← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والنوى: جمع نواة، والنوى: يكون للتمر والخوخ والمشمش وغيرها. وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿يُخْرِجُ﴾ حملًا على المعنى، إذ المراد به اسم الفاعل، وأن يكون عطفًا على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ لا على الفعل. قيل: وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ موقعه موقع الجملة المبينة لقوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ لأن [فَلقَ] الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت؛ لأن النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١). وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى اسم الله جل ذكره، أي: ذلكم المحيي المميت هو الله الذي تحق له الربوبية. وقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تُصْرَفُونَ عنه (٢) وعن تَوَلِّيهِ إلى غيره؟ يقال: أَفَكَهُ يأفِكُهُ أَفْكًا، إذا قلبه وصرفَهُ عن الشيء (٣). ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾: وقوله ، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (الإِصباح) بكسر الهمزة: مصدر أصبح، سُمِّي به الصبح وعليه الجمهور، وقرئ: بفتحها (٤) على أنه جمع صُبْحٍ، كجند وأجناد، وذكر في معناه وجهان:

стр. 1262

أحدهما: فالق ظلمة الإِصباح، وهي النَبَشُ في آخر الليل ومنقضاه الذي يلي الصبح، والغَبَشُ بالتحريك: البقية من الليل. والثاني: فالق الإِصباح - الذي هو عمود الفجر - عن بياض النهار وإسفاره. وقوله: (وَجَاعِلُ الليلِ سَكَنًا) (سكنًا) نصب بفعل محذوف دل عليه (جَاعِلُ)؛ لأن قوله: (وَجَاعِلُ الليلِ) بمنزلة قولك: خالق الليل، فكأنه قيل: كيف خلق؟ وماذا جعله؟ فقيل: جعله سكنًا، هذا إذا كانت الإِضافة حقيقية؛ لأن اسم الفاعل إذا كان في معنى المُضِيّ لم يعمل عمل الفعل، وإذا لم تجعله للمضي وجعلته دالًا على جَعْلٍ مستمر في الأزمنة المختلفة كانت الإِضافة غير حقيقية، وكان ﴿سَكَنًا﴾ مفعول (جَاعِل). والسَّكَن بالتحريك: قيل: ما يسكن إليه الشخص ويطمئن استئناسًا به واسترواحًا إليه من زوج أو صديق حميم، ومنه قيل للنار: سكن " لأنه يستأنس بها (١). قال الشاعر: ٢٠٧ - * وسَكَنٍ تُوقَدُ في مِظَلَّهْ (٢) * والليلُ يَطْمَئِنُّ التَّعِبُ بالنهار، لاستراحته فيه وجَمَامِه، والجَمام بالفتح الراحة. والسكْن بالتسكين: أهل الدار، قال ذو الرمة:

стр. 1263

٢٠٨ - فيا أكرَمَ السَّكْنِ الذين تَحَمَّلوا ... عن الدارِ والمُسْتَخلِفِ المتبدِّلِ (١) وفي الحديث: "حتى إن الرُّمَّانة لتشبع السَّكْنَ" (٢). قيل: ويجوز أن يراد، وجعل الليل مسكونًا فيه، من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (٣) أو ذا سكن. وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الجمهور على النصب فيهما على إضمار فعل دل عليه (جاعل الليل)، أي: وجعل الشمس والقمر حسبانًا، أو بالعطف على محل الليل إذا لم تجعل الإِضافة حقيقية على ما ذكر آنفًا. وقرئا بالجر (٤) عطفًا على لفظ الليل، وبالرفع (٥) على الابتداء، والخبر محذوف، أي: والشمس والقمر مجعولان حسبانًا. والحُسْبان بالضم: مصدر حسَب بالفتح، كما أن الحِسبان بالكسر مصدر حسِب بالكسر (٦). الرماني: تقول العرب: على الله حُسْبَانُ فلان، أي: حسابه (٧).

стр. 1264

وقيل: هو جمع حُسْبانة (١). والقول في انتصابه كالقول في انتصاب ﴿سَكَنًا﴾. أبو الحسن: تقديره: بحسبان، كما قال في موضع آخر: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢)، فسقط حرف الجر فانتصب. قيل: ومعنى جعل الشمس والقمر حسبانًا: جعلهما عَلَمَيْ حُسبان؛ لأن حساب الأوقات يُعْلَمُ بدورِهما وسيرِهما (٣). وقرئ: (وجاعل الليلِ) بألف بعد الجيم وجر الليل (٤) حملًا على ما قبله من لفظ اسم الفاعل وهو ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ و ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾، ليكون فاعل المعطوف مثل فاعل المعطوف عليه إذ كلاهما اسم، والاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم. وقرئ: (وجَعَلَ الليلَ) بغير ألف ونصب الليل (٥) حملًا على المعنى؛ لأن معنى ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ فلق الإصباح، وبه قرأ بعض القراء، وقد ذِكر (٦). فلما كان (فاعِلٌ) بمنزلة (فَعَلَ) في المعنى، عطف عليه فَعَل لموافقته في المعنى، ويعضده قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ (٧) ﴿وَهُوَ

стр. 1265

الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ (١) ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ابتداء وخبر، والإشارة إلى جعلهما حسبانًا، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز الذي قهرهما وسخرهما، العليم بتدبيرهما وتدويرهما. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ قوله : ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرئ: (فمستقِر) بكسر القاف (٣) على أنه اسم الفاعل من استقر، يقال: استقر في مكانه وقرّ، فهو مستقِرٌّ وقَارٌّ بمعنًى، حكى ذلك صاحب الكتاب (٤)، وهو مبتدأ وخبره محذوف، أي: فمنكم مستقر في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب (٥)، وقيل: مستقر فوق الأرض مستودع تحتها (٦). والمستودع: اسم المفعول به، ليكون مثل المستقر في أنه لغير المكان. وقد جوز أن يكون كلاهما اسم المكان، والتقدير على هذا: فلكم مستقر في الرحم أو فوق الأرض، ومستودع: أي مكان تودعون فيه، وهو ما ذكرت آنفًا. وقرئ: (فمستقَر) بفتحها (٧)، على أنه مصدر، ورفعه بالابتداء أيضًا،

стр. 1266

والخبر محذوف، أي: فلكم استقرار، أو اسم مكان، أي: فلكم مكان تستقرون فيه، فالمستقَر بفتح القاف بمنزلة المقر، كما أن المستقِر بكسرها بمنزلة القار. والمستودع: مصدر مثله أيضًا، أو اسم مكان ليكون مثل المعطوف عليه. فإن قلت: هل يجوز أن يكون مستقر مفعولًا به على قول من فتح القاف كالمستودع وهو الشخص الذي استودِع في الرحم على قول من كسر القاف على ما شُرح وأُوضح آنفًا؟ قلت: لا؛ لأن استقر لا يتعدى، وكل فعل لا يتعدى لا يُبْنَى للمفعول به، لأن حقيقة ذلك أن تَحذِفَ الفاعل وتضع المفعول به مكانه، وإذا لم يكن في قولك: استقر مفعول، لم يمكنك إسقاط الفاعل؛ لأنك لو أسقطته بقي الفعل بلا شيء يسند إليه، وأما المستودع ففعله متعدٍ، تقول: استودعت فلانًا مائةَ دينارٍ، فلذلك جاز أن تبنيه للمفعول به، فاعرفه (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾: قوله : ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فأخرجنا بالماء المنزل من السماء وهو المطر نبات كل شيء، أي: نَبْتَ كل صنف من أصناف النامي، يعني: أن السبب واحد، والمسبَّبات ضروب شتى. وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾: اختلف في الضمير في ﴿مِنْهُ﴾: فقيل: للنبات (٢)، أي: فأخرجنا من النبات خضرًا، شيئًا غضًا

стр. 1267

أخضر، والخضر بمعنى الأخضر، يقال: اخْضرَّ الشيءُ فهو أخضرُ وخَضِرٌ، كأعور فهو أَعْورُ وعَوِرٌ، عن أبي إسحاق وغيره (١). وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقيل: للماء (٢) أي: بسببه، ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على هذا الوجه تكون بدلًا من ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ الأولى. وقوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿خَضِرًا﴾، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للخضر، أي: نخرج من الخضر حبًّا متراكبًا، أي: بعضه فوق بعض، وهو السُنْبُلُ على ما فسر (٣). وقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ (قنوان) رفع بالابتداء، وهو جمع قِنْوٍ، والقنو: العِذْق، والعِذق بكسر العين: الكِبَاسَةُ، والكِباسَةُ من التمر بمنزلة العنمود من العنب. والعَذْق بفتح العين: النخلة. والجمهور على كسر القاف، وقرئ: بضمها (٤)، والواحد قُنْوٌ، وهما لغتان، وقيل: الكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة قيس، وبنو تميم يقولون: قُنْيَانٌ بالياء والضم، عن الرماني (٥). وقرئ: (قَنوان) بفتحها (٦) على أنه اسم جمع، كَرَكْبٍ، والباقر،

стр. 1268

والجاملِ؛ لأن فَعْلانًا ليس من أمثلة التكسير، قاله أبو الفتح (١). و﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبر الابتداء، و ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه بإعادة الجار، كأنه قيل: ومن طلع النخل قنوان، أي: وحاصله من طلع النخل. ولك أن ترفعه بالظرف وهو ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾، فإن رفعته به وجب أن يكون في ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ ضمير، ويكون ﴿قِنْوَانٌ﴾ مفسرًا له، وإن رفعته بالأول وهو ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ على قول من أعمل سابق الفعلين، كان في الثاني ذكر مرفوع منه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. والجمهور على النون في قوله: ﴿نُخْرِجُ﴾ مضمومة وكَسْرِ الراء، ونصب قوله: ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ به. وقرئ: (يَخرُج) بالياء النقط من تحتها مفتوحةً وضم الراء ورفع قوله: (حَبُّ متراكبٌ) به (٢)، فقنوان على هذه يحتمل أن يكون عطفًا على (حب) وليس بضربةِ لازب كما زعم بعضهم. وقد جوز في الكلام نصب قنوان (٣) عطفًا على ﴿نَبَاتَ﴾، أو على ﴿خَضِرًا﴾ إن جعلت الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للماء. ونُونُ (قنوان) في التثنية مكسورة، وإعرابه في التثنية واقع على الحرف الذي قبل النون، وفي الجمع على النون، ونظيره صنو وصنوان. قيل: ومعنى قوله: ﴿دَانِيَةٌ﴾ سهلة المجتنى، معرضة للقاطف كالشيء

стр. 1269

الداني القريب المتناول (١). وعن الحسن: ﴿دَانِيَةٌ﴾: قريب بعضها من بعض (٢). وقيل: ذُكِرَ القَرِيبةُ وتُرِكَ ذِكْرُ البعيدةِ؛ لأن النعمة فيها أظهر (٣). وقال أبو إسحاق: منها قريبةٌ ومنها بعيدةٌ، دل عليها ذِكْرُ القريبة، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الجمهور على نصب ﴿جَنَّاتٍ﴾ عطفًا على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: وأخرجنا به جناتٍ مِن أعناب، يعضده قوله في موضع آخر: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ (٥)، وكذلك قولَه: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ عطف عليه، أي: شجرهما. ولك أن تعطف ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ والمذكورين (٦) على ﴿خَضِرًا﴾ إن جعلت الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للماء، أي: فأخرجنا من الماء خضرًا وجنات. وقرئ: (وجناتٌ) بالرفع (٧) على الابتداء، وخبره محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد: وَثَمَّ جَناتٌ من أعنابٍ، أي: مع النخل، أو لهم.

стр. 1270

والثاني: أن يراد ومن الكَرْمِ جناتٌ من أعناب، ولا يجوز أن يكون عطفًا على ﴿قِنْوَانٌ﴾؛ لأن العنب لا يخرج من النخل، وليس قول من قال وهو أبو محمد، وأبو حاتم (١): لا يجوز عطفها على ﴿قِنْوَانٌ﴾؛ لأن الجنات لا تكون من النخل بمستقيم؛ لأنه يوهم أن الجنة لا تكون إلّا من العنب دون النخل، وليس الأمر كذلك، بل تكون الجنة من العنب على انفراده، ومن النخل على انفراده، وتكون منهما معًا بشهادة قوله سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (٢) وقد أوضحت ذلك فيما سلف من الكتاب. و﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: في موضع النعت لجنات. وقوله: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (مشتبهًا) منصوب على الحال من ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾، أي: والزيتون مشتبهًا وغير متشابه، والرمان كذلك، أو بالعكس، يقال: اشتبه الشيئانِ وتشابها، كقولك: استويا وتساويا، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرًا. قيل: مشتبهًا وَرَقُهُما مختلفًا ثمرُهُما (٣). و﴿إِذَا﴾: ظرف لقوله: ﴿انْظُرُوا﴾. وقرئ: (إلى ثَمَره) بفتح الثاء والميم (٤)، وهو جمع ثمرة، وهو في التحقيق جنس لا جمع.

стр. 1271

وقرئ: بضمهما (١)، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: جمع ثَمَرَةٍ، كخشبة وخُشُبٍ. والثاني: جمع ثمار، وثمارٌ جمع ثمرةٍ. والثالث: جمع ثَمَرٍ. ﴿وَيَنْعِهِ﴾: عطف على ﴿ثَمَرِهِ﴾، والينع: النضج والبلوغ، يقال: يَنَعَ الثمرُ يَيْنِعُ ويَيْنَعُ يَنْعًا ويُنْعًا ويُنُوعًا، أي: نضج، وأينَعَ يُونِعُ إيناعًا مثلُه، وقيل: إن يَنْعًا جمع يانع، كتاجرٍ وتَجْرٍ (٢). وقرئ: (ويانعه) (٣)، على أنه اسم فاعل، أي ومدركه. وقرئ أيضًا: (ويُنعه) بضم الياء (٤)، وهو مصدر كالفتح، وقد أوضحت آنفًا. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ الجعل هنا يطلب مفعولين؛ لأنه بمعنى التصيير، واختلف في مفعوليه: فقيل: هما ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ قدم ثانيهما على الأول، والتقدير: وجعلوا لله الجن شركاء، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٥).

стр. 1272

وقيل: هما ﴿شُرَكَاءَ﴾. و ﴿الْجِنَّ﴾ بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾ (١). واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ على القول الأول متعلقة بشركاء، وعلى الثاني بما دلت عليه من الكون والاستقرار، وليس قول من قال: إنها متعلقة بجعل (٢) لكونها مفعولًا ثانيًا له بشيء، لأنه خبر مبتدأ في الأصل، والجار إذا وقع خبرًا للمبتدأ كان متعلقًا بمحذوف وإن دخلت عليه العوامل اللفظية، فاعرفه. وقرئ: (الجنُّ) بالرفع (٣) على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن، أي: هم الجن، كالمخصوص بالمدح في قولك: نعم الرجل زيد، على أحد التأويلين. وبالجر (٤)، على الإِضافة التي للتبيين. والجاعلون لله شركاء الجن مشركو العرب، عن قتادة (٥). [والمعنى: أشركوهم في عبادته، لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله، على ما فسر] (٦). وقوله: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ الجمهور على فتح اللام على أنه فِعْلٌ، والمستكن فيه لله تعالى ليس إلّا، واختُلف في مفعوله وهو الضمير في ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، فقيل: للجاعلين لله شركاء، وقيل: للجن، قلت: ويحتمل أن يكون الضمير لهما جميعًا.

стр. 1273

وقرئ: (وخلْقهم) بإسكان اللام (١) على أنه مصدر، واختلف في معناه على وجهين: أحدهما: أن يراد بخلْقهم اختلاقهم وكذبهم، أي: وجعلوا لله خلْقَهم، حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢). والثاني: أن يراد بخلْقهم الأصنام، أي: وجعلوا الجن والأصنام التي صنعوها شركاء لله (٣). فإن قلت: ما محل قوله: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؟ قلت: يحتمل أن يكون محلها النصب على الحال، وقد معها مرادة، وأن تكون مستأنفة. وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ (بنين وبنات) نصب بخرقوا، أي: افتعلوا له ذلك، وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، على ما فسر (٤)، يقال: خلق الإِفك، وخرقه، وخرَّقه بالتشديد (٥) للتكثير، وأخرقه، واختلقه، واخترقه بمعنى، وسئل الحسن عنه فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله، انتهى كلامه (٦).

стр. 1274

وقد جوز أن يكون من خَرَقَ الثوبَ، إذا شقه، أي: اشتقوا له بنين وبنات. والجمهور على الخاء والقاف على المعنى المذكور، وقرئ: (وحرَّفوا) بالحاء والفاء (١) على معنى: وَزَوَّرُوا له بنين وبنات، كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٢)؛ لأن المزوِّرَ مُحَرِّفٌ مغير للحق إلى الباطل، فالقراءتان راجعتان إلى معنًى وإن اختلف اللفظ (٣). وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَخَرَقُوا﴾ كأنه قيل: وخرقوا له ذلك جاهلين. [أي من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رميًا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية، وَمَنْ هذا دأبه فهو جاهل لا محالة] (٤). ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾: قوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ الجمهور على رفعه، وارتفاعه على أحد ثلاثة أوجه: إما على على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو بديع السماوات، أو هو مبتدأ، وخبره ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾، أو فاعل (تعالى) (٥). وقرئ: بالجر (٦) ردًّا على اسم الله في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ (٧)، أو

стр. 1275

على الضمير في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ (١). وبالنصب (٢) على المدح. ومعنى ﴿سُبْحَانَهُ﴾: التنزيه له عن السوء، وقد مضى الكلام عليه في سورة البقرة بأشبع ما يكون (٣). فإن قلت: ما معنى البديع: قلت: قيل: بمعنى المبدع، وهي صفة معدولة عن مُفْعِل إلى فَعِيل للمبالغة، ولذلك تعدى فعيل لأنه يعمل عمل ما عدل عنه، فإذا لم يكن معدولًا للمبالغة لم يتعد، نحو: طويل وقصير. وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ (أنى) استفهام فيه معنى التوبيخ والتعجب، أي: من أين يكون له ولد؟ أو كيف يكون له ولد؟ والولد لا يكون إلّا من صاحبةٍ، وهو متعالٍ عنها. و (كان) هنا يحتمل أن تكون الناقصة وخبرها ﴿أَنَّى﴾، أو ﴿لَهُ﴾، وأن تكون التامة. وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ الجمهور على التاء في قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ﴾ النقط من فوقه، لأجل تأنيث الصاحبة، وقرئ: بالياء النقط من تحته (٤)، وتذكيره لأحد ثلاثة أوجه: إما للفصل كقوله، أعني الشاعر: ٢٠٩ - لقد وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سَوْءٍ ... ........................ (٥)

стр. 1276

وإما لكونك تضمر في كان اسمها، وهو ضمير اسم الله ﷻ ، أي لم يكن الله له صاحبة. أو ضمير الشأن والحديث ثم تفسره بالجملة، كما تقول: كان زيد قائم، أي: كان الحديث والشأن زيد قائم (١). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾: قوله : ﴿ذَلِكُمُ﴾ رفع بالابتداء، والإِشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات، واختلف في خبر الابتداء. فقيل: ما بعده أخبار مترادفة وهي ﴿اللَّهُ﴾، ﴿رَبُّكُمْ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ على معنى: ذلكم الجامع لهذه الصفات. [وقوله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: مسبب عن مضمون الجملة، على معنى: من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه] (٢). وقيل: الخبر ﴿اللَّهُ﴾ وما بعده بدل منه. وقيل: ﴿اللَّهُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمُ﴾، والخبر ما بعده (٣). وقيل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿رَبُّكُمْ﴾ نعت لاسم الله، و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر بعد خبر، و ﴿خَالِقُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خالق كل شيء، دلّ عليه ما قبله. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾:

стр. 1277

قوله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (بصائر) جمع بصيرة، وهي الحجة الواضحة والدلالة القاطعة. و(مِن) في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾، وأن يكون في موضع النعت للبصائر، فيكون متعلقًا بمحذوف. وقوله: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط، والمفعول محذوف، أي: أبصر هداه، أو الحق. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: الفاء جواب الشرط، أي: فلنفسه أبصر، وإياها نفع، ويحتمل أن تكون موصولة، و ﴿أَبْصَرَ﴾ صلتها، وهي مبتدأ أيضًا، وخبره ما بعد الفاء، وفي الكلام حذف مبتدأ تقديره: فإبصاره لنفسه، ونظيره ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]، أي: ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي، وإياها ضَرَّ بالعمى، أو ومَن عمي فعماه عليها. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (بحفيظ) في موضع نصب بخبر (ما)، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بحفيظ. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، المعنى: ونصرف الآيات تصريفًا مثل ما صرفناها فيما تُلي عليك. وقوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ اللام متعلقة بمحذوف تقديره: وليقولوا درست نصرفها، والمعنى: وليقولوا قرأت الكتب وتعلمت، فأخبرتنا بما وجدته فيها من أقاصيص الأمم. وقرئ: (دارسْتَ) بألف بعد الدال وفتح التاء (١)، أي: دارست علماء أهل الكتاب، أي: ذاكرتهم.

стр. 1278

وقرئ كذلك إلّا أنه بغير ألف (١)، أي: قرأت الكتب وتعلمتها، وقد ذكرت آنفًا. وقرئ: (دَرَسَتْ) بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء (٢)، بمعنى: امَّحَتْ وذهبتْ، أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست، أي عفت، كما قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣)، وهذه القراءات الثلاث مشهورة وعليهن الجمهور (٤). وقرئ أيضًا: (دَرُسَتْ) بضم الراء (٥)، مبالغة في دَرَسَتْ، أي: اشتد دروسها، كذا ذكر أبو إسحاق عن أبي الحسن (٦). وقرئ أيضًا: (دُرِست) بضم الدال وكسر الراء على البناء للمفعول (٧)، بمعنى عفت وتنوسيت أو قرئت. وقرئ أيضًا: (دارَسَتْ) بألف بعد الدال وفتح الراء والسين وإسكان التاء (٨)، وفسروها بدارستِ اليهودُ محمدًا ﷺ ، وجاز الإِضمار؛ لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم، وقيل: دَارَسَتْ أمتُك أهلَ الكتاب، وقيل: الفعل للآيات وهو لأهلها، أي: دارسَ أهلُ الآيات (٩).

стр. 1279

وقرئ أيضًا: (دَرَسَ) بغير تاء (١) مسندًا إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: إلى الكتاب. وقرئ أيضًا: (دَرَسْنَ) بنون مكان التاء (٢)، على أنها ضمير الآيات، أي: عفون وذهبن. وقرئ أيضًا: (دارساتٌ) (٣)، يعني الآيات، بمعنى هي دارسات، أي: قديمات. وقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ عطف على ﴿لِيَقُولُوا﴾، قيل: والضمير في ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ للآيات؛ لأنها في معنى القرآن، أو للقرآن وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلومًا، أو للتبيين الذي هو مصدر الفعل، كقولهم: ضربته زيدًا، قاله الزمخشري (٤). ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾: قوله : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (من ربك) في محل النصب على الحال إمّا من ﴿مَا﴾، والعامل ﴿اتَّبِعْ﴾، أو من الضمير القائم مقام الفاعل في ﴿أُوحِيَ﴾ والعامل أوحي. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اعتراض لا محل له من الإِعراب، وإنما أكّد إيجاب اتباع الوحي.

стр. 1280

والثاني: حال من ﴿رَبِّكَ﴾، أي: منفردًا، وهي حال مؤكدة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ أي: ولو شاء الله إيمانهم، أو: أن يؤمنوا لما أشركوا، وحذف للعلم به، أعني مفعول ﴿شَاءَ﴾. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ الكاف مفعول أول، و ﴿حَفِيظًا﴾ ثان؛ لأن جعلنا هنا بمعنى صيرنا، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بحفيظ، ومفعول حفيظ محذوف وهو ما يصدر منهم من الأفعال والأقوال. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (من دون الله) في موضع الحال من الموصول أو من الراجع إليه. وقوله: ﴿فَيَسُبُّوا﴾ جواب النهي، وقيل: هو مجزوم على العطف (٢). قيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله (٣). وقوله: ﴿عَدْوًا﴾ العَدْو: الظلم وتجاوز الحد، وهو مصدر، يقال: عدا فلان على فلان، عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدوانًا وعَداءً بمعنًى، وهو إذا ظَلَمَ ظُلْمًا جاوز فيه القَدْرَ. وفي انتصابه ثلاثة أوجه:

стр. 1281

أحدها: مفعول من أجله. والثاني: مصدر من غير لفظ الفعل؛ لأن السب بغير حق عدوان في المعنى، كأنه قيل: فيَعْدُوا عَدْوًا. والثالث: هو مصدر في موضع الحال، أي: فيسبوه ظالمين، وهي حال مؤكدة؛ لأن السب ظلم في المعنى. وقرئ: (عَدُوًّا) بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو (١)، وهو واحد في معنى الجمع، كأنه قيل: فيسبوا الله أعداء، وهو منصوب على الحال ليس إلا. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَيَسُبُّوا﴾، أي: فيسبوه جاهلين به، وبما يجب أن يذكر به. وقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: زينا لكل أمة عملهم تزيينًا مثل ما زينا لهؤلاء. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾: قوله ، ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موضع الحال، أي: أقسموا مجتهدين، ويحتمل أن يكون مصدرًا عمل فيه ﴿وَأَقْسَمُوا﴾، وهو من معناه لا من لفظه، وقد مضى الكلام عليه في المائدة عند قوله: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ بأشبع من هذا (٢).

стр. 1282

وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (ما) استفهام مبتدأ وخبره ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾، وهو يتعدى إلى مفعولين، وفاعله ضمير (ما). قال الشيخ أبو علي: ولا يجوز أن تكون (ما) نفيًا؛ لأن الفعل فيه يبقى بلا فاعل، فإن قلت: يكون نفيًا، ويكون فاعل ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ ضمير اسم الله جل ذكره، قيل: ذلك لا يصح؛ لأن التقدير يصير: وما يشعركم الله انتفاء إيمانهم، وهذا لا يستقيم، ألا ترى أن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) انتهى كلامه (٢). وقرئ: (إنها) بالكسر (٣)، على أن الكلام قد تم قبله، والمفعول الثاني ليشعركم محذوف، والمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم جل ذكره بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة، جاءتهم الآية التي اقترحوها أم لم تجئهم، يعضده قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى ... ﴾ ... الآية. وقرئ: (أنها) بالفتح (٤) وفيه ثلاثة أوجه: أحدهط: أنّ (أَنَّ) بمعنى لعلَّ، من قول العرب: ايتِ السوق أنك تشتري لحمًا، أي: لعلك، حكاه الخليل عنهم (٥)، ومنه قول أبي النجم:

стр. 1283

٢١٠ - قلتُ لِشَيبانَ ادْنُ مِن لِقَائِه ... أَنَّا نُغَدِّي القومَ من شِوائه (١) أي: لعلنا، وتعضده قراءة من قرأ: (وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون) وهو أُبي ﵁ (٢). وقد ورد في الكتاب العزيز لعلَّ بعد العلم في غير موضع، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (٣)، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٤)، فكما أتى لعل بعد العلم، كذلك تكون (أنها) إذا جاءت بمعنى لَعلَّها. والثاني: أن تكون (أَنَّ) على بابها، وتكون (لا) من قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مزيدة كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٥) أي: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون (٦)، على معنى: أنها إذا جاءت لم يؤمنوا. والثالث: أن تكون (أن) على بابها أيضًا، و (لا) غير صلة، وفيه وجهان: أحدهما: وما يدريكم أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها، على معنى: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية،

стр. 1284

ويتمنون مجيئها على ما فسر (١)، فقال عز من قائل: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون؟ على معنى: أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون. والثاني: وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، على معنى: وما يدريكم عدم إيمانهم، فيكون قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جوابًا لمن حكم عليهم بالكفر ويئس من إيمانهم. وأن وما عملت على الوجه الثاني والثالث في موضع المفعول الثاني ليشعركم، وأما على الوجه الأول فمحذوف، والتقدير: وما يشعركم ما يكون منهم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وقد ذكر. وقيل: إن في الكلام حذفًا، والتقدير: وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فحذف لعلم السامع (٢). وقرئ: (لا يؤمنون) بالياء النقط من تحته (٣)؛ لأن الذين نفى الله عنهم الإِيمان غُيَّبٌ وهم المُقسمون المقترحون، والياء للغائب، وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (٤) على الانصراف من الغَيبة إلى الخطاب، إذ المراد بالمخاطبين هم المقسمون المقترحون وهم غُيَّبٌ. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾: قوله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ الجمهور على النون في ﴿وَنُقَلِّبُ﴾، و ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ على إخبار الله عن نفسه بذلك، وقرئ:

стр. 1285

بالياء فيهما النقط من تحته (١)، والمستكن فيهما ضمير اسم الله . وقرئ: (ويذرْهم) بإسكان الراء (٢)، وفسرت على وجهين: أحدهما: أن الإِسكان فيها تخفيف. والثاني: أنه جزم عطفًا على ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ على معنى: أنه لم يذرهم في طغيانهم يعمهون بل بين لهم الهدى فَعَدَلُوا عنه. وقرئ: (وتُقَلَّب أفئدتُهم وأبصارُهم) على البناء للمفعول (٣) إجلالًا وتعظيمًا لفاعل الفعل. وقوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف وفيه وجهان: أحدهما: نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يؤمنون به إيمانًا، كما لم يؤمنوا به أوّل مرة حين أنزلت الآيات، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقيل: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون إيمانًا كما لم يؤمنوا به أول مرة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم (٥). والثاني: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم تقليبًا ككفرهم؛ لأن ترك الإِيمان بما أمر الله به كفر، أي عقوبة مساوية لمعصيتهم، كقوله تعالى:

стр. 1286

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١). و﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ظرف زمان لقوله: ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. و ﴿يَعْمَهُونَ﴾: في موضع الحال. فإن قلت: ﴿وَنُقَلِّبُ﴾، و ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ مستأنف أو عطف على ما قبله؟ قلت: قيل: يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون عطفًا على قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ داخلًا في حكمه، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون؟ وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم؟ وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم يعمهون؟ والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن، وقيل: لرسول الله ﷺ ، وقيل: للهدى، وقيل: للتقلب، والوجه هو الأول (٢). ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا﴾ (أننا) في موضع رفع بإضمار فعل، أي: ولو ثبت تنزيلنا، أو وُجِد. وقوله: ﴿قُبُلًا﴾ قرئ: بضم القاف والباء (٣)، وفيه وجهان: أحدهما - أنه جمع، والثاني - أنه مفرد، كقُبُلِ الشيء ودُبره. وفي معنى الجمع وجهان: أحدهما: هو جمع قَبِيلٍ الذي يراد به الصنف، وقَبيل جمع قبيلةٍ، كسفينة وسفين وسُفُنٍ.

стр. 1287

والثاني: هو جمع قَبيلٍ الذي يراد به الكفيلُ، كقليب وقُلُبٍ، ونصبه على الحال من المفعول به في كلا المعنيين وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، والذي جَوَّزَ ذلك - وإن كان نكرة - العمومُ الذي فيه. والمعنى: حشرنا كُلَّ شيءٍ جماعاتٍ؛ لأن حَشْر جميع الأشياء في مكان واحد من أعظم الآيات، أو حشرناه كُفَلاءَ بصحةِ ما بشرناه به وأنذرنا؛ لأن في الأشياء المحشورة ما لا ينطق، فيكون نطقُه بالكفالة من أعظم البراهين، وكلاهما هنا يحتمل، وكذلك إنْ جعلته مفردًا كان منصوبًا على الحال، أي: مُقابلًا. قال أبو علي: قال أبو زيد: يقال: لقيت فلانًا قِبَلًا، ومُقابَلَةً، وَقَبَلًا، وقُبُلًا، وَقَبَلِيًّا وقَبِيْلًا، أي: مواجهة (١). وقرئ: (قُبْلًا) بإسكان الباء (٢)، وهو مخفف من قُبُلٍ جمعًا كان أو مفردًا. وقرئ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء (٣)، وفي انتصابه وجهان: أحدهما: حال أيضًا من ﴿كُلَّ﴾ بمعنى عِيَانًا، أو معاينة، فهو مصدر في موضع الحال، قال أبو علي: كأنهم من شدة عِنادهم وتركهم الإِذعان والانقياد للحق يشكُّون في المشاهدات التي لا شك فيها (٤). والثاني: ظرف، ومعنى قوله: (قِبَلًا) على هذا، أي: ناحيةٌ، كما تقول: لي قِبَلَهُ حقٌ، أي: عنده وناحيته، وهذا تأويل المبرد.

стр. 1288

وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع نصب على الاستثناء وفيه وجهان: أحدهما: منقطع بمعنى: إلا أن يهديهم الله. والثاني: متصل بمعنى: ما كانوا ليؤمنوا في كل حال إلَّا في حال مشيئة الله. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: جعلنا لك أعداء جَعْلًا مثل ما جَعَلْنا لكل نبي عدوًّا، وعدوٌّ في معنى أعداءٍ ها هنا. وقوله: ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ إن جعلت ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ مفعولي (١) جعلنا جعلتَ ﴿شَيَاطِينَ﴾ بدلًا من عدو، وإن جعلت ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالًا لتقدمه على الموصوف وهو عدو، كان ﴿عَدُوًّا شَيَاطِينَ﴾ مفعولين قدم ثانيهما على الأول، والتقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإِنس والجنِّ عدوًّا لكل نبيٍّ. وقد جوز أن يكون ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالًا من ﴿شَيَاطِينَ﴾، والإِشارة في ذلك إلى ما تقدم ذكره مما أخبر الله به. وقوله: ﴿يُوحِي﴾ في موضع الحال، أي: جعلناهم أعداءً مُوحِيًا بعضهم إلى بعض. [جاء في التفسير: يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، أو بعض الإنس إلى بعض] (٢). و﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: مفعول ﴿يُوحِي﴾، والزخرف في اللغة: الذهب،

стр. 1289

ثم يُشَبَّهُ به كُلُّ مُموَّهٍ مزوَّقٍ (١) من القول وغيره، يقال: زَخْرَفَهُ يُزَخْرِفُهُ زَخْرَفَةً، إذا زيَّنَهُ. وقوله: ﴿غُرُورًا﴾ مصدر قولك: غَرَّهُ يَغُرُّهُ غُرورًا، إذا خدعه، وانتصابه هنا على أحد ثلاثة أوجهٍ: إما على أنه مفعول من أجله، أي: يفعلون ذلك خَدْعًا، أي: للخدع. أو على أنه مصدر في موضع الحال، أي: غارِّين. أو على أنه منصوب على المصدر، وهو قول أبي إسحاق، قال: وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال: يغرُّون غرورًا (٢). وقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الهاء في ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ تعود على الإِيحاء، دل عليه ﴿يُوحِي﴾، أو على العداوة، وذُكِّرتْ حملًا على المعنى؛ لأن العداوة والشَّنْآن بمعنًى، كما أن الموعظة والوعظ كذلك، أو على ذلك. وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها والراجع إليها محذوف، أي: يفترونه، وأن تكون مصدرية بتقدير الافتراء، وهي على الأوجه الثلاثة في موضع نصب عطفًا على الهاء والميم قبلها، وقد جوز أن تكون الواو بمعنى مع (٣). ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾:

стр. 1290

قوله : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ اللام في ﴿وَلِتَصْغَى﴾ لام كي، وهي عطف على معنى قوله: ﴿غُرُورًا﴾ (١)، كأنه قيل: ليغروا بذلك المؤمنين، ولتصغي إليه أفئدة الذين، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ يرجع إلى ما رجع إليه الضمير في ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ (٢)، أي: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ﵈ ووسوسة الشياطين أفئدةُ الكفار. وأفئدة: جمع فؤادٍ، كغراب وأغربةٍ. وفي صغا لغتان، يقال: صغوت إلى فلان أصغَى، كمحوت أمحَى، وإنما جاز أصغَى وكان ينبغي أصغو لأجل حرف الحلق، صغْوًا وصُغُوًّا وصَغَيتُ أَصْغَى، وصَغِيتُ أصغى أيضًا، أعني بكسر العين في الماضي. قال أبو إسحاق: والذي أختار إذا جاءت الياء: صَغِيتُ أَصْغَى، فأمَّا صَغَيتُ أصغَى فشاذٌ، وأصغَيتُ أَصغِي جيِّدٌ بالغ كثير، انتهى كلامه (٣). والجمهور على كسر اللام في قوله: ﴿وَلِتَصْغَى﴾، وقرئ: (ولْتصغَى) بإسكانها تخفيفًا (٤)، كما تُسْكَنُ لامُ الأمر لذلك، وأصلها الكسر بشهادة قوله سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥) غير أن إسكان لام كي قليل في الاستعمال، وإنما كان قليلًا؛ لأن لام كي نائبة في الأمر العام عن (أن) واقعة في جواب كان سيفعل (٦)، فلما نابت عنها قَوَّوْهَا بإقرار حركتها فيها؛ لأن الحرف المتحرك أقوى من الساكن، والأقوى أشبه بأن ينوب عن غيره من الأضعف، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح (٧).

стр. 1291

وقيل: من أسكن فهي لامُ أمرٍ، وهو بمعنى التهدُّدِ والوعيد (١)، وأنكر الرماني ذلك، وقال: هو غَلَطٌ، إذ لو كان كما زعم أنها لام الأمر لكان (ولتصغ إليه) بحذف الألف. قلت: وقد يجوز أن تكون اللام لام الأمر، وتكون الألف ناشئة عن إشباع الفتحة، كالتي في قوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٢) على أحد الأوجه (٣)، أو كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ (٤) على قراءة قنبل (٥). وقوله: ٢١١ - أَلَمْ يأتِيكَ ..... ... ............... (٦) وشبهُ ذلك كثير في كلام القوم، وإذا كان كذلك فلا وجه لقول الرماني وردّه على قائله (٧). وكذلك القول ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يحتمل أن تكون اللام فيها لام

стр. 1292

كي وهو الجيد، وأن تكون لام أمر بمعنى التهدد والوعيد. والاقترافُ: الاكتساب. والمعنى: وليرضوا لأنفسهم، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام، عن ابن عباس ﵄ وغيره (١). و﴿مَا﴾: موصول وعائده محذوف، والتقدير: وليقترفوا الذي هم مقترفونه، فلما حذفت الهاء أثبتت النون، وعكسه في الكلام جائز. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾: قوله : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول، أي: قل يا محمد كيت وكيت، والهمزة للتقرير. و (غيرَ) منصوب بـ ﴿أَبْتَغِي﴾، و ﴿حَكَمًا﴾ حال منه أو تمييز، وقيل: إن ﴿حَكَمًا﴾ منصوب بـ ﴿أَبْتَغِي﴾، و (غيرَ) حال منه مقدم عليه (٢). والحَكَم: الحاكم، إلَّا أن بينهما فرقانًا ذكره الرماني، قال: الحَكَمُ أبلغ في المدح من الحاكم، لأنه لا يستحق التسمية بِحَكَمٍ إلا من يحكم بالحق، وحاكم قد يسمَّى به من يحكم بغير الحقِّ؛ لأنها صفةٌ جاريةٌ على الفعل (٣). وقوله: ﴿مُفَصَّلًا﴾ منصوب على الحال من الكتاب، أي: مبينًا فيه الفصل بين الحق والباطل. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ محله النصب على الحال من المستكن في ﴿مُنَزَّلٌ﴾. فإن قلت: ﴿أَنْزَلَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، فأين مفعولا ﴿مُنَزَّلٌ﴾؟ قلت: أمَّا

стр. 1293

الأول فالمستكن المرفوعُ القائم مقام الفاعل فيه، وأما الثاني فـ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾: قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: تم كل ما أخبر به، وأمر ونهى ووعد وأوعد على ما فسر (١)، ﴿صِدْقًا﴾ فيما وعد، ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم، عن قتادة (٢). والكلمات الموصوفة بالتمام هي القرآن (٣). و﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾: مصدران في موضع الحال (٤) من الكلمات، أي: صادقه وعادلة. وقيل: هما مفعولان له (٥). وقيل: نصبهما على البيان (٦). وقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: لا أحد يبدل شيئًا مما أخبر به في كتابه، على معنى: أنه كائن لا محالة. وقرئ: (كلمةُ ربِّك) بالتوحيد (٧)؛ لأنها تقع على الكثير، كقولهم: قال فلان في كلمته، يعنون في قصيدته.

стр. 1294

وقرئ: بالجمع (١)، لأنها قد فسرت بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وغير ذلك، وذلك جمع. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (من) هنا تحتمل أن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يَضِلُّ﴾، والجملة في موضع نصب بفعل دلّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، وتقدير الكلام: هو أَعْلَمُ يَعْلَمُ أيُّ الناس يضل عن سبيله، كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (٢). وأن تكون موصولة في موضع نصب بالفعل المقدر آنفًا لا بأعلم الملفوظ به؛ لأن أفعل لا يعمل النصب في الاسم الظاهر، لأنه غير جار على الفعل ولا معدولٍ عن الجاري، كَعَدْلِ ضَروب عن ضارب. وقيل: إن موضعها جرٌّ على إرادة الجار، أي: أعلم بمن، كقوله في موضع آخر: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ (٣). فإن قلت: لِمَ جِيء بالباء هنا؟ قلت: للتعدية؛ لأن أفعل لا يَقْوَى قُوَّةَ الفعل فيُعدَّى بالجار، ألَا ترى أنك تقول: أنا أَعلمُ بزيد منك، ولا تقول: أنا أعلمُ زيدًا منك، كما تقول: علمت زيدًا، بغير الباء، فاعرفه فإنه موضع مشكل ونَحْوٌ سِيْبِيٌّ. ولا يجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع جر بالإِضافة لئلا يصير التقدير هو

стр. 1295

أعلم الضالين؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلَّا إلى ما هو بعضٌ له، وإذا كان كذلك يلزم أن يكون سبحانه واحدًا منهم، وذلك خطأ لا بل كفر، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى والكفر (١). ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾: قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿لَكُمْ﴾. و﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: موضع أن وما عملت فيه نصب لعدم الجار، أي: وأي غرض لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ فلما حُذف الجار وصَلَ معنى الخبر إلى (أن) فنصبها، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. ولا يحسن أن يكون في موضع نصب على الحال، كما زعم بعضهم (٢)، أيْ: وأيُّ غرض لكم تاركين الأكل؟ لأن (أن) عَلَم للاستقبال، وما بعده في تأويل المصدر، وذلك يمنع الحال، اللهم إلّا أن يقدر حذف مضاف، أي: ذَوي ألَّا تأكلوا. وقوله: ﴿مِمَّا ذُكِرَ﴾ في موضع نصب صفة لمفعو ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ المحذوف، أي: شيئًا كائنًا مما. وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ الواو للحال، أي: وقد بين لكم ما حرم عليكم مما لم يُحَرَّم.

стр. 1296

وقرئ: (وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم) بالضم فيهما على البناء للمفعول (١)، لقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. وبالفتح فيهما (٢) على البناء للفاعل وهو الله لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ويعضد الأولى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) وشبهه، وينصر الثانية: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ (٤) و ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ (٥) وشبههما. والجمهور على تشديد الصاد، وقرئ: (وقد فَصل) بتخفيفها (٦). أبو الفتح: هو كقولك: قد فَصل إليكم وخرج نحوكم (٧). وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (ما) في موضع النصب على الاستثناء المنقطع، أي: لكن ما اضطررتم إليه مما حُرِّم عليكم، فإنه حلال لكم في حال الضرورة. وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرئ: بضم الياء (٨) من أضلَّ، والمفعولُ محذوف، أي: لَيُضِلُّون أتباعهم، وبفتحها (٩) من ضلَّ، أي: لَيَضِلُّون في أنفسهم. والإِضلال أعم من الضلال؛ لأن كلَّ مُضِلٍ ضالٍّ، وليس كلُّ ضالٍّ

стр. 1297

مُضِلًّا. ومعنى ﴿بِأَهْوَائِهِمْ﴾ أي: باتّباع أهوائهم وشهواتهم من غير تعلُّق بشريعة. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: شيئًا مما، وقد ذكر قبيل. فإن قلت: هل يجوز لتارك التسمية على الذبيحة عامدًا أو ناسيًا أن يأكل منها؟ قلت: نعم بشهادة قوله ﵊ للناسي: "اسْمُ اللهِ عَلَى فَمِ كُلِّ مسلم" (١)، وقوله ﵊ حين قيل له: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أَذكروا اسم الله عليه أم لا: "سموا عليه [الله] وكلوا" (٢). وأما الآية فلا دليل فيها على وجوب التسمية على الذبيحة؛ لأنها قد فسّرت بالميتة ومما ذكر غيرُ اسم الله عليه، كقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الهاء في (إنه) ترجع إلى مصدر الفعل الذي دَلَّ

стр. 1298

عليه حرف النهي، أي: وإن الأكل منه لفسق، أو إلى الموصول. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ في موضع جواب الشرط وهو ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ على إرادة الفاء، أي: فإنكم، والذي حسَّنَ حذفَها كونُ الشرط بلفظ الماضي. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾: قوله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ (من) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، وهي على كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء. وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ عطف على ﴿كَانَ﴾، وكذا ﴿وَجَعَلْنَا﴾. و ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ في موضع النعت لنور. والضمير في ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وفي ﴿لَهُ﴾ راجِع إلى ﴿مَنْ﴾، وفي ﴿بِهِ﴾ إلى نور، وخبره الكاف في قوله: ﴿كَمَنْ﴾. و ﴿مَثَلُهُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾. وقوله: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ محل الجملة النصب على الحال من المستكن في الظرف، أي: منفيًا عنه الخروج منها، ولا يجوز أن تكون حالًا من الضمير في ﴿مَثَلُهُ﴾، كما زعم بعضهم مقدرًا كمن مثله في الظلمات مقيمًا فيها؛ لأن غير الخارج من الشيء هو المقيم فيه، مع ما فيه من الفصل بينه وبين الحال بالخبر (١). ومعنى قوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ كمن صفته هذه، بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فِعْلنا لهذه الأشياء المتقدم ذكرها وهي إحياء الميت،

стр. 1299

وجعل النور له، وذكرُنا كمن مثله في الظلمات مِثْلُ تزييننا للكافرين عملَهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين. وقد ذكر نظيره في غير موضع. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ عطف عليه (١)، وحكمه في الإِعراب حكمه، وجعل هنا بمعنى صيّر، ومفعولاه: ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ قُدِّمَ ثانيهما على الأول وهو ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ لأجل الضمير المجرور العائد إلى القرية في قوله: ﴿مُجْرِمِيهَا﴾، كما قُدِّم ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) لأجل الذكر العائد إليه. ولا يجوز أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ المفعول الأول و ﴿أَكَابِرَ﴾ الثاني كما زعم بعضهم (٣)؛ لأن أفعل الذي مؤنثه فُعلى إذا انفصل مِن ﴿مَنْ﴾ لم يستعمل إلّا بالألف واللام، أو الإِضافة، كما أن مؤنثه كذلك، ولذلك خُطِّئ أبو نواس (٤) في قوله: ٢١٢ - كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فواقِعِها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ مِنَ الذَّهبِ (٥)

стр. 1300

فإن قلت: لم لا تجعل ﴿أَكَابِرَ﴾ بمعنى كبراء، وهو حسن جيد وتُمَشِّي قول هذا الزاعم؟ قلت: لا يسعني ذلك لوجهين: أحدهما: أن الشيء إذا وردَ على أصله ولفظه لا يخرج عن ذلك من غير اضطرار خصوصًا في الكتاب العزيز. والثاني: أن الشيخ أبا علي ﵀ ذكر الآية في باب الأفعَل واستدل بها على ذلك وهُوَ هُوَ، وقولُ مثلِهِ لا يُهمل: ٢١٣ - إذا قالت حَذامِ فصدقوها ... فإن القول ما قالت حَذامِ (١) و﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾: متعلق بالاستقرار لا بقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ كما زعم بعضهم؛ لأنه خبر المبتدأ في الأصل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب، فاعرفه وقس عليه نظائره فإنه مَوْضِعٌ ونَحْوٌ سِيْبِيٌّ. وقوله: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، اللام متعلقة بـ ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك. قيل: وإنما خص الأكابر، لأنهم هم الحاملون على الضلال، والماكرون بالناس، كقوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (٢). ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾:
следующие страницы →