وقرئ: (وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم) بالضم فيهما على البناء للمفعول (١)، لقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
وبالفتح فيهما (٢) على البناء للفاعل وهو الله لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ويعضد الأولى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) وشبهه، وينصر الثانية: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ (٤) و ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ (٥) وشبههما.
والجمهور على تشديد الصاد، وقرئ: (وقد فَصل) بتخفيفها (٦).
أبو الفتح: هو كقولك: قد فَصل إليكم وخرج نحوكم (٧).
وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (ما) في موضع النصب على الاستثناء المنقطع، أي: لكن ما اضطررتم إليه مما حُرِّم عليكم، فإنه حلال لكم في حال الضرورة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرئ: بضم الياء (٨) من أضلَّ، والمفعولُ محذوف، أي: لَيُضِلُّون أتباعهم، وبفتحها (٩) من ضلَّ، أي: لَيَضِلُّون في أنفسهم. والإِضلال أعم من الضلال؛ لأن كلَّ مُضِلٍ ضالٍّ، وليس كلُّ ضالٍّ
стр. 1297
مُضِلًّا. ومعنى ﴿بِأَهْوَائِهِمْ﴾ أي: باتّباع أهوائهم وشهواتهم من غير تعلُّق بشريعة.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: شيئًا مما، وقد ذكر قبيل. فإن قلت: هل يجوز لتارك التسمية على الذبيحة عامدًا أو ناسيًا أن يأكل منها؟ قلت: نعم بشهادة قوله ﵊ للناسي: "اسْمُ اللهِ عَلَى فَمِ كُلِّ مسلم" (١)، وقوله ﵊ حين قيل له: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أَذكروا اسم الله عليه أم لا: "سموا عليه [الله] وكلوا" (٢).
وأما الآية فلا دليل فيها على وجوب التسمية على الذبيحة؛ لأنها قد فسّرت بالميتة ومما ذكر غيرُ اسم الله عليه، كقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الهاء في (إنه) ترجع إلى مصدر الفعل الذي دَلَّ
стр. 1298
عليه حرف النهي، أي: وإن الأكل منه لفسق، أو إلى الموصول.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ في موضع جواب الشرط وهو ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ على إرادة الفاء، أي: فإنكم، والذي حسَّنَ حذفَها كونُ الشرط بلفظ الماضي.
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾:
قوله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ (من) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، وهي على كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء.
وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ عطف على ﴿كَانَ﴾، وكذا ﴿وَجَعَلْنَا﴾. و ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ في موضع النعت لنور. والضمير في ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وفي ﴿لَهُ﴾ راجِع إلى ﴿مَنْ﴾، وفي ﴿بِهِ﴾ إلى نور، وخبره الكاف في قوله: ﴿كَمَنْ﴾. و ﴿مَثَلُهُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
وقوله: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ محل الجملة النصب على الحال من المستكن في الظرف، أي: منفيًا عنه الخروج منها، ولا يجوز أن تكون حالًا من الضمير في ﴿مَثَلُهُ﴾، كما زعم بعضهم مقدرًا كمن مثله في الظلمات مقيمًا فيها؛ لأن غير الخارج من الشيء هو المقيم فيه، مع ما فيه من الفصل بينه وبين الحال بالخبر (١).
ومعنى قوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ كمن صفته هذه، بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فِعْلنا لهذه الأشياء المتقدم ذكرها وهي إحياء الميت،
стр. 1299
وجعل النور له، وذكرُنا كمن مثله في الظلمات مِثْلُ تزييننا للكافرين عملَهم، أو في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فعلنا هذه الأشياء فعلًا مثل فعلنا للتزيين. وقد ذكر نظيره في غير موضع.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ عطف عليه (١)، وحكمه في الإِعراب حكمه، وجعل هنا بمعنى صيّر، ومفعولاه: ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ قُدِّمَ ثانيهما على الأول وهو ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ لأجل الضمير المجرور العائد إلى القرية في قوله: ﴿مُجْرِمِيهَا﴾، كما قُدِّم ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) لأجل الذكر العائد إليه.
ولا يجوز أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ المفعول الأول و ﴿أَكَابِرَ﴾ الثاني كما زعم بعضهم (٣)؛ لأن أفعل الذي مؤنثه فُعلى إذا انفصل مِن ﴿مَنْ﴾ لم يستعمل إلّا بالألف واللام، أو الإِضافة، كما أن مؤنثه كذلك، ولذلك خُطِّئ أبو نواس (٤) في قوله:
٢١٢ - كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى من فواقِعِها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ مِنَ الذَّهبِ (٥)
стр. 1300
فإن قلت: لم لا تجعل ﴿أَكَابِرَ﴾ بمعنى كبراء، وهو حسن جيد وتُمَشِّي قول هذا الزاعم؟ قلت: لا يسعني ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الشيء إذا وردَ على أصله ولفظه لا يخرج عن ذلك من غير اضطرار خصوصًا في الكتاب العزيز.
والثاني: أن الشيخ أبا علي ﵀ ذكر الآية في باب الأفعَل واستدل بها على ذلك وهُوَ هُوَ، وقولُ مثلِهِ لا يُهمل:
٢١٣ - إذا قالت حَذامِ فصدقوها ... فإن القول ما قالت حَذامِ (١)
و﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾: متعلق بالاستقرار لا بقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ كما زعم بعضهم؛ لأنه خبر المبتدأ في الأصل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب، فاعرفه وقس عليه نظائره فإنه مَوْضِعٌ ونَحْوٌ سِيْبِيٌّ.
وقوله: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، اللام متعلقة بـ ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك.
قيل: وإنما خص الأكابر، لأنهم هم الحاملون على الضلال، والماكرون بالناس، كقوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (٢).
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾:
стр. 1301
قوله : ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ﴾ (مِثْل) مفعول ثان لنؤتَى والأول المستكن في الفعل القائم مقام الفاعل.
وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ (حيث) هنا مفعول به على السعة، وناصبه فعل مضمر دل عليه أعلم، أي: يعلم موضع رسالته، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لأعلم، لأن الله تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿سَيُصِيبُ﴾، وأن يكون نعتًا لقوله: ﴿صَغَارٌ﴾.
والصَّغارُ بالفتح: الذل، وهو مصدر قولك: صَغِر فلانٌ يصغَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر صغْرًا وصَغارًا، إذا ذلَّ.
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾:
قوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ المستكن في ﴿يَشْرَحْ﴾ يحتمل أن يكون لله ، وأن يكون للمُهْدَى، يعضد الأول قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٢)، وينصر الثاني قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (٣)، فكما أسند الفعل إلى فاعل الكفر، كذلك يكون إسناده في المعنى إلى فاعل الإِيمان.
ومعنى شَرْحِ الصدرِ: اتساعُهُ للإِيمان أو الكفر، وانقياده له، وسهولته
стр. 1302
عليه، هذا قول أبي علي (١).
وقوله: ﴿ضَيِّقًا﴾ مفعولط ثانٍ لقوله: ﴿يَجْعَلْ﴾، وقرئ: (ضيْقًا) بالتخفيف (٢)، وهما لغتان، كالميِّتِ والميْتِ (٣) في أن المحذوف كالمُتَمِّ.
وقوله: ﴿حَرَجًا﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لقوله: ﴿ضَيِّقًا﴾، وأن يكون مفعولًا ثالثًا، كما يكون للمبتدأ خبران فصاعدًا، فكما يجوز لك أن تقول قبل دخول العامل: صدره ضَيِّقٌ حَرِجٌ، على أن يكون خبرًا بعد خبر، كذلك يجوز أن يكون بعد دخوله كذلك.
وقرئ: (حرِجًا) بكسر الراء (٤)، على أنه اسم فاعل كدَنِفٍ وفَرِقٍ، و: (حَرَجًا) بفتحها (٥)، على أنه مصدر وصف به، كحَرًى ودَنَفٍ (٦) وشبههما من المصادر التي وصف بها، ومعنى الكلمةِ فيما فَسَّرَ أهل اللغة: الضيق والكراهة (٧).
وقوله: ﴿كَأَنَّمَا﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في حرج أو ضيق، أي: مشبهًا من يزاول أمرًا غير ممكن؛ لأن صعود السماء مَثَلٌ فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة.
стр. 1303
وقريء: (يَصعَدُ) من صَعِد، و (يَصعَّدُ)، وأصله يتصعد، فأدغمت التاء في الصاد بعد القلب. و (يصّاعد) (١)، وأصله: يتصاعد. و (يُصعِدُ) من أصعد (٢).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ﴾ الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: جَعْلُهُ تَضْيِيقَ صدور هؤلاء عن الإِيمان مِثْلُ جَعْلِه الرِّجس على هؤلاء، ويحتمل أن يكون في موضع نصب، أي: جعلًا مثل ذلك يجعل الله، والإِشارة إلى ما ذكر.
وأصل الرجس في اللغة: النَتْنُ، وقيل: هو العذاب (٣). وقيل: كلُّ ما لا خير فيه فهو رجس (٤).
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾:
قوله : ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ الإِشارة إلى البيان الذي جاء في القرآن، وقيل: إلى الإسلام، عن ابن عباس ﵄ (٥).
و﴿مُسْتَقِيمًا﴾: منصوب على الحال من ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾، والعامل فيها ما في حرف التنبيه، أو في اسم الإِشارة من معنى الفعل، كأنه قيل: وهذا
стр. 1304
صراط ربك أُنَبِّهُ عليه، أو أُشِير إليه مستقيمًا.
وإنما قدر هذا ليكون العامل في الحال وفي صاحبها واحدًا، وهذه حال مؤكدة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (١).
ومعنى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أي: عادلًا مطَّردًا.
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾:
قوله : ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (عند ربهم) يحتمل أن يكون ظرفًا للظرف، وأن يكون حالًا من المستكن في الظرف على رأي صاحب الكتاب، أو من ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ على رأي الأخفش.
وفي ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ وجهان:
أحدهما: دار الله، يعني الجنة (٢)، أضافها إلى نفسه تعظيمًا لها وتفخيمًا لشأنها.
والثاني: دار السلامة، يعني أن أهلها يَسْلَمُونَ من كل آفة وكدر (٣).
فإن قلت: ما محل الجملة التي هي ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾؟ قلت: النصب على الحال من الضمير في ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ (٤)، أو الجر على أنها صفة بعد صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ (٥)، ولك أن تجعلها مستأنفة.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ
стр. 1305
النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾:
قوله : (ويوم نحشرهم جميعًا) (١) (يوم) منصوب بمحذوف، أي: واذكر يوم نحشرهم، أو ونقول يوم نحشرهم: يا معشر الجن.
و﴿جَمِيعًا﴾: حال من الهاء والميم في (نحشرهم)، والضمير لمن يُحْشَرُ من الثقلين وغيرهم، والجن: هم الشياطين على ما فسر (٢).
وقوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: أضللتم منهم كثيرًا.
وقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ (من الإنس) في محل النصب على الحال من ﴿أَوْلِيَاؤُهُمْ﴾، والهاء والميم ترجعان على (الشياطين)، أي: وقال أولياؤهم كائنين من الإِنس الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قيل: انتفع الإِنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات، وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإِنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم (٣).
وقوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما الموت، والثاني الحشر (٤).
وقوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (خالدين) حال من الكاف والميم، وفي عاملها وجهان:
أحدهما: المثوى، على أنه مصدر بمعنى الثَّواء، وفي الكلام حذف
стр. 1306
مضاف تقديره: النار موضع مثواكم، أي: موضع ثوائكم. ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: تثوون فيها خالدين.
والثاني: معنى الإِضافة، والمَثْوَى على هذا اسم مكان، والمكان لا يعمل، وإذا كان كذلك ثبت أن العامل فيها معنى الإِضافة؛ لأن فيها معنى الفعل.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه متصل والاستثناء من الزمان دل عليه ﴿خَالِدِينَ﴾، لأن الخلود يدل على الأبد، كأنه قيل: يخلدون في عذاب النار الأبدَ كلَّه إلا الأزمنة التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، على ما أتى في الخبر أنهم يعذبون بغير النار في بعض الأوقات (١).
والثاني: أنه منقطع، والمعنى: إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مللهم في محاسبتهم.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الاستثناء لأهل الإِيمان (٢)، وهم قوم قد سبق في علم الله أنهم يُسلِمون ويصدِّقون النبي ﷺ . فـ (ما) على هذا بمعنى (مَن)، والاستثناء من الجنس أيضًا.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾:
قوله : ﴿يَقُصُّونَ﴾: في موضع النعت للرسل، ولك أن تجعلهما في موضع النصب على الحال من المستكن في ﴿مِنْكُمْ﴾.
стр. 1307
و ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾: عطف عليه، وحكمه في الإِعراب حكمه.
﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، والإِشارة إلى ما ذكر من بعث الرسل، وإنذارهم سوء العاقبة.
وعن الفراء: أنه في موضع نصب على تقدير: فَعَلَ اللهُ ذلك من أجل أن لم يكن ربك (١) ...
و﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واللام محذوفة، والتقدير: لأنه، أي: لأن الشأن والحديث لم يكن، ثم حذف الجار. و ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المذكور في غير موضع.
وقيل: ﴿أَنْ﴾ هي التي تنصب الفعل، وهي مع ما بعدها تعليل، أي: الأمر ما قصصنا عليك، لانتفاء كون ربك مهلك.
وقد جوز أن تكون بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ (٢).
وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿مُهْلِكَ﴾، أي: لم يكن ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه، وأن يكون في موضع الحال من ﴿رَبُّكَ﴾، أي: ظالمًا، أو ملتبسًا بظلم، على معنى: أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم يُنَبَّهُواْ برسول وكتاب لكان ظلمًا منه، وهو متعال عن الظلم.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾:
قوله : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي: ولكل أحد من المكلفين
стр. 1308
منازلُ من جزاء أعمالهم، أو مما عملوه من خير أو شرٍّ.
و﴿مِمَّا﴾: في موضع النعت لدرجات.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾:
قوله : ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب لكونه صفة لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: استخلافًا مثل إنشائكم.
وقوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ في (من) وجهان: أحدهما - لابتداء الغاية، والثاني - بمعنى البدل، أي: يُبْدِلُ غيركم مكانكم، كقولك: أعطيتُكَ من دينارِكَ ثوبًا، أي: مكانه وبدله.
والمعنى: من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مِثل صفتكم، قيل: وهم أهل سفينة نوح ﵇ (١).
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ (ما) موصولٌ اسمُ ﴿إِنَّ﴾، وخبرها ﴿لَآتٍ﴾، واللام للتوكيد، وأصله: لآتِيٌ، ثم فُعل به ما فعل بنحو: هذا قاضٍ يا فتى.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ هنا كافة؟ قلت: لا، لأجل أَتْيِ لامِ التأكيدِ.
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾:
قوله : ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قيل: المكانة تكون مصدرًا، يقال: مَكُنَ مكانةً، إذا تمكن أبلغ التَّمكُّن، وبمعنى المكان، يقال: مَكان
стр. 1309
ومَكانة، ومَقام ومَقامة (١).
وقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل إذا أُمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه، قاله الزمخشري (٢).
فإذا فهم هذا، فقرئ: (على مكانتكم) على التوحيد (٣) لكونه مصدرًا، والمصدر يدل على القليل والكثير من جنسه، أو لأن جميع ذلك حال واحدة.
وقرئ: (على مكاناتكم) على الجمع (٤)، لاختلاف أنواع المصدر، كقولهم: الحلوم والأحلامُ، أو لاختلاف أحوالهم وطرائقهم.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ إن جعلت ﴿مَنْ﴾ استفهامية بمعنى: أيّ، كانت في موضع رفع بالابتداء، وفِعْلُ العِلم معلَّقٌ عنها، كما عُلِّق عنه في قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (٥)، والخبر: ﴿تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وإن جعلتها موصولة كانت في موضع نصب بِفِعْلِ العلم.
وقرئ: (تكون) بالتاء النقط من فوقه لتأنيث لفظ العاقبة، وبالياء النقط من تحته (٦)؛ لأن تأنيثه غير حقيقي، وللفصل، والعاقبة: مصدر كالعافية.
стр. 1310
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾:
قوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ (لله، نصيبًا): مفعولا ﴿جَعَلُوا﴾، و ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ في محل النصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿نَصِيبًا﴾، ولك أن تعلقه بجعل.
و(ما) بمعنى الذي، وعائده محذوف، أي: ذرأه.
و﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بذرأ، وأن يكون حالًا من العائد المحذوف، وفي الكلام حذفٌ تقديره: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا ولآلهتهم نصيبًا.
ومعنى ذرأ: خلق، يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذَرْءًا وذُروءًا، إذا خلقهم، قيل: وأصله الظهورُ، فكأنه إظهار الخلق بالاختراع، ومنه قيل لظهور الشيب: الذَّرْأةُ، يقال: رجل أَذْرَأُ، وامرأة ذَرْآءُ، وذَرِئ شَعْر وذرأ، إذا ابيض، قال الراجز:
٢١٤ - رأينَ شيخًا ذَرِئَتْ مَجَالِيهْ ... يَقْلِي الغَواني والغَوانِي تَقْلِيهْ (١)
والاسم: الذُرْأَةُ بالضم، ومنه مِلْحٌ ذَرَآنيٌّ وذَرْآنِيٌّ بتحريك الراء وتسكينها لظهور بياضه.
والمجالي: مقاديمُ الرأس وهي مواضع الصَّلَعِ. والغواني: جمع غانيةٍ، والغانية: الجارية التي غَنِيَتْ بحسنها وجمالها.
стр. 1311
وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا﴾ عطف على ﴿وَجَعَلُوا﴾. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ متعلق بقالوا، وقرئ: بفتح الزاي وضمها (١)، وهما لغتان، يقال: زَعَمَ زَعْمًا وَزُعمًا وزِعمًا أيضًا بالكسر، إذا قال أو ادَّعى.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (ما) يحتمل أن يكون في موضع رفع على تقدير: ساء الحكم حكمهم، وأن يكون في موضع نصب، أي: ساء حُكْمًا حكمُهم، وقد مضى الكلام على نظيره فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢).
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾:
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ قرئ: بفتح الزاي والياء (٣) على البناء للفاعل الذي هو ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾، ﴿قَتْلَ﴾ بنصب اللام على أنه مفعول ﴿زَيَّنَ﴾، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف أعني فاعل ﴿قَتْلَ﴾، والتقدير: زَين لكثير من المشركين قتلهم أولادَهم شركاؤهم، ونظيره قوله : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٤)، أي: من دعائه الخيرَ، ولا يجوز أن يكون الشركاء فاعل المصدر الذي هو القتل لوجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ يبقى بلا فاعل.
стр. 1312
والثاني: أن الشركاء ليسوا بقاتلين، وإنما هم مزينون القتلَ للمشركين، على ما فسر أن شركاءهم من الشياطين، أو من سَدَنَةِ (١) الأصنام زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو بنحرهم للآلهة، وكان الرجل يحلف في الجاهلية لئن ولد له كذا غلامًا لينحرن أحدهم (٢).
وقرئ: (زُيِّن) بضم الزاي وكسر الياء (٣)، على البناء للمفعول الذي هو القتل. (أولادَهم) بالنصب على أنه مفعول القتل. (شركائِهم) بالجر على الإِضافة، وقد فصل بين المضاف الذي هو القتل والمضاف إليه بالمفعول الذي هو مفعول المصدر القائم مقام الفاعل، وقد أنشد فيها شاهد:
٢١٥ - فزجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ ... زَجَّ القلوصَ أبي مَزادَه (٤)
يريد زجَّ أبي مزادة القلوصَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول كما ترى، ونحو هذا أكثر ما يجيء في الشعر دون النثر، وقد ذكرت وجه هذه القراءة في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون.
стр. 1313
وقرئ كذلك إلا أنه بجر (أولادِهم) على الإِضافة ورفع شركائهم (١) بإضمار فعل دل عَليه (زُين)، كأنه قيل لما قيل: زُيِّن لهم قتل أولادهم: مَن زيَّنه؟ فقيل: زينه لهم شركاؤُهم. ذكر هذه القراءة ووجهها صاحب الكتاب ﵀ قال: ومِثْلُ ذلك قوله:
٢١٦ - لِيُبْك يَزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ مما تُطِيحُ الطوائِحُ (٢)
كأنه لما قال: ليبكِ يزيد، دلَّ على أن له باكيًا، فقال: يبكيه ضارعٌ.
ولو قرئ زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم شركائهم بجر الأولاد والشركاء، على أن تجعل الشركاء بدلًا من الأولاد، أو نعتًا لهم؛ لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم، لكان جائزًا في العربية، غير أن القراءة سنة متبعة لا يجوز فيها القياس، وليس لأحد أن يقرأ إلّا بما روي وصح عن السلف ﵃، وقد أشار إلى هذه القراءة أبو إسحاق (٣).
وقوله: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿زَيَّنَ﴾. ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ عطف عليه، أي: ليهلكوهم، والإرداء: الإِهلاك، يقال: رَدِيَ با لكسر يَرْدَى رَدًى، إذا هلك، وأَرْداهُ غيرُهُ يُرديه إرداء، إذا أهلكه. واللَّبْس: الخلط، وقد ذكر (٤).
стр. 1314
والجمهور على كسر الباء وهو الوجه، وقد أوضحته في أول السورة، وقرئ: (وليلبَسوا) بفتح الباء (١).
أبو الفتح: المشهور في هذا: لَبِستُ الثوب ألبَسُه، ولَبَسْتُ عليهم الأمرَ ألبِسُه. فإمّا أن تكون هذه لغةٌ لم تتأدَّ إلينا: لَبِستُ عليهم الأمر ألبَسُهُ، في معنى لَبَسْتُه ألبِسُه. وأن تكون غير هذا، وهو أن يُجعل الدين لهم كاللباس عليهم، لشدة المخالطة لهم فيه وتمسكهم به، كما أن لابس الثوب شديد المماسة له والالتباس به، وذَكَرَ ما يَطُولُ الكتابُ بذكره (٢).
وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: (ما) يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، أي: وما يفترونه من الإِفك، أو: وافتراءهم، وهي عطف على الهاء والميم في ﴿فَذَرْهُمْ﴾، ويحتمل أن تكون مفعولًا معه.
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ﴾ ابتداء وخبر. ﴿وَحَرْثٌ﴾ عطف على الخبر.
و﴿حِجْرٌ﴾: صفة لما قبله، والجمهور على كسر الحاء وسكون الجيم، وهو فعل بمعنى مفعول، كالذِّبح والطِّحن.
قال الزمخشري: ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات (٣).
стр. 1315
وقرئ: بضم الحاء وفتحها مع سكون الجيم أيضًا (١)، وهي لغات بمعنىً، ومعناه الحرام، قال الجوهري: والكسر أفصح (٢).
وقرئ أيضًا: (حِرجٌ) بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه بمعنى حِجْر، فقلب، كجَبَذَ وجَذَبَ.
والثاني: بمعنى التضييق، فلا قلب على هذا، وأصله: حَرِجٌ بفتح الحاء وكسر الراء، فخفف ونقل، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
وقوله: ﴿لَا يَطْعَمُهَا﴾ خبر بعد خبر.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ (من) فاعل ﴿يَطْعَمُهَا﴾، و ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ عطف على ما قبله، وكذا ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾.
قيل: وكانوا إذا عَيَّنُوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: لا يطعمها إلّا من نشاء، يعنون خَدَمَ الأوثان، والرجالَ دون النساء (٤). ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وهي البحائر، والسوائب، والحوامي (٥).
стр. 1316
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام.
والمعنى: أنهم قَسَمُوا أنعامهم فقالوا: هذه أنعام حِجْرٌ، وهذه أنعام مُحَرَّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكرون عليها اسم الله، فجعلوها أجناسًا بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله.
وقوله: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد؛ لأن قولهم ذلك المحكي بمعنى افتروا.
والثاني: أنه مفعول من أجله.
والثالث: أنه حال، أي: مُفْتَرِين، أو ذوي افتراء.
وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ على الوجه الأول: من صلة محذوف على أنّه نعت لقوله ﴿افْتِرَاءً﴾، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿افْتِرَاءً﴾ لأن المصدر المؤكد لا يعمل في شيء، ويجوز أن يكون من صلة المؤكَّد، يدل عليه القول المحكِي.
وأما على الوجه الثاني والثالث: فيجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿افْتِرَاءً﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة له، فاعرفه.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾:
قوله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ (ما) موصول في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿خَالِصَةٌ﴾، وأُنِّث للحمل على المعنى؛ لأن (ما) في معنى الأَجِنَّة (١)، أو لأن ما في البطون أنعام (٢)، وذُكِّر
стр. 1317
(مُحَرَّمٌ) للحمل على اللفظ (١).
و﴿لِذُكُورِنَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿خَالِصَةٌ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله نعتًا لخالصةٍ.
وقد جوز أن تكون التاء للمبالغة في الخُلوص، كالتي في راوية (٢) الشعر، وداهية القوم، والتي في قولك: فلان خاصَّتي من بين الجماعة، أي: خاص الذي يخصني ويخص بي، والتاء فيه للمبالغة (٣).
وأن يكون مصدرًا وقع موقع الخالص كالعافية، أي: ذو خالصةٍ (٤).
وقرئ: (خالصٌ) بغير تاء (٥) حملًا على لفظ (ما).
وقرئ: (خالصةً) بالتأنيث والنصب (٦)، على أن قوله: ﴿لِذُكُورِنَا﴾ هو الخبر، و (خالصةً) إمّا حال من المستكن في الظرف الذي هو صلة ﴿مَا﴾، كقولك: الذي في الدار قائمًا زيد، أو مصدرٌ مؤكد.
وقرئ: (خالصًا) بالتذكير والنصب (٧) على الحال من الضمير المذكور آنفًا، ولا يجوز أن يكون حالًا من المستكن في الخبر الذي هو
стр. 1318
﴿لِذُكُورِنَا﴾؛ لأن العامل معنىً، هذا رأيٌ سِيبيّ (١)، وأما على رأي أبي الحسن فجائز؛ لأنه يجيز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان معنىً بعد أن يتقدم صاحب الحال عليها، كقولك: زيدٌ قائمًا في الدار (٢).
وقرئ: (خالصُهُ) بالرفع والإِضافة إلى ضمير ﴿مَا﴾ (٣)، ورفعه بالابتداء والخبر ﴿لِذُكُورِنَا﴾، والمبتدأ وخبره خبر ﴿مَا﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته (٤) حملًا على لفظ ﴿مَا﴾، ونصب ﴿مَيْتَةً﴾ على خبر ﴿يَكُنْ﴾، أي: وإن يكن ما في بطونها مَيتة.
وقرئ: (وإن تكن) بالتاء النقط من فوقه (٥) حملًا على معنى ﴿مَا﴾، ونصب (ميتة) أيضًا على خبر (تكن)، أي: وإن تكن الأجنة أو الأنعام مَيتة، هذا إذا جعلت كان الناقصة، فإن جعلتها التامة بمعنى: وإن يقع أو تقع، كان (ميتةً) حالًا من المستكن في الفعل.
وقرئ: (وإن تكن ميتةٌ) بالتأنيث والرفع (٦) على كان التامة، وكذلك القول فيمن قرأ بالتذكير والرفع (٧).
وقوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ذُكِّر الضمير في ﴿فِيهِ﴾؛ لأن الميتة
стр. 1319
لكلِّ ميت ذكرًا أو أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن ميتًا أو ميتٌ فهم فيه شركاء، قاله الزمخشري (١).
وَرَدَ في التفسير أنهم كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيًّا فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإِناث، وما ولد منها ميتًا اشترك فيه الذكور والإِناث (٢).
وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم، من قوله: ﴿تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٣).
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾:
قوله : ﴿سَفَهًا﴾ مفعول من أجله، أي: للسفه، أو مصدرٌ حملًا على المعنى، لأن قتلهم أولادهم سفهٌ وجهل، كأنه قيل: قد سفهوا سَفهًا، وكلاهما قول أبي إسحاق (٤). ويحتمل أن يكون في موضع الحال (٥).
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿قَتَلُوا﴾، وقد مضى الكلام على نصب قوله: ﴿افْتِرَاءً﴾ قبيل (٦).
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا
стр. 1320
أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ أي: مسموكات، يقال: عَرَشْتُ الكَرْمَ وعَرَّشته، إذا جعلتَ له دعائمَ وسَمْكًا يمتد عليه. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ متروكات على وجه الأرض لم تعرّش (١)، وأصلُ التعريش: الرفع، ومنه قيل: العرش، للسرير، وسقفُ البيت: عرشه.
وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾.
وقوله: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدرة، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٣)، لأن النخل والزرع وقت الإنشاء لا أُكُلَ فيه، فيوصف بالاختلاف.
وقد جوز أن يكون في الكلام حذفُ مضافٍ تقديره: ثمرَ النخل، وحبَّ الزرع، فالحال على هذا تكونُ مقارنةً (٤).
و﴿أُكُلُهُ﴾ رفع بمختلفٍ، أي: مختلفًا أكلُه في اللون والطعم والحجم والرائحة على ما فسر (٥). والضمير في ﴿أُكُلُهُ﴾ للنخل، والزرع داخلٌ في حكمه لكونه معطوفًا عليه.
وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ عطفٌ أيضًا على ﴿جَنَّاتٍ﴾. و ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ حالٌ، أي: والزيتون متشابهًا وغير متشابه والرمان كذلك، كقوله:
стр. 1321
٢١٧ - .... كنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِيْ ... بَرِيًّا ................. (١)
وفتح الحاء وكسرها في الحصاد لغتان، وقد قرئ بهما (٢).
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة، وهي ما تَحملُ الأثقالَ من الإِبل. و ﴿وَفَرْشًا﴾ وهي الصغارُ منها، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣).
وقيل: الحَمولة: كل ما حَمَل من الإِبل والبقر والخيل والبغال والحمير. والفرش: الغنم (٤). والحمولة كالرَّكُوبة لا واحد لها من لفظها، وأما الحُمولة بضم الحاء: فهي الأحمال.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾:
قوله : ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ انتصب على أحد خمسة أوجه: إما
стр. 1322
على البدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. أو من محل (ما) في قوله: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). أو بالعطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ (٢)، أي: وأنشأ ثمانية أزواج. أو كلوا ثمانية أزواج، أي: من لحمه. أو على الحال، أي: مختلفة أو متعددة (٣).
والزوج في اللغة: الفرد الذي يكون معه آخر، وكل فرد يحتاج إلى آخر يسمى زوجًا.
وقوله: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الضأنُ: جمع ضَائِن، كتاجر وتَجْر، عن أبي إسحاقٍ وغيره (٤). ويقال للواحدة: ضائنة.
وقرئ: (من الضأَن) بفتح الهمزة (٥)، وهو جمع ضائن أيضًا، كحارسٍ وحَرَس، وكذلك القول في فتح العين وإسكانها.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: بدل من ﴿ثَمَانِيَةَ﴾، أي: زوجين اثنين. وقرئ: (اثنان) بالرفع (٦) على الابتداء، والنصب أجود وعليه الجمهور؛ لأنه أدل على معنى الإِنشاء، ويعني بالاثنين: الذكر والأنثى، وكذلك ما عطف عليه من بقية الثمانية، وهما الكبش والنعجة، والتيس والعنز، والجمل والناقة، والثور والبقرة على ما فسر (٧).
وقوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ الهمزة للإِنكار، و (الذكرين) نصب بحرم، وكذلك
стр. 1323
﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، أي: أم حرم الأنثيين، وكذلك (ما) في قوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، أي: أم حرم ما اشتملت.
قيل: والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن، والذكر من المعز، وبالأنثيين: الأنثى من الضأن والأنثى من المعز على طريق الجنسية (١).
والمعنى: إنكار أن يُحَرِّمَ اللهُ من جنسي الغَنَم ضأنها ومعزها شيئًا من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث الجنسين، وكذلك الذَّكران من جنسي الإبل والبقر والأنثيان منهما وما تحمل إناثهما، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها كيفما كانت ذكورًا أو إناثًا، أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرمها الله، فأُنكر ذلك عليهم على ما فسر (٢).
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾:
قوله : ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ (أم) منقطعة، أي: بل أكنتم. ومعنى الهمزة للإنكار، يعني: أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿شُهَدَاءَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾:
стр. 1324
قوله : ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (فيما) متعلق بـ ﴿أَجِدُ﴾، و ﴿مُحَرَّمًا﴾ مفعول ﴿أَجِدُ﴾.
وقوله: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (على) متعلق بقوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾. و ﴿يَطْعَمُهُ﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿طَاعِمٍ﴾.
وقرأ ابن القعقاع: (يَطَّعِمُهُ) بتشديد الطاء وكسر العين وتخفيفها (١) وأصله يَطْتَعِمُهُ، يفتعل من الطعام، فأبدل من التاء طاء وأَدغم فيها الأولى.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أن وما عملت فيه في موضع نصب على الاستثناء، و ﴿مَيْتَةً﴾ خبر كان، واسمها مضمر فيها تقديره: قل لا أجد فيما أوحي إلي طعامًا محرمًا من المطاعم التي حرمتموها إلا أن يكون الشيء المحرم ميتةً.
وقرئ: بالتاء ونصب الميتة (٢) أيضًا، على تقدير: إلا أن تكون المأكولة أو العين ميتة.
وقرئ أيضًا: بالتاء ورفع الميتة (٣) لتأنيث الميتة، وكان تامة.
стр. 1325
وقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ... أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على ﴿مَيْتَةً﴾ في قراءة من نصبها، ومن رفع كان ذلك عطفًا على ﴿أَنْ﴾ ومعمولها، على تقدير: إلَّا كونَ ميتةٍ.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو مقدمٌ في اللفظ مؤخر في التقدير بعد ﴿بِهِ﴾. والضمير في ﴿فَإِنَّهُ﴾ للمذكور كله، أي: فإن جميع ذلك رجس، وقيل: الضمير للحم خنزير، فعلى هذا لا يُنوَى به التأخير (١). والرجس: اسم لما يُستقذَر عن أبي إسحاق (٢).
والمسفوح: المصبوب السائل كالدم في العروق لا كالكبد والطحال، يقال: سَفَحْتُ الدمع وغيره أَسْفَحُهُ سَفْحًا، إذا صببته، ومنه قيل للزنا: السفاح، لصب الماء ضائعًا، قيل: وكانوا إذا ذَكّوا أكلوا الدم، كما يأكلون اللحم (٣).
وقوله: ﴿أُهِلَّ﴾ في موضع نصب على الصفة لقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا﴾. قيل: وسمي ما أهل لغير الله به فسقًا لتوغله في باب الفسق، وخروجه عن حكم الدِّين (٤).
والضمير في ﴿بِهِ﴾ للفسق. وقد جوز أن يكون ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ مفعولًا له من ﴿أُهِلَّ﴾، أي: أو أُهِلَّ لغير الله به فسقًا، فيكون ﴿أُهِلَّ﴾ على هذا عطفًا على ﴿أَنْ يَكُونَ﴾، ويكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ راجعًا إلى ما رجع إليه المستكن في ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ (٥).
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ انتصاب ﴿غَيْر﴾ على الحال من
стр. 1326
المستكن في فعل الشرط، وقد ذكر فيما سلف (١).
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾:
قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (على) متعلق بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾، والجمهور على ضم الظاء والفاء في قوله: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو الأصل، وقرئ: بإسكان الفاء تخفيفًا (٢).
وقرئ أيضًا: بكسر الظّاء مع إسكان الفاء (٣)، ولعله لغية.
قيل: وذو الظفر ما له إصبع من دابة أو طائر، وكان بعض ذوات الظفر حلالًا لهم، فلما ظلموا حرم ذلك عليهم، فَعَمَّ التحريم كل ذي ظفر، بدليل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٤).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على ﴿كُلَّ﴾، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ تبيين للمحرّم منهما.
والثاني: أنه متعلق بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾ الثاني، كما تقول: مِن زيد أخذت ماله، تريد بالإِضافة زيادة الربط والبيان.
والمعنى: حَرَّم الله عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل، لم يحرم منهما إلا شحومهما، وهي شحوم
стр. 1327
الجوف، وشحوم الكُلى على ما فسر (١).
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (ما) موصول في موضع نصب على الاستثناء من الشحوم.
وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في موضع رفع عطفًا على ﴿ظُهُورُهُمَا﴾، كأنه قيل: إلّا ما حملته ظهورهما، أو حملته الحوايا.
والثاني: في موضع نصب عطفًا على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ﴾، وفي الكلام على هذا الوجه حذف مضاف أي: شحم الحوايا.
والمعنى: إلَّا ما اشتمل على الظهور والجُنوب من السُحْفَة، والسُحْفَةُ: الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين.
عن ابن السكيت قال: وقد سحفتُ الشحم على ظهر الشاة سَحْفًا، وذلك إذا قَشَرْتَهُ من كثرته، ثم شويته، وما قشرتَة منه فهو السَّحِيفة (٢).
أو اشتمل على ﴿الْحَوَايَا﴾ وهي الأمعاء، قال أبو عبيدة: هي ما تَحَوَّى من البطن، أي: استدار (٣).
فإن قلت: ما وزن الحوايا؟ وما واحدها؟ قلت: قال أبو إسحاق: واحدها حاويةٌ، وحاوياء، وحويَّةٌ (٤). أما وزنها على الأولين في الأصل:
стр. 1328
ففواعَل، كضاربةٍ وضوارب، وقاصعاء وقواصع، وأما على الثالث: ففعائل في الأصل كسفينة وسفائن.
وقوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ عطف أيضًا، والجميع داخل في التحليل، وحكمه في الإِعراب حكم الحوايا.
وقيل: إن ﴿الْحَوَايَا﴾ و ﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ عطف على الشحوم داخلة في التحريم، والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلّا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم (١). والأول هو الأشهر وعليه الأكثر (٢).
و﴿مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ وهو شحم الأَلْيَةِ على ما فسر، لأنه على العُصعُص، والعُصْعُصُ بالضم عَجْبُ الذَنَب، وهو عظمه (٣).
و﴿أَوْ﴾ هنا بمنزلتها في قولهم: جالس الحسنَ أو ابنَ سيرين أو الشَّعْبِيَّ. وهو قول أبي إسحاق (٤).
وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو (٥).
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في موضع نصب بـ ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، كأنه قيل: جزيناهم ذلك.
стр. 1329
والثاني: في موضع رفع بالابتداء وخبره ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾، أي: جزيناهموه.
وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك (١)، والإِشارة إلى تحريم الطيبات، و ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾، أي: فعلنا بهم ذلك بسبب ظلمهم.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ شرطٌ، وجوابه: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾. وأصل (ذو): ذَوَيٌ، ثم ذوىً كقصًا، ثم حذف الياءُ وصار الواو حرف إعراب في قولك: ذو مال، وذا مال، وذي مال. والدليل على أن العين واو قوله : ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ (٢)، فالواو في (ذواتا) عين، والألف بعده لام، ولو لم يُرَدَّ اللامُ لقيل: ذاتا، فكانَ تكونُ الألفُ منقبلةً عن الواو، وإنما قيل: إن اللام المحذوف ياء، لأجل أن باب طَوَيْتُ أكثر من باب قوة.
قيل: والمعنى: فإن كذبوك في ذلك، وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي، ويُخلف الوعيد جودًا وكرمًا، ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ لأهل طاعته، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ مع سعة رحمته ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، فلا يُغتر برجاء رحمته عن خوف نقمته (٣).
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ
стр. 1330
شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾:
قوله ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على المضمر المرفوع في قوله: ﴿مَا أَشْرَكْنَا﴾. قيل: وأغنت زيادة (لا) عن تأكيد الضمير (١). قلت: ذلك لا يغني؛ لأن من شرط المؤكَد أن يكون قبل العاطف لا بعده، وكذلك ما يقوم مَقامه؛ لأنه فَرْعٌ عليه، وأجمل أحوال الفرع أن يقع في موقع الأصل، فأما أن يفوقه في التصرف والوقوع حيث لا يقع هو فلا، لا أعرف في ذلك خلافًا بين أهل هذه الصناعة فيما اطلعت عليه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: كذبوا تكذيبًا مثل تكذيب مَن قبلهم.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾:
قوله : ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (هلم) على وجهين:
أحدهما: أن يكون بلفظ واحدٍ في الواحد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث، فيقال: هلُمَّ يا رجل، وهلُمّ يا امرأة؛ وهلم يا رجلان، وهلم يا رجال، وهلم يا نسوة، وهو على هذا الوجه اسم للفعل، وبني لوقوعه موقع الأمر المبني.
стр. 1331
والثاني: أن تلحقه الضمائر، فيقال: هلما، وهلمُوا، وهلُمِّي وهَلْمُمْنَ، وهو على هذا الوجه فعل كسائر الأفعال، غير أنه لا يتصرف لاتصال (ها) به وتركيبه معه، والأول لغة أهل الحجاز، والثاني لغة بني تميم (١).
والمعنى: هاتوا شهداءكم وقربوهم، وأصله عند الخليل: هَالُمَّ، من قولهم: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، أي: جَمَعَهُ؛ فإذا قال قائل: هلُمَّ يا فلانُ، كأنه يريدُ ضُمَّ نفسك إلينا، و (ها) للتنبيه، وإنما حُذفت ألفه لكثرة الاستعمال، ثم رُكِّبَ مع (لُمَّ) وبه قال صاحب الكتاب (٢).
وقيل: أصله: هَاالْمُمْ فألقيت حركة الميم على اللام، وأدغمت الميم في الميم، فلما تحركت اللام استُغني عن همزة الوصل، وسقطت الألف من (ها) لالتقاء الساكنين؛ لأن اللام وإن تحركت فهي في نية السكون لكون حركتها عارضة (٣).
وقد أجمعوا على فتحه في كل حال، ولم يجيزوا فيه الضم والكسر كما أجازوا في نحو رُدَّ لكونه مركبًا من (ها) و (لُمَّ)، فصار ثباته على حركة واحدة دليلًا على التركيب، فتكون فتحته كفتحة خمسةَ عشرَ ونحوها. وقيل: فُتحت الميم لالتقاء الساكنين، كما فتحت الدال في رُدَّ يا هذا، في الأمر، واختير الفتح لخفته مع ثقل التضعيف.
ولا يجوز فيها الضم والكسر كما جاز في نحو رُدَّ؛ لأنها لا تتصرف، هذا قول أبي إسحاق (٤)، ويعني بالتصرف: تصرف الأفعال من الماضي والمستقبل، مع طولها بوصل (ها) بها وملازمتها لها.
стр. 1332
وهَلُم: يكون لازمًا بمعنى تعالوا، ومتعديًا بمعنى هاتوا، كقوله جل ذكره: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، فاعرفه.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾:
قوله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾ انجزم ﴿أَتْلُ﴾ على جواب شرط محذوف. و ﴿مَا﴾ تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهي في كلا التقديرين في موضع نصب بفعل التلاوة، بمعنى: أتل الذي حرمه ربكم، أو تحريم الإِشراك، وبيانه يأتي إن شاء الله.
وقد جَوَّزَ أبو إسحاق أن يكون منصوبًا بـ ﴿حَرَّمَ﴾ بمعنى: أقل أيَّ شيءٍ حَرَّمَ ربُّكم عليكم هذا أم هذا؟ لأن التلاوة من القول (٢).
و﴿مَا﴾ على هذا تكون استفهاميةً، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة التلاوة، وأن يكون من صلة التحريم.
وقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ في أن وجهان:
أحدهما: أنها مفسرة بمعنى أيْ، فلا يكون لها موضع من الإِعراب على هذا.
والثاني: أنها الناصبة للفعل، وفي موضعها وجهان: أحدهما - الرفع على: ذلك ألا تشركوا، أي: المتلو ألا تشركوا، أو المحرم أن تشركوا،
стр. 1333
و (لا) صلةٌ على هذا، والثاني - النصب وفي عامله أربعة أوجه:
أحدها: فعل التلاوة، أي: أتل ألَّا تشركوا، أي تحريم الإِشراك، فيكون بدلًا من ﴿مَا﴾.
والثاني: ﴿حَرَّمَ﴾، فيكون بدلًا من الراجع إلى الموصول، أي: حرمه ربكم أن تشركوا، و (لا) صلة على هذا.
والثالث: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، بمعنى: الزموا ترك الشرك، كقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١).
والرابع: مضمر تقديره: أُوصيكم ألَّا تشركوا.
وفي موضع ﴿تُشْرِكُوا﴾ وجهان:
أحدهما: الجزم بلا على النهي، وهو اختيار الزمخشري؛ لأنه قال: وأن في ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ مفسرة، ولا للنهي، فإن قلت: هلا قلت: هي التي تنصب الفعل، وجعلت ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ بدلًا من ﴿مَا حَرَّمَ﴾، قلت: وجب أن يكون (لا تشركوا)، و ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾، و ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، و ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٢) نواهيَ لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا وأوفوا، وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا.
فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣) فيمن قرأ بالفتح (٤)، وإنما يستقيم عطفه على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ إذا جعلت (أن) هي
стр. 1334
الناصبة للفعل حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإِشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيمًا؟ قلت: أجعل قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر (٢)، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، انتهى كلامه (٣).
والثاني: النصب بأن، وجاز أن تُعطف النواهي وهي: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ على الخبر، كما قال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).
و﴿شَيْئًا﴾: مفعول ﴿تُشْرِكُوا﴾، ولك أن تجعله في موضع المصدر، أي: إشراكًا، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٥).
وقوله: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي: من أجل إملاق، والإِملاق: الفقر والفاقة، يقال منه: أملق إملاقًا، أي: من أجل فقر ومن خشيته، كقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٦).
وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدل من ﴿الْفَوَاحِشَ﴾، و ﴿مِنْهَا﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿ظَهَرَ﴾.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال أيضًا، ومعنى بالحق:
стр. 1335
كالقصاص، والقتل على الرِّدَّة والرَّجم.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
والثاني: في موضع نصب، على معنى ألزمكم ذلكم، و ﴿وَصَّاكُمْ﴾ تفسير له.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: إلَّا بالخصلة التي هي أحسن.
وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (حتى) غاية لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، أو معمولة له حملًا على المعنى، والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ في محل النصب على الحال، إمّا من الفاعل، أي: أوفوا عادلين، أو من المفعول، أي: أوفوه كاملًا أو تامًا.
وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ﴾ مستأنف، و ﴿وُسْعَهَا﴾: مفعول ثان لنكلف.
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود له أو عليه ذا قربى، كقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ (١).
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾: