← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

دل عليه معنى اسم الله وهو المعبود، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١). و﴿يَعْلَمُ﴾: على هذا خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في المعبود، أو كلام مستأنف، كأنه قيل: هو يعلم سركم وجهركم. وأما على الوجه الأول: فيحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا ثالثًا. وعن أبي علي: أنه أَبَى أن يتعلق ﴿فِي﴾ باسم الله؛ لأنه صار بدخول الألف واللام والتغيير الذي دخله كالعَلَم، ولهذا قال جل ذكره: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢)، وقيل: إن ﴿فِي﴾ متعلقة بـ (يعلم) على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾، على معنى: يعلم سركم وجهركم فيهما، فهما ظرفان للعِلْمِ (٣). وعن الشيخ أبي علي: أن محل قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ النصب على الحال من السر والجهر، والعامل فيه محذوف، قال: ولا يجوز أن يتعلق بالسر نفسه؛ لأنه يصير من صلته، فلا يجوز تقدمه عليه، قال: ولا يكون هو ضمير القصة والشأن، كقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤)؛ لأنك حينئذ تفصل بين المبتدأ الذي هو اسم الله، وبين خبره الذي هو ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ بشيء ليس يتعلق بالمبتدأ ولا الخبر، إنما هو متعلق بمفعول الخبر، فيصير فصلًا بأجنبي. قلت: ويجوز أن يكون ﴿وَهُوَ﴾ ضمير الشأن، ويكون خبر اسم الله جل

стр. 1157

ذكره ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على التأويل المذكور قبيل. وقيل: اسم الله بدل من ﴿وَهُوَ﴾ والخبر ﴿يَعْلَمُ﴾ (١). وقيل: تمام الكلام ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ من صلة ﴿يَعْلَمُ﴾ (٢)، وليس بشيء؛ لأن الله تعالى معبود فيهما، بشهادة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٣)، وعالم بما فيهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤)، وإذا كان كذلك فلا وجه لاختصاص إحدى الصفتين بأحد الظرفين (٥)، تعالى الله جل وعز عن ذلك. وقوله: ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ تسمية للمفعول بالمصدر، كضرب الأمير، وخلق الله، يعضده: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٦) في غير موضع من التنزيل. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾: يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، وأن تكون مصدرية. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾: قوله : ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ مِن في ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي، وهو عامل لفظًا ومعنى، ويتغير بحذفه المعنى، كما يتغير اللفظ، وليس حذفه وثباته سواء، كما يزعم كثير من الناس، ولا يفرقون بين: ما جاءني من أحد، وبين: ما جاءني من

стр. 1158

رجل، وبينهما فرق عظيم، وذلك أن (مِن) في قولك: ما جاءني مِن أحد زائدة لفظًا ومعنى، وفي قولك: ما جاء من رجل زائدة لفظًا لا حكمًا، وهو معنى قول المحققين من النحاة: هو زائد من وجه، غير زائد من وجه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وفي ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ للتبعيض؛ لأن الأول خرج مخرج عموم الآيات، كأنه قيل: أيُّ آيةٍ أتتهم هي بعض آيات ربهم؟ فإن قلت: ما محل ﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؟ قلت: أما الأولى فمحلها الرفع على الفاعلية، وأما الثانية فصفة للأولى، وإن حملتها على اللفظ كان محلها الجَرَّ، وإن حملتها على الموضع كان محلها الرفع، ونظيرهما: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١)، وغيرِه. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾: قوله : ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ قيل: هو مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظمُ آيةٍ وأكبرها وهو الحق (٢). ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني القرآن المعجز، و ﴿لَمَّا﴾ ظرف لـ ﴿كَذَّبُوا﴾. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (ما) موصول، و ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: فسوف يأتيهم أنباء الشيء الذي كانوا يستهزئون به، وهو القرآن، أي أخباره وأحواله، بمعنى سيعلمون ما يؤول إليه أمرهم واستهزاؤهم. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ

стр. 1159

وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كم) هنا استفهام وموضعه نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ إما على أنه مفعول به، و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ هو المفسر له، وإما على أنه ظرف أو مصدر، و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ مفعول به لأهلكنا، ويكون المفسِّر محذوفًا وهو الزمان، أو المَرَّةُ، كأنه قيل: كم زمانًا، أو كم حينًا، أو كم مرة أهلكنا فيه قَرنًا. والقرن فيما ذكر أهل اللغة: أهل كل عصر واحدٍ، مأخوذ من اقترانهم في العصر، قال الشاعر: ١٩٤ - إذا ذهب القرنُ الذي أنتَ فيهمِ ... وخُلِّفتَ في قَرْنٍ فأنتَ غريبُ (١) ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَرَوْا﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، من أجل أن له صَدْرَ الكلام. وقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع النعت لـ ﴿قَرْنٍ﴾، وإنما جُمع حملًا على المعنى، إذ المراد بالقرن الجِنْسُ، والجنس: جمع في المعنى. وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصوفًا، وأن يكون موصولًا، أي: تمكينًا، أو التمكين الذي لم نمكنه لكم، وفي الكلام حذف مضاف وهو الزمان، أي مدة ذلك. فإن قلت: ما الفرق بين مكّن له في الأرض، وبين مكنه فيها؟ قلت: قيل: مكن له في الأرض، إذا جعل له مكانًا، ومنه قوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ (٣)، وأما مَكَّنْتُهُ في الأرض: فأثبته فيها،

стр. 1160

ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (١)، ولتقارب المعنيين جُمع بينهما في قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (٢). فإن قلت: هل يجوز أن يكون (ما) في قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ﴾ مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿مَكَّنَّا﴾ على تضمين مكنا معنى أعطينا؟ قلت: نعم قد جوز ذلك (٣). والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمودًا (٤) وغيرهم من البَسْطَةِ في الأجسام، والسعة في الأموال، وغير ذلك. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ السماء هنا يحتمل أن تكون المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب، وأن تكون السحاب، وأن تكون المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم (٥). قال الشاعر: ١٩٥ - إذا سَقَطَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانُوا غِضَابَا (٦) وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٧). و﴿مِدْرَارًا﴾: نصب على الحال من ﴿السَّمَاءَ﴾، والمدرار: المغزار، ومفعال من أسماء المبالغة، يقال: دِيمة مدرار، إذا كان مطرها غزيرًا، كقولهم: امرأة مذكار، إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، وكذلك مئناث في الإِناث (٨).

стр. 1161

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ جعل هنا يحتمل أن يكون بمعنى صير، فيتعدى إلى مفعولين وهما ﴿الْأَنْهَارَ﴾ و ﴿تَجْرِي﴾، وأن يكون بمعنى أنشأ فيتعدى إلى مفعول واحد وهو ﴿الْأَنْهَارَ﴾، و ﴿تَجْرِي﴾ حال منها. وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿تَجْرِي﴾، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿تَجْرِي﴾، أي: وهي من تحتهم، ولك أن تجعل ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ هو المفعول الثاني لجعل على الوجه الأول، أو حالًا من ﴿الْأَنْهَارَ﴾ على الوجه الثاني، و ﴿تَجْرِي﴾ على هذا حال من المستكن في الظرف وهو ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، أي: وجعلنا الأنهار من تحتهم (١) جارية. وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (من بعدهم) من صلة قوله: ﴿أَنْشَأْنَا﴾. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ المراد بالكتاب هنا المكتوب (٢). والقِرطاس: الذي يكتب فيه (٣)، والقُرطاس بالضم مثله (٤)، وبه قرأ بعض القراء (٥). وقوله: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الصفة لكتاب، وأن يكون متعلقًا به، كقولك: زيد مضروب في الدار.

стр. 1162

وقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ الضمير في لمسوه للقرطاس، واللمْسُ: المَسُّ باليد، وقد لَمَسَهُ يَلْمُسُهُ ويَلْمِسُهُ (١). قيل: وهذا جواب لقولهم: حتى تنزل كتابًا نقرؤه، وإنما لم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (٢)، ولا تبقى لهم علة (٣). وقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب لو. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ (لولا) هنا بمعنى هلّا، ولذلك وليها الفعل. والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ لرسول الله ﷺ . وقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، أي: لقضي أمر هلاكهم. ابن عباس ﵄: لو رأوا المَلَكَ على صورته لماتوا (٤). أبو إسحاق: ومعنى (قضى) على ضُروبٍ كُلِّها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه. فمنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ (٥) معناه حَتَمَ بذلك وأتمه، ومنه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٦) معناه: أمر، إلّا أنه أَمْرٌ قاطع حَتْمٌ، ومنه الإِعلام، وهو قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧)، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه الفصل في الحكم، وهو قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٨)، أي: لفصل بينهم، ومنه قوله: قد

стр. 1163

قضى فلان دينه، أي: قد قطع ما لغريمه عليه وأداه إليه، فقطع ما بينه وبينه، وكل ما أُحكم فقد قُضي، تقول: قد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمتها. قال الشاعر: ١٩٦ - وَعَلَيهِما مسرودتانِ قَضاهما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابغِ تُبَّعُ (١) انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخَّرون بعد نزوله طرفة عين، إجراء على دأب من قبلهم ممن اقترح الآيات على أنبيائهم، ثم لم يؤمنوا بها بعد نزولها. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الضمير مفعول أول، و ﴿مَلَكًا﴾ ثان، والضمير للرسول، أي: ولو جعلنا الرسول مَلَكًا كما اقترحوا لجعلناه رجلًا، ولأرسلناه في صورة رجل من بني آدم، كما يَنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ في أعمّ الأحوال في صورة دِحْية (٣)، إذ لو رُئِيَ المَلَكُ على صورته لَصَعِقَ مَنْ يراه على ما فسر (٤). وقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿لَجَعَلْنَا﴾،

стр. 1164

و ﴿مَا﴾ موصول وهو مفعول لبسنا، أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أَمَلَكٌ هو أم آدمي؟ عن الضحاك (١). يقال: لَبَست عليه الأمرَ ألبِس بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر لَبْسًا، إذا خَلَطْتَه وأشكلتَه عليه، قيل: وأصله من التغطية والستر بالثوب ونحوه (٢). والجمهور على تخفيف الباء في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾، وقرئ: (وللبَّسنا عليهم ما يُلَبِّسون) بتشديدها (٣). والتلبيس كالتدليس والتخليط، شُدِّد للمبالغة. الجوهري: وتقول: رجل لَبَّاسٌ، ولا تقل مُلبِّسٌ (٤). وقرئ أيضًا: (ولَبَسْنا) بلام واحدة (٥) استغناء عنه بلام (لجعلنا). ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ اللام في ﴿وَلَقَدِ﴾ جواب لقسم محذوف. قيل: وهذا تسلية لرسول الله ﷺ عما كان يلقى من قومه (٦).

стр. 1165

وقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أصل حاق حَيَقَ، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، يقال: حاقَ به الشيءُ يَحِيقُ حَيْقًا، إذا أحاط به، وحاق بهم العذاب، أي: أحاط بهم ونزل. و(ما) في ﴿مَا كَانُوا﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، وفيه تقديران: أحدهما: فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به، وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. والثاني: فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به من العذاب وينكرونه. وأن يكون بمعنى المصدر، أي: فأحاط بهم عاقبة استهزائهم (١). وهو في كلا الوجهين فاعل حاق. وقيل: أصل حاق حقَّ، بمعنى: حق بهم المكروه الذي تقدم الخبر به، فقلب إحدى القافين ياء، وهي الأولى، كما قيل: تَظَنَّيْتُ، وأصله: تظننت. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن الهاء والميم ترجعان على الرسل وعليه المعنى. والثاني: أنهما ترجعان على الذين سخروا. فمنهم على الوجه الأول: متعلق بسخروا، وعلى الوجه الثاني: حال من الواو في ﴿سَخِرُوا﴾، و ﴿بِهِ﴾ متعلق بيستهزئون، والضمير في ﴿بِهِ﴾ راجع إلى ﴿مَا﴾. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾:

стр. 1166

قوله : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (كيف) في موضع نصب بخبر كان، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها. وإنما قيل: كان ولم يقل: كانت حملًا على المعنى؛ لأن العاقبة والمصير بمعنًى، كما أن الموعظة والوعظ كذلك؛ ولأن التأنيث غير حقيقي. الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ (١) وبين قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؟ قلت: جعل النظر مسببًا عن السير في قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، وأما قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح، انتهى كلامه (٢). ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾: قوله : ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ اللام في ﴿لِمَنْ﴾ لام المِلك, و (من) استفهام ومعناه التثبيت و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿لِمَنْ﴾. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو لله، لا خلاف بيننا في ذلك، يعضده: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ في غير موضع من التنزيل (٣).

стр. 1167

وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على ذاته، قال أبو إسحاق: تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم وإقدامهم على كبائر ما نهاهم عنه بأن أنظرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كَتْبُهُ الرحمةَ على نفسه (١). وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيه وجهان: أحدهفا: أنه مستأنف على معنى: ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه، ليجازيكم على ما صدر منكم من القول والفعل، كما تقول: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي: ضمصت بينهم في الجمع (٢). والثاني: محله النصب بكتب على أنه بدل من الرحمة مفسر لها بالإِمهال إلى يوم القيامة على ما ذكر الآن (٣). واللام فيه جواب قسم محذوف، و ﴿كَتَبَ﴾ واقع موقعه على هذا الوجه، وأما على الوجه الأول فلا. وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع على الابتداء، والخبر ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ودخلت الفاء لما في الذين من معنى الشرط، أو النصب على الذم، أو الجر على البدل من ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤)، أو على النعت لهم. ويجوز عندي وجه آخر، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا أنفسهم (٥)، وهو أحسن من الوجه الأول؛ لأن في الوجه الأول

стр. 1168

تأخير السبب وتقديم المُسَبَّبِ فاعرفه، والفاء على هذا للعطف. وزعم أبو الحسن: أن محله النصب على البدل من الكاف والميم في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ (١)، وأُنكر عليه من وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مشتمل على سائر الخلق، على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم، فلا وجه لاختصاصه بهم (٢). والثاني: أن ضمير المخاطب لا يُبْدَلُ منه غير مخاطَب، لا تقول: رأيتك زيدًا على البدل؛ لأن ضمير المخاطب في غاية الوضوح فلا حاجة إلى البدل منه (٣). ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾: قوله : ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾: ابتداء وخبر، و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، و ﴿مَا سَكَنَ﴾ من السُكْنَى، ولذلك عُدِّي بفي، كقوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٤). فإن قلت: على أي شيء عطف قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾؟ قلت: على (لله) في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ (٥) على معنى: أن ما استقر فيهما أيضًا لله جل ذكره، وإلى هذا ذهب ابن الأعرابي، قال: وله ما حل فيهما (٦). ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾:

стр. 1169

قوله : ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ الهمزة للاستفهام الذي معناه الإِنكار. و (غير) منصوب بقوله: ﴿أَتَّخِذُ﴾ على أنه مفعول أول، و ﴿وَلِيًّا﴾ الثاني، وإن شئت بالعكس، والأول أحسن لأجل إدخال همزة الاستفهام على (غير) دون الفعل الذي هو ﴿أَتَّخِذُ﴾. وقد جوز أن يكون ﴿أَتَّخِذُ﴾ هنا متعديًا إلى مفعول واحد وهو ولي (١)، فـ (غير) على هذا حال من ولي، وكان نعتًا له، فلما قدم عليه انتصب على الحال كقوله: ١٩٧ - لِعَزَة مُوحشًا طَلَلٌ قديمُ ... ................. (٢) والأول أظهر، وهو أن يكونا مفعولين. فإن قلت: لم أدخلت الهمزة على (غير) دون الفعل؟ قلت: قيل: لأن الإنكار في اتخاذ غير الله وليًا لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم لذلك، ونحوُهُ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾. ﴿آللَّهُ أَذِنَ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ الجمهور على جر ﴿فَاطِرِ﴾ على أنه صفة لله، أو بدل منه، وقرئ: بالنصب (٤) على المدح، أو على إضمار فعل تقديره: أَتْرُكُ فاطرَ السماوات والأرض؛ لأن قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ يدل على ترك الولاية له، وحَسُن إضماره لقوة هذه الدلالة، قاله الشيخ أبو علي (٥).

стр. 1170

وبالرفع: (١) على إضمار (هو). وليس قول من قال: من قرأ بالنصب جعله بدلًا من ولي، أو صفة له بمستقيم، لفساد المعنى (٢). والفاطر: الخالق، وعن ابن عباس ﵄: ما كنت أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي ابتدأتها (٣). وأصل الفطر: الشق، ومنه ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤) و ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٥). وقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ الجمهور على ضم الياء وكسر العين في الفعل الأول على البناء للفاعل، وعلى ضم الياء وفتح العين في الثاني على البناء للمفعول، على معنى: وهو يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، كقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٦)، يقال: طعِم فلان يطعَم بكسر العَين في الماضي وفتحها في الغابر طُعمًا، إذا أكل أو شرب. والدليل على أنه يستعمل فيهما قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٧)، وفي التنزيل: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٨) أي: أكلتم، وأطعمه غيره، والمستكن في الفعلين لله جل ذكره. وقرئ: (وهو يَطعَم) بفتح الياء وفتح العين، و (ولا يُطعِم) بضم الياء

стр. 1171

وكسر العين على البناء للفاعل فيهما (١)، والمستكن فيهما للولي الذي هو غير الله. وقرئ أيضًا: (هو يُطعَم) بضم الياء وفتح العين على البناء للمفعول، (ولا يُطعِم) بضم الياء وكسر العين على البناء للفاعل (٢)، والضمير فيهما لغير الله أيضًا. وقرئ أيضًا: (وهو يُطعِم ولا يُطعِم) بضم الياء وكسر العين فيهما على بنائهما للفاعل (٣)، والضمير فيهما لله سبحانه وفُسِّرَ على وجهين: أحدهما: بمعنى وهو يُطْعِم ولا يَستطعِم، يقال: أطعمت بمعنى استطعمت، عن الأزهري (٤)، وعكسه: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٥) أي: أوقد. والثاني: بمعنى وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على ما يرى من المصالح، كقولك: هو يعطي ويمنع، ويَبْسُطُ ويَقْدِر، ويُغني ويفقر (٦). وقرئ أيضًا: (وهو يُطعِم) بضم الياء وكسر العين (ولا يَطعَم) بفتح الياء وفتح العين على البناء للفاعل فيهما أيضًا (٧)، والمستكن فيهما أيضًا لله جل ذكره ومعناهما ظاهر.

стр. 1172

فإن قلت: لم خص الإطعام بالذكر دون غيره من الإنعام؟ قلت: قيل: لأن الحاجة إليه أشد (١). وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ (من) موصوف وما بعده صفته، أي: قيل لي: كن أول فريق أسلم من هذه الأمة؛ لأن رسولَ اللهِ ﷺ سابقُ أُمَّتِهِ في الإسلام، كقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾: أي وقيل لي: لا تكونن من المشركين، والمعنى: أمرت بالإِسلام ونهيت عن الشرك. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾: قوله : ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: إن عصيته فيما أُمرت به ونُهيت عنه. واختلف في محل قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ من الإِعراب على وجهين: أحدهما: لا محل له؛ لأنه اعتراض بين الفعل ومعموله، كالفصل بـ (هو) بين المبتدأ وخبره. والثاني: محله النصب على الحال، أي: إني أخاف عاصيًا ربي. وعلى الوجهين: جواب الشرط محذوف. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾: قوله : ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ (من) شرط ومحله الرفع على الابتداء والخبر فعل الشرط، أو الجواب. وقرئ: (من يُصرَف) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول، والقائم

стр. 1173

مَقام الفاعل مستكن في فعل الشرط وهو يعود إلى العذاب، أي: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد ﵀. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف ليصرف، أو للعذاب، ولك أن تقيم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مُقام الفاعل. وفي الكلام حذف مضاف وهو المصروف، وإنما حذف لكونه معلومًا وهو العذاب، أي: من يصرف عنه عذاب يومئذ فقد رحمه، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مبني على الفتح. وقرئ: (من يَصرِف) بفتح الياء وبكسر الراء على البناء، للفاعل (١) وهو الله جل ذكره، والمصروف إما العذاب، أي: من يصرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه، وإنما تُرك ذكر المصروف لكونه معلومًا أو مذكورًا قبله في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ﴾ (٢)، وإمّا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أي: من يصرف الله عنه ذلك اليوم، أي: عذابَه أو هولَه، فحذف المضاف. فإن قلت: أين الراجع إلى المبتدأ الذي هو (من)؟ قلت: الضمير في (عنه) وفي (رحمه). وقد جوز أن تكون (مَن) في موضع نصب بيصرف على قراءة من فتح الياء. والضمير في (عنه) للعذاب (٣)، على معنى: أي إنسان أو شخص يصرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه. والوجه هو الأول، وعليه الجمهور. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾:

стр. 1174

قوله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضرُّ بالضم: اسم جامع لكل ما يتضرر به الشخص من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، وبالفتح: المصدر. ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: (لا كاشف) في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَهُ﴾، ﴿إِلَّا هُوَ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من موضع لا كاشف، وأن يكون بدلًا من المستكن في ﴿لَهُ﴾، أي: فلا قادر على كشفه إلَّا هو. فإن قلت: هل يجوز أن ترفع: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ بكاشف، أو تبدل من المستكن فيه؟ قلت: لا، من أجل أنك في كلا الوجهين تُعمِل اسم لا، واسم لا متى أُعمل في ظاهرٍ نُوِّنَ (١). ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر. وأن يكون في موضع الحال من المستكن في القاهر، والعامل فيها ﴿الْقَاهِرُ﴾، أي: وهو القاهر مستعليًا. وأن يكون ظرفًا للقاهر على معنى: قد استعلى عليهم قهرُهُ. والقهر: العلو بالغلبة والقدرة. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ , ابتداء وخبر، و ﴿شَهَادَةً﴾ نصب على التمييز.

стр. 1175

ورد في التفسير أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : ائتنا بمن يشهد لك بأنك رسول الله، فنزلت (١). فإن قلت: فكان القياس على هذا أن يقول: قل أيُّ شهيد أكبر شهادة؟ قلت: أجل، الأمر كما زعمتَ، إلَّا أن الشيء لما كان أعمَّ العام لوقوعه على كل ما يصح أن يُعلم ويُخبر عنه وضع موضع شهيد ليبالغ بالتعميم. فإن قلت: أي فرق بين النصب والجر في ﴿شَهَادَةً﴾ وشبهها مما يأتي بعد أفعل الذي للتفضيل؟ قلت: الفرق بينهما أن أفعل إذا أضيف إلى شيء فهو بعضه، كقولك: وجهُكَ أحسنُ وجه، وإذا نصسب فليس المنصوب بعضًا له، كقولك: فلان أنظف ثوبًا، وكذلك الجر في الشهادة يوجب أن يكون المضاف ﴿شَهَادَةً﴾، وليس كذلك النصب، فاعرف الفرق، فإنه أصل يعتمد عليه. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الجلالة رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: محذوف تقديره: الله أكبر شهادة، وقد تم جواب ﴿أَيُّ﴾، ثم ابتدئ: ﴿شَهِيدٌ﴾ على: هو شهيد. والثاني: ﴿شَهِيدٌ﴾ على أن يكون ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ هو الجواب لدلالته على أن الله إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيءٍ شهادةً شهيدٌ له (٢). وقوله: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أعيد (بينكم) للتأكيد، كما تقول: هو بيني وبينك، والأصل بيننا. وبين هنا يحتمل أن يكون ظرفًا للشهيد، وأن يكون نعتًا له.

стр. 1176

وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ اللام في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿وَأُوحِيَ﴾، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن، و (مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ في موضع نصب عطفًا على ضمير المخاطبين في قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾. والمستكن في ﴿بَلَغَ﴾ للقرآن، على معنى: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، فحذفت الهاء من الصلة لطول الاسم بها. وقيل: من الثقلين، وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة (١). وقيل معناه: ومن بلغ الحلم (٢)، فالمستكن في ﴿بَلَغَ﴾ على هذا لـ ﴿وَمَنْ﴾، قال أبو جعفر: وهذا يدل على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا مُتَعَبَّد (٣). وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدًا ﷺ (٤). وقوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (هو) مبتدأ، وخبره ﴿إِلَهٌ﴾، و ﴿وَاحِدٌ﴾ نعته، و (ما) كافة لـ (إنَّ) عن عملها. وقيل: (ما) موصول في موضع نصب بـ (إنّ)، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول، و ﴿وَاحِدٌ﴾ خبر إن (٥). ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾:

стр. 1177

قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ تعود على رسول الله ﷺ ، على معنى: يعرفونه بحليته ونعته الثابت في الكتابين، كما يعرفون أبناءهم بحلاهم ونعوتهم. والكاف في ﴿كَمَا﴾: في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: يعرفونه معرفة مثل معرفتهم أبناءهم. أو على الكتاب، على معنى: يعرفون ما فيه، مما يدل على صدق رسول الله ﷺ وما جاء به. وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ محله الرفع على الابتداء، أو النصب على الذم، وقد ذكر نظيره قبيل (١). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ (من) استفهام في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم منه، و ﴿كَذِبًا﴾ نصب بـ ﴿افْتَرَى﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن والحديث. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ في ناصبه وجهان: أحدهما: محذوف تقديره: واذكر يوم نحشرهم، أو: واحذروا ذلك اليوم، أي: هوله، أو ويوم نحشرهم كان كيت وكيت. والثاني: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، على معنى: لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا

стр. 1178

يوم نحشرهم. و ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الهاء والميم. ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾: عطف على ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾. وقوله: ﴿كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لا أي: تزعمونهم شركاء، فحُذف المفعولان للعلم بهما. وقرئ: (ويوم يحشرهم)، (ثم يقول) بالياء فيهما النقط من تحته (١)، والمستكن فيهما لله جل ذكره لتقدم ذكره في قوله: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٢). ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: قرئ: (لم تكن) بالتاء النقط من فوقه، و (فتنتَهم) بالنصب (٣) على أنها خبر ﴿تَكُنْ﴾، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها، وإنما أنث ﴿تَكُنْ﴾ والاسم مذكر حملًا على المعنى؛ لأن أن وما بعدها في المعنى هو الفتنة، فأنث لذلك، أو لأن ﴿أَنْ قَالُوا﴾ في معنى المقالة، والمقالة مؤنثة. وقرئ: كذلك إلّا أنه بالياء النقط من تحته (٤)، وبالتاء النقط من فوقه مع رفع الفتنة (٥)، فالتذكير على اللفظ، والتأنيث على المعنى. وقريء: (واللهِ ربِّنا) بالجر (٦)، على النعت لاسم الله، و (ربَّنا)

стр. 1179

بالنصب (١)، على النداء، وقد اختيرت هذه القراءة لما فيها من معنى الاستكانة والتضرع (٢). ولك أن تنصبه على إضمار أعني، وقد جوز رفعه على إضمار هو (٣)، وهو معترِض بين القسم والمقسَم عليه، وجواب القسم ﴿مَا كُنَّا﴾. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ (كيف) نصب بكذبوا دون ﴿انْظُرْ﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ما) موصول مرفوع بضل، أي: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه، أي: يفترون ربوبيته وشفاعته. وقيل: ﴿مَا﴾ مصدرية بمعنى عَزَبَ عنهم افتراؤهم لدهشتهم وذهول عقلهم (٤). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (مَن) بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ الخبر، وأفرد المستكن في الفعل حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ دون معناه. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ (أكنة) جمع كنان، كأعنة في جمع عنان، والكنان الغطاء.

стр. 1180

وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مفعول له، أي: كراهة أن يفقهوه، و ﴿وَقْرًا﴾ عطف على قوله: ﴿أَكِنَّةً﴾، أي: وجعلنا في آذانهم وقرًا. والجمهور على فتح الواو في قوله: ﴿وَقْرًا﴾. وقرئ: (وِقرًا) بكسرها (١)، أما الوَقْر بالفتح: فهو الثِقْلُ في الأذن، يقال: وقِرتْ أذنه تَوْقَرُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر وَقْرًا، إذا صمّت. قيل: والوَقار مشتق منه، وهو الإمساك عن الطيش، والفعل منه وقر يقر وقارًا، إذا استقر وثقل في المجلس (٢). وأما الوِقْر بالكسر: فهو الحِمْلُ. قيل: وفعل الله بهم هذا مجازاة على كفرهم (٣). فإن قلت: لم جمع الأكنة، ووحد الوقر؟ قلت: لكونه مصدرًا، والمصدر بلفظه يقع على القليل والكثير. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ (حتى) هنا تحتمل أن تكون التي تقع بعدها الجمل، والجملة قوله: ﴿إِذَا جَاءُوكَ ... يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وأن تكون الجارة، فـ ﴿إِذَا جَاءُوكَ﴾ على هذا الوجه في محل الجر، وعامل ﴿إِذَا﴾ جوابها وهو ﴿يَقُولُ﴾، و ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ في موضع الحال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾. وقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ تفسير لمجادلتهم، عن الحسن (٤). والأساطير: جمعٌ لا أعرف في ذلك خلافًا بين أهل العربية، وإنما اختلفوا في واحده، فقيل: واحده أسطورة، كأضحوكة وأضاحيك، وأحدوثة

стр. 1181

وأحاديث، عن أبي الحسن (١). أبو عبيدة: واحدها إسطارةٌ (٢). وقيل: واحدها أسطارٌ (٣)، والأسطار جمع سطَر بتحريك الطاء، فالأساطير على هذا جمع الجمع، فأما سَطْرٌ بإسكان الطاء فجمعه في القلة أسطر، وفي الكثرة سُطور. وقيل: هو مثل عباديد، وأبابيل لا واحد لها (٤). وهي أحاديث الأولين، أي التي كانوا يُسَطِّرونها، أي: يكتبونها، عن ابن عباس ﵄ (٥). ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: الزجر، والنأي: البعد، يقال: نأيت عنه ونأيته بمعنًى، أي بَعُدْتُ، وأَنْأَيْتُهُ فانتأى، أي: أبعدته فبعد. واختلف في الضمير في ﴿عَنْهُ﴾: فقيل: للقرآن، على معنى: ينهون الناس عن القرآن، ويتباعدون عن سماعه لئلا يسبق إلى قلوبهم العلم بصحته (٦). وقيل: لرسول الله ﷺ ، على معنى: ينهون الناس عن الرسول ﷺ واتّباعه، ويثبطونهم عن الإِيمان به، ويتباعدون عنه بأنفسهم. فيُضِلون ويَضِلون (٧). وقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾ أي: وما يهلكون. ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: وبال ذلك راجع عليهم.

стр. 1182

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أصله تَرْأَيُ، حذفت الهمزة تخفيفًا بعد أن ألقيت حركتها على الراء، وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وجواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرًا شنيعًا، أو: لشاهدت أَشَدَّ حالٍ في النَكَال، وشبههما مما يدل على تعظيم الأمر وتخويفه. و﴿وُقِفُوا﴾: من وَقَفْتُهُ على ذنبه، إذا أَطْلعته عليه وفَهَّمته إياه وقفًا، ووقف عليه وَقُوفًا، وبه قرأ بعض القراء: (وَقَفوا) على البناء للفاعل (١)، ووقف فعل يتعدى ومصدره وَقْفٌ، ولا يتعدى ومصدره وقوفٌ، ونظيره: رجعت فلانًا رجعًا، ورجع هو رجوعًا، وأوقف: لُغَيَّةٌ. قال أبو إسحاق: ومعنى ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: وُقِفوا عندها حتى عاينوها. والثاني: أُطْلِعوا عليها وهي تحتهم. والثالث: أُدْخِلوها فعرفوا مقدار عذابها. من قولك: وقفت على ما عند فلان، أي قد فهمته، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ: برفع الفعلين وهما (ولا نكذبُ) و (ونكونُ) (٣)، ورفع الأول ونصب الثاني (٤)، ونصبهما (٥).

стр. 1183

مَن رفعهما: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون عَطَفَهُما على قوله: ﴿نُرَدُّ﴾ على معنى: أنهم تمنوا ثلاثة أشياء: الردَّ إلى الدنيا، وعدم التكذيب، والكونَ من المؤمنين. والثاني: أن يكون رفعهما على الاستئناف، على أن تمنيهم قد تم عند قوله: ﴿نُرَدُّ﴾، كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب، ونؤمن على وجه الإِثبات، وشَبَّهَهُ صاحب الكتاب ﵀ بقولهم: دَعْني ولا أعودُ، بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني (١)، [ويعضده ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢)، لأن المتمني لا يكون كاذبًا، فدل تكذيبهم أنهم إنما أخبروا عن أنفسهم بذلك ولم يتمنوه] (٣). ولك أن تجعل الجملة في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿نُرَدُّ﴾ على معنى: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فكلا الفعلين على هذا داخل تحت حكم التمني كالوجه الأول. ومن رفع الأول ونصب الثاني عطف الأول على ﴿نُرَدُّ﴾، أو جعله حالًا من المستكن فيه، ونصب الثاني على جواب التمني. ومن نصبهما فبإضمار أن على جواب التمني أيضًا، على معنى: ليت ردَّنا وقع وأن لا نكذبَ، وأن نكونَ من المؤمنين، أي: إن رُددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين، والواو في هذا كالفاء. فإن قلت: قد ذكرتَ في قراءة من رفعهما على أحد الأوجه أن تمنيهم قد تَمَّ عند قوله: ﴿نُرَدُّ﴾، واستدللت عليه بقوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قائلًا: لأن المتمني لا يكون كاذبًا فدل تكذيبهم أنهم إنما أخبروا عن أنفسهم

стр. 1184

بذلك ولم يتمنوه، فما تصنع بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ على الوجه الأول، والثالث؟ وفي أي شيء كُذِّبوا والمتمني لا يُكَذَّبُ، ولا يتعلق التكذيب بالتمني إنما يكون ذلك في الخبر؟ قلت: قيل: هذا تَمَنٍّ قد تضمن معنى العِدَة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالًا فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا مُتَمَنٍّ في معنى الواعد، فلو رزق مالًا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كُذِّبَ، كأنه قال: إن رزقني الله مالًا كافأتك على الإِحسان (١). ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ (ما) بمعنى الذي في موضع رفع بـ ﴿بَدَا﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ أي: إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار؛ ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: عطف على ﴿لَعَادُوا﴾ (٢)، أي: ولو رُدُّوا لكفروا ولقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة. والثاني: عطف على قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)، على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء، وهم الذين قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾

стр. 1185

و ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) وهي كناية عن الحياة، أي: ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، ولا حياة بعدها، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ و ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ في محل النصب بخبر (ما). وقد جوز أن تكون (هي) في قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ ضميرُ القِصَّةِ (١)، فتكون (الدنيا) على هذا خبرًا لا نعتًا؛ لأن القصة تُفَسَّرُ بالجملة لا بالمفرد (٢). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ قيل: هذا مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال، كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، وقيل: وقفوا على جزاء ربهم (٣). وقوله: ﴿قَالَ أَلَيْسَ﴾ جواب ﴿إِذْ﴾، وهو في التقدير مردود على قول قائل قال: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ ، فقيل: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾. وقوله: ﴿قَالُوا﴾ جواب السؤال، وقوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا﴾ جواب الإِقرار. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ (ما) مصدرية، أي: بكفركم بلقاء الله؛ لأنهم أنكروا البعث وما يتصل به. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾:

стр. 1186

قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ (حتى) غاية لكذبوا ومعمولة له، أي: ما برح بهم التكذيب إلى أن ظهرت الساعة، والمعنى: منتهى تكذيبهم الحسرة، ولا يجوز أن تكون غاية لـ ﴿خَسِرَ﴾؛ لأن خسرانهم لا غاية له. والبغتة: الفجأة، يقال: بَغَتَهُ، أي: فاجأه، وهو ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته. وانتصابها إمَّا على الحال، بمعنى: أتتهم باغتة، كقولك: أتيته مشيًا، أي: ماشيًا، أو على المصدر، وفيه وجهان: أحدهما: مصدر لجاءتهم حملًا على المعنى، كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغته. والثاني: مصدر لفعل محذوف، أي: تبغتهم بغتة. و﴿قَالُوا﴾: جواب ﴿إِذَا﴾. وقوله: ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾ نداء الحسرة وشبهها مما لا يعقل مجاز واتساع، وتنبيه على أنهم وقعوا في خطب عظيم. قال صاحب الكتاب ﵀: إذا قلتَ: يا عجباه، فكأنك قلتَ: احضر وتعال يا عجب فإنه من أزمانك (١)، وكذلك هنا كأنه قيل: يا حسرة احضري فهذا من إِبّانكِ وأوقاتك، والمعنى: انتبهوا لخسراننا. و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بالحسرة. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ (ما) مصدرية، أي: على تفريطنا فيها، والتفريط: التقصير. واختلف في الضمير في ﴿فِيهَا﴾، فقيل: للحياة الدنيا (٢)، وإنما جيء

стр. 1187

بضميرها وإن لم يجر لها ذكر، لكونها معلومة. وقيل: للساعة (١)، على معنى: قصرنا في شأنها وفي الإِيمان بها. وقيل: للأعمال (٢) وإن لم يجر لها صريح ذكر، ولكن في الكلام دليل عليها. وقيل: للجنة (٣). والوجه أن يعود إلى ﴿السَّاعَةُ﴾ لجري ذكرها مع صحة المعنى، وإذا صح العائد إلى مذكور فلا وجه للعدول عنه إلى غيره بغير دليل. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، والأوزار: الأثقال من الإِثم، عن ابن عباس ﵄ (٤). وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ما) هنا تحتمل أن تكون نكرة موصوفة في موضع نصب مفسرة للمستكن في (ساء)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس الشيء شيئًا يزرونه، أي: يحملونه وزرهم، كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ (٥)، أي: ساء المَثَلُ مَثَلًا مِثْلُ القوم، وأن تكون موصولة في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٦). ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾:

стр. 1188

قوله : ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قرئ: بلامين ورفع الآخرة (١) على الوصف. وقرئ: (ولدارُ الآخرةِ) بلام واحدة وجر الآخرة (٢) على الإِضافة، والموصوف محذوف، أي: ولدار الحياة الآخرة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مُقامه، وخبر المبتدأ الذي هو الدار في كلتا القراءتين: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ في ﴿قَدْ﴾ هنا ثلاثة أوجه: أحدهما: بمعنى التقريب. والثاني: بمعنى التوقع. والثالث: بمعنى التقليل (٣). والمعنى: قد علمنا ذلك. والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾: ضمير الشأن، قيل: و ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ هو قولهم: ساحر كذاب (٤). وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ قرئ بفتح الكاف وتشديد الذال (٥)، من

стр. 1189

كَذَّبه، إذا جعله كاذبًا في زعمه، أو من كَذَّبه، إذا قال له: كذبت. وقرئ: (لا يُكْذِبونك) بإسكان الكاف وتخفيف الذال (١)، من أكذبه، إذا وجده كاذبًا، كقولك: أحمدته، إذا وجدته محمودًا. وقيل: أكذبته وكذبته بمعنى: نسبته إلى الكذب (٢). قيل: والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله؛ لأنك رسوله المُصَدَّقُ بالمعجزات، فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته (٣). وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله، يعضده ما روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذبك وإنك عندنا المُصَدَّقُ، وإنما نكذب ما جئتنا به (٤). وقيل: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم (٥). والباء من ﴿بِآيَاتِ﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَجْحَدُونَ﴾، على تضمين الجحد معنى التكذيب. فإن قلت: ما حملك على هذا التضمين، ولولا بَقَّيْتَ الجَحْدَ على بابه؟ قلت: حملني على ذلك إتيان الباء في قوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ لأن الجحد يتعدى بغير الجار. وقيل: هي متعلقة بالظالمين، كقوله جل ذكره: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٦). ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾:

стр. 1190

قوله : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أُنِّثَ الفعل على إرادة الجماعة. و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿كُذِّبَتْ﴾. فإن قلت: هل يجوز أن تكون في موضع الرفع على النعت للرسل؟ قلت: لا؛ لأن الرسل جثة، و ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ ظرف زمان، والزمان لا يكون [وصفًا للجثة، كما لا يكون] (١) خبرًا عنها. وقوله: ﴿عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ (ما) مصدرية. ﴿وَأُوذُوا﴾: عطف على ﴿كُذِّبُوا﴾، أي: على تكذيبهم وإيذائهم. و﴿حَتَّى﴾: غاية لصبروا متعلقة به، أي: فصبروا على ذلك إلى أن أتاهم نصرنا، ولك أن تجعلها غاية لقوله: ﴿وَأُوذُوا﴾، والوقف على هذا على قوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾. وأصل أوذوا: أوذيوا، فاستثقلت الضمة على الياء فأزيلت عنها بأن أُلقيت على الذال بعد أن حذفت حركتها؛ لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، أو حذفت حذفًا، وضُمَّتِ الذال لِتصحَّ الواو، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، هي والواو. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ فإن قلت: (جاء) مسند إلى ماذا؟ قلت: أما على رأي صاحب الكتاب ﵀: فإلى مضمر فيه، تقديره: جاءك نبأٌ من نبأ المرسلين، وإنما أضمر للعلم به، ولدَلالة المذكور عليه (٢). وقيل: المضمر المجيء (٣). وأما على رأي أبي الحسن: فإلى قوله من نبأ المرسلين (٤)، لأنه يجيز

стр. 1191

زيادة (مِن) في الواجب، مستشهدًا بقوله جل ذكره: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (١). وصاحب الكتاب لا يجيز زيادتها في الواجب (٢). وقيل: التقدير: ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعض أنبائهم وقَصَصهم وما كابدوا من إيذاء المشركين (٣). وقوله: ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أنبائهم، بشهادة قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ (٤). ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ في (كان) ضمير الشأن والحديث، و ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ رفع بـ ﴿كَبُرَ﴾، و ﴿كَبُرَ﴾ وما اتصل به في موضع نصب بخبر كان، ومعنى كبر: عظم، يقال: كبرُ الشيء يكبُر بالضم فيهما كِبَرًا وكَبَارةً، إذا عظم، فهو كبيرٌ وكُبَارٌ. وجواب إن الشرطية في قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾. وجواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ محذوف، أي: فافعل، والمعنى: وإن كان عظم عليك إعراضهم عما جئت به ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾، النفق: سَرَبٌ في الأرض له مَخْلَصٌ إلى مكان آخر، أي: منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ﴾

стр. 1192

منها ﴿بِآيَةٍ﴾ فافعل، على ما فسر (١)، ثم حُذف جواب الشرط الثاني للعلم به، وهو ما ذكرت آنفًا. و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: في موضع النعت لنفق، و ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ لسلم. ولك أن تعلقهما بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾: عطف على قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ أي يجيب، قيل: والفرق بين الفعلين أن ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ فيه قبول لما دعي إليه، وليس كذلك يجيب؛ لأنه قد يجيب بالمخالفة (٢). وقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تجعل ﴿وَالْمَوْتَى﴾ في موضع نصب بمحذوف دل عليه هذا الظاهر، تقديره: ويبعث الله الموتى يبعثهم الله، وهو أحسن لأجل التشاكل، وهو أن تعطف جملة من فعل وفاعل على جملة من فعل وفاعل، وعلى الوجه الأول إنما تعطف جملة من ابتداء وخبر على جملة من فعل وفاعل. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (لولا) بمعنى هَلَّا، وإنما قيل: (نُزِّل) فَذُكِّرَ مع تأنيث الفاعل لأجل الفصل، ولأن تأنيث آية غير حقيقي. و﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿نُزِّلَ﴾، وأن يكون في

стр. 1193

موضع الصفة لآية، فيكون متعلقًا بمحذوف. قيل: وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أُنزل من الآيات عليه ﵊، لتركهم الاعتداد بما أُنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شيء (١). ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾: قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (مِن) مزيدة لاستغراق الجنس، ولذلك قيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ﴾ مع إفراد الدابة والطير حملًا على المعنى، إذ المراد بهما الجنس. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع الصفة للدابة، إمّا على اللفظ، وإمّا على المحل، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)، و (غَيْرِهِ) (٣). ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾: عطف على ﴿دَابَّةٍ﴾ على اللفظ، وقرئ: (ولا طائرٌ) بالرفع (٤) على المحل، كأنه قيل: وما دابةٌ ولا طائرٌ، والجر أجود وعليه الجمهور، إذ التقدير: وما من دابة ولا من طائر، و (من) تدل على معنى الاستغراق، وتغني عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، وحذفها لا يدل على ذلك، فاعرف الفرقان، ومسلك الجمهور، ودقة نظرهم. و﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: متعلق بيطير؛ وإنما قيل: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ على جهة التوكيد (٥)، كقولهم: نعجة أنثى، وأمسِ الدابرُ، وقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ

стр. 1194

وَاحِدَةٌ﴾ (١)، وفيه أيضًا رفع مجاز؛ لأن غير الطائر قد يقال فيه: طار، إذا أسرع، وطار الثوب. ومحل ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: لنا. و﴿أُمَمٌ﴾: بدل من ﴿دَابَّةٍ﴾ على المحل، ولا يجوز على اللفظ؛ لأن (مِن) لا تزاد في الواجب عند صاحب الكتاب ﵀ (٢). و﴿أَمْثَالُكُمْ﴾: نعت لـ ﴿أُمَمٌ﴾، أي: أمثال لكم، أي: مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم على ما فسر (٣). وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) مزيدة لاستغراق الجنس، أي: شيئًا، وهو مفعول ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ على تضمينه معنى ما تركنا وما أغفلنا، أي: ما تركنا ولا أغفلنا في اللوح المحفوظ من شيء من ذلك لم نكتبه، على ما فسر (٤). ولك أن تبقي ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ على أصله وتعديه إلى قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾، وتجعل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ واقعًا موقع المصدر، أي: ما فرطنا في اللوح المحفوظ من تفريطة بل أثبتنا فيه ما وجب أن يثبت مما يختص به. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ في موضع رفع بالابتداء. و ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: كلاهما خبر عنه، كقولهم: هذا حلو حامض، ولا تأثير للعاطف.

стр. 1195

وقوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، على معنى: المذكورون صُمٌّ لا يسمعون كلام المنبِّه، بُكْمٌ لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر. وأن يكون نعتًا لـ ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾، أي: كائنون فيها. وأن يكون متعلقًا بهما. وأن يكون حالًا من المستكن فيهما، أي: خابطين في الظلمات متحيرين فيها. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في الظلمات. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾: قوله : ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت للتقرير، والتاء ضمير الفاعل، والضمير الثاني للخطاب لا محل له من الإعراب، إنما هو علامة تدل على الخطاب، كالتنوين وتاء التأنيث وياءي النسب، فكما أن التنوين علامة للأخف والأمكن، والتاء علامة التأنيث، والياءَ علامة النسب، ولا محل لهن من الإِعراب، كذلك هذه الكاف علامة للخطاب لا محل لها من الإِعراب، ودليل ذلك أنها لا تخلو من أن تكون في موضع رفع أو نصب أو جر: فلا يجوز أن تكون في موضع رفع؛ لأنه لا رافع قبلها، إذ ليست بفاعل الفعل الذي قبلها؛ لأن فاعله التاء، ولا يكون لفعل واحد فاعلان، والكاف ليست من علامات المضمر المرفوع. ولا يجوز أن تكون في موضع نصب؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، نحو: أرأيت زيدًا ما صنع، فلو جعلت الكاف في موضع نصب لكنت عديته إلى ثلاثة مفعولين، وأيضًا فلو كان في موضع نصب لكان هو الفاعل في المعنى، ويصير المعنى والتقدير: أرأيتك نفسك، وهذا خلف من القول، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك، ألا ترى أنك إذا
следующие страницы →