← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

و ﴿عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَنُرَدُّ﴾، وأن يكون في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿وَنُرَدَّ﴾، أي: وننكص منقلبين إلى الشرك راجعين إليه بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإِسلام، وأصله من العاقبة والعقبى، وهو ما كان تاليًا للشيء، وواحد الأعقاب: عقب، وهي مؤنثة بشهادة قولهم: عُقَيْبةٌ في تصغيرها. وقوله: ﴿كَالَّذِي﴾ محل الكاف النصب إما على الحال من المستكن في ﴿وَنُرَدُّ﴾، أي: ونرد مشبهين من استهوته مردة الجنّ والغيلان على ما فسر (١)، أي: هوت به وأذهبته. قيل: هو استفعال من هَوَى في الأرض، إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبتُ هُوِيَّه وحَرَصَتُ عليه، أو على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: ردًّا مثل رد من استهوته الشياطين. والكلام في استهوته واستهواه، كالكلام في (توفته) و (توفاه) (٢). و﴿فِي الْأَرْضِ﴾: فيه وجهان: أحدهما: متعلق باستهوته وهو الجيد. والثاني: حال إما من الهاء في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾، أو من المنوي في ﴿حَيْرَانَ﴾. و﴿حَيْرَانَ﴾: منصوب على الحال من الهاء في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾، أو من المستكن في الظرف إن جعلته حالًا، أو من الذي، أي: تائهًا ضالًا عن السبيل لا يدري كيف يصنع؟ والحيران: الذي يتردد في الأمر، فلا يهتدي إلى مخرج منه، وهو لا ينصرف؛ لأنه فعلان ومؤنثه فعلى، كسكران وسكرى.

стр. 1227

وقوله: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ محل الجملة النصب إما على الحال من المستتر في ﴿حَيْرَانَ﴾، أو على أنَّها صفة لحيران، ولك أن تجعلها مستأنفه. و ﴿إِلَى﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَدْعُونَهُ﴾. وقوله: ﴿ائْتِنَا﴾ أي: يقولون له ائتنا، أي: تابعنا فيما نحن فيه. وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا﴾ في موضع نصب بالعطف على قوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ على أنَّهما مقولان (١)، كأنه قيل: قل هذا، و: قل أمرنا. وقوله: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَأُمِرْنَا﴾، وهي تعليل للأمر، أي: أمرنا لأجل أن نسلم، أي للإسلام. قال أبو إسحاق: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإِلصاق، والمعنى: وقع الأمر بهذا الفعل. ومن قال: أمرتك أن تفعل، فعلى حذف الباء. ومن قال: أمرتك لتفعل، فقد أخبر بالعلة التي لها وقع الأمر، المعنى: أمرنا للإِسلام، انتهى كلامه (٢). ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾: قول : ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطف على ﴿لِنُسْلِمَ﴾ (٣)، كأنه قيل: أمرنا لأنَّ نسلم ولأن أقيموا، أي: للإِسلام ولإِقامة الصلاة (٤).

стр. 1228

قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون محمولًا على المعنى، لأنَّ المعنى: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة، وموضع (أن) نصبٌ، لأنَّ الباء لما سقطت أفضى الفعل فنصب (١). قلت: ويجوز أن يكون محلها الجر على إرادة الجار على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢). وقيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٣)، أي: وقل أن أقيموا (٤). ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾: قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ انتصب (يوم) على أَحَدِ خمسةِ أوجهٍ: إما بالعطف على الهاء في قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ (٥)، على معنى: واتقوا عذاب يوم، أو هول يوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٦). أو بالعطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، أي: خلق السماوات وخلق يوم يقول، وإنما جاز أن يكون معطوفًا على السماوات ولم يكن موجودًا وقت

стр. 1229

الإِخبار؛ لأنَّ ما أخبر الله جل ذكره بكونه فهو بمنزلة ما قد كان (١)، وله نظائر في التنزيل، وشهرتها تغني عن ذكرها. أو على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول، يعضده ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ (٢)؛ لأنه منصوب بإضمار واذكر إذ قال. أو بكونه خبر قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾، كقولك: يوم الجمعة الخروج، فـ ﴿قَولُهُ﴾: مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ نعته، و ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ خبره، والواو للمُخْبَرِ عنه في التقدير، أي: وقوله الحق يوم يقول. فمحله على الوجه الأول والثاني والثالث النصب لكونه مفعولًا به، وعلى الرابع الرفع لكونه خبر المبتدأ، فاعرفه. أو بكونه ظرفًا لمعنى الجملة التي هي ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾، أي: يحق قوله في ذلك اليوم، فـ ﴿قَوْلُهُ﴾ على هذا مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره. وقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: فهو يكون، وكان هنا التامة، وكذلك ﴿كُنْ﴾. واختلف في فاعل (يكون)، فقيل: ضمير اليوم (٣). وقيل: ضمير المنفوخ فيه من الصور، وما ذكر من الصور يدلُّ عليه (٤). وقيل: جميع ما يخلقه الله في ذلك الوقت (٥)، أي: ويوم يقول للشيء: كن فيكون (٦). قال أبو إسحاق: وذكر هذا ليدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه يقول للخلق: موتوا فيموتون، وانتشروا فينتشرون (٧).

стр. 1230

وقيل: ﴿قَوْلُهُ﴾ (١). و ﴿الْحَقُّ﴾ صفته، أي: ويوم يقول لقوله الحق - أي: لقضائه الحق - كن فيكون قولُه الحق. قال أبو إسحاق: أي: يأمر فيقع أمره، كما تقول: قد قُلْتَ فكان قولك، فالمعنى ليس أنك قلت فكان الكلام، إنما المعنى أنه كان ما دل عليه القول (٢). وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٣)، أي: وله الملك في ذلك اليوم. وأن يكون حالًا من ﴿الْمُلْكُ﴾ على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في ﴿وَلَهُ﴾ على رأي صاحب الكتاب، والعامل على كلا القولين ﴿وَلَهُ﴾، وأن يكون خبر قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أو ظرفًا له، أو ليقول في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾، وأن يكون بدلًا من ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾، والمختار: الوجه الأول للقرب ولسلامته من الاعتراض. وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب، وأن يرتفع بقوله: ﴿يَقُولُ﴾، أو بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾، كأنه قيل: من ينفخ فيه؟ فقال: عالمُ الغيب، تعضده قراءة من قرأ: (يَنفُخ) بفتح الياء وضم الفاء على البناء للفاعل (٤) وهو الله جل ذكره. وإنما جاز أن يكون الفعل منسوبًا إليه وهو لغيره؛ لأنه بأمره وقوته،

стр. 1231

كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). وقرئ: (عالمِ الغيبِ) بالجر (٢) على البدل من الهاء في (له) (٣) ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ أي: واذكر إذ قال. و ﴿آزَرَ﴾ عطف بيان ﴿لِأَبِيهِ﴾، أو بدل منه. واختلف في وزنه، فقيل: فاعَلُ، كعازر وشالخ وشبههما من الأسماء بالسريانية، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف، وقيل: وزنه أفعل، والمانع له من الصرف أيضًا العجمة والتعريف، هذا على قول من لَمْ يجعله مشتقًا من الأزر وهو القوة، أو الوزر وهو الإِثم، أو المؤازرة وهي المعاونة، يقال: آزرت فلانًا، إذا عاونته. ومن جعله مشتقًا من واحد منهن كان عربيًا عنده والمانع له من الصرف التعريف ووزن الفعل. واختلف في آزر، فقيل: هو اسم أبي إبراهيم ﵇ (٤)، وقيل: إن اسمَه بالسريانية تارَحُ، وهذا يعضد قول من قال: إن وزنه فاعل،

стр. 1232

كالمذكورين من أسمائهم بالسريانية (١)، وقيل: هو اسم صنم (٢)، فيكون منصوبًا بفعل مضمر، كأنه قال: أتعبد آزر، أو أتتخذ آزر معبودًا. وقرئ: (آزرُ) بالضم (٣) على النداء، كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: نُبِزَ به (٥) للزومه عبادته. والثاني: أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه، عذا إذا جعلته اسم صنم، وأما إذا جعلته اسم أبي إبراهيم ﵇ فوجهه ظاهر. وعن الفراء: أن آزر صفة ذم بلغتهم، كأنه قال: يا مخطئ (٦). وقرئ أيضًا: (أَأَزْرًا) بهمزتين مفتوحتين وزاي ساكنة وراء منصوبة منونة، (تتخذ) بغير همزة (٧)، على أنَّه اسم صنم، وهو منصوب بفعل مضمر تقديره: أتعبد أزرًا، على الإِنكار، أو أتتخذ أزرًا، ثم قال: تتخذ أصنامًا

стр. 1233

آلهة، تثبيتًا لذلك وتقريرًا له، وهو داخل في حكم الإِنكار؛ لأنه كالبيان له. وقرئ كذلك إلَّا أن الهمزة الثانية مكسورة (١)، وهو اسم صنم أيضًا، وانتصابه على ما ذكر آنفًا. وقيل: هو مشتق من الأَزْرِ وهو القوة، أو من الوِزْر وهو الإِثم، وأبدلت الواو همزة، كما أبدلت في وشاح حيث قالوا: إشاح، فيحتمل على هذا أن يكون مفعولًا من أجله، والمعنى: اللتجبر، أو للتكبر أو للإِثم تتخذ أصنامًا آلهة؟ (٢). فإن قلت: المفعول من أجله من شرطه أن يكون غرضًا لفاعل الفعل المعلل، وليس الإثم بغرض، فكيف يصح أن يكون مفعولًا من أجله؟ قلت: أجل الأمر كما زعمتَ، لكن قد يأتي في كلام القوم ما لا يصح وصفه بالغرض، وهو مع ذلك منصوب على أنَّه مفعول من أجله، نحو قولهم: قعد عن الحرب جبنًا، وفعل ذلك عجزًا، فالجبن والعجز كلاهما لا يكون مقصودًا، كما يكون التقويمُ مقصودًا في قولك: ضربته تقويمًا له، إلَّا أنه لا يخرج عنه، وإن لَمْ يكن مقصودًا من حيث إن القعود عن الحرب هو الجبن في المعنى، كما أن الضرب هو التقويم. فكذلك اتخاذ الأصنام من دون الله آلهة هو الإِثم في المعنى، ويقال: ما المعنى في اتخاذه كذا؟ فيقال: الإِثم، ونحو هذا وإن لَمْ يصح إطلاق لفظ الغرض عليه لكن يصح أن يقال فيه: هو سبب وهو علة، وقد نُبِّهَ على نحو هذا فيما سلف من الكتاب.

стр. 1234

وقد جوز فيه (١) وجه آخر: وهو أن يكون صفة لأصنام، كأنه قيل: أتتخذ أصنامًا مطرودة الهة، فلما قدمت عليها وعلى العامل فيها نصبت على الحاله. و﴿أَصْنَامًا﴾: مفعول أول، و ﴿آلِهَةً﴾ لأبي ثان، والذي سَوَّغَ جَعْلَ المفعول الأول نكرة: حصول الفائدة من الجملة، وقد جوز في المفاعيل ما لَمْ يجوز في المبتدأ. وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ﴾ فَي فيه وجهان: أن يكون أرى هنا من رؤية القلب؛ لأنَّ الضلال قد يكون اعتقادًا فلا يُرى بالبصر، وأن يكون من رؤية البصر؛ لأنه أراد عبادة الْأَصْنَامَ، وهي مرئية، فقوله: ﴿فِي ضَلَلٍ﴾ على الوجه الأول: مفعول ثان، وعلى الثاني: حال. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ الكاف يحتمل أن يكون في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: نريه ملكوت السماوات والأرض إراءة مثل إراءتنا إياه ما كان عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام، وهو قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) وأن يكون في موضع رفع على الابتداء، والخبر ﴿نُرِي﴾، أي: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرفه ونبصره ملكوت السماوات والأرض، أو بالعكس، أي: والأمر كذلك، أي: كما رآه من ضلالتهم. وقيل: ﴿نُرِي﴾ من رؤية القلب (٣)، و ﴿وَكَذَلِكَ﴾: المفعول الثالث. و ﴿نُرِي﴾ حكاية حال ماضية.

стр. 1235

وقرئ: (تُرِيْ إبراهيمَ ملكوتُ السماوات) بالتاء النقط من فوقه ورفع الملكوت (١) على الفاعلية على معنى: تبصره دلائل الربوبية والإلهية. والملكوت: الملك، والواو والتاء مزيدتان للمبالغة كاللتين في الجبروت، والرحموت، والرهبوت. وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ عطف على محذوف، أي: عرّفنا إبراهيم ذلك ليستدل وليكون من الموقنين. وقيل: التقدير: وليكون من الموقنين أريناه (٢). ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ قيل: هذا عطف على ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ (٣)، وما بينهما معترض، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، وقد مضى الكلام على (لما) وأصلها فيما سلف من الكتاب. ومعنى ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾: أي ستره بظلمته، يقال: جَنَّ عليه الليل يَجُنُّ جُنونًا، وجَنَّه الليل أيضًا وأجنه إجنانًا بمعنًى، إلّا أن بين قولهم: جن عليه الليل، وجنه الليل فُرَيْقًا في المعنى. وذلك أن قولهم: جن عليه، بمعنى أظلم عليه، فلذلك عُدِّي بالجار، وجنَّهُ، بمعنى ستره، ولذلك عُدي بنفسه، فاعرفه. وقوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (رأى) يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، وعامل لمّا وجوابها ﴿قَالَ﴾، وأن يكون عاملها

стр. 1236

وجوابها (رأى)، و (قال) حالًا من المستكن في ﴿رَأَى﴾، أي: رائيًا، أو قائلًا، وأيهما جعلته حالًا كانت قد معه مرادة. و﴿هَذَا رَبِّي﴾ مبتدأ وخبر، واختلف في معناه: فقيل: معناه الاستفهام، أي: أهذا ربي؟ وهمزة الاستفهام قد تحذف إذا دل عليها الدليل إمّا من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ (١). وقيل: هو على حذف القول، كأنه قال: يقولون: هذا ربي (٢). وكان فيما ذكر أهل التفسير أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، فأراد خليل الرَّحمن صلوات الله وسلامه عليه أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، إذ بهما يُعرَف الحقُّ سبحانه مع ما جاء به الشارع ﵇ (٣). وقيل: قال ذلك في حال الطفولية، ولم يُوحَ إليه، يدلُّ على ذلك قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ (٤). وقيل: معناه: هذا ربي على زُعْمِكم، كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٥)، أي: أين شركائي على زَعْمِكم، فأضافهم إلى نفسه حكاية لقولهم (٦).

стр. 1237

وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، يقال: أَفَلَ الشيءُ يَأْفِلُ ويَأْفُلُ أُفُولًا، أي: غاب. ومعنى ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال؛ [لأن ذلك من صفات المخلوقين لا من صفات رب العالمين. قيل: وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال]؛ لأنَّ الاحتجاج بالأفول أظهر؛ لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب (١). ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾: قوله : ﴿رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ و ﴿الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ كلاهما منصوب على الحال، لأنَّ رأى هنا من رؤية العين. ومعنى بازغًا: أي مبتدئًا في الطلوع، يقال: بَزَغَ القمر يَبْزُغُ بزوغًا، إذا ابتدأ في الطلوع، وكذلك الشمس، وإنما قال ﴿هَذَا﴾ والإِشارة إلى الشمس، والشمس مؤنثة، ليكون المُخْبَرُ عنه كالخبر، لكونهما عبارة عن شيء واحد، حقولهم: من كانت أمك؟ و ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٢). قيل: وكان اختيار هذه الطريقة واجبًا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث، ألا تراهم قالوا في صفة الله جل ذكره: علّام، ولم يقولوا: علامة، وإن كان العلّامة أبلغ احترازًا من علامة التأنيث (٣)، أو لأنَّ الشمس والضياء بمعني، كما أن الموعظة والوعظ كذلك، ويحتمل أن يكون قصد الجِرْمَ، أو

стр. 1238

الشخصَ، أو الشيءَ، وهذا باب والممع (١). وقوله: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: أكبر من المذكورَين، وهما الكواكب والقمر. قال الرماني: فإن قيل: لَمْ جاز تعريف الشمس بالألف واللام وهي واحدة لا ثاني لها ولم يجز تعريف زيد ونحوه بهما؟ . فالجواب: أن للشمس شعاعًا يقع عليه اسم شمس فصارت من أجل شعاعها كالجنس، فلما قصد إلى جِرْمِ الشمس احتيج إلى التعريف، وإذا قصد إلى الشعاع فالتعريف على طريق الجنس، أو الواحد من الجنس، وليس كذلك الاسم العلم. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾: قوله : ﴿حَنِيفًا﴾: منصوب على الحال إمّا من التاء في ﴿وَجَّهْتُ﴾، أو من ﴿وَجْهِيَ﴾، أي: مائلًا إلى الإِسلام ميلًا لا رجوع معه، وقد مضى الكلام على الحنيف وأصله فيما سلف من الكتاب (٢). ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾: قوله : ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾، قرئ: بتشديد النون (٣)، على إدغام النون التي هي علامة رفع الفعل في النون التي زيدت من أجل ياء النفس كراهية اللفظ بالمِثلين. وقرئ: بالتخفيف (٤)، على حذف إحدى النونين كراهية التضعيف.

стр. 1239

قال أبو علي: والتضعيف يكره، فيتوصل إلى إزالته تارة بالحذف، نحو: عَلْماءِ بنو فلان (١)، وتارة بالإبدال نحو: ٢٠٤ - .................... ... .... لا أَمْلَاهُ حتى يُفَارِقا (٢) ونحو: ديوان وقيراط، انتهى كلامه (٣). واختلف في المحذوفة، فقيل: هي الثانية وهو الوجه، وإنما كان الوجه؛ لأنَّ الاستثقال بها حصل، وأيضًا فإن الأولى علامة الرفع، وعلامة الرفع لا تحذف إلّا بعامل. وقيل: المحذوفة هي الأولى؛ لأنَّ الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل ياء النفْس لِئلا يدخل الفعلَ كسرٌ، ونونُ الرفع لا يجوز كسرها. قلت: إذا كان لا يجوز كسرها فحذفها أجدر ألا يجوز، والأول هو الوجه وعليه الجُلّ (٤). وقوله: و ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ لا يعني إلى التوحيد. ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: (ما) تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وهي في موضع نصب بـ ﴿أَخَافُ﴾. والضمير في ﴿بِهِ﴾ يحتمل أن يكون لله جل ذكره، وعائد ﴿مَا﴾

стр. 1240

محذوف، أي: ولا أخاف المعبود الذي تشركونه بالله، وأن يكون لـ ﴿مَا﴾، أي: ولا أخاف الذي تشركون بسببه. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾: (أن) وما عملت فيه في موضع نصب على الاستثناء، أي: إلّا وقت مشيئته، فحذف الوقت. والمعنى: لا أخافُ معبودكم في وقت قط؛ لأنه لا يقدر على نفع ولا ضر إلّا إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهته لسبب لا يَعْرف حقيقته إلّا هو. و﴿شَيْئًا﴾: يحتمل أن يكون مصدرًا مؤكدًا، كضربت ضربًا، وأن يكون مفعولًا به. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: (علمًا) منصوب على التمييز، أي: وسع علمه كلّ شيء، وإذا كان كذلك فلا يُستبعَد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي لمصلحةٍ يَرَى. ولك أن تنصب ﴿عِلْمًا﴾: على المصدر على تضمين ﴿وَسِعَ﴾ معنى علم، أي: علم كلّ شيء علمًا. ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾: قوله : ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، وعائدها محذوف، وهي في موضع نصب بـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿وَلَا تَخَافُونَ﴾: عطف على ﴿أَخَافُ﴾. ﴿مَا لَمْ﴾: (ما) موصولة، وتحتمل أن تكون موصوفة، وهي في موضع نصب بـ ﴿أَشْرَكْتُمْ﴾. و﴿سُلْطَانًا﴾: نصب بـ ﴿يُنَزِّلْ﴾، وهو نهاية صلة ﴿مَا﴾. والسلطان هاهنا: الحُجَّةُ، أي: ما لَمْ يُنزل بإشراكه حجةً؛ لأنَّ ﴿أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ﴾ في معنى إشراككم.

стр. 1241

و ﴿عَلَيْكُمْ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾، وأن يكون حالًا من سلطان لتقدمه عليه. وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ ابتداء وخبر، قيل: والمعنى: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازًا من تزكية نفسه، فعدل عنه إلى قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ يعني: فريقي المشركين والموحدين. ومعنى ﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾: أي أحق بأن يأمن من العذابِ الموحِّدُ أم المشركُ؟ لا - ورب العزة - الموحِّدُ أحق. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الذين) رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿بِظُلْمٍ﴾، و ﴿أُولَئِكَ﴾ ابتداء ثان، أو بدل منه. و﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾: الأمن ابتداء ثالث، أو ثان إن جعلت ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا، و (لهم) خبر الأمن، و ﴿بالْأَمْنِ﴾ وخبره خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، و ﴿أُولَئِكَ﴾ وخبره خبر ﴿الَّذِينَ﴾، أو خبر ﴿الَّذِينَ﴾ إن جعلت ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا. ولك أن ترفع ﴿الَّذِينَ﴾ على: هم الذين، وأن ترفع ﴿بالْأَمْنِ﴾ بـ ﴿لَهُمُ﴾ على المذهبين؛ لاعتماده على ما قبله. ومعنى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أي لَمْ يخلطوه بشرك، كذا فسَّرَ رسول الله ﷺ الظلم هنا بالشرك، كما قال لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١).

стр. 1242

واختُلِف فيه، فقيل: هذا متصل بقول إبراهيم ﵇ (١). وقيل: هو مستأنف من قول الله حكاية عن إبراهيم ﵇ (٢). وقيل: هو جواب قومه حين سألهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ فَأَتوا بما هو حجة عليهم (٣). ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾: قوله : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا﴾: (تلك) رفع بالابتداء، وهي إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم ﵇ على قومه، من لدن قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ على ما فسر (٤). واختلف في خبر الابتداء، فقيل: ﴿حُجَّتُنَا﴾. ﴿آتَيْنَاهَا﴾ هي في موضع الحال من الحجة، والعامل فيها معنى الإِشارة، وقيل ﴿آتَيْنَاهَا﴾ هو الخبر، و ﴿حُجَّتُنَا﴾ بدل من ﴿وَتِلْكَ﴾ (٥). و﴿عَلَى﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بآتينا، وأن يكون حالًا من الهاء في ﴿آتَيْنَاهَا﴾، أي: آتيناها حجة أو بينة أو دليلًا على قومه، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بـ ﴿حُجَّتُنَا﴾ إن جعلت ﴿آتَيْنَاهَا﴾ الخبر؛ لأنَّها مصدر، ولا يجوز الفصل بين المصدر وصلته بالخبر.

стр. 1243

ومعنى ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: أرشدناه إليها، ووفقناه لها. وقوله: ﴿نَرْفَعُ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿آتَيْنَاهَا﴾ المرفوع. وقرئ: (درجَاتِ مَن) بترك التنوين (١) على الإِضافة، وهو مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾، ورَفْعُ درجة الشخص رَفْعٌ له، يعضده قوله ﵊: "اللهم ارفع درجته" (٢). وقرئ: بالتنوين (٣)، فـ ﴿مَّن﴾ على هذا في موضع نصب لكونه مفعول ﴿نَرْفَعُ﴾، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ فعول ثان لنرفع على إرادة الجار، أي: نرفع من نشاء إلى درجات، أو ظرف له، وقيل: حال، أي: عاليًا، وقيل: تمييز، والوجه هو الأول (٤). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾: قوله : ﴿﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الضمير في ﴿لَهُ﴾ لإِبراهيم، وإسحاق هو ولده لصلبه، ويعقوب ولد إسحاق ﵇.

стр. 1244

وقوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ (كُلًّا) نصب بـ ﴿هَدَيْنَا﴾، أي: كلًّا منهما، أو منهم. ﴿وَنُوحًا﴾ نصب بـ ﴿هَدَيْنَا﴾ الثاني. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هؤلاء المذكورين، فلما قُطع عن الإِضافة بُني. وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضمير في (ذريته) لنوح، و (داود) عطف على ﴿وَنُوحًا﴾، أي: وهدينا من ذريته داود، والمذكورون بعد داود ﵇ كُلٌّ عطف عليه، أعني على نوح، أي: وهدينا من ذريته هؤلاء، وقيل: الضمير في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ لإِبراهيم، أجازه أبو إسحاق وغيره. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الضمير لنوح، وأن يكون لإِبراهيم؛ لأنَّ ذكرهما جميعًا قد جرى (١). والأول هو الوجه وعليه الأكثر؛ لأنَّ من جملة المذكورين بعد داود: يونس ولوطًا، وليسا من ذرية إبراهيم، إنما كانا من ذرية نوح ﵇ فيما ذكر المفسرون (٢). وليس لقائل أن يقول: هما معطوفان على نوح، إذ ليس الوجه في الكلام أن يختلف العطف مع المندوحة عنه، ولو رفع ﴿دَاوُودَ﴾ وما بعده من أسماء الأنبياء ﵈ لكان جائزأً في العربية، وليس لأحد أن يقرأ به؛ لأنَّ القراءة سنة متبعة يأخذها الخلف عن السلف من غير اعتراض. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الكاف في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، وذلك أن الله لما هداهم ووفقهم أحسنوا في أفعالهم وأعمالهم، زادهم هدى وآتاهم تقواهم وثبتهم عليه وجعل ذلك جزاءً لهم، ويفعل مثل ذلك بأمثالهم ونظرائهم، هذا

стр. 1245

معنى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، والإشارة بذلك إلى الهُدَى. وقد مضى الكلام على ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ وما فيه من اللغات في "آل عمران" عند قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا وَزَكَرِيَّا﴾ (١)، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا، وكذا في موسى وعيسى ﵇ والله أعلم. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾: وأما ﴿وَالْيَسَعَ﴾: فقرئ: بلام ساكنة خفيفة وياء مفتوحة (٢)، فالاسم يسعُ وفيه وجهان: أحدهما: هو اسم أعجمي علم، والألف واللام فيه زائدتان وليستا للتعريف؛ لأنَّ التعريف لا يخلو من أن يكون للجنس، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (٣)، أو للعهد كقوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٤) وكلاهما فيه ممتنع، وإذا كان كذلك ثبت أن اللام فيه مزيدة، كما زيدت في أمِّ العمرو، والنَّسْرِ وهو صنم بعينه، وشبههما من الأعلام. والثاني: هو عربي، وهو فعل مضارع سمي به، ولا ضمير فيه، فأعرب ثم نكر، فدخله حرف التعريف، وأصله على هذا القولى (يَوْسِعُ) بكسر السين، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفت في نحو: يعِد لذلك. وإنما فتحت العين من أجل حرف الحلق، كما فتحت في يطأ لذلك، فلما كان الأصلُ الكسرَ وضع الحكم عليه، وحذفت منه الفاء، كما حذفت من وعد يعد وشبهه، ولم يعتد بالفتحة لكونها عارضة مجتلبة لأجل العين.

стр. 1246

وأما من قرأ بلامين (١)؛ فيحتمل أن يكون عربيًا، كضيغم في الصفات، وأصله: ليسَعُ، فدخلت عليه الة التعريف على حد ما تدخل على الصفات، نحو: الحارث والعباس. وأن يكون أعجميًا على فيعل فنُكِّر ثم عُرِّف، وأن تكون فيه مزيدة بمنزلة اليسعِ. وقوله: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا﴾ (كلا) منصوب بفضلنا. ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ وما عطف عليه في موضع النصب عطفًا على ﴿وَكُلًّا﴾ (٢) بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم، أو هدينا هؤلاء، وهدينا بعض آبائهم، هذا قول أبي إسحاق وغيره (٣). و(من) على هذا للتبعيض (٤)، ولك أن تجعلها للبيان بمعنى: وففك كلًّا منهم، أو: وهدينا كلًّا منهم (٥)، يعضده (واجتبيناهم) أي: اصطفيناهم، من جَبَيْتُ الماء في الحوض، وجَبَوتُهُ أيضًا، عن الكسائي، إذا جمعتَه (٦). فالاجتباء: جمع الذي تجتبيه إلى خاصتك. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ و: قوله : ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ لأ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى الهدي،

стр. 1247

دل عليه (هديناهم) (١)، أي: ذلك الهدى هدى الله. و﴿يَهْدِي بِهِ﴾: خبر بعد خبر، ولك أن تجعل ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ لأبي بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الخبر. و ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ محله النصب على الحال إمّا مِن ﴿مَنْ﴾ أو من العائد المحذوف إلى ﴿مَنْ﴾، و ﴿مَنْ﴾ نصب بيهدي. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ ابتداء وخبر، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ الضمير في ﴿بِهَا﴾ للكتاب والحكم والنبوة، أو للنبوة، وقيل: للآيات (٢). و﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى أهل مكة (٣). وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ قيل: هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم (٤). وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ وكل من آمن به (٥). وقيل: كلّ مؤمن من بني آدم (٦). وقيل: هم الملائكة (٧). والتقدير: فقد وكلنا بالإِيمان بها قومًا.

стр. 1248

وقوله: ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الجملة في موضع الصفة للقوم، أي: قومًا غير كافرين بها، والباء في ﴿بِهَا﴾ صلة كافرين، وفي ﴿بِكَافِرِينَ﴾ تأكيد النفي وهو خبر ليس. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هداهم الله. وقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ قدم المفعول للاهتمام، والمعنى: لا تقتد إلّا بهم، وهذا معنى الاهتمام وتقديم المفعول. والإِشارة في ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الأنبياء السالف ذكرهم. والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف تسقط في الدرج إذا جعلت للسكت، ولهذا حذفها في الدرج من حذفها (١)، وأما من أثبتها فيه (٢)، فلثباتها في الرسم، والهاء على هذا ساكنة، وقرئ: بتحريكها من غير صلة، وبتحريكها مع الصلة (٣)، فالهاء على هذا كناية عن المصدر وهو الاقتداء، دل عليه (اقتد)، أي: اقتد الاقتداء، ثم كَنَّى عنه، وعلى هذا قول الشاعر، أنشده أبو علي: ٢٠٥ - هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُهُ ... والمرءُ عند الرُّشَا إن يَلْقَها ذِيْبُ (٤)

стр. 1249

فالهاء ضمير الدرس دل عليه (يدرسه) لا مفعول على أنَّ يكون ضمير القرآن، لأنَّ الفعل الذي هو يدرسه قد تعدى إلى القرآن باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه والى ضميره، كما أنك إذا قلت: زيدًا ضربته، لَمْ تنصب زيدًا بضربت، لتعديه إلى ضميره (١). وقد جوز أن تكون الهاء هاء الضمير على قول من سكنها في الوصل إجراءً للوصل مُجرى الوقف (٢)، وله نظائر في التنزيل وشهرتها تغني عن ذكرها. وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للقرآن، وقيل: للتبليغ (٣). وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى﴾ ابتداء وخبر ﴿هُوَ﴾ ضمير القرآن، أي: موعظة للخلق أجمعين، عن ابن عباس ﵄ (٤). ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾: قوله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (حق) منصوب على المصدر لإِضافته إلى المصدر، وهو في الأصل صفة، أي: قدرًا حق قدره، كقولك: ضربت أشد الضرب، وصمت أحسن الصيام.

стр. 1250

واختلف في معناه، فقيل: ما عظموه حق عظمته، إذ جحدوا ما جاء به الرسل (١). وقيل: ما عرفوه حق معرفته (٢). و﴿إِذْ﴾: ظرف لقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مفعول أنزل، و (من) مزيدة للتوكيد والعموم. وقوله: ﴿نُورًا وَهُدًى﴾ حالان إمّا من ﴿الْكِتَابَ﴾ والعامل ﴿أَنْزَلَ﴾، أو من الضمير ﴿بِهِ﴾ والعامل ﴿جَاءَ﴾، و ﴿بِهِ﴾ مفعول به. وقوله: (يجعلونه) يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا بعد حال، وهي حال مقدرة، أي: مجعولَا في قراطيس، أو ذا قراطيس. وقوله: (يبدونها ويخفون كثيرًا) (٣) قال أبو علي: يحتمل موضعه ضربين: أحدهما: أن يكون صفة القراطيس؛ لأنَّ النكرة توصف بالجمل. والآخر: أن تجعله حالًا من ضمير ﴿الْكِتَابَ﴾ في قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ على أنَّ تجعل ﴿الْكِتَابَ﴾ القراطيس في المعنى؛ لأنه مكتوب فيها، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: كثيرًا منها، والهاء في ﴿تُبْدُونَهَا﴾ للقراطيس. وقرئ: (يجعلونه ... يبدونها ويخفون) بالياء فيهن النقط من تحته (٥)

стр. 1251

حملًا على ما قبله من لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ ﴿إِذْ قَالُوا﴾ ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾. وبالتاء فيهن النقط من فوقه (١) على الخطاب، يعضده: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ في موضع الحال من الفاعل في ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ على قراءة من قرأ بالتاء النقط من فوقه، وقد معه مرادة، أي: وقد علمتم، وأما من قرأ بالياء النقط من تحته، فيحتمل أن يكون مستأنفًا لا موضع له، وأن يكون في موضع الحال أيضًا، ورجع من الغيبة إلى الخطاب. وقوله: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ (ما) موصول في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثان لعلمتم، ويحتمل أن يكون موصوفًا والراجع محذوف، أي: لم تعلموه. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾، فإن قلت: بم ارتفع اسم الله جل ذكره؟ قلت: بمضمر دل عليه ﴿أَنْزَلَ﴾ السالف، أي: أنزله الله، أو بالابتداء والخبر محذوف، أي: الله علمكم، أو الله أنزله، أو بالعكس، أي: المُنْزِلُ الله، أو: هو الله، فإنهم لا يقدرون أن يُنكروا ذلك. وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (في خوضهم) يحتمل أن يكون صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ على أنه ظرف له، وأن يكون حالًا من الهاء والميم في ﴿ذَرْهُمْ﴾. و﴿يَلْعَبُونَ﴾: حال إمَّا من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ والعامل المصدر، والمصدر مضاف إلى الفاعل، أو من الهاء والميم في ﴿ذَرْهُمْ﴾ إذا جعلت ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ ظرفًا لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾، وإن جعلته حالًا منه كان ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالًا من المستكن في

стр. 1252

الحال الأولى، أي: ذرهم خائضين لاعبين، فـ (لاعبين) حال من الضمير في خائضين. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾: قوله : ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ في محل الرفع على النعت لـ ﴿كِتَابٌ﴾، أي: مُنْزَلٌ، وكذا، ﴿مُبَارَكٌ﴾ نعت له أيضًا، أي: كثير المنافع والفوائد، وكذا ﴿مُصَدِّقُ﴾ نعت بعد نعت، وإضافته غير محضة، ولو قرئ (مباركًا) بالنصب على الحال إمّا من الكتاب لكونه موصوفًا، أو من ضميره لكان جائزًا، وكذلك ﴿مُصَدِّقُ﴾ (١). وقوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطف على محذوف دل عليه نعت الكتاب، كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإِنذار. وقرئ: (ولتنذر) بالتاء النقط من فوقه (٢) على الخطاب لرسول الله ﷺ لأنه هو المنذر في الحقيقة، يعضده: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ (٤). وقرئ: بالياء النقط من تحته (٥) على أن المنذر هو الكتاب، والذي جوز ذلك كون الإِنذار فيه، كقولهم: نهارك صائم، وليلك قائم، وقد أَمر الله جل ذكره نبيه ﵊ أن يخوفهم به في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ

стр. 1253

الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٢)، وإذا كان كذلك فلا شبهة في جواز إسناد الإنذار إليه. و﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: نصب بتنذر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أهل أم القرى. و﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: مكة، قيل: وإنما سميت مكة ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾؛ لأن الأرض دحيت من تحتها (٣). وقيل: لأنها قبلة أهل القرى كلها وَحَجُّهم (٤). وقيل: لأنها أول بيت وضع للناس (٥). ولأنها أعظم القرى شأنًا (٦). ﴿وَمَنْ﴾ في موضع نصب عطفًا عليها. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [إمّا] في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والضمير ف ﴿بِهِ﴾ للكتاب، أو للنبي ﷺ . أو في محل النصب عطفًا على ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾، ويكون ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ حالًا من ﴿وَالَّذِينَ﴾، أو من الضمير في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، والأول أظهر، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿يُحَافِظُونَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ من صلة الخبر. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾:

стр. 1254

قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَظْلَمُ﴾، و ﴿مِمَّنِ﴾ من صلة الخبر، و ﴿كَذِبًا﴾ يحتمل وجهين: أن يكون مصدرًا من غير اللفظ، وعليه نصبه، أو يكون في موضع الحال من المستكن في ﴿افْتَرَى﴾، وأن يكون مفعول ﴿افْتَرَى﴾ (١). وقوله: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ عطف على ﴿افْتَرَى﴾، و ﴿إِلَيَّ﴾ في موضع رفع لقيامه مَقام الفاعل، وقد جوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: وأوحي الإيحاء إليّ (٢)، والأول أمتن لاستغنائه عن هذا التقدير. وقوله: ﴿وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ في محل النصب على الحال، إمّا من المستكن في ﴿قَالَ﴾، أو من ياء النفْس في ﴿إِلَيَّ﴾، وهو مسيلمة الكذاب على ما فسر (٣). وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (من) في موضع جر عطفًا على (من) في قوله: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾، أي: وممن قال. و﴿مِثْلَ﴾ يحتمل وجهين: أن يكون مفعول: ﴿سَأُنْزِلُ﴾، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوفٍ، و ﴿مَا﴾ على الوجه الأول: موصولة أو موصوفة، وعلى الثاني: مصدرية، أي: إنزالًا مثل إنزال الله، ومفعول قوله: ﴿سَأُنْزِلُ﴾ و ﴿أَنْزَلَ﴾ على هذا محذوف فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض. وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جواب (لو) ومفعول ترى كلاهما محذوف، أي: ولو رأيت عُداة الله فيما يتقلبون فيه لرأيت أمرًا عظيمًا، و ﴿تَرَى﴾ معمول ﴿إِذِ﴾.

стр. 1255

و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ خبره، قيل: هم الذين ذكرهم من المفترِينَ والمدعِينَ الوَحْيَ، والقائلِين: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) فتكون اللام للعهد، وقد جوز أن تكون للجنس، فيدخل فيه المذكورون لاشتماله (٢). و﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: شدائده وسكراته، واحده غمرة، وغَمْرَةُ كُلِّ شيءٍ: كثرتُهُ ومُعْظَمُهُ. وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ ابتداء وخبر، والأصل باسطون أيديهم، فحذفت النون للإضافة، ومحل الجملة النصب على الحال من المستكن في الظرف، وهو ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾. ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿الظَّالِمُونَ﴾ كما زعم بعضهم (٣)، لعدم العامل في الحال. فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت فأين الراجع إلى ذي الحال من الجملة؟ ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني زيد وأبوه منطلق كان في الجملة ما يعود إلى ذي الحال. قلت: ليس من شرط الجملة التي تقع حالًا أن يكون فيها ذكر يرجع إلى ذي الحال، بل يجوز أن تقول: أتيتك وزيد قائم، ولقيتك والجيش قادم، وقال امرؤ القيس: ٢٠٦ - وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها ... .................. (٤)

стр. 1256

فالواو في (والطير) واو الحال، والجملة في موضع الحال من المستكن في (وقد أغتدي)، وليس فيها ذكر راجع إلى ذي الحال كما ترى، وإنما [لم] (١) يشترط ذلك لأن الحال مفعول فيها، فلا تحتاج الجملة إلى شيء أكثر من الدلالة على أنها مفعول فيها وقد دلت الواو على ذلك، كما أنك إذا قلت: خرج زيد يوم الجمعة، لم تحتج إلى ذِكْرٍ يرجع إلى زيد، وإنما المعنى: خرج زيد في يوم الجمعة. وأغتدي: أفتعل من الغدو، والوكنات: جمع وُكْنَةٍ، وهي مأوى الطائر في الجبال. وقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يبسطون إليهم أيديهم قائلين: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم (٢)، تغليظًا لحالهم، كأنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه إكراهًا له، قيل: وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح والتشديد في الإِزهاق من غير تنفيس وإمهال (٣). والثاني: أن الملائكة يبسطون أيديهم بالعذاب (٤). ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: خلصوها من أيدينا. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾: يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾، وأن يكون ظرفًا لـ ﴿أَخْرِجُوا﴾ على معنى: خلصوها اليوم من أيدينا، وقد ذكر آنفًا. والهُون بالضم: الهوان الشديد. والعذاب: مفعول ثان لتجزون.

стр. 1257

و ﴿تُجْزَوْنَ﴾: يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: أنتم تجزون، وأن يكون حالًا، أي: مجازَين. وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون مفعول ﴿تَقُولُونَ﴾، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: قولًا غير الحق. وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ﴾ عطف على قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: وبما كنتم، وقد جوز أن يكون مستأنفًا (١). و ﴿عَنْ﴾ متعلقة بـ ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ بمعنى: فلا تؤمنون بها. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (فرادى) في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل، أي: منفردين عن أموالكم وأولادكم وأخلاّئكم، وهو جمع فَرْدٍ على غير قياس، كأنه جمع فَرْدَان (٢)، وألفه للتأنيث كالتي في نحو كسالى (٣)، وقيل: هو جَمْعُ فريدٍ، كرديف ورُدافى (٤)، والرُّدَافَى: الأعوانُ، لأنه إذا أعيا أحدُهم خَلَفَه الآخر (٥). وقرئ: (فُرادًا) بالتنوين (٦) على أنه اسم صحيح، يقال في الرفع: فراد كَتُؤَامٍ، وهو جمع عزيز، قال الجوهري: يقال: جاؤوا فُرادًا وفرادى، منونًا

стр. 1258

وغير منون، أي: واحدًا واحدًا (١). و (فُرادَ) (٢) على أنه معدول كثُلاثَ. و (فَرْدَى) (٣) كسَكْرَى. وقوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: جئتمونا مجيئًا مثل مجيئكم يومَ خَلْقِنا لكم، أو انفرادًا مثل خَلْقِنا لكم. وجاء في التفسير: عراة حفاة غُرْلًا (٤). والغُرْلُ: القُلْفُ، يقال: غلام أَغْرَلُ، أي: أقلف، والمعنى: كما خرجتم من بطون أمهاتكم. وقيل: الكاف في موضع الحال، وهي بدل من ﴿فُرَادَى﴾ (٥). و﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ظرف لقوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾. قيل: والمرة في الأصل مصدر مَرَّ يمُرُّ، ثم استعمل ظرفًا اتساعًا، وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل (٦). وقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ﴾ في موضع الحال، وقد معه مرادة، أي: جئتمونا وقد تركتم، ويحتمل أن يكون عطفًا على ﴿جِئْتُمُونَا﴾.

стр. 1259

﴿مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: (ما) موصول في موضع نصب بتركتم. والتخويل: التمليك، يقال: خولته الشيء، أي: ملكته إياه. و﴿وَرَاءَ﴾: ظرف لتركتم، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لخولناكم، كما زعم بعضهم لفساد المعنى. و ﴿مَعَكُمْ﴾: معمول ﴿نَرَى﴾، و ﴿نَرَى﴾ حكاية حال وهي من رؤية العين. وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ: (بينَكم) بالنصب (١)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه ظرف لتقطع، والفاعل مضمر في الفعل، وجاز إضماره لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾؛ لأن هذا الكلام فيه دلالة على التقطع والتهاجر، أي: لقد تقطع وصلكم أو سببكم بينكم، أو وقع التقطع بينكم، كقولك: جُمع بين الشيئين، تريد: أُوقع الجمع بينهما، على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل. والثاني: أن يكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ هو الفاعل تُرك منصوبًا على ما كان عليه في الظرفية، وجاز ذلك حملًا على أكثر أحوال الظرف، وهو قول أبي الحسن (٢)، ونظيره على مذهبه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٣)، فـ (دون) في موضع رفع عنده، وإن كان منصوب اللفظ؛ لأنك تقول: منا الصالحُ، ومنا الطالحُ، فترفع. وقرئ: بالرفع (٤) على إسناد الفعل إلى الظرف، وجاز ذلك لأنه قد اتسع فيه فاستعمل استعمال الأسماء، كما تقول: قوتل خلفُكم وأَمامُكم، وذهب يومُ الجمعة. ويدل على استعمالهم إياه اسمًا قوله :

стр. 1260

﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١)، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (٢). والبين هنا: الوصل، وهو من الأضداد، وفي قراءة عبد الله ﵁: (لقد تقطع ما بينكم) (٣) وهذه تعضد قراءة النصب. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ فيه وجهان: أحدهما: معرفة، والإِضافة محضة، إذ المراد به الماضي. والثاني: نكره على أنه حكاية حال، وعلى هذا الوجه يجوز تنوين ﴿فَالِقُ﴾ ونصب ﴿الْحَبِّ﴾ به، وكذلك ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ (٤). وقرئ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ (٥)، وهذه تعضد الوجه الأول. والفلْقُ: الشق، يقال: فلقت الشيء فلقًا، إذا شققته، والتفليق مثله، واختلف في معناه هنا. فقيل: فلق الحب بالنبات، والنوى بالنخل والشجر (٦). وقيل: هو الشق الذي في الحبة والنواة (٧).

стр. 1261

والنوى: جمع نواة، والنوى: يكون للتمر والخوخ والمشمش وغيرها. وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿يُخْرِجُ﴾ حملًا على المعنى، إذ المراد به اسم الفاعل، وأن يكون عطفًا على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ لا على الفعل. قيل: وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ موقعه موقع الجملة المبينة لقوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ لأن [فَلقَ] الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت؛ لأن النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١). وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى اسم الله جل ذكره، أي: ذلكم المحيي المميت هو الله الذي تحق له الربوبية. وقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تُصْرَفُونَ عنه (٢) وعن تَوَلِّيهِ إلى غيره؟ يقال: أَفَكَهُ يأفِكُهُ أَفْكًا، إذا قلبه وصرفَهُ عن الشيء (٣). ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾: وقوله ، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (الإِصباح) بكسر الهمزة: مصدر أصبح، سُمِّي به الصبح وعليه الجمهور، وقرئ: بفتحها (٤) على أنه جمع صُبْحٍ، كجند وأجناد، وذكر في معناه وجهان:

стр. 1262

أحدهما: فالق ظلمة الإِصباح، وهي النَبَشُ في آخر الليل ومنقضاه الذي يلي الصبح، والغَبَشُ بالتحريك: البقية من الليل. والثاني: فالق الإِصباح - الذي هو عمود الفجر - عن بياض النهار وإسفاره. وقوله: (وَجَاعِلُ الليلِ سَكَنًا) (سكنًا) نصب بفعل محذوف دل عليه (جَاعِلُ)؛ لأن قوله: (وَجَاعِلُ الليلِ) بمنزلة قولك: خالق الليل، فكأنه قيل: كيف خلق؟ وماذا جعله؟ فقيل: جعله سكنًا، هذا إذا كانت الإِضافة حقيقية؛ لأن اسم الفاعل إذا كان في معنى المُضِيّ لم يعمل عمل الفعل، وإذا لم تجعله للمضي وجعلته دالًا على جَعْلٍ مستمر في الأزمنة المختلفة كانت الإِضافة غير حقيقية، وكان ﴿سَكَنًا﴾ مفعول (جَاعِل). والسَّكَن بالتحريك: قيل: ما يسكن إليه الشخص ويطمئن استئناسًا به واسترواحًا إليه من زوج أو صديق حميم، ومنه قيل للنار: سكن " لأنه يستأنس بها (١). قال الشاعر: ٢٠٧ - * وسَكَنٍ تُوقَدُ في مِظَلَّهْ (٢) * والليلُ يَطْمَئِنُّ التَّعِبُ بالنهار، لاستراحته فيه وجَمَامِه، والجَمام بالفتح الراحة. والسكْن بالتسكين: أهل الدار، قال ذو الرمة:

стр. 1263

٢٠٨ - فيا أكرَمَ السَّكْنِ الذين تَحَمَّلوا ... عن الدارِ والمُسْتَخلِفِ المتبدِّلِ (١) وفي الحديث: "حتى إن الرُّمَّانة لتشبع السَّكْنَ" (٢). قيل: ويجوز أن يراد، وجعل الليل مسكونًا فيه، من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (٣) أو ذا سكن. وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الجمهور على النصب فيهما على إضمار فعل دل عليه (جاعل الليل)، أي: وجعل الشمس والقمر حسبانًا، أو بالعطف على محل الليل إذا لم تجعل الإِضافة حقيقية على ما ذكر آنفًا. وقرئا بالجر (٤) عطفًا على لفظ الليل، وبالرفع (٥) على الابتداء، والخبر محذوف، أي: والشمس والقمر مجعولان حسبانًا. والحُسْبان بالضم: مصدر حسَب بالفتح، كما أن الحِسبان بالكسر مصدر حسِب بالكسر (٦). الرماني: تقول العرب: على الله حُسْبَانُ فلان، أي: حسابه (٧).

стр. 1264

وقيل: هو جمع حُسْبانة (١). والقول في انتصابه كالقول في انتصاب ﴿سَكَنًا﴾. أبو الحسن: تقديره: بحسبان، كما قال في موضع آخر: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢)، فسقط حرف الجر فانتصب. قيل: ومعنى جعل الشمس والقمر حسبانًا: جعلهما عَلَمَيْ حُسبان؛ لأن حساب الأوقات يُعْلَمُ بدورِهما وسيرِهما (٣). وقرئ: (وجاعل الليلِ) بألف بعد الجيم وجر الليل (٤) حملًا على ما قبله من لفظ اسم الفاعل وهو ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ و ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾، ليكون فاعل المعطوف مثل فاعل المعطوف عليه إذ كلاهما اسم، والاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم. وقرئ: (وجَعَلَ الليلَ) بغير ألف ونصب الليل (٥) حملًا على المعنى؛ لأن معنى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ فلق الإصباح، وبه قرأ بعض القراء، وقد ذِكر (٦). فلما كان (فاعِلٌ) بمنزلة (فَعَلَ) في المعنى، عطف عليه فَعَل لموافقته في المعنى، ويعضده قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ (٧) ﴿وَهُوَ

стр. 1265

الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ (١) ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة إلى جعلهما حسبانًا، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز الذي قهرهما وسخرهما، العليم بتدبيرهما وتدويرهما. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ قوله : ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرئ: (فمستقِر) بكسر القاف (٣) على أنه اسم الفاعل من استقر، يقال: استقر في مكانه وقرّ، فهو مستقِرٌّ وقَارٌّ بمعنًى، حكى ذلك صاحب الكتاب (٤)، وهو مبتدأ وخبره محذوف، أي: فمنكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب (٥)، وقيل: مستقر فوق الأرض مستودع تحتها (٦). والمستودع: اسم المفعول به، ليكون مثل المستقر في أنه لغير المكان. وقد جوز أن يكون كلاهما اسم المكان، والتقدير على هذا: فلكم مستقر في الرحم أو فوق الأرض، ومستودع: أي مكان تودعون فيه، وهو ما ذكرت آنفًا. وقرئ: (فمستقَر) بفتحها (٧)، على أنه مصدر، ورفعه بالابتداء أيضًا،
следующие страницы →