← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قوله : ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ في موضع الحال من ﴿إِبْلِيسَ﴾، أي: غير ساجد. ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾: قوله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (ما) استفهام وفيه معنى التوبيخ؛ لأنه جل ذكره عالم بما منعه من السجود، وإنما وبخه على تركه ذلك، وموضعه رفع بالابتداء، وخبره ﴿مَنَعَكَ﴾. و(أن) (١) في موضع نصب بمنعك، و (لا): صلةٌ، بشهادة قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) والتقدير: أي شيء منعك من أن تسجد؟ أي: من السجود، فلما حذف الجار تعدى الفعل فنصب. قيل: وفائدة زيادة (لا) توكيد معنى الفعل الذي يدخل عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك؟ لأن أمري لك بالسجود أُوجبُهُ عليك إيجابًا وأحَتِّمُهُ حتمًا لا بدَّ لك منه (٣). وقيل: (لا) ليست بصلة، والمنع بمعنى القول والدعاء، فكأنه قيل: من قال لك أَلّا تسجد؟ أو من دعاك إلى أَلا تجسد؟ (٤) وقيل: المعنى ما ألجأك، أو ما أحوجك إلى أَلّا تسجد. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك السجود وأحوجك إلى أَلّا تسجد؟ (٥)

стр. 1367

وقال الفراء: لما تقدم الجحد في أول الكلام أكَّد بهذا (١). والوجه هو الأول وعليه الأكابر، لسلامته من هذه التقديرات والتأويلات مع صحته من جهة المعنى، وحسبك قوله سبحانه في سورة "ص": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، والقصة واحدة وقد ذكر آنفًا. و﴿إِذْ﴾: ظرف لـ ﴿تَسْجُدَ﴾. وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ (مِن) تحتمل أن تكون لابتداء الغاية متعلقة بـ ﴿خَلَقْتَنِي﴾، وأن تكون للبيان في موضع الحال، فتكون متعلقة بمحذوف، أي: كائنًا منها، ومثله ﴿مِنْ طِينٍ﴾. قيل: فإن قيل: كيف يكون قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ جوابًا لما منعك، وإنما هو جواب أيكما خير، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا وكذا؟ فالجواب: أنه استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم وبِعِلّة فضله عليه، وهو أن أصله من نار، وأصل آدم من طين، فعلم منها الجواب وزيادة عليه وهو إنكار الأمر، واستبعاد أن يكون مثله مأمورًا بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعدًا أن يؤمر بما أُمِر (٢) به. قال أبو إسحاق: ومثل هذا في الجواب أن تقول للرجل: كيف كنت؟ فيقول: أنا صالح، وإنما الجواب: كنت صالحًا، ولكن في المعنى أنه قد أصابه بما احتاج إليه وزاد أنه في حال مسألته إياه صالح، انتهى كلامة (٣). ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾:

стр. 1368

قوله : ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ الفاء جواب ما تقدم، والضمير في (منها) للسماء، وقيل للجنة (١). وقوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع باسم يكون، والخبر ﴿لَكَ﴾. و ﴿فِيهَا﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن فيه. وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: من أهل الصَّغار والهوان على الله، وعلى عباده الصالحين، لتكبرك. ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾: قوله : ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ أي: أخرني، والإِنظار: التأخير، قال السدي: سأل الإِنظار إلى يوم يبعثون، فلم يُنظر إلى البعث، وأُنظر إلى يوم ينفخ في الصور، وهو يوم الوقت المعلوم (٢)، وإنما سَأَلَ أن يُنظر إلى يوم يبعثون لعلمه أنه لا موت بعد قيام الساعة، رجاء أن يصح له الخلود. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ في الباء وجهان: أحدهما: متعلقة بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ. و (ما) مصدرية، أي: فبسبب إغوائك إياي (٣).

стр. 1369

وقيل: الباء بمعنى مع، أي: فمع إغوائك إياي (١). وقيل: هي بمعنى اللام، أي: فلإِغوائك إياي (٢). ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله: (لأقعدن) كما زعم بعضهم؛ لأن لام القسم تمنعه من ذلك، لم يُجز أهل العربية: والله بزيدَ لأَمُرَّنَّ (٣). والثاني: أنها للقسم بمعنى: فأقسم بإغوائك إياي لأفعلن كذا وكذا (٤). وقيل: (ما) استفهامية، كأنه سأل ربه بأي شيء أغواه؟ ثم ابتدأ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ (٥)، وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على ما الاستفهامية لا يكون في حال السعة والاختيار، وإنما يكون في الشعر نحو: ٢٢٠ - عَلَى ما قامَ يَشْتِمُنُي لَئيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ (٦) وقوله: ﴿صِرَاطَكَ﴾ في انتصابه وجهان: أحدهما: على الظرف كقوله: ٢٢١ - ..................... ... كما عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ (٧)

стр. 1370

والثاني: على الحذف دون الظرف، لخروجه عن الإِبهام بالحدّ، كحد الدار وشبهها، أي: على صراطك، كما قيل: ضُرب زيدٌ الظَّهْرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: ولا اختلاف بين النحويين في أن (على) محذوفة، وذَكَر المثال المذكور آنفًا (١). ومعنى قعوده على الصراط: قعوده على طريق الحق وهو الإسلام، ليصدّ عنه بالإِغواء على ما فسر (٢). ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ من الجهات الأربع (٣) التي يأتي منها العدو في الغالب، قيل: وهذا مَثَلٌ لوسوسته إليهم، وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٤). وقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ انتصاب ﴿شَاكِرِينَ﴾ على المفعول الثاني لا على الحال كما زعم بعضهم، لعدم الفائدة على ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ دون ﴿شَاكِرِينَ﴾، أي: ولا تجد أكثرهم موحِّدين، وهو معنى قول ابن عباس ﵄ يريد: أن أكثرهم لإِبليس طائعون ولله عاصون (٥).

стр. 1371

﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾: قوله : ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ للجنة، عن الكلبي (١). و ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ حالان من المستكن في ﴿اخْرُجْ﴾. ولك أن تجعل ﴿مَدْحُورً﴾ حالًا من المستكن في ﴿مَذْءُومًا﴾ على قول من لم يجوز حالين من ذي حال واحد. والجمهور على همز قوله: (مذءومًا)، وهو مِن ذَأَمْتُ فلانًا أَذْأَمُهُ ذَأْمًا، إذا عبته وذممته، فهو مذؤوم، وقرئ: (مَذُوما) بالواو من غير همز (٢) على التخفيف القياسي، كمسول في مسؤول، هذا هو الوجه. ويجوز أن يكون مِن ذِمْتُهُ أَذِيمُهُ ذَيْمًا، إذا عبته أيضًا، فهو مذيم على النقص، فأبدلت الياء واوًا، كما أبدلت في مكيل ومهيب، حيث قالوا: مكول ومهوب ومذءوم على التمام، ذكره الجوهري (٣)، ثم حذفت العين بعد أن نقلت حركتها على الفاء لالتقاء الساكنين فقيل: مذوم، فوزنه على الوجه الأولى وهو النقص: مفعل، وعلى الثاني: مفول. ويحتمل أن يكون المحذوف لالتقاء الساكنين هو واو مفعول على وجه التمام أيضًا، وتكون الواو مبدلة من الياء، كما أبدلت من موسر وموقن؛ لأن الياء الساكنة لا تستقر بعد الضمة، فوزنه أيضًا مفعل كالوجه الأول، وهو أحسن وأمتن لموافقة مذهب صاحب الكتاب، لأن المحذوف عنده في نحو هذا واو مفعول، وعند أبي الحسن عين الفعل، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. والمدحور: المبعد، وأصل الدحر: الدفع بهوان، يقال: دحره يدحره دحرًا ودحورًا، إذا طرده وأبعده.

стр. 1372

وقوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ اللام في ﴿لَمَنْ﴾ موطئة للقسم، و (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء. و ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وهو ساد مسدّ جواب الشرط أعني جواب القسم، كأنه قيل: من تبعك أعذبه، ثم أكد ذلك بالقسم. قال الرماني: ولا يجوز أن تكون (مَن) في قوله: ﴿لَمَنْ﴾ موصولة؛ لأنها لا تقلب الماضي إلى المستقبل، قلت: ويجوز أن تكون موصولة ولا يلزم ما ذكر (١). والجمهور على فتح اللام في (لَمن) وقرئ: (لِمن) بكسرها (٢) على معنى: هذا الوعيد لمن تبعك منهم، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على أن ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ في محل الابتداء، و (لِمَن تَبِعَكَ) خبره (٣). فإن قلت: لم قيل: ﴿مِنْكُمْ﴾ والمخاطب واحد؟ قلت: قيل: غلّب ضمير المخاطب وهو (منك) على ضمير الغائب وهو ﴿مِنْهُمْ﴾، كما في قوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٤). و﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد للكاف والميم. ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَيَاآدَمُ﴾ أي: وقلنا يا آدم. وقوله: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الأصل: (هذي) بالياء، وبه قرأ بعض القراء (٥).

стр. 1373

والهاء بدل من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلام القوم هاء تأنيث قبلها كسرة. قال أبو الفتح: يدل على أن الياء الأصل قولهم في المذكر: ذا، فالألف في ذا بدل من الياء في ذي، وأصل ذا عندنا: ذَيْ، وهو من مضاعف الياء مثل: حيٍّ، فحذفت الياء الثانية التي هي لامٌ تخفيفًا فبقي ذي، قال لي أبو علي: فكرهوا أن يشبه آخره آخر كي وأي، فأبدلوها ألفًا كما أبدلت في ياءَس ويايَس، ويدل على أن أصل (ذا) ذيٌّ وأنه ثلاثي: جواز تحقيره في قولك: ذَيّا، ولو كان ثنائيًا لما جاز تحقيره، كما لا تحقر (ما) و (من). فأما الياء اللاحقة بعد الهاء في قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (١) ونحوه، فزائدة لحقت بعد الهاء تشبيهًا لها بهاء الإِضمار في نحو: مررت به، ووجه الشبه بينهما أن كل واحد من الاسمين معرفة مبهمة لا يجوز تنكيره، انتهى كلامه (٢). [فإن قلت: ما محل ﴿فَتَكُونَا﴾ من الإعراب؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: النصب على جواب (لا) بالفاء، على معنى: فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. والثاني: الجزم عطفًا على ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾، على معنى: ولا تقربا فلا تكونا من الظالمين، وقد ذكر في "البقرة" (٣)]. ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ قيل: يقال: وسوس، إذا تكلم كلامًا

стр. 1374

خفيًّا يكرره، ومنه: وَسْوَسَ الْحَلْيُ، وهو فِعْلٌ غير متعد، كولولت المرأة، ووَعْوَعَ الذئبُ، ورجل موسوِس بكسر الواو، ولا يقال: موسوَس بالفتح، ولكن موسوَسٌ له، وموسوَسٌ إليه، وهو الذي تُلقى إليه الوسوسة، يقال: وسوس إليه وله وسوسةً ووِسواسًا بكسر الواو. وأما الوَسواس بالفتح، فهو الاسم كالزِّلزال والزَّلزال. ومعنى وسوس إليه: ألقى الوسوسة إليه. ووسوس له: فعلها لأجله. وقوله: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ اللام من صلة وسوس. و ﴿مَا﴾ موصول في موضع نصب بيبدي، أي: ليظهر لهما ما ستر عنهما من فروجهما، من المواراة، وهو جعل الشيء وراء ما يستره، يقال: واريت الشيء: إذا أخفيته وسترته، ومنه قوله: ﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (١). وتوارَى هو، أي: استتر. وسمي الفرج سوءة؛ لأن إظهاره يسوء صاحبه، قيل: وفي هذا دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجنًا في الطباع مستقبحًا في العقول (٢). فإن قلت: إذا اجتمع في أول كلمة واوان قلبت الأولى منهما همزة البتة، نحو: أُوَيْصِلٌ، في تحقير واصل، فما بالُها في ووري لم تقلب؟ . قلت: لأن الواو في ووري لم يقصد الإِتيان به، وإنما قصد الضم فقط، لأجل أن الضم علم بناء الفعل للمفعول به، والواو جاء اتفاقًا من حيث إن الألف في وارى لا تستقر بعد الضمة، وإذا كان كذلك صار الألف كأنه في تقدير الثبات، وإذا كان الواو منقلبًا عن الألف وباقيًا على صفته في مصاحبة المد أجري مجراه فلم يعد واوًا، فصار كأنه لم يجتمع واوان، فلذلك لم تقلب، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، وقد جاء في

стр. 1375

قراءة عبد الله ﵁ (أُوْرِيَ) (١) بالقلب نظرًا إلى اللفظ واعتدادًا بالعارض. وقرئ: (من سوءتهما) بالتوحيد (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: على معنى سوءة كل واحد منهما، كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣)، أي: كل واحد منهم. والثاني: أن السوءة في الأصل فَعْلَةٌ من ساء يسوء، كالضربة والقتلة، فأتاها التوحيد من قِبَلِ المصدرية التي فيها. وقرئ: (من سوَّاتهما) بتشديد الواو (٤)، على إبدال الهمزة واوًا وإدغام الواو فيها إجراء للأصلي مجرى الزائد، وهي لغية حكاها صاحب الكتاب ﵀ (٥). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أن: في موضع نصب على المفعول من أجله، أي: إلّا كراهة أن تكونا. وقرئ: (ملِكين) بكسر اللام (٦)، لقوله: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (٧). والجمهور على فتحها، والمعنى مفهوم.

стр. 1376

وقوله: ﴿مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة. ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهما، وأتى على زنة فاعلت وهو من واحد، كما قيل: عافاه الله، وعاقبت اللص. وقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: ناصح لكما، إن جعلتَ الألف واللام بمعنى الذي، وإن جعلتهما للتعريف كان ﴿لَكُمَا﴾ متعلقًا بالناصحين، وقد ذكر نظيره فيما سلف (١). ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ أصل التدلية إرسال الدلو في البئر، ثم وضعت موضع الإِطماع فيما لا يجدي نفعًا، فيقال: دَلَّاه، إذا أطمعه في غير مطمع، عن الأزهري (٢). وألفه منقلبة عن الياء، وليس قول من قال (٣): الألف بدل من ياء مبدلة من لام، والأصل دللهما من الدلالة لا من الدلال بمستقيم؛ لفساد المعنى ومخالفة أهل اللغة. وقوله: ﴿بِغُرُورٍ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون في موضع الحال من الضمير المنصوب، أي: ملتبسين بغرور، أو من المرفوع في ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ أي: متأزرًا به.

стр. 1377

والغرور مصدر قولك: غره يغره غرورًا، إذا خدعه، قيل: غرهما بوسوسته وقسمه لهما بالله . وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله (١). وعن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له (٢). وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ ذقت الشيء، إذا اخبرته، أي: وجدا طعمهما آخذين في الأكل منها. ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أي: تهافت عنهما اللباس الذي كانا يلبسانه وظهرت لهما عوراتهما. قيل: وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر (٣). وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يقال: طفق يفعل كذا بمعنى: جعل يفعل، وأخذ يفعل، ويقال: طفِق يطفَق بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر طَفَقًا. وحكى الأخفش عن بعض العرب: طفَق بالفتح يطفِق بالكسر طُفُوقًا (٤)، وبالفتح قرأ أبو السمّال: (وطفَقا) (٥). و﴿يَخْصِفَانِ﴾: ماضيه خَصَفَ، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، يقال:

стр. 1378

خَصفْتُ الورق ونحوه، إذا قطعته، عن الرماني؛ لأنه قال: ومعنى يخصفان: يقطعان. وقال غيره: معناه يجعلان ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها، كما تخصفُ النعل بأن تجعل طرقة على طرقة (١) وتوثق بالسيور، ومنه قيل للخصاف الذي يرقع النعل: هو يخصف (٢). وقوله: ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يحتمل أن يكون هو مفعول ﴿يَخْصِفَانِ﴾، وأن يكون مفعوله محذوفًا، ويكون ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ في موضع الصفة له، أي: شيئًا من ورق الجنة. وقرئ: (يُخْصِفان) بضم الياء وكسر الصاد مع تخفيفها (٣)، من أخصف، وهو منقول من خصف، أي: يخصفان أنفسهما أو أجسامهما شيئًا من ورق الجنة، ثم حُذِف مفعولاه، أو واحدٌ على عادة حذفه في كثير من المواضع. وقرئ أيضًا: (يُخَصِّفان) بضم الياء وفتح الخاء وكسر الصاد مثقلًا (٤) من خصَّف بالتشديد، وحكمه حكم (يُخْصِفان) في الحذف والتقدير والنقل. وقرئ أيضًا: (يَخِصِّفان) بفتح الياء وكسر الصاد مع تشديدها مع فتح الخاء وكسرها (٥)، وأصله يختصفان يفتعلان من خصفت، فأُلقيت فتحة التاء على الخاء وأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا. وكذلك القول فيمن كسر

стр. 1379

الخاء، غير أنه حذف فتحة التاء حين أراد إدغامها والخاء قبلها ساكنة فكسرها لالتقاء الساكنين. ويجوز (يِخِصفان) بكسر الياء فيمن كسر الخاء إتباعًا، كقراءة أبي بكر: (يِهِدِّي) بكسر الياء والهاء (١). ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾: قوله : ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال من الضمير في ﴿اهْبِطُوا﴾ أي: اهبطوا متعادين، يعاديهما إبليس ويعاديانه. واللام من صلة ﴿عَدُوٌّ﴾، ويحتمل أن يكون في موضع الحال لتقدمه على موصوفه وهو ﴿عَدُوٌّ﴾، وقد ذكر في "البقرة" (٢). وقوله: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: استقرار؛ لأن المصدر يأتي على زنة المفعول كقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣) أي: إدخالًا كريمًا، أو موضع استقرار ومتاع وانتفاع بعيش. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى انقضاء آجالكم. ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ الواو لعطف جملة على جملة. وقرئ: (تُخرجون) و (تَخرجون) بضم التاء وفتحها (٤)، وهما متقاربان؛

стр. 1380

لأنهم إذا أُخرجوا خرجوا. والضمير في ﴿وَفِيهَا﴾ و ﴿وَمِنْهَا﴾ للأرض. ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ اللباس: ما يلبس من ثوب أو غيره. قيل: والريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطير؛ لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين: لباسًا يواري سوآتكم، ولباسًا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح، كما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١) ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ (٢)، وهو جمع ريشة. و﴿يُوَارِي﴾: في موضع النصب على النعت للباس. وقرئ: (ورياشا) (٣) وفيه وجهان: أحدهما: جمع ريش، كَشِعْبٍ وشِعاب، وريح ورياح. والآخر: أن يكونا لغتين فِعلٌ وفِعالٌ، وهو مذهب أبي الحسن (٤). وقيل: الرياش: ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال (٥). وقيل: الريش والرياش بمعنىً، وهو اللباس الفاخر كاللّبس واللّباس (٦).

стр. 1381

وقيل: وجعل ما في الأرض مُنزلًا من السماء؛ لأنه قضى ثَمَّ وكتب (١)، ومنه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (٢)، ولأن أصل الجميع من الماء وهو ينزل من السماء. وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ قرئ: بالنصب عطفًا على ﴿لِبَاسًا﴾ و ﴿وَرِيشًا﴾، أي: وأنزلنا عليكم لباس التقوى. وقرئ: بالرفع (٣) على الابتداء والقطع مما قبله، وخبره: إما الجملة التي هي ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير؛ لأن أسماء الإِشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر. وإما المفرد الذي هو ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ صفة له، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمل به، أو بدل منه، أو عطف بيان له. وإذا كان ﴿ذَلِكَ﴾ يحتمل أحد هذه الأوجه، فلا وجه لقول من جعله فصلًا إجراء له مجرى أحد الضمائر المنفصلة المرفوعة، وهو الرماني (٤). وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس التقوى، ثم قيل: ذلك خير، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ولباس أهل التقوى (٥). وقيل: ليس في الكلام حذف مضاف، وإنما المعنى: ولباس الإتقاء

стр. 1382

الذي يُتَّقَى به النظر (١). وأضيف اللباس إلى التقوى، كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإِشارة إلى إنزال اللباس، أي: ذلك من آيات الله الدالة على فضله وإحسانه على عباده. ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ قوله : ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، أي: فتنة مثل فتنة أبويكم بالإِخراج. وقوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿أَخْرَجَ﴾، أي: أخرجهما نازعًا عنهما لباسهما، بأن كان سببًا في أن نزع عنهما، وينزع حكاية حال قد وقع؛ لأن نَزْعَ اللباسِ عنهما كان قبل الإِخراج. وقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ تعليل للنهي وتحذير من فتنته، والنهي في اللفظ للشيطان، والمعنى: لا تتبعوه فيفتنكم، وقد ذكر نظيره فيما سلف في غير موضع، ونعوذ بالله من عدو يراك ولا تراه، وعن بعض السلف: إن عدوًا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلَّا مَن عصم الله (٣). والجمهرو على رفع قوله: ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ عطفًا على المستكن في ﴿يَرَاكُمْ﴾ المؤكد بـ ﴿هُوَ﴾ ليحسن العطف عليه، وقرئ بالنصب (٤) وفيه وجهان:

стр. 1383

أحدهما: عطف على اسم إن وهو ضمير الشيطان، أعني اسم إن. والثاني: أن الواو بمعنى مع، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ على هذا الوجه وعلى قراءة الجمهور يحتمل أن يكون للشيطان، وأن يكون ضمير الشأن والحديث. واختلف في ﴿وَقَبِيلُهُ﴾، فقيل: جنوده من الشيطان. وقيل: نسله (١) بدليل قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (٢). ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالعدل، قال أبو إسحاق: والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميّز (٣). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قل أمر ربي بالقسط وقل أقيموا. والثاني: عطف على موضع القسط حملًا على المعنى، أي: قل أمر ربي فقال: أقسطوا وأقيموا. والثالث: عطف على محذوف، كأنه قيل: أمر ربي بالقسط فاقبلوا وأقيموا وجوهكم، أي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، عن مجاهد، وغيره (٤). وقوله: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (مخلصين) حال من الواو في ﴿وَادْعُوهُ﴾ و ﴿الدِّينَ﴾ منصوب بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾، ولا يجوز فتح لام ﴿مُخْلِصِينَ﴾

стр. 1384

هنا وشبهه مما ذكر معه المفعول نحو: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (١)، لأجل أن ذكر المفعول معه يوجب تسمية الفاعل. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، أي: تعودون عودًا مثل بدئكم، والمعنى: كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢) فاحتج عليهم في إنكارهم الإِعادة بابتداء الخلق، إذ ليست الإِعادة بأصعب من الابتداء. ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ ﴿فَرِيقًا﴾ الأول منصوب بـ ﴿هَدَى﴾، وأما الثاني فبفعل يفسره ما بعده وهو ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، كأنه قيل: وأضل فريقًا، لِيُعْطَفَ فعلٌ على فعل، ومحل الجملتين النصب على الحال من الضمير في ﴿تَعُودُونَ﴾ (٣) وقد مع الفعل مرادة، كأنه قيل: قد هدى فريقًا وأضل فريقًا. وقيل: إن ﴿فَرِيقًا﴾ في الموضعين نصبهما على الحال من الضمير في ﴿تَعُودُونَ﴾، و ﴿هَدَى﴾ نعت للأول، ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ للثاني، كأنه قيل: تعودون فريقين: فريقًا هاديًا، وفريقًا واجبًا عليهم الضلالة (٤). وعن الكسائي أنه قال: هكذا في قراءة أُبيّ ﵁ (تعودون فريقين فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) (٥).

стр. 1385

وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا﴾ الجمهور على كسر ﴿إِنَّهُمُ﴾ على الاستئناف، وقرئ: (أنهم) بالفتح (١) على معنى: لأنهم. ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (عند) من صلة ﴿خُذُوا﴾ ولا يجوز أن يكون حالًا من الزينة؛ لأن أخذها يكون قبل ذلك، والحال لما أنتَ فيه، ولذلك سميت حالًا [ولا يجوز] إلا على تعسف. وفي الكلام حذف مضاف، أي: عند قصد كل مسجد، أي: في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، وهو الصلاة أو الطواف، لأنهم كانوا يطوفون عراة على ما فسر (٢). ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾: قوله : ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قرئ: (خالصةٌّ) بالرفع (٣) على أنها خبر بعد خبر للمبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾ كما تقول: زيد عاقل لبيب، وهذا حلو حامض. و ﴿فِي﴾: متعلقة بـ ﴿آمَنُوا﴾. و﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف لخالصة، وفي الكلام حذف، والتقدير: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، لأن غيرهم من المشركين شاركهم فيها، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يشاركهم فيها أحد. قيل: وإنما لم يقل: هي للذين آمنوا ولغيرهم؛ لينبه على أنها خلقت

стр. 1386

للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تَبَعٌ لهم، كقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ (١). أو على أنها هي الخبر للمبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾، فعلى هذا يكون ﴿لِلَّذِينَ﴾ من صلة خالصة ولا ذكر فيه، كأنه قيل: هي خالصة للذين آمنوا في يوم القيامة، بمعنى: تخلص لهم في ذلك اليوم، ولم يمتنع تعلق الظرفين بـ ﴿خَالِصَةً﴾ أعني ﴿لِلَّذِينَ﴾ و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأن الأول تبيين للخلوص، والثاني ظرف محض، والظرفان إذا اختلفا جاز تعلقهما بعامل واحد. وقرئ: (خالصةً) بالنصب (٢)، على الحال من المستكن في الظرف الذي هو (للذين آمنوا) العائد إلى المبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾، والعامل فيها الظرف نفسه، أي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة. قال أبو علي: قال سيبويه: وقد قرؤوا هذا الحرف على وجهين: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بالرفع والنصب، فجعل اللام الجارة لغوًا في قول من رفع (خالصة)، ومستقرًا في قول من نصب (خالصة) انتهى كلامه (٣). يعني جعل خبر المبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾، (خالصة) على قول من رفع، و ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ على قول من نصب، وقد ذكرت أن قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾، ولك أن تجعله خبرًا ثانيًا للمبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾؛ لأن المبتدأ يكون له خبران فصاعدًا كقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ

стр. 1387

(١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١) غير أن الفائدة هنا منوطة بـ (خالصة) رفعت أو نصبت، فلا يحسن السكوت على أحد الخبرين، أو عليهما دونها؛ لأن غيرهم من المشركين شركهم فيها في الدنيا، كما لا يحسن السكوت على أحد الخبرين في نحو: هذا حلوٌ حامض، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال، وأن تجعله ظرفًا للظرف الذي هو ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأن تجعله حالًا من الذّكر الذي فيه، أعني في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾. فإن جعلته خبرًا أو حالًا كان فيه ذكر، وإن جعلته معمول ﴿آمَنُوا﴾ أو معمول الظرف كان خاليًا من الذكر. وقد جوز أبو الحسن فيما حكَى عنه أبو علي (٢): أن يكون متعلقًا بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وأن يكون متعلقًا بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، وأن يكون متعلقًا بـ ﴿الرِّزْقِ﴾، وأن يكون متعلقًا بـ (الطيباتِ) أي المباحات في الحياة الدنيا، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿زِينَةَ﴾ لأنه مصدر أو جارٍ مجراه، وقد وصف بقوله: ﴿الَّتِي أَخْرَجَ﴾ وإذا نعت المصدر واسم الفاعل لم يعملا لخروجهما عن شبه الفعل، ولما يقع فيه من التفرقة بين الصلة والموصول؛ لأن معمول المصدر في صلته [ونعته ليس في صلته] (٣) فإذا قدمت النعت على المعمول قدمت ما ليس في الصلة على ما هو في الصلة. أما تعلقه بـ ﴿حَرَّمَ﴾ فلا يحسن، لأنك لا تخلو من أن تنصب (خالصة) أو ترفع: فإن رفعتها: كنت فاصلًا بين الابتداء الذي هو ﴿هِيَ﴾، والخبر بالأجنبي الذي هو ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لأنه إذا لم يكن معمول ﴿آمَنُوا﴾ ولا معمول الظرف الذي هو ﴿لِلَّذِينَ﴾ ولا حالًا من الذكر فيه، ولا خبرًا للمبتدأ الذي هو ﴿هِيَ﴾ كان أجنبيًّا من الابتداء والخبر.

стр. 1388

وإن نصبتها [كنت فاصلًا] بين الحال وذي الحال بأجنبي منهما. ولا بقوله: ﴿أَخْرَجَ﴾ لما ذكرت آنفًا، ولما يقع فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، لأن الموصول لا يعطف عليه حتى يتم بصلته، و ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من تمام الموصول؛ لأنه معمول ما في الصلة، وكل ما يتصل بما في الصلة كان من جملتها. ولا بـ (الطيباتِ)، ولا بـ ﴿الرِّزْقِ﴾ لما ذكرت من أنك تفصل بين الابتداء والخبر، أو بين الحال وذي الحال بالأجنبي، فاعرفه فإنه من أسرار هذه الصناعة. ولأبي الحسن أن يقول: إن المفصول به هنا ظرف، ولا يمنع الفصل بالظرف بين العامل والمعمول وإن كان أجنبيًا منهما بخلاف المفعول به، ولذلك لم يجيزوا: كانت زيدًا الحمى تأخذ، إن رفعت الحمى بكان، للفصل بين كان واسمها بأجنبي منهما وهو زيد الذي هو مفعول معمولها (١)، ولو كان مكان المفعول به ظرف لأجازوا نحو قولهم: إن في الدار زيدًا قائم، فأجازوا الفصل بالظرف كما ترى وإن كان أجنبيًا بين العامل والمعمول؛ لأن الظروف يجيء فيها من التوسع ما لا يجيء في غيرها، ألا ترى أنهم يفصلون بها بين المضاف والمضاف إليه كبيت الكتاب: ٢٢٢ - هُما أَخَوا في الحربِ مَنْ لا أَخَا لَهُ ... ........................... (٢)

стр. 1389

ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف كما ترى (١). وقد أجازوا الفصل بالجمل المؤكدة أيضًا نحو قولك: خرج والله زيد، فوالله جملة من القسم، إذ هو في تقدير أحلف بالله، وقد فصل بها بين الفعل والفاعل، وذلك لأجل أنها كانت تؤكد معنى الكلام الذي هو (خرج زيد)، جرى ذكرها مجرى ما يناسب الفعل والفاعل، فلم يكن فصلًا بالأجنبي في الحقيقة، وكذلك ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ليس بأجنبي في الحقيقة؛ لأنه مما يسدد القصة ويؤكدها، وفي نحو هذا أحكام وتفاصيل يطول الكتاب بذكرها، [ولا يليق بنا ذكره، لأن فيما قلته كفاية لمن له فهم ومعرفة بالعربية] (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (ما ظهر) و (ما بطن) ﴿مَا﴾: فيهما موصول، وموضعهما نصب على البدل من الفواحش. وكذلك موضع ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾ و ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾: نصب عطفًا على ﴿الْفَوَاحِشَ﴾، كأنه قيل: حرم الفواحش، وحرم الإِشراك به، والقول عليه بما لا يجوز من التحريم وغيره. والفواحش: ما تعلق بالفروج عن ابن عباس ﵄ (٣). والإِثم: عامّ لكل ذنب، وقيل: شرب الخمر، عن عطاء (٤).

стр. 1390

والبغي: الظلم. و﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: من صلة البغي، وقيل: في موضع الحال من المستكن فيه، إذ التقدير: وأن تبغوا (١). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (أجل) مبتدأ وما قبله خبره، ومعنى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: وقت مؤقت، قال ابن عباس ﵄: يعني أجل الهلاك والعذاب (٢). وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ هو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، وبالجمع قرأ بعض القراء: (فإذا جاء آجالهم) (٣) على الأصل، لأن لكل شخص أجلًا، فأما إفراده على قول الجمهور، فلأنه جنس، أو لأنه مصدر، فأتته الجنسية من جهة المصدرية، وحَسُن الإِفراد أيضًا لإِضافته إلى الجمع، وعليه أتى قول الشاعر: ٢٢٣ - *في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينا (٤) * إذ معلوم أن لكل أحد أجلًا، كما أن لكل أحد حلقًا. ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾:

стр. 1391

قوله : ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي (إن) الشرطية ضُمّت إليها (ما) مؤكدة، وقد مضى الكلام عليها في "البقرة" عند قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ بأشبع من هذا (١). وجواب الشرط: الفاء وما بعده من الشرط والجزاء وهو ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾. والمعنى: فمن اتقى وأصلح منكم، والذين كذبوا منكم، وحذف ذلك للدلالة عليه لما فيه من التفصيل. والجمهور على الياء في قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ النقط من تحته على إرادة الجمع، أو للفصل، أو لأن التأنيث غير حقيقي، ويعضدهم تذكير ﴿يَقُصُّونَ﴾، وقرئ: (إمّا تأتينكم) بالتاء النقط من فوقه (٢)، على إرادة الجماعة. ﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع النعت لرسل، وكذلك ﴿يَقُصُّونَ﴾، وإن شئت جعلت ﴿يَقُصُّونَ﴾ حالًا إما من ﴿رُسُلٌ﴾، وإما من المستكن في ﴿مِنْكُمْ﴾ (٣). ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قد مضى الكلام على إعراب قوله: ﴿كَذِبًا﴾ في "الأنعام"، ومعنى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ (٤). وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ محل ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ النصب على الحال من ﴿نَصِيبُهُمْ﴾، أي: كائنًا مما كتب لهم من الأرزاق

стр. 1392

والأعمار والخير والشر وغير ذلك على ما فسر (١). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ الزمخشري: ﴿حَتَّى﴾ غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي إلى وقت وفاتهم، وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هاهنا الجملة الشرطية، وهي: ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ... قَالُوا﴾ (٢). و﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ حال من الرسل لا من الضمير المتصل بالرسل، كما زعم بعضهم؛ لأن المتوفين لهم: هم الرسل، لا ما بعده من الضمير، أي: متوفيهم. والرسل: ملك الموت وأعوانه يقبضون أرواحهم، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقوله: ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (أين) استفهام فيه معنى التقريع والتوبيخ، و ﴿مَا﴾ موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، و ﴿أَيْنَ﴾ خبر الابتداء، والمعنى: أين الآلهة التي تدعونها من دون الله؟ وهي في "الإِمام" موصولة بأين، وحقها أن تكون مفصولة؛ لأنها موصولة، وإنما بسطت الكلام في ﴿أَيْنَ مَا﴾ هنا وهي مستغنية عنه؛ لأن بعضهم قال: (أينما) شرط وما بعده مشروط به، فأردت إيضاحه لذلك. وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ مِن ضل الشيء يضل ضلالًا، إذا ضاع وهلك، أي: غابوا عنا وذهبوا فلا نراهم.

стр. 1393

و ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أقروا على أنفسهم بالكفر، وهذا اعتراف منهم بأنهم لم يكونوا على شيء فيما كانوا عليه. ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾: قوله : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (في أمم) يحتمل أن يكون من صلة ﴿ادْخُلُوا﴾، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾، أي: كائنين في جملة أمم وفي غمارهم مصاحبين لهم. و ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ في موضع الصفة لأمم. و ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من صلة ﴿خَلَتْ﴾، ويحتمل أن يكون في موضع النعت لـ ﴿أُمَمٍ﴾. و﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: يحتمل أن يكون في موضع الحال من المستكن في ﴿خَلَتْ﴾، وأن يكون في موضع النعت أيضًا لـ ﴿أُمَمٍ﴾، ولا يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كما زعم بعضهم لفساد المعنى. و﴿فِي النَّارِ﴾: في موضع الصفة أيضًا لأمم، ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الذكر الذي في قوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾، أو من الذكر الذي في ﴿خَلَتْ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ أو ﴿خَلَتْ﴾، أي: يقول الله جل ذكره يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ (١) وهم مشركو العرب على ما فسر (٢). ﴿فِي أُمَمٍ﴾ من صفتها كيت وكيت.

стр. 1394

وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (كلما) ظرف لقوله: ﴿لَعَنَتْ﴾، أي: لعنت أختها التي ضلت بالاقتداء بها، وهي أختها في الملة لا في النسب على ما فسر (١). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ (حتى) غاية للعنِها أختها، وأصل اداركوا: تداركوا، فأدغمت التاء في الدال بعد أن قلبت وأسكنت ليصح إدغامها فيها، ثم اجتلبت ألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، وعلى الأصل قرأ بعض القراء: (تداركوا) (٢)، ومعناه: تلاحقوا. وقرئ أيضًا: (حتى إذا ادَّركوا) بغير ألف بعد الدال (٣)، والأصل ادتركوا فالتاء على هذه القراءة بعد الدال، وهو افتعلوا من درك، كاقتتلوا من قتل، فأدغمت الدال في التاء بعد قلبها دالًا. وقرئ أيضًا: (حتى إذا إداركوا) بقطع همزة الوصل (٤) من اداركوا في الدَّرْجِ على نية الوقف على ما قبلها، والابتداء بها إجراء للوصل مجرى الوقف. وقرئ أيضًا: (حتى إذا اداركوا) بإثبات ألف إذا مع سكون الدال من ادّاركوا (٥) على إجراء المنفصل مجرى المتصل، نحو: دابة وشابة، ونحوه قولهم: (لاها اللهِ ذا) بإثبات ألف ها وترك حذفها لالتقاء الساكنين، كما حذفت في قول من قال: (لاها للهِ ذا). وعن الشيخ أبي علي الفارسي ﵀: أنه قال: فيها أربع لغات: (لاها لله ذا) بحذف الألف، و (لا هآ الله ذا) بمدها تشبيهًا بالمتصل نحو: دابة على

стр. 1395

ما مضى، و (لاها أَلله ذا) بإثبات ألف ها وهمزة الله بوزن لاها علَّاه، والرابعة: (لا هأللهِ ذا) (١) بوزن هعلَّاه ذا، تُحَرِّك ألف ها لالتقاء الساكنين فتقلبُها همزةً، انتهى كلامه (٢). وقد جاء عن القوم: هذان عبدا الله، وله ثُلثا المال، بإثبات الألف فيهما، فإذا جاز إثبات الألف في نحو هذا وهو غير مدغم فأن يجوز في المدغم أولى وأجدر. و﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير في ﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: مجتمعين. وقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ أي: أخراهم مَنزلةً، وهم الأَتباع والسفلة، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ أي: لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، أي: أولاهم منزلة، وهم القادة والرؤوس على ما فسر (٣). وقوله: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (ضعفًا) نعت لعذاب، أي: مضعَّفًا، أو مضاعفًا. والضعف في كلام العرب على ضربين: أحدهما - المِثْلُ، والآخر - أن يكون في معنى تضعيف الشيء، قاله أبو إسحاق (٤). قال الخليل: والتضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مِثلين أو أكثر، وكذلك الإِضعاف والمضاعفة (٥).

стр. 1396

و ﴿مِنَ النَّارِ﴾: يحتمل أن يكون نعتًا بعد نعت لعذاب، وأن يكون حالًا منه لكونه قد وصف. وقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أي: لكل فريق من المضلِّين والمضَلِّين عذابٌ ضعفٌ من النار، فحذف الموصوف وهو العذاب، والصفة وهي النار؛ لدلالة الأولى عليهما. وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه (١) على الخطاب، أي: ولكن لا تعلمون أيها المضِلُّون والمضَلُّون ما لكل فريق منكم من العذاب. وقرئ: بالياء النقط من تحته (٢) حملًا على كل؛ لأنه وإن كان للمخاطبين، فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة، فلما كان كذلك حمل على اللفظ دون المعنى. ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾: قوله : ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ (من فضل) في موضع رفع باسم كان، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة لاستغراق الجنس، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب. قيل: عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ (٣)، أي: فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، لأنكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم متساوون في استحقاق الضعف (٤).

стр. 1397

وقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يحتمل أن يكون من قول القادة للسفلة، وأن يكون من قول الله لهم جميعًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾: قوله : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ في موضع رفع بخبر إنَّ. وقرئ: (لا تُفْتَحُ) بالتاء النقط من فوقه (١)، لقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (٢). وبالياء النقط من تحته (٣)، لأن تأنيث الأبواب غير حقيقي، مع التشديد والتخفيف (٤)، فالتشديد للتكثير، والتخفيف يحتمل التكثير وغيره. وقرئ في غير المشهور: (لا تَفْتَحُ) بالتاء النقط من فوقه والبناء للفاعل ونصب الأبواب (٥) على أن الفعل للآيات، وبالياء النقط من تحته (٦) على أن الفعل لله جل ذكره. ومعنى ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: لا يُصعَدُ لهم عمل صالح ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٧) على ما فسر (٨). وقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الولوج: الدخول، والسَّمُّ:

стр. 1398

ثقب الإِبرة. والخياط: ما يخاط به وهو الإِبرة. وكذلك المِخْيَطُ، وبه قرأ عبد الله ﵁: (في سَمِّ المِخْيَطِ) (١)، كما يقال إزارٌ ومئزرٌ. والجَمَل معروف وعليه الجمهور من القراء، وقرئ: (الجَمْل) بفتح الجيم وإسكان الميم (٢)، ولعله لُغية، ولا يحسن أن يكون مخففًا من المفتوح كما زعم بعضهم؛ لخفة الفتحة وإن كان قد جاء عنهم قوله: ٢٢٤ - وما كُلُّ مُبتاعٍ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... ................. (٣) وقرئ أيضًا: (الجُمُل) بضم الجيم والميم مع التخفيف (٤)، على أنه جمعُ جَمَلٍ كأُسُدٍ في أَسَد. وقرئ أيضًا كذلك إلَّا أن الميم ساكنة (٥)، على تخفيف المضموم كأُسْدٍ في أُسُدٍ وَوُثْنٍ في وُثُنٍ. وقرئ أيضًا: (الجُمَّلُ) بضم الجيم وفتح الميم مع التشديد (٦).

стр. 1399

وقرئ أيضًا: (الجُمَل) بضم الجيم وفتح الميم مخففة (١)، واختلف فيهما فقيل: كلاهما الحبل الغليظ من القِنَّب، وقيل: القَلْس الغليظ، والقَلْسُ: حبل ضخم من ليف أو خُوص من قُلُوس السُّفُن. وقيل: الحبل الذي يُصعد به إلى النخل، وقيل: الحبال المجموعة، وكله قريب بعضه من بعض (٢). والوجه: قراءة الجماعة، لأن سم الخياط مَثَلٌ في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خَرْتِ الإِبرة (٣). والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون البتة من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلَّا في باب واسع في ثقب الإِبرة. وقرئ: (في سمّ الخياط) بالحركات الثلاث، وهي لغات (٤). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين، أي: جزاء مثل ما وصفنا. ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾: قوله : ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ أي: فراش. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: أي أغشية، واحدها: غاشيةٌ، أي: غاشية فوق غاشية من أنواع العذاب، والأصل: غواشيُ، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، وحذفت منه

стр. 1400

الياء أيضًا لأجل أنه جمعٌ وبناءٌ ممتد، وجعلت الكسرة دليلًا عليها، والياء تحذف كثيرًا في المفرد نحو: القاض والغاز، وفي التنزيل: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ (١) ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٢) غير أن حذفها في المفرد جائز، وفي الجمع واجب؛ لأنه أثقل منه، فلما حذفت الياء منه نقص عن مثال مفاعل الذي هو أقصى الجمع، وصار على مثال جَنَاحٍ وشبهه في اللفظ لحقه التنوين كما لحق نحو: رجل وفرس. وقيل: بل التنوين فيه عوض من الياء المحذوفة، والياء وإن كانت في تقدير الثبات بدليل وجودها في حال النصب إذا قلت: رأيت غواشيَ، فإن ما لا ينصرفُ إنما يراعى فيه اللفظ المانع من الصرف، فإذا زال اللفظ زال ما يمنع الصرف. وقيل: بل التنوين عوض من ذهاب حركة الياء، ولما حذفت الحركة وعوض منها التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين (٣). فالتنوين في ﴿غَوَاشٍ﴾ وشبهه مما هو على مثال مفاعل، في الأصل على الوجه الأول: تنوين الصرف، وعلى الثاني والثالث: عوض من المحذوف. ويجوز الوقف عليه بغير ياء، وهو الوجه لأجل الإِمام مصحف عثمان ﵁، وبالياء (٤). وقرئ: (غواشٌ) بالرفع (٥) على استئناف البناء، وهذه القراءة تعضد

стр. 1401

الوجه الأوّل، وهو أن الياء حذفت حذفًا، وأن التنوين فيه تنوين صرف. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. وقوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وقيل: الخبر ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، ويقدر العائد، كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم ولا من غيرهم إلَّا وسعها، ثمَّ حذف للعلم به، كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم (٢). وقوله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). فإن قلت: إن جعلت الخبر ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فأين الراجع إلى المبتدأ؟ قلت: لم يحتج إلى الراجع؛ لأنَّ الخبر هنا هو المبتدأ (٤). ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: قوله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (من غل) في موضع نصب على الحال إما من ﴿مَا﴾ والعامل ﴿وَنَزَعْنَا﴾، أو من المستكن في الظرف والعامل الظرف.

стр. 1402

والغِل بالكسر: الغش والحقد أيضًا، وقد غلَّ صدرُه يغِلُّ بالكسر غلًّا، إذا كان ذا غش أو ضغن وحقد. ورد في التفسير: أن من كان في قلبه غلٌّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلَّا التواد والتعاطف (١). وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ محلّ الجملة النصب على الحال من الهاء والميم في ﴿صُدُورِهِمْ﴾، والعامل فيها معنى الإِضافة، وقد جوز أن تكون مستأنفة (٢). وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ اللام لتوكيد النفي. وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ أن وما اتصل بها في تأويل المصدر، وموضعها رفع بالابتداء وخبره محذوف، وكذلك جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف دل عليه ما قبله، أي: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه لنا ما كنا مهتدين. وفي مصاحف أهل الشام: (ما كنا) بغير العاطف (٣)؛ لأنَّ الجملة الثانية موضحة للأولى، فأغنى إيضاحها لها عن العاطف. وقوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ أن: تحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف وهو ضمير الشأن والحديث، و ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ ابتداء

стр. 1403

وخبر. ولك أن تجعل ﴿تِلْكُمُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ نعتًا لتلكم، أي: هذه تلكم الجنة، والجملة في موضع رفع بخبر ﴿أَنْ﴾، و ﴿أَنْ﴾ وما اتصل بها من الاسم والخبر في موضع نصب بنُودوا لعدم الجار، أو جر على إرادته، أي: بأنّه، على الخلاف المذكور في غير موضع. وأن تكون مفسرة بمعنى أي؛ لأنَّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم: تلكم الجنة (١). قال أبو إسحاق: وإنما قيل ﴿تِلْكُمُ﴾؛ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل أن يدخلوها: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ انتهى كلامه (٢). و﴿أَنْ﴾ على هذا الوجه لا موضع لها من الإِعراب؛ لأنها مفسرة للنداء. وقوله: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ هذه الجملة تحتمل أن تكون خبرًا بعد خبر، وأن تكون حالًا من ﴿تِلْكُمُ﴾ والعامل فيها ما في تلك من معنى الإِشارة، وتقدير الكلام وتحقيقه: هذه تلكم الجنة أشير إليها موروثة، فالضمير هو ذو الحال في الحقيقة لا الجنة، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: قوله : ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ (أن): تحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وموضعها نصب أو جر كالتي ذكرت آنفًا، وأن تكون مفسرة بمعنى أي، وقد ذكر. وقوله: ﴿حَقًّا﴾ يحتمل أن يكون حالًا إن قدرتَ ﴿وَجَدْنَا﴾ بمعنى

стр. 1404

صادفنا، وإن قدرت بمعنى علمنا كان مفعولًا ثانيًا، وكلاهما يحتمل هنا. وقوله: ﴿مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ حُذفَ مفعول وعد تخفيفًا لدلالة ﴿وَعَدَنَا﴾ عليه، أي: وعدكموه. و﴿نَعَمْ﴾: حرف يجاب به عن الاستفهام في إثبات المستفهم عنه، إذا قيل لك: أيقوم زيد؟ فتقول: نعم، ونونه وعينه كلاهما مفتوح. وقرأ الكسائي: (نَعِم) بفتح النون وكسر العين حيث وقع في جميع القرآن (١)، وهما لغتان حكاهما أبو الحسن (٢). وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (بينهم) ظرف لـ (أَذَّنَ)، ولك أن تجعله نعتًا لمؤذن. وقرئ: (أنَّ لعنةَ الله) بالتشديد والنصب (٣)؛ لأنَّ (أَذَّنَ) بمعنى أعلم. قال أبو علي: قال سيبويه: أذَّنتُ إعلامٌ بتصويت، و (أَنَّ) التي تقع بعد العلم إنما هي المشددة أو المخففة عنها، والتقدير: أَعْلَمَ مُعْلِمٌ أَنَّ لعنةَ الله، انتهى كلامه (٤). وقرئ: بالتخفيف والرفع (٥) على أنها المخففة من الثقيلة، ولا تخفف أن هذه إلَّا وإضمار الشأن والحديث معها، أي: فأذن مؤذن بينهم أنَّه لعنة الله.

стр. 1405

وقد جوز أبو إسحاق: أن تكون (أن) مفسرة بمعنى أي، لأنَّ التأذين من القول (١). والجمهور على فتح الهمزة، وقرئ: بكسرها (٢) على إرادة القول، [أي] (٣) لأنَّ التأذين نوع من القول، فكأنه قيل: فقال مؤذن بينهم: إن لعنة الله. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ (الذين) في موضع جر صفة للظالمين. ولك أن تجعله في موضع نصب أو رفع على إضمارٍ، وقد ذكر نظائره فيما سلف في غير موضع. وقد مضى الكلام أيضًا على قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾: قوله : ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بين الجنة والنار (٥). والثاني: بين الفريقين (٦). والحجاب: هو السور المذكور الموصوف في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ (٧).
следующие страницы →