء لهم مشوا فيه، ولا يعمل فيها ﴿أَضَاءَ﴾، لأنها ليست بشرط محض. و﴿أَضَاءَ﴾: متعدٍ والمفعول محذوف، والتقدير: كلما نَوَّر لهم البرقُ مَمْشىً ومَسْلَكًا أخذوه ومشوا فيه. أي في ضوئه. ويجوز أن يكون غير مُتَعَدٍّ، والتقدير: كلما لمع لهم البرق مشوا في ضوئه. وتعضده قراءة من قرأ: (كلما ضاء لهم مشوا فيه) وهو ابن أبي عَبْلَة (٦)، فيكون كأَسْكَتَ وسكتَ، لغتان بمعنىً.
следующие страницы →