← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

زيادة (مِن) في الواجب، مستشهدًا بقوله جل ذكره: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (١). وصاحب الكتاب لا يجيز زيادتها في الواجب (٢). وقيل: التقدير: ولقد جاءك من نبأ المرسلين بعض أنبائهم وقَصَصهم وما كابدوا من إيذاء المشركين (٣). وقوله: ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أنبائهم، بشهادة قوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ (٤). ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ في (كان) ضمير الشأن والحديث، و ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ رفع بـ ﴿كَبُرَ﴾، و ﴿كَبُرَ﴾ وما اتصل به في موضع نصب بخبر كان، ومعنى كبر: عظم، يقال: كبرُ الشيء يكبُر بالضم فيهما كِبَرًا وكَبَارةً، إذا عظم، فهو كبيرٌ وكُبَارٌ. وجواب إن الشرطية في قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾. وجواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ محذوف، أي: فافعل، والمعنى: وإن كان عظم عليك إعراضهم عما جئت به ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾، النفق: سَرَبٌ في الأرض له مَخْلَصٌ إلى مكان آخر، أي: منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ﴾

стр. 1192

منها ﴿بِآيَةٍ﴾ فافعل، على ما فسر (١)، ثم حُذف جواب الشرط الثاني للعلم به، وهو ما ذكرت آنفًا. و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: في موضع النعت لنفق، و ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ لسلم. ولك أن تعلقهما بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾: عطف على قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ أي يجيب، قيل: والفرق بين الفعلين أن ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ فيه قبول لما دعي إليه، وليس كذلك يجيب؛ لأنه قد يجيب بالمخالفة (٢). وقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تجعل ﴿وَالْمَوْتَى﴾ في موضع نصب بمحذوف دل عليه هذا الظاهر، تقديره: ويبعث الله الموتى يبعثهم الله، وهو أحسن لأجل التشاكل، وهو أن تعطف جملة من فعل وفاعل على جملة من فعل وفاعل، وعلى الوجه الأول إنما تعطف جملة من ابتداء وخبر على جملة من فعل وفاعل. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (لولا) بمعنى هَلَّا، وإنما قيل: (نُزِّل) فَذُكِّرَ مع تأنيث الفاعل لأجل الفصل، ولأن تأنيث آية غير حقيقي. و﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿نُزِّلَ﴾، وأن يكون في

стр. 1193

موضع الصفة لآية، فيكون متعلقًا بمحذوف. قيل: وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أُنزل من الآيات عليه ﵊، لتركهم الاعتداد بما أُنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شيء (١). ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾: قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (مِن) مزيدة لاستغراق الجنس، ولذلك قيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ﴾ مع إفراد الدابة والطير حملًا على المعنى، إذ المراد بهما الجنس. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع الصفة للدابة، إمّا على اللفظ، وإمّا على المحل، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)، و (غَيْرِهِ) (٣). ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾: عطف على ﴿دَابَّةٍ﴾ على اللفظ، وقرئ: (ولا طائرٌ) بالرفع (٤) على المحل، كأنه قيل: وما دابةٌ ولا طائرٌ، والجر أجود وعليه الجمهور، إذ التقدير: وما من دابة ولا من طائر، و (من) تدل على معنى الاستغراق، وتغني عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، وحذفها لا يدل على ذلك، فاعرف الفرقان، ومسلك الجمهور، ودقة نظرهم. و﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: متعلق بيطير؛ وإنما قيل: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ على جهة التوكيد (٥)، كقولهم: نعجة أنثى، وأمسِ الدابرُ، وقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ

стр. 1194

وَاحِدَةٌ﴾ (١)، وفيه أيضًا رفع مجاز؛ لأن غير الطائر قد يقال فيه: طار، إذا أسرع، وطار الثوب. ومحل ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: لنا. و﴿أُمَمٌ﴾: بدل من ﴿دَابَّةٍ﴾ على المحل، ولا يجوز على اللفظ؛ لأن (مِن) لا تزاد في الواجب عند صاحب الكتاب ﵀ (٢). و﴿أَمْثَالُكُمْ﴾: نعت لـ ﴿أُمَمٌ﴾، أي: أمثال لكم، أي: مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم على ما فسر (٣). وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) مزيدة لاستغراق الجنس، أي: شيئًا، وهو مفعول ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ على تضمينه معنى ما تركنا وما أغفلنا، أي: ما تركنا ولا أغفلنا في اللوح المحفوظ من شيء من ذلك لم نكتبه، على ما فسر (٤). ولك أن تبقي ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ على أصله وتعديه إلى قوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾، وتجعل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ واقعًا موقع المصدر، أي: ما فرطنا في اللوح المحفوظ من تفريطة بل أثبتنا فيه ما وجب أن يثبت مما يختص به. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ في موضع رفع بالابتداء. و ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: كلاهما خبر عنه، كقولهم: هذا حلو حامض، ولا تأثير للعاطف.

стр. 1195

وقوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، على معنى: المذكورون صُمٌّ لا يسمعون كلام المنبِّه، بُكْمٌ لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر. وأن يكون نعتًا لـ ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾، أي: كائنون فيها. وأن يكون متعلقًا بهما. وأن يكون حالًا من المستكن فيهما، أي: خابطين في الظلمات متحيرين فيها. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في الظلمات. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾: قوله : ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت للتقرير، والتاء ضمير الفاعل، والضمير الثاني للخطاب لا محل له من الإعراب، إنما هو علامة تدل على الخطاب، كالتنوين وتاء التأنيث وياءي النسب، فكما أن التنوين علامة للأخف والأمكن، والتاء علامة التأنيث، والياءَ علامة النسب، ولا محل لهن من الإِعراب، كذلك هذه الكاف علامة للخطاب لا محل لها من الإِعراب، ودليل ذلك أنها لا تخلو من أن تكون في موضع رفع أو نصب أو جر: فلا يجوز أن تكون في موضع رفع؛ لأنه لا رافع قبلها، إذ ليست بفاعل الفعل الذي قبلها؛ لأن فاعله التاء، ولا يكون لفعل واحد فاعلان، والكاف ليست من علامات المضمر المرفوع. ولا يجوز أن تكون في موضع نصب؛ لأن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، نحو: أرأيت زيدًا ما صنع، فلو جعلت الكاف في موضع نصب لكنت عديته إلى ثلاثة مفعولين، وأيضًا فلو كان في موضع نصب لكان هو الفاعل في المعنى، ويصير المعنى والتقدير: أرأيتك نفسك، وهذا خلف من القول، إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك، ألا ترى أنك إذا

стр. 1196

قلت: أرأيتك زيدًا ما صنع، كان زيد غير المخاطب، ولا هو بدل منه؛ لأن المظهر لا يبدل من المخاطب. واختلف في مفعولي (أرأيت): فقيل: ﴿إِنْ﴾ وما تعلق بها في موضع المفعولين لرأيت، وقيل: كلاهما محذوف دل عليه قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، والتقدير أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند إتيان الساعة؟ وقيل: هذا لا يحتاج إلى مفعول؛ لأن معناه أخبروني، وإنما يحكم على موضع ما وقع بعده بالنصب، كقولك: أخبرني عما فعل زيد. قلت: وهذا راجع إلى معنى الوجه الأول. وقيل: محذوف تقديره: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة مَن تدعون عند نزول الشدائد؟ ثم بَكَّتهم بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؟ بمعنى: أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها بل إياه تدعون، بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة؟ و﴿أَغَيْرَ﴾ منصوب بتدعون. و ﴿إِيَّاهُ﴾ (١) بتدعون الذي بعده. ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾: قوله : ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصولًا، وأن يكون موصوفًا، وهو منصوب بيكشف. و﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بتدعون، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ لـ ﴿مَا﴾، أي: ما تدعون الله إليه، أي: إلى كشفه.

стр. 1197

وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إن: شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما تقدم، أي: إن أراد أن يتفضل عليكم فعل ما سألتموه. وقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (ما) في موضع نصب بـ ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾، وهي مصدرية إلّا أنها بمعنى المفعول، كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، إذ المراد بها الآلهة، أي: وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرونها في ذلك الوقت؛ لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده، إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره، قاله الزمخشري (١). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (من) متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ولا يجوز أن يكون في موضع الصفة لأمم؛ لأنه زمان، والزمان لا يكون وصفًا للجثة، كما لا يكون خبرًا عنها، وقد ذكر فيما سلف (٢). وقوله: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ كلاهما فَعْلاء لا مذكر له، كصحراء. فإن قلت: أين مفعول أرسلنا؟ قلت: محذوف تقديره: ولقد أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء، وهي البؤس، والضراء، وهي الضر. وقيل: البأساء: الجوع والقحط، والضراء: المرض والنقص في الأموال والأنفس (٣). وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون ويتخشعون لربهم، ويتوبون عن ذنوبهم، والتضرع: الابتهال إلى الله تعالى، وهذا الترجي راجع إليهم لا إلى

стр. 1198

الله؛ لأنه جل ذكره عالم بما كان وبما يكون ولم يقع، وبما هو كائن لم ينقطع. ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾: قوله : ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿تَضَرَّعُوا﴾، أي: فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ومعناه نفي التضرع، كأنه قيل: فَلَمْ يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. قيل: وإنما جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلّا عِنادهم (١). فإن قلت: قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (٢) يدل على أنهم تضرعوا بالدعاء، وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ يدل على أنهم لم يتضرعوا، فما الجامع بينهما؟ قلت: قيل: تضرعوا بالدعاء في كشف البلاء باللسان، ولم يتضرعوا بالإِنابة وإخلاص الطاعة، [فلم يعتد بذلك وذُمّوا عليه، وقيل: فهلا تضرعوا بالإنابة وإخلاص الطاعة] (٣). وقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ استدراك بعد النفي على المعنى، أي: فَلَمْ يتضرعوا ولكن. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أصل (نَسُوا) نَسِيُوا، وقد

стр. 1199

ذكر نظيره (١). و ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ ﴿نَسُوا﴾. وما ذكروا به هو البأساء والضراء وغيرهما من البلايا، أي: تركوا الاتعاظ به، ولم ينفع فيهم، ولم يزجرهم. ﴿فَتَحْنَا﴾: جواب لـ ﴿مَا﴾، أي: فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الصحة والسعة وغيرهما من صنوف النعمة. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ (حتى) غاية لفتحنا، أي: ما زال بهم الفتح إلى وقت فرحهم. ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: جواب ﴿إِذَا﴾، وبغتة: فجأة، وانتصابها على الحال إما من الفاعل، أي: باغتين، أو من المفعول، أي: مبغوتين، أو على المصدر حملًا على المعنى، كأنه قيل: بغتناهم بغتة. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الفاء جواب الأخذ، وإذا هنا للمفاجأة، وهي ظرف مكان. و ﴿هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿إِذَا﴾ نصب بـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾. والمبلس: الآيس، قال أبو إسحاق: المبلس الشديد الحسرة، اليائس الحزين (٢). ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (دابر القوم): آخرهم، يقال: قطع الله دابرهم، أي: آخر من بقي منهم، على معنى: استأصلهم ولم يترك منهم أحدًا. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تنبيه على وجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة والطغاة وغيرهما من عُداة الله.

стр. 1200

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بأن يُصِمَّكم، و ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بأن يُعْمِيَكم. ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بأن يُغطي عليها ما يَذهب عنده فهمُكم وعقلُكم، وقد مضى الكلام على وجه إفراد السمع من جمع الأبصار والقلوب فيما سلف من الكتاب (١). وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ و ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ كلاهما في موضع رفع على النعت لـ ﴿إِلَهٌ﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف تقديره: فمن يأتيكم به. واختلف في الضمير في ﴿بِهِ﴾: فقيل: للسمع بالتصريح، وتدخل فيه الأبصار والقلوب بدَلالة التضمين (٢). وقيل: للمأخوذ [والمختوم عليه] (٣). وقيل: للهدى، لأنه مدلول عليه من سياق الكلام، إذ كان الضلال بأخذ ما ذكر، والهدى بالمنة بالامتناع به (٤). وقيل: أُجْرِيَ الضمير مُجْرَى اسم الإِشارة (٥)، كأنه قيل: من يأتيكم بذلك؟ فاعرفه.

стр. 1201

وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (كيف) نَصْبٌ ﴿نُصَرِّفُ﴾. و ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: يعرضون عنها بعد ظهورها، عن ابن عباس ﵄ وغيره (١). ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾: قوله : ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ انتصابهما على الحال من العذاب، أو على المصدر، وقد ذكر قبيل (٢). وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ أي: ما يهلك، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ و (٣). وقرئ: (هل يَهلك) بفتح الياء على البناء للفاعل (٤). ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾: قوله : ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ حالان من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ومفعولاهما محذوف، أي: إلّا مبشرين من آمن بهم، وبما جاؤوا به بالجنة والثواب الجزيل، ومنذرين مَن كذبهم وعصاهم بالنار والعذاب الأليم. وقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ الفاء جواب ما ذكر، و (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط أو الجواب، وقد ذكر نظيره في غير موضع فيما سلف. وقد جوز أن تكون (من) موصولة (٥).

стр. 1202

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾: قوله : ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (ما) مصدرية، أي: بفسقهم. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾: قوله : ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ في موضع النصب بالقول، وكذا ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ لأنه من جملة المقول، كأنه قال: ولا أقول لكم هذا ولا هذا. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾: قوله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ الضمير في (به) للموحَي، دل عليه: ﴿مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (١)، والقرآن داخل فيما أوحي إليه. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الجملة في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾، أي: يخافون أن يحشروا غيرَ منصورين ولا مشفوعًا لهم أو متخلفين عنهما، ولا بد من هذه الحال؛ لأنَّ كُلًّا محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال، قاله الزمخشري (٢). ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾:

стр. 1203

قوله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الطرد: الإِبعاد، والمفعول مطرود وطريد. والغداة: نكرة، ولذلك دخلت عليها الة التعريف، وأصلها غَدْوَةٌ، قلبت الواو ألفًا لتحركها، وفتحت الدال لأجل الألف، وفيها لغتان: فتح الغين وضمها، وينشد لزهير: ١٩٨ - غَدَوْتُ عليه غَدْوَةً (١) ....... ... .................... ويروى غُدْوةً. وقرئ: (بالغُدْوة) بضم الغين وإسكان الدال وواو بعدها (٢)، وأكثر العرب على ترك صرفها؛ لأنَّها معرفة، يقال: أتيته غدوة، غير مصروفة، ويجوز تنكيرها كما ينكر بعض الأعلام، فحينئذ يدخل عليها حرف التعريف، كما يدخل على ما نُكِّر من الأعلام. والغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي: من صلاة المغرب إلى العتمة، واختلف فيه، فقيل: هو مفرد، وقيل: هو جمع عشية (٣). واختلف فيهما هنا، فقيل: المراد بذكر الغداة والعشي الدوام على العبادة (٤)، وقيل: المعنى يصلُّون صلاة الصبح والعصر (٥).

стр. 1204

وقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ في موضع الحال من (الذين) أو من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾، فإن قلت: ما المراد بقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؟ قلت: قيل: المراد بذلك: التنبيه على إخلاص عملهم، والوجه يُعَبَّرُ بِهِ عن ذات الشيء وحقيقته (١). وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: (من) مزيدة للتوكيد، ومحلها الرفع بالابتداء، والخبر ﴿عَلَيْكَ﴾ و ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ في موضع الحال لأجل تقديمه على الموصوف وهو ﴿شَيْءٍ﴾. فإن قلت: هل يجوز عكس هذا وهو أن يكون الخبر ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾، و ﴿عَلَيْكَ﴾ الحال لما ذكرت آنفًا؛ قلت: لا يبعد ذلك (٢). ولا يجوز أن يكون ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ اسم (ما)، كما زعم بعضهم (٣)، لتقديم الخبر عليه (٤)، ومثله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي، وهو قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾، و ﴿فَتَكُونَ﴾ جواب النهي وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الزمخشري: ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التسبيب، لأنَّ كونه ظالمًا مسبب عن طردهم، انتهى كلامه (٥)، فيحسن الوقوف على هذا على قوله: ﴿وَجْهَهُ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾:

стр. 1205

قوله : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الكاف: اسم بمعنى مِثل، في موضع رفع بالابتداء، وما بعده الخبر، أي: ومثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض، أي: ابتليناهم بهم. والفتنة: الامتحان والاختبار، ولك أن تجعله في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: فَتْنًا كذلك. وقوله: ﴿لِيَقُولُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿فَتَنَّا﴾، أي: فتناهم ليقولوا ذلك فنجازيهم عليه. وقيل: هي لام العاقبة كالتي في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١)، أي: ليؤول أمرهم إلى هذا القول (٢). وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: الهمزة للاستفهام، ومعناه الإِنكار، و (هؤلاء) في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الخبر. ومعنى ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، أي: أنعم عليهم، يقال: مَنّ عليه منًا، إذا أنعم عليه. و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿مِنَّ﴾ أي: مَنَّ عليهم من دوننا ونحن المقدَّمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكارًا لأنَّ يكون المذكورون على الحق، وممنونًا عليهم من بينهم بالخير. وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ يكون في موضع الحال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، أي: أنعم عليهم منفردين من بيننا؛ ومثله: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣). فإن قلت: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما محله من الإِعراب؟ قلت: النصب، إمَّا لكونه معمول القول، أو معمولَ محذوفٍ دل عليه ﴿مِنَّ﴾،

стр. 1206

أي: أخص هؤلاء؛ لأنه إذا مَنَّ عليهم بالشيء فقد خصهم به. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الاستفهام هنا معناه التقرير، أي: هو كذلك. فإن قلت: ما الفرق بين الباءين؟ وبأي شيء يَتعلقان؟ قلت: أما الأول: فمزيد للتأكيد متعلق بما دل عليه التقرير، بمعنى: أليس تعلمون بأن الله أعلمُ بمن يَصدر منه ذلك؟ وأما الثاني: فللتعدية؛ لأنَّ أفعل لا يقوى قوة الفعل، فَيُعَدَّى بالجار مُتَعَلِّقٌ بأعلم. فإن قلت: (أعلم) ليس بفعل ولا مصدر كيف يتعلق به الجار؟ قلت: قد جوز ذلك؛ لأنَّ الجار يسمى ظرفًا، والظروف يعمل فيها معنى الفعل بخلاف المفعول، فإن أفعل لا يعمل فيه (١). ولذلك قالوا في قوله جل ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) إن التقدير: هو أَعْلَمُ يَعْلَمُ مَن يضل عن سبيله، فنُصب (مَن) بفعل مضمر يدل عليه الحال. وأما الظروف فتكفيها رائحة الفعل، ولذلك أجازوا: كلّ يوم لك ثوب، ولم يجيزوا: قائمًا في الدار زيدٌ، فاعرفه. ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ العامل في (إذا) معنى الجواب، أي: إذا جاؤوك سَلِّمْ عليهم، وفيه وجهان: أحدهما: أَمْرٌ له ﵊ بأن يسلم عليهم من الله تعالى.

стр. 1207

والثاني: أَمْرٌ بأن يبدأهم بالسلام إكرامًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، وهم الذين سأل المشركون طردهم. و﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لأنَّ فيه معنى الفعل. وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كما محلها النصب؛ لأنَّها من جملة ما يقول لهم أيضًا لِيَسُرَّهم ويبشرهم بسَعة رحمة الله، وقبوله التوبة منهم. ومعنى ﴿كَتَبَ﴾: أوجب، وقد ذكر (١). وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجواب، وتحتمل أن تكون موصولة وهي مبتدأ أيضًا، ويأتي الكلام على خبرها إن شاء الله. و﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿عَمِلَ﴾، وكذلك ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ حال أيضًا، أي: عمله وهو جاهل. ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ (عمل)، أي: عمله بسبب الجهل، وذكر فيه وجهان من جهة المعنى: أحدهما: أنه فاعلٌ فِعْلَ الجهَلَةِ؛ لأنَّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظانٌّ، فهو من أهل السَّفَهِ والجهل. ومنه قول الشاعر: ١٩٩ - على أَنَّها قالتْ عَشِيَّةَ زُرْتُها ... جَهِلْتَ عَلَى عَمْدٍ ولم تَكُ جاهِلًا (٢) والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم ألّا يُقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته (٣).

стр. 1208

وقرئ: (أنه)، (فأنه) بفتحهما، وبفتح الأولى وكسر الثانية، وبالعكس، وبكسرهما (١). أما من فتحهما: فأبدل الأولى من الرحمة، فتكون في موضع نصب، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم. وأما الثانية: فيجعلها خبر مبتدأ محذوف، أي: فَأَمْرُهُ أنَّ ربَّه غفور رحيم له، أي: فأمره غفران ربه، أو بالعكس، أي: فله أن ربه غفور له، أي: فله غفران ربه، فيرفعها إما بالابتداء على رأي صاحب الكتاب، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، والجملة في موضع الرفع بحق خبر ﴿مَنْ﴾. ولا يجوز أن تكون الثانية بدلًا من الأولي، ولا مؤكدة لها، كأنه قيل: كتب ربكم أنه غفور، كما زعم بعضهم لأمرين: أحدهما: أن البدل لا يصحبه حَرْفُ معنى؛ لأنَّ البدل لا يحول بينه وبين المُبْدَلِ منه شيء غير الاعتراضات، [والفاء ليست من الاعتراضات] (٢)، إلّا أن تجعلها مزيدة وهو بعيد. والثاني: أن ذلك يؤدي إلى أن لا يبقى لـ ﴿مَنْ﴾ جواب إن جعلتها شرطية، ولا خَبَرٌ إن جعلتها موصولة، وإذا بَطَل كلاهما بقي ما ذكرت. وأما من فتح الأولى وكسر الثانية: فأبدل الأولى من الرحمة، وكسر الثانية؛ لأنَّها بعد الفاء في جواب الشرط، كأنه قيل: فهو غفور رحيم،

стр. 1209

كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (١)، أي: فهو ينتقم، غير أن الكلام مع أن فيه فضل تأكيد. وأما من كسر الأولى وفتح الثانية: فإنه استأنف بالأولى وجعل الثانية مبتدأ محذوف الخبر، أي: فله غفرانُهُ، أو بالعكس، أي: فشأنه الغفران، وقد ذكر. وأما من كسرهما: فعلى الاستئناف، أو على الحكاية بإضمار قال، أي: كتب ربكم على نفسه الرحمة قال: إنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه، أي: فهو غفور رحيم، والجملة مفسرة للرحمة، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٢). والضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ للشأن والحديث، وفي ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ للعمل، دل عليه ﴿عَمِلَ﴾، أو للسوء، وفي ﴿فَإِنَّهُ﴾ لله جل ذكره. ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: نفصل تفصيلًا مثل ذلك التفصيل. وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ عطف على محذوف، أي: فعلنا ذلك ليظهر الحق ولتستبين. وقرئ: (وليستبين) والتستبين) بالياء والتاء مع رفع السبيل (٣) على الفاعلية. والسبيل: تذكر وتؤنث بشهادة قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا

стр. 1210

يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢). وبالتاء على الخطاب مع نصب السبيل (٣) على المفعولية، يقال: استبان الشيء، إذا ظهر، واستبنته أنا، يتعدى ولا يتعدي، حَكَى ذلك صاحب الكتاب ﵀ وغيره (٤). ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ أن في موضع نصب لعدم الجار وهو عن، أو جر على إرادته، أي: صُرفتُ وزُجرتُ عن عبادة ما تدعون من دون الله. ولك أن تُضَمِّنَ ﴿نُهِيتُ﴾ معنى منعت، فيتعدى بنفسه، أي: منعت عبادة غير الله. ومِن في ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لابتداء الغاية. وقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ (إذًا) فيه معنى الجزاء، كأنه قيل: إن اتبعتُ أهواءكم فأنا ضال، وما أنا من الهدى في شيء. وأهواء جمع هوى مقصور، فأما هواء الجو فممدود وجمعه: أهوية. وفي ﴿ضَلَلْتُ﴾ لغتان: فتح اللام وهي الفصيحة، وكسرها، فالفتح لغة نجد، والكسر لغة أهل العالية (٥). ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ

стр. 1211

الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ (من ربي) في موضع الصفة لبينة. والبينة الحجة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل. وقوله: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ يحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون في موضع الحال و (قد) معها مرادةٌ. والضمير في ﴿بِهِ﴾ يحتمل أن يكون للرب تعالى، وأن يكون للبجنة، وإنما ذُكِّر حملًا على المعنى؛ لأنَّ البينة والبرهان بمعنًى، كما أن الصيحة والصوت كذلك. وقيل: ذُكِّر على تأويل البيان أو القرآن (١). وقوله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (ما) الأولى نافية، والثانية موصولة مرتفعة بالابتداء، والخبر ﴿عِنْدِي﴾، ولك أن ترفعها بـ ﴿عِنْدِي﴾: على رأي أبي الحسن، أي: ما الذي تستعجلون به عندي، يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٢) على ما فسر (٣). ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في ذلك، وهو تأخير عذابكم، ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾، أي: ما الحكم في ذلك إلّا له. وقوله: (يَقْضِ الحَقَّ) (٤) يحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف أعني ﴿الْحَقَّ﴾، أي: القضاء الحق في كلّ ما يَقْضي من التأخير والتعجيل. وأن يكون منصوبًا بيقضي على أنَّه مفعول به، بمعنى: يصنع الحق ويقدره، يقال: قضى الشيء، إذا صنعه وقدره، كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٥)، أي: صنعهن، ومنه قوله:

стр. 1212

٢٠٠ - وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود ....................... (١) أي: صنعهما. وقرئ أيضًا: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾: (٢)، أي: يَتَّبِعُهُ، من قص أثره، إذا تتبعه. قال أبو إسحاق: من قرأ (يقص) فمعناه أن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، انتهى كلامه (٣). فإن قلت: ما محل (يقضي) أو (يقص) من الإِعراب؟ قلت: النصب على الحال، وذو الحال ﴿لِلَّهِ﴾، والعامل الاستقرار، ويحتمل أن يكون مستأنفًا. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾: قوله : ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ محل (أن) الرفع بإضمار فعل؛ لأنَّ (لو) تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، وفيها أيضًا طَرَفٌ من التمني. و﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب لكونه اسم ﴿أَنَّ﴾، و ﴿عِندِي﴾ الخبر. ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾:

стр. 1213

قوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ارتفع ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ بالابتداء، والظرف الخبر، أو بالظرف، وفيه وجهان: أحدهما: جمع مِفْتَحٍ كمنبر ومنابر، ويحتمل أن يكون جمع مفتاح، وكان حقه أن يجمع على مفاتيح بالياء، إلّا أنهم حذفوها اجتزاء عنها بالكسرة، كما قالوا: مَحارب في جمع محراب. وبالياء قرأ بعض القراء: (مفاتيح الغيب) (١). والثاني: جمع مَفْتَحٍ بفتح الميم، وهو المخزن، والمخزن: ما يُخزن فيه الشيء، يعضد هذا الوجه قول الحسن وغيره: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أي: خزائن الغيب (٢). أبو إسحاق: أي عنده الوُصْلَةُ إلى علم الغيب (٣). وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المستكن في الظرف على رأي صاحب الكتاب ﵀، أو من ﴿مَفَاتِحُ﴾ على رأي أبي الحسن. وقوله: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾ محلها الرفع على الفاعلية، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة لاستغراق الجنس. وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾، ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ عطف على ﴿وَرَقَةٍ﴾ وحكمهن حكمها، كأنه قيل: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلّا يعلمه.

стр. 1214

والجمهور على جر قوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾، ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ لما ذكرت آنفًا. وقرئ: (وَلَا حبةٌ)، (وَلَا رطبٌ ولا يابسٌ) بالرفع (١)، وذكر فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفًا على محل ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾. وأن يكون رفعًا على الابتداء وخبره ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، أي: إلَّا مُثْبَتَةٌ، أو مسطورة فيه. فإن قلت: ما محل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ على الوجه الأول؟ قلت: محله الرفع أيضًا على أنَّه بدل من قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾، كأنه قيل: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلَّا هو في كتاب، وإذا كان في كتابه يعلمه سبحانه لا محالة، وإلى هذا أشار بعض أهل العلم، قال: وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ كالتكرير لقوله ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ لأنَّ معنى ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ومعنى؛ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ واحد (٢). ولا يجوز أن يكون استثناء بعد استثناء على أنَّ يكون العامل في الثاني قوله: ﴿يَعْلَمُهَا﴾ لفساد المعنى. لانقلابه إلى الإثبات، لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات، فيصير المعنى: وما يسقط من شيء من هذه الأشياء إلّا يعلمه إلّا في كتاب فإنه لا يعلمه، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى مع الكفر. وقيل: إن ﴿إِلَّا﴾ الثاني فيه معنى الواو، كقولك: ما زيد إلّا عند عمرو إلَّا في داره، والوجه ما ذكرت.

стр. 1215

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ الضمير ﴿فِيهِ﴾ للنهار، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار، ويعلم ما جرحتم فيه، فقدم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار (١). وقيل: للمنام (٢)، يعضده قول قتادة: البَعْثُ ههنا: اليقظة (٣). أي: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم، قاله أبو إسحاق (٤). وقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ قيل: هو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم (٥). ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾: قول : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد مضى الكلام على إعرابه قَبْلُ (٦). وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ (٧) وما بعده من الأفعال المضارعة، وأن يكون عطفًا على ﴿الْقَاهِرُ﴾؛ لأنَّ اسم الفاعل في معنى الفعل، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ الآية، ثم قال:

стр. 1216

﴿فَأَثَرْنَ﴾، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ (١)، وقولهم: الطائرُ الذبابُ فيغضبُ زيدٌ (٢). وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو يُرسِلُ حَفَظَةً. ومحل الجملة النصب على الحال إما من المستكن في ﴿الْقَاهِرُ﴾؛ والعامل ﴿الْقَاهِرُ﴾، أو من المستكن في الظرف والعامل الظرف، هذا إذا جعلت الظرف خبرًا بعد خبر، أو حالًا، وأما إذا جعلته ظرفًا للقاهر فلا. وأن يكون مستأنفًا. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَيُرْسِلُ﴾. وأن يكون متعلقًا بنفس ﴿حَفَظَةً﴾ والنية به التأخير، كأنه قيل: ويرسل مَن يحفظ عليكم أعمالكم. وأن يكون حالًا لتقدمه على الموصوف وهو الحفظة. والحفظة: الملائكة، واحدهم حافظ، كحارس وحرسة، وهم الكرام الكاتبون. وعن أبي حاتِمٍ السِّجِّسْتاني: أنه كان يكتب عن الأصمعي كلّ شيءٍ يلفظ به من فوائد العلم، حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة، تكتب لفظ اللفظة، فقال أبو حاتم: وهذا أيضًا مما يُكْتَبُ (٣). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ﴾ (حتى) غاية لقوله: ﴿وَيُرْسِلُ﴾ ومعمولة له، أي: ويرسل عليكم حفظة إلى وقت الموت، ويحتمل أن تكون غاية للحفظة، أي: ما زالت الحفظة موكلة بهم إلى وقت الموت.

стр. 1217

و ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: جواب ﴿إِذَا﴾. وقرئ: (توفته) بالتاء (١) على تأنيث الجماعة، وحذفت لام الفعل لسكونها وسكون التاء، وبِأَلِفٍ مُمالة (٢) على إرادة الجمع، ويحتمل أن يكون مضارعًا بمعنى تتوفاه، وبه قرأ بعض القراء (٣). ومعني ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، أي: استوفت روحه. والرسل: مَلَكُ الموتِ وأعوانه، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ الجمهور على تشديد الراء، من التفريط وهو التقصير والتضييع، يقال: فرّط في الأمر، إذا قصر فيه وضيعه، أي: لا يقصرون فيما أمروا به ولا يضيعونه. وقرئ: بالتخفيف (٥) من الإِفراط، وهو مجاوزة الحد، يقال: أفرط في الأمر، إذا جاوز فيه الحد، أي: لا يزيدون على ما أمروا. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أصله: رُدِدُوا، فحذفت كسرة الدال لأجل الإِدغام، وبقيت الراء على الأصل وهو الضم، وعليه الجمهور. وقرئ: بكسر الراء (٦) على أنَّها منقولة من عين الكلمة بعد

стр. 1218

أن أزيلت حركة الراء؛ لأنَّها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى تنبيها على أصل الكلمة. و﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: كلاهما صفة لاسم الله ، وقيل: ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ بدل، ﴿الْحَقِّ﴾ صفة (١). وقرئ: (الحقَّ) بالنصب (٢) على المدح، كما تقول: الحمد لله الحقَّ، والمراد به الله جل ذكره، بمعنى: ردوا إلى سيدهم ومالكهم الحق، أي العدل الذي لا يحكم إلّا بالحق. وقيل: هو نعت لمصدر محذوف، أي: الردَّ الحقَّ (٣)، والأول هو الوجه بشهادة قراءة الجمهور. وقوله: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ روي: أن الله يَفْرُغُ من حساب الخلق في قَدْرِ نِصْفِ يوم من أيام الدنيا (٤). وقيل: إنما قال: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لأنه يحاسب العبد عن غير روية ولا تدبر، بخلاف حساب المخلوقين (٥). ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ

стр. 1219

هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾: قوله : ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ (من) استفهام على طريق التقرير في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾. وقرئ: (ينجِّيكم) بالتشديد من نجَّى، وبالتخفيف (١) من أنجى، ويعضد الأولى: ﴿نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ (٢)، وينصر الثانية: ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ (٣)، وكلاهما بمعنى واحد، بشهادة قوله : (وأوصَى بها إبراهيمُ). وقرئ: ﴿وَوَصَّى﴾ (٤). ﴿تَدْعُونَهُ﴾: في موضع الحال من الكاف والميم في ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾، ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾: مصدران في موضع الحال من الواو في ﴿تَدْعُونَهُ﴾، أي: متضرعين ومخفين، أي ذوي تضرع وذوي خفية. وقيل: هما مصدران (٥)؛ لأنَّ تدعون بمعنى تتضرعون تضرعًا، وتخفون خفية. وقرئ: (خُفيه) بضم الخاء وكسرها، وهما لغتان (٦). وقوله: (لئن أنجيتنا) (٧) على إرادة القوله. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الظلمة والشدة.

стр. 1220

وقرئ: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ (١) على لفظ الخبر عن غائب لقوله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾: قوله : ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿أَنْ يَبْعَثَ﴾، وأن يكون صفة لعذاب، ومثله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ واختلف في معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الرجم، و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسف (٢). وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الطوفان، و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الريح (٣). وقيل: هو حَبْسُ المطر والنبات (٤). وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ عطف على ﴿أَنْ يَبْعَثَ﴾. و ﴿شِيَعًا﴾ جمع شِيعة، وهو منصوب على الحال من الكاف والميم. والمعنى: أو يَخلِطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، كلّ فرقة منكم مشايعة لإِمام، قيل: ومعنى خَلْطِهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال من قوله: ٢٠١ - وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبةٍ ... حتى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لها يَدي (٥)

стр. 1221

وهو معنى قوله جل ذكره: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، أي بالخلاف والقتال. ﴿وَيُذِيقَ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يَبْعَثَ﴾، و ﴿بَأْسَ﴾ مفعول ثانٍ ليذيق، تقول: ذقت الشيء، وأذقته فلانًا. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾: قوله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ اختلِف في الضمير في (به): فقيل: للعذاب (١). ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: لا بد من أن ينزل بهم. وقيل: للقرآن، عن الحسن وغيره (٢). وقيل: لتصريف الآياتِ (٣). وقوله: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (على) متعلق بوكيل، أي: بحفيظ، كقوله في موطن آخر: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٤)، أي: أحفظكم من أن تكفروا أو تكذبوا إنما أنا منذر. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾: قوله : ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ (مستقر) رفع بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، وهو مصدر بمعنى الاستقرار، أو موضع الاستقرار، أو وقت الاستقرار، والحصول لا بد منه (٥). ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾:

стр. 1222

قوله ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الخوض: الدخول في الشيء والشروع فيه، وأصله: الخوض في الماء. والضمير في لأبيه ﴿غَيْرِهِ﴾ راجع على معنى الآياتِ؛ لأنَّها ذِكْر وحديث وقرآن، فلذلك ذُكِّر. وقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ﴾ إنْ: حرف شرط، و (ما) صلة، ولولاها ما أكد الفعل بالنون. وقرئ: (يُنْسِينك) بالتخفيف من أَنْسَي، وبالتشديد (١) من نَسَّى. والهمزة وتضعيف العين كلاهما لتعدية الفعل. فإن قلت: نسي يتعدى إلى مفعول واحد قبل النقل، وبعد النقل إلى اثنين، فأين الثاني ها هنا؟ قلت: محذوف وفيه تقديران: أحدهما: إن أنساك الشيطان نَهْيَنا إياك عن مجالستهم فلا تقعد معهم بعد أن تذكر ذلك النهي. والثاني: إن أنساك الشيطان قُبْحَ مجالسةِ المستهزئين فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم. ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾: قوله ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ محل ﴿ذِكْرَى﴾ إما النصب على المصدر بمعنى: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم، ولكن عليهم أن يذكروهم ذكري، أي: تذكيرًا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أَيْ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم. أو الرفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: ولكن عليهم ذكري، أو بالعكس، أي: هذا ذكرى.

стр. 1223

الزمخشري: بعد أن ذكر بعض ما ذكرت: ولا يجوز أن يكون عطفًا على محل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأنَّ قوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ كما يأبى ذلك (١). ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾: قوله : ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن، ومحل ﴿أَنْ﴾ النصب لكونه مفعولًا من أجله، أي: مخافة أن تبسل، أي: تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء عملها، يقال: أَبْسَلْتُ فلانًا، إذا أسلمتَه للهلكة. قال عوف بن الأحوص (٢): ٢٠٢ - وإبسالي بَنيَّ بغيرِ جُرْمٍ ... بَعَونَاهُ ولا بدَمٍ مُرَاقِ (٣) البَعْوُ: الجناية والجرم، قيل: وكان حَمَل عن عَتِيٍّ (٤) لبني قشير دم ابني السَّجْفِيَّة، فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلبًا للصلح (٥).

стр. 1224

وأصلُ الإبسال: المنع، ومنه: هذا عليك بَسْلٌ، أي: حرام محظور، ومنه قول الشاعر: ٢٠٣ - بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعدَ وَهْنٍ في النَّدَى ... بسْلٌ عليكَ مَلامَتِي وعِتَابِي (١) والباسل: الشجاع لامتناعه مِنْ قَرْنِهِ (٢)، فمعنى (أُبسلوا) على هذا: مُنعوا الجَنَّة ونعيمها، وحُرِموا غفران ربهم ورحمته. وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾؛ (ولي) اسم ليس، و ﴿لَهَا﴾ الخبر. و ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في موضع الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿وَلِيٌّ﴾. ولك أن تجعل الخبر ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، و ﴿لَهَا﴾ صفة لولي مقدمة عليه. ومحل الجملة إمّا النصب على الحال من المستكن في ﴿كَسَبَتْ﴾، أي غير منصورة ولا مشفوعًا لها، أو متخلفة عنهما، أو الرفع على النعت لـ ﴿نَفَسٌ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ إن: شرط، وجوابه ﴿لَا يُؤْخَذْ﴾، و ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ نصب على المصدر لإِضافتها إلى المصدر، كقولك: ضربته أشد الضرب، وصمت أحسن الصيام. الزمخشري: وفاعل ﴿يُؤْخَذْ﴾ قوله: ﴿مِنْهَا﴾ لا ضمير العدل؛ لأنَّ العدل ها هنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ، وأما في قوله: ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ (٣)، فبمعنى المفدِّي به، فصح إسناده إليه (٤).

стр. 1225

وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وهو إشارة إلى المتخذين دينهم لعبًا ولهوًا، وخبره: ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾. وقولِه: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ خبر بعد خبر، أو حال من الضمير في ﴿أُبْسِلُوا﴾. ولك أن تجعل ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ الخبر، و ﴿الَّذِينَ﴾ بدلًا من ﴿أُولَئِكَ﴾. والحميم: الحار الذي قد انتهى حرّه (١). ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾: قوله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وهي في كلا التقديرين نصب بندعو. وفي (ندعو) وجهان: أحدهما: بمعنى أنعبد، أي: أنعبد من دون الله الضار النافع ما لا يملك لنا نفعًا ولا ضرًا؟ والثاني: أنه على أصله وهو الدعاء، كأنه قيل: أنطلب النفع والضر مما لا يقدر عليهما؟ ! و﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنَدْعُوا﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من المستكن في ﴿يَنْفَعُنَا﴾، ولا متعلقًا بقوله: ﴿يَنْفَعُنَا﴾ لتقدمه على الموصول أو الموصوف، والصلة لا تعمل فيما قبل الموصول، وكذلك الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. وقوله: ﴿وَنُرَدُّ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنَدْعُوا﴾.

стр. 1226

و ﴿عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَنُرَدُّ﴾، وأن يكون في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿وَنُرَدَّ﴾، أي: وننكص منقلبين إلى الشرك راجعين إليه بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإِسلام، وأصله من العاقبة والعقبى، وهو ما كان تاليًا للشيء، وواحد الأعقاب: عقب، وهي مؤنثة بشهادة قولهم: عُقَيْبةٌ في تصغيرها. وقوله: ﴿كَالَّذِي﴾ محل الكاف النصب إما على الحال من المستكن في ﴿وَنُرَدُّ﴾، أي: ونرد مشبهين من استهوته مردة الجنّ والغيلان على ما فسر (١)، أي: هوت به وأذهبته. قيل: هو استفعال من هَوَى في الأرض، إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبتُ هُوِيَّه وحَرَصَتُ عليه، أو على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: ردًّا مثل رد من استهوته الشياطين. والكلام في استهوته واستهواه، كالكلام في (توفته) و (توفاه) (٢). و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: فيه وجهان: أحدهما: متعلق باستهوته وهو الجيد. والثاني: حال إما من الهاء في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾، أو من المنوي في ﴿حَيْرَانَ﴾. و﴿حَيْرَانَ﴾: منصوب على الحال من الهاء في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾، أو من المستكن في الظرف إن جعلته حالًا، أو من الذي، أي: تائهًا ضالًا عن السبيل لا يدري كيف يصنع؟ والحيران: الذي يتردد في الأمر، فلا يهتدي إلى مخرج منه، وهو لا ينصرف؛ لأنه فعلان ومؤنثه فعلى، كسكران وسكرى.

стр. 1227

وقوله: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ محل الجملة النصب إما على الحال من المستتر في ﴿حَيْرَانَ﴾، أو على أنَّها صفة لحيران، ولك أن تجعلها مستأنفه. و ﴿إِلَى﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَدْعُونَهُ﴾. وقوله: ﴿ائْتِنَا﴾ أي: يقولون له ائتنا، أي: تابعنا فيما نحن فيه. وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا﴾ في موضع نصب بالعطف على قوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ على أنَّهما مقولان (١)، كأنه قيل: قل هذا، و: قل أمرنا. وقوله: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَأُمِرْنَا﴾، وهي تعليل للأمر، أي: أمرنا لأجل أن نسلم، أي للإسلام. قال أبو إسحاق: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإِلصاق، والمعنى: وقع الأمر بهذا الفعل. ومن قال: أمرتك أن تفعل، فعلى حذف الباء. ومن قال: أمرتك لتفعل، فقد أخبر بالعلة التي لها وقع الأمر، المعنى: أمرنا للإِسلام، انتهى كلامه (٢). ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾: قول : ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطف على ﴿لِنُسْلِمَ﴾ (٣)، كأنه قيل: أمرنا لأنَّ نسلم ولأن أقيموا، أي: للإِسلام ولإِقامة الصلاة (٤).

стр. 1228

قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون محمولًا على المعنى، لأنَّ المعنى: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة، وموضع (أن) نصبٌ، لأنَّ الباء لما سقطت أفضى الفعل فنصب (١). قلت: ويجوز أن يكون محلها الجر على إرادة الجار على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢). وقيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٣)، أي: وقل أن أقيموا (٤). ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انتصب (يوم) على أَحَدِ خمسةِ أوجهٍ: إما بالعطف على الهاء في قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ (٥)، على معنى: واتقوا عذاب يوم، أو هول يوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٦). أو بالعطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، أي: خلق السماوات وخلق يوم يقول، وإنما جاز أن يكون معطوفًا على السماوات ولم يكن موجودًا وقت

стр. 1229

الإِخبار؛ لأنَّ ما أخبر الله جل ذكره بكونه فهو بمنزلة ما قد كان (١)، وله نظائر في التنزيل، وشهرتها تغني عن ذكرها. أو على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول، يعضده ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ (٢)؛ لأنه منصوب بإضمار واذكر إذ قال. أو بكونه خبر قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾، كقولك: يوم الجمعة الخروج، فـ ﴿قَولُهُ﴾: مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ نعته، و ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ خبره، والواو للمُخْبَرِ عنه في التقدير، أي: وقوله الحق يوم يقول. فمحله على الوجه الأول والثاني والثالث النصب لكونه مفعولًا به، وعلى الرابع الرفع لكونه خبر المبتدأ، فاعرفه. أو بكونه ظرفًا لمعنى الجملة التي هي ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾، أي: يحق قوله في ذلك اليوم، فـ ﴿قَوْلُهُ﴾ على هذا مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره. وقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: فهو يكون، وكان هنا التامة، وكذلك ﴿كُنْ﴾. واختلف في فاعل (يكون)، فقيل: ضمير اليوم (٣). وقيل: ضمير المنفوخ فيه من الصور، وما ذكر من الصور يدلُّ عليه (٤). وقيل: جميع ما يخلقه الله في ذلك الوقت (٥)، أي: ويوم يقول للشيء: كن فيكون (٦). قال أبو إسحاق: وذكر هذا ليدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه يقول للخلق: موتوا فيموتون، وانتشروا فينتشرون (٧).

стр. 1230

وقيل: ﴿قَوْلُهُ﴾ (١). و ﴿الْحَقُّ﴾ صفته، أي: ويوم يقول لقوله الحق - أي: لقضائه الحق - كن فيكون قولُه الحق. قال أبو إسحاق: أي: يأمر فيقع أمره، كما تقول: قد قُلْتَ فكان قولك، فالمعنى ليس أنك قلت فكان الكلام، إنما المعنى أنه كان ما دل عليه القول (٢). وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٣)، أي: وله الملك في ذلك اليوم. وأن يكون حالًا من ﴿الْمُلْكُ﴾ على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في ﴿وَلَهُ﴾ على رأي صاحب الكتاب، والعامل على كلا القولين ﴿وَلَهُ﴾، وأن يكون خبر قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أو ظرفًا له، أو ليقول في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾، وأن يكون بدلًا من ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾، والمختار: الوجه الأول للقرب ولسلامته من الاعتراض. وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب، وأن يرتفع بقوله: ﴿يَقُولُ﴾، أو بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾، كأنه قيل: من ينفخ فيه؟ فقال: عالمُ الغيب، تعضده قراءة من قرأ: (يَنفُخ) بفتح الياء وضم الفاء على البناء للفاعل (٤) وهو الله جل ذكره. وإنما جاز أن يكون الفعل منسوبًا إليه وهو لغيره؛ لأنه بأمره وقوته،
следующие страницы →