← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

والثاني: أن تلحقه الضمائر، فيقال: هلما، وهلمُوا، وهلُمِّي وهَلْمُمْنَ، وهو على هذا الوجه فعل كسائر الأفعال، غير أنه لا يتصرف لاتصال (ها) به وتركيبه معه، والأول لغة أهل الحجاز، والثاني لغة بني تميم (١). والمعنى: هاتوا شهداءكم وقربوهم، وأصله عند الخليل: هَالُمَّ، من قولهم: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، أي: جَمَعَهُ؛ فإذا قال قائل: هلُمَّ يا فلانُ، كأنه يريدُ ضُمَّ نفسك إلينا، و (ها) للتنبيه، وإنما حُذفت ألفه لكثرة الاستعمال، ثم رُكِّبَ مع (لُمَّ) وبه قال صاحب الكتاب (٢). وقيل: أصله: هَاالْمُمْ فألقيت حركة الميم على اللام، وأدغمت الميم في الميم، فلما تحركت اللام استُغني عن همزة الوصل، وسقطت الألف من (ها) لالتقاء الساكنين؛ لأن اللام وإن تحركت فهي في نية السكون لكون حركتها عارضة (٣). وقد أجمعوا على فتحه في كل حال، ولم يجيزوا فيه الضم والكسر كما أجازوا في نحو رُدَّ لكونه مركبًا من (ها) و (لُمَّ)، فصار ثباته على حركة واحدة دليلًا على التركيب، فتكون فتحته كفتحة خمسةَ عشرَ ونحوها. وقيل: فُتحت الميم لالتقاء الساكنين، كما فتحت الدال في رُدَّ يا هذا، في الأمر، واختير الفتح لخفته مع ثقل التضعيف. ولا يجوز فيها الضم والكسر كما جاز في نحو رُدَّ؛ لأنها لا تتصرف، هذا قول أبي إسحاق (٤)، ويعني بالتصرف: تصرف الأفعال من الماضي والمستقبل، مع طولها بوصل (ها) بها وملازمتها لها.

стр. 1332

وهَلُم: يكون لازمًا بمعنى تعالوا، ومتعديًا بمعنى هاتوا، كقوله جل ذكره: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، فاعرفه. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾: قوله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾ انجزم ﴿أَتْلُ﴾ على جواب شرط محذوف. و ﴿مَا﴾ تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهي في كلا التقديرين في موضع نصب بفعل التلاوة، بمعنى: أتل الذي حرمه ربكم، أو تحريم الإِشراك، وبيانه يأتي إن شاء الله. وقد جَوَّزَ أبو إسحاق أن يكون منصوبًا بـ ﴿حَرَّمَ﴾ بمعنى: أقل أيَّ شيءٍ حَرَّمَ ربُّكم عليكم هذا أم هذا؟ لأن التلاوة من القول (٢). و﴿مَا﴾ على هذا تكون استفهاميةً، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة التلاوة، وأن يكون من صلة التحريم. وقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ في أن وجهان: أحدهما: أنها مفسرة بمعنى أيْ، فلا يكون لها موضع من الإِعراب على هذا. والثاني: أنها الناصبة للفعل، وفي موضعها وجهان: أحدهما - الرفع على: ذلك ألا تشركوا، أي: المتلو ألا تشركوا، أو المحرم أن تشركوا،

стр. 1333

و (لا) صلةٌ على هذا، والثاني - النصب وفي عامله أربعة أوجه: أحدها: فعل التلاوة، أي: أتل ألَّا تشركوا، أي تحريم الإِشراك، فيكون بدلًا من ﴿مَا﴾. والثاني: ﴿حَرَّمَ﴾، فيكون بدلًا من الراجع إلى الموصول، أي: حرمه ربكم أن تشركوا، و (لا) صلة على هذا. والثالث: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، بمعنى: الزموا ترك الشرك، كقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). والرابع: مضمر تقديره: أُوصيكم ألَّا تشركوا. وفي موضع ﴿تُشْرِكُوا﴾ وجهان: أحدهما: الجزم بلا على النهي، وهو اختيار الزمخشري؛ لأنه قال: وأن في ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ مفسرة، ولا للنهي، فإن قلت: هلا قلت: هي التي تنصب الفعل، وجعلت ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ بدلًا من ﴿مَا حَرَّمَ﴾، قلت: وجب أن يكون (لا تشركوا)، و ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾، و ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، و ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٢) نواهيَ لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا وأوفوا، وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا. فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣) فيمن قرأ بالفتح (٤)، وإنما يستقيم عطفه على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ إذا جعلت (أن) هي

стр. 1334

الناصبة للفعل حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإِشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيمًا؟ قلت: أجعل قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر (٢)، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، انتهى كلامه (٣). والثاني: النصب بأن، وجاز أن تُعطف النواهي وهي: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ على الخبر، كما قال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤). و﴿شَيْئًا﴾: مفعول ﴿تُشْرِكُوا﴾، ولك أن تجعله في موضع المصدر، أي: إشراكًا، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٥). وقوله: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي: من أجل إملاق، والإِملاق: الفقر والفاقة، يقال منه: أملق إملاقًا، أي: من أجل فقر ومن خشيته، كقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٦). وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدل من ﴿الْفَوَاحِشَ﴾، و ﴿مِنْهَا﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿ظَهَرَ﴾. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال أيضًا، ومعنى بالحق:

стр. 1335

كالقصاص، والقتل على الرِّدَّة والرَّجم. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. والثاني: في موضع نصب، على معنى ألزمكم ذلكم، و ﴿وَصَّاكُمْ﴾ تفسير له. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: إلَّا بالخصلة التي هي أحسن. وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (حتى) غاية لقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، أو معمولة له حملًا على المعنى، والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ في محل النصب على الحال، إمّا من الفاعل، أي: أوفوا عادلين، أو من المفعول، أي: أوفوه كاملًا أو تامًا. وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ﴾ مستأنف، و ﴿وُسْعَهَا﴾: مفعول ثان لنكلف. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود له أو عليه ذا قربى، كقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ (١). ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾:

стр. 1336

قوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قرئ: بالفتح والتشديد (١)، وفيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه عطف على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ (٢)، على قول من جعل أن في (أن لا تشركوا) الناصبة للفعل، على معنى: أتل عليكم نفي الإِشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيمًا. والثاني: أنه معمول قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ بتقدير اللام، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) بمعنى: ولأجل الاستقامة اتبعوه، والفاء صلة. والثالث: أنه في موضع جر عطفًا على الهاء في (به) في قوله: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ (٤). ورُدَّ هذا من وجهين: أحدهما - أنه عطف على المضمر من غير إعادة الجار، والثاني - أنه يصير المعنى: وصَّاكم باستقامة الصراط، فالأول ضعيف من جهة الإِعراب، والثاني فاسد من جهة المعنى (٥). قلت: العطف جائز عليه، والجارُّ مرادٌ، وإنما حُذف لطول أن بالصلة، وإذا كان مرادًا لم يكن عطف ظاهر على مضمر؛ لأن المحذوف كالمنطوق به، وأما من جهة المعنى فهو محمول على المعنى. ومعنى ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: الزموه واتبعوه، وإذا كان كذلك كان حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، ويكون قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ كالتفسير للأول والتأكيد له، فاعرفه.

стр. 1337

وقرئ: بالفتح والتخفيف (١)، والقول فيه كالقول في التشديد. والأصل: وأنه، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث، وموضع ﴿هَذَا﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿صِرَاطِي﴾ وقد جوز أن يكون في موضع نصب (٢) على أنه اسم أن كالمكسورة، والمكسورة (٣) أكثر إعمالًا إذا خففت، وقيل (أَنْ) على هذه القراءة مزيدة كالتي في قوله ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير﴾ (٤) تعضده قراءة من قرأ: ﴿هَذَا صِرَاطِي﴾ وهو الأعمش (٥). وقرئ بالكسر (٦) على الاستئناف، قال أبو علي: والفاء في ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ على قراءة الكسر عاطفة جملة على جملة، وهي في قراءة من فتح مزيدة، انتهى كلامه (٧). و﴿مُسْتَقِيمًا﴾: حال، والعامل ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى التنبيه والإِشارة. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ الفاء جواب النهي، وتفرق نصب على الجواب بالفاء بإضمار أن. و﴿بِكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في موضع المفعول لـ (تفرَّق)، والمعنى: ولا تتبعوا الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية وغيرهما فتفرقكم أيادي سبَا (٨).

стр. 1338

والثاني: في موضع الحال، أي: فتفرق وأنتم معها، والأصل فتتفرق. وقرئ: بحذف إحدى التاءين وبإدغامها (١). ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: عطف على ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ (٢)، قيل: وإنما جاز عطفه عليه بثم والإِيتاء قبل التوصية بدهر طويل؛ لأن هذه التوصية قديمة لم تزل تَوَصَّاها كُلُّ أمةٍ على لسان نبيها، كما قال ابن عباس ﵁: هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب. فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديمًا وحديثًا، ثم أعظمُ من ذلك أَنَّا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك (٣). والثاني: عطف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٤). وقيل: هو على إضمار القول، كأنه قيل: ثم قل آتينا موسى، يدل عليه قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ (٥)، فثم لترتيب ما أُمر به من القول، إذ قد علم أنه قبل القرآن (٦). و﴿تَمَامًا﴾: مصدر قولك: تَمَّ الشيءُ يَتِمُّ تمامًا، إذا كَمل، فهو تامٌّ، وأتمه غيره إتمامًا، وفيه وجهان:

стр. 1339

أحدهما: مفعولٌ من أجله، أي: آتيناه للتمام. والثاني: في موضع الحال من الكتاب، أي: تامًا كاملًا، أو متمًّا، فيكون على حذف الزيادة، أي: إتمامًا (١). و ﴿عَلَى﴾ متعلق به. و﴿أَحْسَنَ﴾: فعلٌ ماضٍ وهو صلة ﴿الَّذِي﴾، والإِحسان نقيض الإِساءة، فإذا فهم هذا، فقوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ اختُلف فيه: فقيل: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ تمامًا للكرامة والنعمة على الذي أحسن على من كان محسنًا صالحًا. قال الحسن: كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تمامًا على المحسن (٢). يعني جنس المحسنين، تعضده قراءة من قرأ: تمامًا على الذين أحسنوا، وهو عبد الله (٣)، كأنه قيل: تمامًا للكرامة والنعمة على المحسنين الذين هو أحدهم، ففاعل الفعل على هذا ضمير يرجع إلى ﴿الَّذِي﴾. وقيل: المراد بـ ﴿الَّذِي﴾: موسى ﵇، أي: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به، أو تمامًا على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من أَحْسَنَ المشيءَ إذا أجاد معرفته، أي: زيادة على علمه على وجه التتميم. ففاعل الفعل على هذين الوجهين ضمير موسى ﵇، والراجع إلى الموصول على الوجه الأول: ضمير موسى ﵇، وعلى الثاني: محذوف، وهو مفعول أحسن.

стр. 1340

وقيل: المعنى: تمامًا على الإِحسان الذي أحسن إليهم إذ هداهم إلى الإيمان بموسى. وقيل: أحسن إلى موسى بالنبوة وغيرها. وقيل: أحسن إلى أنبيائه (١). ففاعل الفعل على هذه الأوجه ضمير اسم الله جل ذكره، والراجع إلى الموصول محذوف، أي: أحسنه. وقرئ: (أحسنُ) بضم النون (٢) على أنه اسم، وهو خبر مبتدأ محذوف، وهو الراجع إلى (الذي)، أي: على الذي هو أحسن، ثم حُذف، ونظيره: ما حكى صاحب الكتاب عن الخليل رحمهما الله: أنه سمع أعرابيًّا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا (٣). أي: ما أنا بالذي هو قائل، وقراءة من قرأ: (مثلًا ما بعوضةٌ) بالرفع، وقد تقدم ذكر ذلك في "البقرة" (٤)، أي: على الدين الذي هو أحسنُ دينٍ وأرضاه. أو ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾، أي: تامًا كاملًا على أحسن ما يكون عليه الكتب، أي: على الوجه والطريق الذي هو أحسن، وهو معنى قول الكلبي (٥)، أتم له الكتاب على أحسنه، كذا حكي عنه (٦). وقد أجاز الفراء وغيره من الكوفيين أن يكون (أحسنَ) بفتح النون على

стр. 1341

قراءة الجمهور في موضع جر على أنه صفة ﴿الَّذِي﴾ (١). قال أبو إسحاق: وهذا عند البصريين خطأ فاحش، يزعم البصريون أنهم لا يعرفون (الذي) إلّا موصولة، ولا توصف إلَّا بعد تمام صلتها، وقد أجمع الكوفيون معهم أن الوجه صلتُها، فيحتاجون أن يبينوا أنها وقعت موصوفة (٢) ولا صلة لها، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ كُلُّهُ عَطْفٌ على ﴿تَمَامًا﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾: قوله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (هذا) مبتدأ و ﴿كِتَابٌ﴾ خبره، وما بعده خبر بعد خبر، أو صفة للكتاب. ويجوز في الكلام نصب ﴿مُبَارَكٌ﴾ على الحال. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾ مفعوله محذوف، أي: واتقوا مخالفة ما فيه. ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾: قوله ، ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ موضع (أن) نصب (٤)، أي: أنزلناه كراهة أن تقولوا، وقيل: تقديره لئلا تقولوا، والأول أمتن؛ لأن (لا) لا تزاد مضمرة، و ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (٥) عطف عليه.

стр. 1342

وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾ (إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَغَافِلِينَ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية، والأصل: وأنه كنا عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث، هذا مذهب أهل البصرة، وقال أهل الكوفة: هي إن النافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلَّا. و﴿عَنْ﴾: متعلقة بغافلين، أي: عن قراءتهم، أي: لم نعرف مثل دراستهم. ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾: قوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ (من) الأولى استفهامية، والثانية تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة. والجمهور على تشديد الذال في (كذّب)، وقرئ: بتخفيفها (١) على تضمين كَذَبَ معنى كَفَرَ؛ لأن معنى كذب بالشيء وكفر به سواء، والذي حملني على هذا التضمين إتيان الباء في ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ إي: وأعرض عنها، والصَّدْفُ والصُّدُوف: الإِعراض، والمعنى: لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله بعدما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك وأعرض عنها من غير استدلال ولا تفكر. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾:

стр. 1343

قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: ما ينتظرون إلَّا إتيان ملائكةِ الموتِ أو العذاب. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: أي: أمره فيما يريد. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: قيل: أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك (١). وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ (يوم) ظرف لقوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾، وعليه الجمهور، أعني على نصب ﴿يَوْمَ﴾، وقرئ: بالرفع (٢) على الابتداء، والخبر ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ وما تعلق به، والعائد من الجملة محذوف للعلم به، أي: لا ينفع نفسًا إيمانها فيه. والجمهور على الياء النقط من تحته في قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ لتذكير الإِيمان، وقرئ: (لا تنفع) بالتاء النقط من فوقه (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: لكون الإِيمان مضافًا إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه، إذ هو من النفس، كقولك: ذَهَبَتْ بعض أصابعه، وكقراءة من قرأ: (تلتقطه بعض السيارة) (٤) إذ البعض منهما. والثاني: لكون الإِيمان في معنى العقيدة، كما أن الكتاب في معنى الصحيفة، والصوت في معنى الصيحة. وقوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿نَفْسًا﴾. وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ﴾، و ﴿أَوْ﴾ للإِبهام في أحد الأمرين، والمعنى: أن الآية الملجئة إذا أتت ذهبت، أو أن

стр. 1344

التكليف عندها، فلم ينفع الإِيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانَها أو كَسْبَها قبل ظهور الآية الملجئة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: اختلفوا فيه، كما اختلف اليهود والنصارى. والثاني: آمنوا ببعضِ وكفروا ببعض، كقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (١)، فهم خلاف المؤمنين الذين وُصفوا بالإِيمان به في قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ (٢). وقرئ: (فارَقوا) بألف مع تخفيف الراء (٣)، بمعنى تركوه، قال أبو علي: وإلى معنى فرَّقوا يَؤُولُ، ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه (٤). ومثله في "الروم" (٥). وقرئ أيضًا: (فرَقوا) بتخفيف الراء مع حذف الألف (٦)، وفيه وجهان: أحدهما: في معنى التشديد؛ لأن فَعَل مخففًا يكون فيه معنى التثقيل.

стр. 1345

والثاني: في معنى: فصلوه عن الدين الحق ومازَوه عنه. وقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فِرقًا وأحزابًا. وقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾ في محل الرفع بخبر إن. و ﴿فِي شَيْءٍ﴾: في محل النصب على الحال من المستكن في الخبر، فيكون على معنى البراءة منهم، وقيل: تقديره: لست من قتالهم في شيء. وقيل: من السؤال عنهم وعن تفرقهم، فحذف المضاف، فيكون ﴿فِي شَيْءٍ﴾ والخبر، و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿فِي شَيْءٍ﴾، وقيل: هي منسوخة بآية السيف (١). ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾: قوله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية في موضع رفع بالابتداء، والفاء في ﴿فَلَهُ﴾ جوابُ الشرط. و ﴿عَشْرُ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿لَهُ﴾، وخبرُ ﴿مَنْ﴾ فعل الشرط أو الجزاء على الخلاف المذكور في غير موضع. والجمهور على الإِضافة في ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، تقديره: فله عشر حسنات أمثالها، ونظيرها ما حكى صاحب الكتاب ﵀: عندي عشرة نَسَّابات، أي: عشرة رجالٍ نسابات (٢). والضمير في ﴿أَمْثَالِهَا﴾ للحسنة المذكورة.

стр. 1346

أبو علي: حَسُنَ التأنيثُ في ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ والمِثْلُ مذكر لأمرين: أحدهما: أن الأمثال في المعنى حسنات، كما أن الشخص في قوله: ٢١٨ - ................... ... ثلاثُ شُخوصٍ .......... (١) نساء. والثاني: أن الضمير المضاف إليه مؤنث، والمضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرًا إذا كان إياه في المعنى، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، وكقول من قرأ: (تلتقطه بعض السيارة)، انتهى كلامه (٢). وقرئ: (عَشْرٌ أمثالُها) برفعهما مع التنوين في الأول (٣) على الوصف، والتقدير: فله حسناتٌ عشرٌ أمثالُ حسنته، فالأمثال نعت للعشر؛ لأنها نكرةٌ مثلها وإن كانت مضافة إلى معرفة. وقد جوز أبو إسحاق: نصب ﴿أَمْثَالِهَا﴾ على التمييز في الكلام كتجويزهم: عندي خمسةٌ أثوابًا، وإفراد مثلٍ أيضًا في الكلام لا في الكتاب العزيز (٤). وقوله: ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ مفعول ثان ليُجْزَى.

стр. 1347

﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾: قوله : ﴿دِينًا﴾ انتصب على أحد ثلاثة أوجه: إمَّا على البدل من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾، لأن معناه: هداني صراطًا، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١). أو على تضمين ﴿هَدَانِي﴾ معنى عرَّفني؛ لأنه في معناه. وإمَّا على إضمار فعل دلَّ عليه ﴿هَدَانِي﴾ إمَّا من لفظه وإمَّا من معناه، أي: هداني أو عرفني دينًا. أو على إضمار: اعرفوا دينًا؛ لأن هدايتهم إليه تعريف لهم. و(قَيِّمًا) (٢) صفة له، وهو فَيْعِلٌ من قام، كسيِّد من ساد، وهو أبلغُ من القائم. وقرئ أيضًا: (قِيَمًا) بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها (٣)، وهو مصدر كالشِّبَع، بمعنى القيام وُصف به، وأصله قِوَمٌ، من قام، وإنما أُعِلَّ كما أُعل فعله لجريانه عليه، ولذلك صحح نحو حِوَل، ولم يُعلّ لأنه ليس بجارٍ على فِعْلِه، وفعله مصحح وهو احْوَلَّ كاحمرَّ. وقوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (ملة) عطف بيان، أو بدل من دين، أو على إضمار فعل. و﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أو على إضمار أعني، وقد مضى الكلام عليه فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٤).

стр. 1348

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ (صلاتي) اسم إن، وما بعدها عطف عليها، والنُسُكُ: جمع نَسِيكَة وفيه وجهان: أحدهما - العبادة. والثاني - الذبيحة (١). و﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: وما آتِيه في حياتي وأموت عليه من الإِيمان والعمل الصالح. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هو الخبر، أي: خالصة لوجهه. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾: قوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (غير) يحتمل أن يكون مفعول ﴿أَبْغِي﴾، و ﴿رَبًّا﴾ يكون تمييزًا، وأن يكون حالًا لتقدمه على الموصوف وهو ﴿رَبًّا﴾. و ﴿رَبًّا﴾ منصوب بأبغي، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٢)، أي: أبغي ربًا غيره وهو رب كل شيء، والهمزة للإِنكار. وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ أصله: تَوْزِرُ، وإنما حذفت الواو حملًا على يَوْزِرُ لوقوعها بين ياء وكسرة، ليجري الباب على نمطٍ واحد. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾:

стр. 1349

قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (خلائف) جمع خليفة كسفينة وسفائن، وقد ذكر فيما سلف (١)، وفيه وجهان: أحدهما: أن أمة محمد ﷺ خلفت سائر الأمم؛ لأنهم آخرهم (٢). والثاني: أن كلَّ أمةٍ تَخْلُفُ من كان قبلهم (٣). وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (درجات) يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿رَفَعَ﴾، وأن يكون مفعولًا على إرادة الجار، أي: إلى درجات. والمعنى: فضَّل بعضكم على بعض في الشرف والرزق، ليختبركم فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة؟ وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والغني بالفقير؟ واللام في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ من صلة ﴿رَفَعَ﴾. قال أهلُ التأويل: ولم يزل سبحانه يعلم ذلك من غير اختيار، غير أن الجزاء لا يقع على علمِ الغيب، إنما يقع على الأعمال الواقعة (٤). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وكفر نعمته، و ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن أطاعه وقام بشكر النعمة. فإن قلت: كيف قيل: سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإِمهال مع أن عقابه إنما يكون في القيامة، وإن كان قد يقع بعضه في الدنيا؟ قلت: قيل: إنما وصف بالسرعة؛ لأن ما هو آت قريب لا محالة، بدليل قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٥)، والله أعلم. هذا آخر إعراب سورة الأنعام والحمد لله رب العالمين

стр. 1350

الكِتابُ الفَرِيدُ في إعراب القرآن المجيد (إعرابٌ، معانٍ، قراءات) تأليف العَلّامَة الحافِظِ المقرئ المنتَجب الهمَذاني (المتوفّى سنة ٦٤٣ هـ) "وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن، ومن أوضحها كتاب الحوفي، ومن أحسنها كتاب المشكل، وكتاب أبي البقاء العكبري، وكتاب المنتجب الهمذاني ... " (الإمام الزركشي) حقَّق نصوصه وخرَّجه وعلق عليه: محمّد نظامُ الدّين الفتيّح الجزء الثالث مِن أَوَّلِ سُورَة الأَعراف إلى آخر سُورة اِلرَّعدِ مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع

стр. 1351

ح - مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الهمذاني، المنتجب الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد/ المنتجب الهمذاني، محمد نظام الدين الفتيح - المدينة المنورة، ١٤٢٧ هـ ٦ مج ٦١٤ ص، ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٩ - ١ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ١) ١ - القرآن - إعراب أ. الفتيح، محمد نظام الدين (محقق) ب. العنوان ديوي ٢، ٢٢٤ ٨٨٤/ ١٤٢٧ رقم الإيداع: ٨٨٤/ ١٤٢٧ ردمك: ٠ - ٠ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٩ - ١ - ٩٧٤٢ - ٩٩٦٠ (ج ١) جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ -٢٠٠٦ م مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة - ص. ب: ١٥٥٦ شارع الستين - هاتف: ٨٣٦٦٦٦٦ - فاكس ٨٣٨٣٢٢٦ شارع الضيافة - إمتداد شارع أبا ذر هاتف: ٨٣٦٢٩٩٣ - هاتف وفاكس: ٨٣٤٤٩٤٦ موقعنا على الإنترنت: www.daralzaman.com البريد الإلكتروني: zaman@daralzaman.com Saudi Arabia - Medina Monawara - P.O.Box: ١٥٥٦ Al - Diafa Str. - Ab Zar Str. Tel: ٨٣٦٢٩٩٣ Telefax: ٨٣٤٤٩٤٦ Website: www.daralzaman.com email: zaman@daralzaman.com

стр. 1352

الكِتَابُ الفَرِيدُ في إعراب القرآن المجيد (إعْرَابٌ، مَعَانٍ، قِرَاءَات)

стр. 1353

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1354

إعراب سُورَة الأَعْرَافِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١)﴾: قد تقدم القول في معنى حروف الهجاء التي في أوائل السوره في أول سورة البقرة، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا. ﴿المص﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفع إما بالابتداء وخبره ﴿كِتَابٌ﴾ (١). وقيل: في الكلام حذف مضاف تقديره: ﴿المص﴾ حروف كتاب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٢). أو بخبر الابتداء، بمعنى: هذه ﴿المص﴾ (٣)، و ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب (٤). وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل (٥). ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾: قوله : ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في موضع رفع على النعت لكتاب. وقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ الفاء للعطف، وقيل: جواب ما

стр. 1355

تقدم على تقدير: إذا كان أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. والنهي في اللفظ للحرج، وفي المعنى للمخاطب، كقولهم: لا أرينك ها هنا. والحرج: الضيق وهو أصله، يقال: حَرِجَ صدرُه يَحْرَجُ حَرَجًا، إذا ضاق. والمعنى: لا يضيق صدرك من تبليغه؛ لأنه ﷺ كان يخاف قومه وتكذيبهم وإعراضهم عنه وأذاهم على ما فسر (١). فكان يضيق صدره من الإِيذاء ولا ينبسط له، فأمَّنه الله ونهاه عن المبالاة بهم. وقيل: الحرج هنا: الشك، عن ابن عباس ﵁ وغيره (٢). والمعنى: لا تشك في أنه منزل من الله، فالخطاب له ﵊ والمراد به أمته، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (٣). قال أهل التأويل: وسمي الشك حرجًا؛ لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه (٤). و﴿مِنْهُ﴾: في موضع الصفة للحرج، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للكتاب، وقيل: للإِنذار أو للتكذيب، دل عليه المعنى (٥). وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بأنزل وفي الكلام تقديم وتأخير، كأنه قيل: كتاب أنزل إليك لتنذر به. وأن يكون متعلقًا بالنهي؛ لأنه إذا لم يُخِفْهُم أنذرهم، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للكتاب.

стр. 1356

وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اختُلِف في محل ﴿ذِكْرَى﴾ على ثلاثة أوجه: أحدهما: النصب وفيه وجهان: أحدهما: بإضمار فعلها، كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيرًا، فوضع الذكرى موضعه. والثاني - بالعطف على محل ﴿لِتُنْذِرَ﴾ حملًا على معناه، أي: أنزل للإِنذار وذكرى، كقولك: جئتك للإِحسان وشوقًا إليك. والثاني: الرفع عطفًا على ﴿كِتَابٌ﴾، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو ذكرى. والثالث: الجر عطفًا على محل ﴿لِتُنْذِرَ﴾، أي: أنزل إليك للإِنذار وللذكرى، وقيل: عطف على الضمير في ﴿بِهِ﴾، وفيه ما فيه لكونه عطفًا على الضمير من غير إعادة الجار (١). ﴿وَذِكْرَى﴾ مصدر كالرجعى، وألفها للتأنيث، ولذلك لم ينصرف. واللام في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بناصب ﴿ذِكْرَى﴾ على الوجه الأول، وبـ ﴿ذِكْرَى﴾ على ما عدا الوجه الأول. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾: قوله : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال إما من ﴿مَا﴾، وإما من المستكن في ﴿أُنْزِلَ﴾، ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. والمراد بالمنزل: القرآن وسنة الرسول ﷺ على ما فسر (٢).

стр. 1357

وعن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد ﷺ ، والله ما نزلت آية إلَّا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت؟ وما معناها (١)؟ وفي هذا دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النصوص (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (من دونه) يحتمل أن يكون متعلقًا بالنهي، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لتقدمه عليه، وقد ذكر نظيره في غير موضع. والضمير في ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ للرب جل ذكره على معنى: ولا تتولوا من دونه ممن هو مخلوق مثلكم. وقيل: لـ ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ على معنى: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء (٣). والجمهور على قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ من الاتباع، وقرئ: (ولا تبتغوا) (٤) من الابتغاء ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٥)، وكلتاهما متقاربتان في المعنى. وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (قليلًا) منصوب بـ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، أي: تذكَّرون تذكرًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا. و ﴿مَا﴾ صلة لتوكيد القلة، ولا يجوز أن تكون مصدرية، كما زعم بعضهم (٦)؛ لأن معمول ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٧).

стр. 1358

وقرئ: (تَذَّكَّرون) بالتشديد (١)، على إدغام التاء في الذال، و (تَذَكَّرون) بالتخفيف (٢)، على حذفها، و (يتذكرون) بياء وتاء (٣)، على معنى: قليلًا ما يتذكر هؤلاء القوم يا محمد، هذه قراءات الجمهور. وقرئ أيضًا: (يذَّكرون) بياء والتاء مدغمة (٤)، و (تتذكرون) بتاءين (٥)، على الخطاب والكلمة على أصلها. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾: قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (كم) خبرية في موضع رفع بالابتداء لاشتغال الفعل بالضمير. و ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ تبيين، و ﴿مِنْ﴾ صلة، والخبر ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، أو نصب بفعل مضمر بعدها يفسره هذا الظاهر وهو (أهلكنا) تقديره: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها، وإنما قدر الفعل بعدها؛ لأن لها صدر الكلام وإن كانت خبرية لكونها محمولة على رُبّ، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ الفاء للعطف، وفي الكلام حذف مضاف، أي: فجاء أهلها، وإنما حذف للعلم به، والمعنى: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٦)، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٧) وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأن الإِهلاك إنما هو بعد مجيء البأس. وذكر مجيء البأس ومعه الفاء، وهي كما علمت توجب

стр. 1359

كون الثاني بعد الأول والمعنى على خلافه، فلذلك احتيج إلى هذا التقدير. و﴿بَيَاتًا﴾ مصدر قولك: بات يبيت بيتًا وبياتًا ومَبيتًا وبيتوتة بمعنىً، قال أبو إسحاق: يقال: بات بياتًا حسنًا، وبيتةً حسنة، انتهى كلامه (١). وهو هنا يحتمل أن يكون في موضع الحال بمعنى بائتين إن حملته على المعنى، أو بائتة إن حملته على اللفظ، وأن يكون ظرفًا إذ المراد به الليل، وقد جوز أن يكون مفعولًا من أجله (٢). وقوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (أو) حرف عطف، وهي هنا لتفصيل الجمل وتصرف الشيء مرة كذا ومرة كذا، أي: جاء بعضهم بأسنا ليلًا، وبعضهم نهارًا، فهي في الخبر هنا بمنزلة (أو) في الإِباحة. و﴿أَوْ﴾ ها هنا أحسن من الواو، لأن الواو توجب اجتماع الشيئين، و (أو) التي للإِباحة توجبهما مجتمعين ومفترقين، ألا ترى أنك إذا قلتَ: ضربت القوم ضاحكين وباكين، لأوجبتِ الواوُ أنك ضربتهم وهم على هاتين الحالين، وإذا قلتَ: ضربتهم ضاحكين أو باكين، مخبرًا غير شاكٍّ لأوجبتْ (أو) أنك ضربتهم مرة على هذه الحال، ومرة على هذه الحالة، وكذا في الآية. ولو أتيت فيها بالواو مكان ﴿أَوْ﴾ لصار المعنى: أهلكناهم بالليل وهم قائلون. والبيات بالليل، والقائلة بالنهار، يقال: قال يقيل قَيلًا وقيلولة ومقيلًا فهو قائل، فاعرفه. والجملة بعدها في موضع الحال من المضاف المحذوف، كأنه قيل: فجاء أهلها بأسنا بائتين أو قائلين. فإن قلت: الجملة إذا وقعت حالًا كان معها واو الحال، نحو: جاءني

стр. 1360

زيد وأبوه منطلق، فلم قيل هنا (أو هم) بغير واو الحال؟ . قلت: قال الفراء: إن الواو هنا محذوفة، والتقدير: أو وهم قائلون، وإنما حذفت كراهة اجتماع حرفي عطف (١)؛ لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل. ورده أبو إسحاق: وقال: لو قلت: جاءني زيدٌ راجلًا أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس، لم يحتج فيه إلى واو؛ لأن الذِّكْر قد عاد على الأول، وإذا عاد الذكْر استُغني عن الواو (٢). والصحيح من المذهب وعند الحذاق، أن الحال إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالًا لاجتماع حرفي عطف، لما ذكرت آنفًا من أن واو الحال وهي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك: جاءني زيد راجلًا أو هو فارس، كلام فصيح وارد على حدِّه، وبه ورد القرآن العزيز. ولو قلت: جاءني زيد هو فارس بغير الواو لكان خبيثًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (٣). فإن قلت: لم خُص هذان الوقتان: وقت البيات، ووقت القيلولة بالعذاب؟ قلت: قيل: لأنهما وقتا الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع (٤). وجاء في التفسير: أن قوم لوط أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة (٥).

стр. 1361

﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾: قوله : ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ في موضع نصب بخبر كان، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ في موضع رفع باسمها، ويجوز العكس، والأول أحسن حملًا على ما ورد من نظائره في التنزيل نحو: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (١)، و ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٢). والنكتة في أن الثاني في نحو هذا واقع موقع الإِيجاب، والأولى واقع موقع النفي، والنفي أحق بالخبر، و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ نفي، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿دَعْوَاهُمْ﴾. والدعوى: مصدر قولك: دعوت الله له وعليه، دعاء ودعوى، غير أن بينهما فُريقًا، وذلك أن في الدعوى اشتراكًا بين الدعاء والادعاء، كادعاء المال وغيره، وأصله الطلب، ويقال: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعواهم، حكاه صاحب الكتاب ﵀ (٣) وأنشد: ٢١٩ - *وَلَّتْ ودَعْواها كَثيرٌ صَخَبُهْ (٤) * أي: ودعاؤها. والصخب: الصياح والجلبة. واختُلف فيه هنا على وجهين: أحدهما: بمعنى الدعاء، أي: فما كان دعاءهم ربَّهم إلّا اعترافهم، لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم. والثاني: أنه اسم لما كانوا يدّعونه من دينهم، وينتحلونه من مذهبهم،

стр. 1362

أي: فما كان دعواهم إلّا اعترافهم ببطلانه وفساده وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ فيما كنا عليه. ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾: قوله : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ﴾ الفاء لعطف جملة على جملة، واللام لام القسم. فإن قلتَ: لِمَ جيء بالفاء هنا مع تراخي ما بين الثاني والأول، وإنما هذا وشبهه من موضع ثم؟ قلتُ: قيل: لتقريب ما بينهما بشهادة قوله جل ذكره: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (١) و: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣). و﴿أُرْسِلَ﴾ مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿إِلَيْهِمْ﴾، والمعنى: فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم الذين أتاهم الرسل يسألهم عما أجابوا به رسلهم، كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤). ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: يسألهم عما أجيبوا به، كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ (٥). ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾: قوله : ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ للرسل والمرسل إليهم، ومفعول (نقصن) محذوف، وهو ما كان منهم في الدنيا. و﴿بِعِلْمٍ﴾: في موضع الحال من المستكن في (نقصن)، أي: عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة، وأقوالهم وأفعالهم الصادرة منهم.

стр. 1363

﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: عنهم وعما وجد منهم. ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، كما تقول: الخروج يوم السبت. والتنوين في (إذ) عوض مما حذف وهو ما كانت (إذ) تضاف إليه. و﴿الْحَقُّ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه (١): أحدها: أن يكون صفة للوزن، كأنه قيل: والوزن الحق يقع يوم يسأل الله الأمم ورسلهم. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق. والثالث: أن يكون بدلًا من المستكن في الظرف الذي هو الخبر. ويجوز نصب ﴿الْحَقُّ﴾ على المصدر، ولك أن تجعل ﴿الْحَقُّ﴾ خبرًا عن الوزن، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من صلة الوزن ومعمولًا له على أنه ظرف له، أو مفعولًا على السعة. ولا يجوز على هذا الوجه تقديم الحق على الظرف، لئلا تفصل بين الموصول الذي ﴿وَالْوَزْنُ﴾ وصلته التي هي الظرف بخبر الابتداء. فإن قلت: هل يجوز أن تجعل ﴿الْحَقُّ﴾ صفة للوزن، أو تنصبه على المصدر إذا جعلت ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من صلة الوزن؟ قلت: لا، لبقاء المبتدأ بلا خبر. فإن قلت: تجعل ﴿وَالْوَزْنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: وهذا الوزن، قلت: أما نصبه على المصدر على هذا التقدير فجائز، وأما رفعه على الصفة فلا، لئلا تفرق بين الموصول ومعموله بالصفة، ولا يجوز وصف الموصول

стр. 1364

إلّا بعد تمامه بصلته، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب. والوزن: مصدر قولك: وزنت الشيء وزنًا وزنة. وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط أو الجواب، وقد ذكر نظيره في غير موضع. و﴿مَوَازِينُهُ﴾ جمع ميزان، وأصله مِوْزان، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. أو جمع موزون، أي: فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات، أو ما توزن به حسناتهم. وأفرد الضمير في ﴿مَوَازِينُهُ﴾ حملًا على لفظ (من)، ثم قيل: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ فجمع حملًا على معناه. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ الباء الأولى متعلقة بـ ﴿خَسِرُوا﴾، و (ما) مصدرية، والثانية بـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، وهي مؤكدة لعمل الفعل وناصرة له على العمل؛ لأن المعمول لما تقدم عليها ضَعُف الفعل قليلًا، بشهادة قولهم: زيد ضربت، على تقدير ضربته، فإذا أتوا باللام قالوا: لزيد ضربت، صرفتِ الابتداء عن الاسم، وخصته بالفعل الذي يعمل فيه النصب في حال التأخير البتة، نحو: ضربت زيدًا، وفي التنزيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (١)، ولك أن تضمن ﴿يَظْلِمُونَ﴾ معنى يكذبون، كقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٢). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا ومَلَّكْناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ (معايش) جمع معيشة، والياء أصلية متحركة في التقدير بإزاء الذال من معذرة، وأصلها مَعْيِشَةٌ بوزن مَفْعِلَةٌ، فإذا

стр. 1365

جمعت على مفاعل فالوجه تصريح (١) الياء ردًّا إلى أصلها، ولا يجوز فيه الهمز، كما جاز في صحائف، لأجل أن ياء صحيفة أشبهت (٢) ألف رسالة من حيث إنها مَدَّةٌ عاريةٌ من تقدير الحركة كالألف، فهمزت لذلك. وياء معيشة كما ذكرت آنفًا أصلية متحركة في التقدير، وإذا كانت أصلية مستحقة الحركة في الأصل لم تشبه ألف رسالة، بل كانت كالحرف الصحيح، ولذلك قالوا: مَقاوم في مقامة، ولم يقولوا: مقائم كعجائز، فاعرفه. وقد روي عن نافع وغيره همزها (٣) تشبيهًا للأصلي بالزائد نظرًا إلى اللفظ دون الأصل، وقد همزت العرب مصائب، وأصلها مصاوب. ومعيشة عند الخليل وصاحب الكتاب يجوز أن تكون مفعِلة ومفعُلة (٤)، وعند أبي الحسن هي مفعلة ليس إلَّا (٥). والمعيشة: ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما، وقيل: هي ما يتوصل به إلى ذلك (٦). وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ القول فيه كالقول في قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٧). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾:

стр. 1366

قوله : ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ في موضع الحال من ﴿إِبْلِيسَ﴾، أي: غير ساجد. ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾: قوله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (ما) استفهام وفيه معنى التوبيخ؛ لأنه جل ذكره عالم بما منعه من السجود، وإنما وبخه على تركه ذلك، وموضعه رفع بالابتداء، وخبره ﴿مَنَعَكَ﴾. و(أن) (١) في موضع نصب بمنعك، و (لا): صلةٌ، بشهادة قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) والتقدير: أي شيء منعك من أن تسجد؟ أي: من السجود، فلما حذف الجار تعدى الفعل فنصب. قيل: وفائدة زيادة (لا) توكيد معنى الفعل الذي يدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك؟ لأن أمري لك بالسجود أُوجبُهُ عليك إيجابًا وأحَتِّمُهُ حتمًا لا بدَّ لك منه (٣). وقيل: (لا) ليست بصلة، والمنع بمعنى القول والدعاء، فكأنه قيل: من قال لك أَلّا تسجد؟ أو من دعاك إلى أَلا تجسد؟ (٤) وقيل: المعنى ما ألجأك، أو ما أحوجك إلى أَلّا تسجد. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك السجود وأحوجك إلى أَلّا تسجد؟ (٥)

стр. 1367

وقال الفراء: لما تقدم الجحد في أول الكلام أكَّد بهذا (١). والوجه هو الأول وعليه الأكابر، لسلامته من هذه التقديرات والتأويلات مع صحته من جهة المعنى، وحسبك قوله سبحانه في سورة "ص": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، والقصة واحدة وقد ذكر آنفًا. و﴿إِذْ﴾: ظرف لـ ﴿تَسْجُدَ﴾. وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ (مِن) تحتمل أن تكون لابتداء الغاية متعلقة بـ ﴿خَلَقْتَنِي﴾، وأن تكون للبيان في موضع الحال، فتكون متعلقة بمحذوف، أي: كائنًا منها، ومثله ﴿مِنْ طِينٍ﴾. قيل: فإن قيل: كيف يكون قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ جوابًا لما منعك، وإنما هو جواب أيكما خير، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا وكذا؟ فالجواب: أنه استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم وبِعِلّة فضله عليه، وهو أن أصله من نار، وأصل آدم من طين، فعلم منها الجواب وزيادة عليه وهو إنكار الأمر، واستبعاد أن يكون مثله مأمورًا بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعدًا أن يؤمر بما أُمِر (٢) به. قال أبو إسحاق: ومثل هذا في الجواب أن تقول للرجل: كيف كنت؟ فيقول: أنا صالح، وإنما الجواب: كنت صالحًا، ولكن في المعنى أنه قد أصابه بما احتاج إليه وزاد أنه في حال مسألته إياه صالح، انتهى كلامة (٣). ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾:

стр. 1368

قوله : ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ الفاء جواب ما تقدم، والضمير في (منها) للسماء، وقيل للجنة (١). وقوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع باسم يكون، والخبر ﴿لَكَ﴾. و ﴿فِيهَا﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن فيه. وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: من أهل الصَّغار والهوان على الله، وعلى عباده الصالحين، لتكبرك. ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾: قوله : ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ أي: أخرني، والإِنظار: التأخير، قال السدي: سأل الإِنظار إلى يوم يبعثون، فلم يُنظر إلى البعث، وأُنظر إلى يوم ينفخ في الصور، وهو يوم الوقت المعلوم (٢)، وإنما سَأَلَ أن يُنظر إلى يوم يبعثون لعلمه أنه لا موت بعد قيام الساعة، رجاء أن يصح له الخلود. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ في الباء وجهان: أحدهما: متعلقة بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ. و (ما) مصدرية، أي: فبسبب إغوائك إياي (٣).

стр. 1369

وقيل: الباء بمعنى مع، أي: فمع إغوائك إياي (١). وقيل: هي بمعنى اللام، أي: فلإِغوائك إياي (٢). ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله: (لأقعدن) كما زعم بعضهم؛ لأن لام القسم تمنعه من ذلك، لم يُجز أهل العربية: والله بزيدَ لأَمُرَّنَّ (٣). والثاني: أنها للقسم بمعنى: فأقسم بإغوائك إياي لأفعلن كذا وكذا (٤). وقيل: (ما) استفهامية، كأنه سأل ربه بأي شيء أغواه؟ ثم ابتدأ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ (٥)، وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على ما الاستفهامية لا يكون في حال السعة والاختيار، وإنما يكون في الشعر نحو: ٢٢٠ - عَلَى ما قامَ يَشْتِمُنُي لَئيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ (٦) وقوله: ﴿صِرَاطَكَ﴾ في انتصابه وجهان: أحدهما: على الظرف كقوله: ٢٢١ - ..................... ... كما عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ (٧)

стр. 1370

والثاني: على الحذف دون الظرف، لخروجه عن الإِبهام بالحدّ، كحد الدار وشبهها، أي: على صراطك، كما قيل: ضُرب زيدٌ الظَّهْرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: ولا اختلاف بين النحويين في أن (على) محذوفة، وذَكَر المثال المذكور آنفًا (١). ومعنى قعوده على الصراط: قعوده على طريق الحق وهو الإسلام، ليصدّ عنه بالإِغواء على ما فسر (٢). ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ من الجهات الأربع (٣) التي يأتي منها العدو في الغالب، قيل: وهذا مَثَلٌ لوسوسته إليهم، وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٤). وقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ انتصاب ﴿شَاكِرِينَ﴾ على المفعول الثاني لا على الحال كما زعم بعضهم، لعدم الفائدة على ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ دون ﴿شَاكِرِينَ﴾، أي: ولا تجد أكثرهم موحِّدين، وهو معنى قول ابن عباس ﵄ يريد: أن أكثرهم لإِبليس طائعون ولله عاصون (٥).
следующие страницы →