الوجه الأوّل، وهو أن الياء حذفت حذفًا، وأن التنوين فيه تنوين صرف.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
وقوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وقيل: الخبر ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، ويقدر العائد، كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم ولا من غيرهم إلَّا وسعها، ثمَّ حذف للعلم به، كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم (٢). وقوله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣).
فإن قلت: إن جعلت الخبر ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فأين الراجع إلى المبتدأ؟ قلت: لم يحتج إلى الراجع؛ لأنَّ الخبر هنا هو المبتدأ (٤).
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
قوله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (من غل) في موضع نصب على الحال إما من ﴿مَا﴾ والعامل ﴿وَنَزَعْنَا﴾، أو من المستكن في الظرف والعامل الظرف.
стр. 1402
والغِل بالكسر: الغش والحقد أيضًا، وقد غلَّ صدرُه يغِلُّ بالكسر غلًّا، إذا كان ذا غش أو ضغن وحقد.
ورد في التفسير: أن من كان في قلبه غلٌّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلَّا التواد والتعاطف (١).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ محلّ الجملة النصب على الحال من الهاء والميم في ﴿صُدُورِهِمْ﴾، والعامل فيها معنى الإِضافة، وقد جوز أن تكون مستأنفة (٢).
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ اللام لتوكيد النفي.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ أن وما اتصل بها في تأويل المصدر، وموضعها رفع بالابتداء وخبره محذوف، وكذلك جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف دل عليه ما قبله، أي: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه لنا ما كنا مهتدين.
وفي مصاحف أهل الشام: (ما كنا) بغير العاطف (٣)؛ لأنَّ الجملة الثانية موضحة للأولى، فأغنى إيضاحها لها عن العاطف.
وقوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ أن: تحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف وهو ضمير الشأن والحديث، و ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ ابتداء
стр. 1403
وخبر. ولك أن تجعل ﴿تِلْكُمُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ نعتًا لتلكم، أي: هذه تلكم الجنة، والجملة في موضع رفع بخبر ﴿أَنْ﴾، و ﴿أَنْ﴾ وما اتصل بها من الاسم والخبر في موضع نصب بنُودوا لعدم الجار، أو جر على إرادته، أي: بأنّه، على الخلاف المذكور في غير موضع.
وأن تكون مفسرة بمعنى أي؛ لأنَّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم: تلكم الجنة (١).
قال أبو إسحاق: وإنما قيل ﴿تِلْكُمُ﴾؛ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل أن يدخلوها: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ انتهى كلامه (٢).
و﴿أَنْ﴾ على هذا الوجه لا موضع لها من الإِعراب؛ لأنها مفسرة للنداء.
وقوله: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ هذه الجملة تحتمل أن تكون خبرًا بعد خبر، وأن تكون حالًا من ﴿تِلْكُمُ﴾ والعامل فيها ما في تلك من معنى الإِشارة، وتقدير الكلام وتحقيقه: هذه تلكم الجنة أشير إليها موروثة، فالضمير هو ذو الحال في الحقيقة لا الجنة، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾:
قوله : ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ (أن): تحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وموضعها نصب أو جر كالتي ذكرت آنفًا، وأن تكون مفسرة بمعنى أي، وقد ذكر.
وقوله: ﴿حَقًّا﴾ يحتمل أن يكون حالًا إن قدرتَ ﴿وَجَدْنَا﴾ بمعنى
стр. 1404
صادفنا، وإن قدرت بمعنى علمنا كان مفعولًا ثانيًا، وكلاهما يحتمل هنا.
وقوله: ﴿مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ حُذفَ مفعول وعد تخفيفًا لدلالة ﴿وَعَدَنَا﴾ عليه، أي: وعدكموه.
و﴿نَعَمْ﴾: حرف يجاب به عن الاستفهام في إثبات المستفهم عنه، إذا قيل لك: أيقوم زيد؟ فتقول: نعم، ونونه وعينه كلاهما مفتوح.
وقرأ الكسائي: (نَعِم) بفتح النون وكسر العين حيث وقع في جميع القرآن (١)، وهما لغتان حكاهما أبو الحسن (٢).
وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (بينهم) ظرف لـ (أَذَّنَ)، ولك أن تجعله نعتًا لمؤذن.
وقرئ: (أنَّ لعنةَ الله) بالتشديد والنصب (٣)؛ لأنَّ (أَذَّنَ) بمعنى أعلم.
قال أبو علي: قال سيبويه: أذَّنتُ إعلامٌ بتصويت، و (أَنَّ) التي تقع بعد العلم إنما هي المشددة أو المخففة عنها، والتقدير: أَعْلَمَ مُعْلِمٌ أَنَّ لعنةَ الله، انتهى كلامه (٤).
وقرئ: بالتخفيف والرفع (٥) على أنها المخففة من الثقيلة، ولا تخفف أن هذه إلَّا وإضمار الشأن والحديث معها، أي: فأذن مؤذن بينهم أنَّه لعنة الله.
стр. 1405
وقد جوز أبو إسحاق: أن تكون (أن) مفسرة بمعنى أي، لأنَّ التأذين من القول (١).
والجمهور على فتح الهمزة، وقرئ: بكسرها (٢) على إرادة القول، [أي] (٣) لأنَّ التأذين نوع من القول، فكأنه قيل: فقال مؤذن بينهم: إن لعنة الله.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ (الذين) في موضع جر صفة للظالمين. ولك أن تجعله في موضع نصب أو رفع على إضمارٍ، وقد ذكر نظائره فيما سلف في غير موضع.
وقد مضى الكلام أيضًا على قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ فيما سلف من الكتاب (٤).
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾:
قوله : ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بين الجنة والنار (٥). والثاني: بين الفريقين (٦).
والحجاب: هو السور المذكور الموصوف في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ (٧).
стр. 1406
وقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ قيل: وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار، وهي أعاليه، واحدها: عرف، استعير من عُرف الفرس، وعُرف الديك (١).
وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ في موضع الرفع على النعت لـ ﴿رِجَالٌ﴾.
قيل: يعرفون كلًّا من زمر السعداء والأشقياء بسيماهم، أَمَّا أهل الجنة: فبإسفار الوجوه، وأما أهل النار: فباسوداد الوجوه (٢).
وقوله: ﴿وَنَادَوْا﴾، الضمير لـ ﴿رِجَالٌ﴾، أي: نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة، ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (أن): تحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، وموضع الجملة نصب بـ ﴿وَنَادَوْا﴾ أي: بأنّه، وأن تكون مفسرة بمعنى: أي، كاللتين سبقتا قبيل (٣).
وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعني أصحاب الأعراف، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). واختلف في محله:
فقيل: لا محلّ له لأنه استئناف، كأن سائلًا سأل عن حال أصحاب الأعراف، فقيل: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعني حالهم أن دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييئسوا.
وقيل: محله الرفع بالصفة لرجال (٥).
قلت: ويجوز أن يكون محله النصب على الحال من ﴿رِجَالٌ﴾ لكونهم قد
стр. 1407
وصفوا بقوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ هذا على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في الظرف على رأي صاحب الكتاب، أو من الضمير في ﴿وَنَادَوْا﴾ على المذهبين.
وقيل: المراد بقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أصحاب الجنة (١).
و﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾: في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾، على معنى أنهم نادوهم بعد أن دخلوا وهم لم يطمعوا بالدخول ويئسوا منه، ولكنهم دخلوها وهم على يأس منه، أي: لم يدخلوها في حال طمعهم بالدخول وإنما دخلوها بعد اليأس، هذا على قول من جعل المعنى: أنهم دخلوا بعد أن لم يطمعوا بالدخول.
ومن جعل المعنى: أنهم لم يدخلوها بعدُ وهم يطمعون في دخولها، أي: نادوهم في هذه الحالة، لم يكن ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حالًا، ولك أن تقف على هذا الوجه على ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ ثمَّ تبتدئ ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، على معنى: وهم يطمعون في دخولها في المستقبل.
ولك أن تجعل هذين الوجهين والتقدير في قول من جعل ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ لأصحاب الأعراف لهم أيضًا.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
قوله : ﴿تِلْقَاءَ﴾ ظرف لـ ﴿صُرِفَتْ﴾ وهو ظرف مكان، وهو في الأصل مصدر، وليس في المصادر تِفعال بكسر التاء إلَّا تلقاء وتبيان، وإنما تجيء على التفعال بفتح التاء كالتَّذكار والتَّكرار والتوكاف (٢) والتَّجوال والتَّقتال، ويجمع على تلاق.
стр. 1408
وقرئ في غير المشهور: (وإذا قلبت أبصارهم) (١).
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾:
قوله : ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ (ما): يحتمل أن يكون استفهامًا في موضع نصب بـ ﴿أَغْنَى﴾، وأن يكون نفيًا، فيكون مفعول ﴿أَغْنَى﴾ محذوفًا.
﴿وَمَا كُنْتُمْ﴾ (ما): في موضع رفع بالعطف على ﴿جَمْعُكُمْ﴾ وهي وما بعدها في تأويل المصدر، أي: ما أغنى عنكم كثرةُ عددكم واستكباركم عن الحق وعلى الناس شيئًا.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾:
قوله : ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ﴾ (أهؤلاء) مبتدأ وخبره ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ والهمزة للتقرير والتوبيخ، والإِشارة إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء من الكفار يستهزئون بهم في الدنيا، ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا، ويزعمون أن لا حظ لهم في الآخرة، ويقسمون على ذلك على ما فسر (٢)، فـ ﴿لَا يَنَالُهُمُ﴾ هو المقسم عليه، كأنه قيل: يا أهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم عليهم بأن لا ينالَهم الله برحمته؟
وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، وقرئ: (أُدْخِلُوا) على البناء للمفعول (٣)، وهو فعل ماض، أي: فُعل ذلك بهم.
стр. 1409
وقرئ أيضًا: (دَخَلوا) (١) على الخبر مسمَّى الفاعل، وقد مع هاتين القراءتين مرادة، أي: قد أدخلوها، أو: قد دخلوها.
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ محلّ الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾ على قراءة الجمهور، أي: ادخلوها آمنين.
وكذا في قراءة من قرأ: (أُدخِلوا)، أو: (دخَلوا) على الخبر إذا أُضمر القول، أي: أدخلوها، أو دخلوها مقولًا لهم هذا الكلام الذي هو لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، ثمَّ حذف القول، وهو منصوب على الحال، وأقيم مقامه قوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فانتصب انتصابه، كما أن قولهم: "كَلَّمْتُهُ فاه إلى فيَّ" منصوب على الحال؛ لأنه ناب عن "جاعلًا فاه إلى فيَّ"، أو لأنه وقع موقع "مشافهةً" التي هي نائبة عن مشافهًا له، وهذا قول أبي الفتح (٢).
وإضمار القول كثير شائع مستعمل في كلام القوم نظمهم ونثرهم قال:
٢٢٥ - رَجُلانِ من ضَبَّةَ أَخْبرانا ... إِنا رَأينا رَجُلًا عُرْيانًا (٣)
أي: قالا: إنا رأينا، ولذلك كسر الهمزة.
ويحتمل أن يكون قوله : ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ كلامًا مستأنفًا لا يحتاج فيه إلى إضمار القول، لكن استأنف الله جل ذكره خطابهم، فلا محلّ لها من الإِعراب على هذا من حيث كانت مستأنفة مرتجلة، فاعرفه.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا
стр. 1410
رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
قوله : ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا﴾ أن: مفسرة بمعنى: أي.
وقوله: ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿أَفِيضُوا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون نعتًا لمفعول الإِفاضة، أي: شيئًا من الماء، فـ ﴿مِنَ﴾ على الوجه الأوّل: يكون للتبعيض، وعلى الثاني: للبيان.
وقوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عطف عليه، وحكمه في التقدير والإِعراب حكمه. وفي ﴿أَوْ﴾ هنا وجهان:
أحدهما: بمعنى الواو بدليل قوله: ﴿حَرَّمَهُمَا﴾.
والثاني: على بابها، وفي الكلام حذف تقديره: إن الله حرم كلًّا منهما، أو حرم كليهما.
واختلف فيما طلبوا مع الماء.
فقيل: هو شيء من الأشربة لدخوله في حكم الإِفاضة، والإِفاضة: إجراء الماء من عل (١).
وقيل: تقديره: أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، كقوله:
٢٢٦ - علفتها تبنًا وماءً باردًا ... ........................ (٢)
قال أبو إسحاق: أَعْلَمَ اللهُ أن ابن آدم غيرُ مستغنٍ عن الطعام والشراب وإن كان معذَّبًا (٣).
стр. 1411
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا﴾ محلّ ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون جرًا ونصبًا ورفعًا، وقد ذكر نظيره في غير موضع. و ﴿لَهْوًا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾.
وقوله: ﴿كَمَا نَسُوا﴾ الكاف في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، و (ما) والفعل في تأويل المصدر في موضع جَرٍّ بها، أي: نسيانًا مثل نسيانهم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ (ما) والفعل مصدر أيضًا في موضع جرٍ بالعطف على (ما) السابقة آنفًا، أي: نسيانًا كنسيانهم وكونهم جاحدين بآياتنا.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
قوله : ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في محلّ النصب على الحال إما من منصوب ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾، أي: بيناه مشتملًا على علم، وإما من مرفوعه، أي: بيناه عالمين.
وقرئ: (فضلناه) بالضاد معجمة (١)، بمعنى: فضلناه على سائر الكتب عالمين أنَّه أهل للتفضيل عليها.
وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ حالان من الهاء في ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أي: ذا هدى وذا رحمة، ويجوز رفع رحمة على أن يكون ﴿هُدًى﴾ في موضع رفع على تقدير: هو هدى ورحمة. وقد جوّز جر ﴿وَرَحْمَةً﴾ على أن يكون ﴿هُدًى﴾ في موضع جر على البدل من (كتاب) (٢).
стр. 1412
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: هل ينظرون إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبيّن صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد وغيرهما، عن قتادة وغيره (١)، والضمير للكتاب.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ظرف لقوله: ﴿يَقُولُ﴾.
وقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ (فيشفعوا) منصوب على جواب الاستفهام، وفيه معنى التمني؛ لأنهم قد علموا أو تيقنوا أنَّه لا شفيع لهم هنالك، وإنما يتمنون أن يكون لهم ثمَّ شفعاء، فَيُرَدُّوا بشفاعتهم، فيعملوا ما كانوا لا يعملونه من العمل الذي ينجيهم من عذاب الله.
وقوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ الجمهور على رفعه عطفًا على محلّ قوله: ﴿مِنْ شُفَعَاءَ﴾ محمولًا على معناه، كأنه قيل: هل يشفع لنا أحد، أو نُردّ؟ أي: أو هل نرد فنعمل؟ فـ ﴿نُرَدُّ﴾ جملة معطوفة على الجملة التي قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام.
وقرئ: (أو نردَّ) بالنصب (٢) عطفًا على ﴿فَيَشْفَعُوا﴾، فالتقدير على قراءة الرفع: إن نرزق شفعاء يشفعوا لنا، أو أن نُردَّ ونعمل غير الذي كنا نعمل، فتمنوا الشفعاء وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الرد أيضًا، وضمنوا عمل ما لم يكونوا يعملونه، والتقدير على قراءة النصب: إن نُرزق شفعاء يشفعوا لنا فنسلم بشفاعتهم من العذاب، أو نرد، فتمنوا الشفعاء وحدهم وقطعوا بالشفاعة، أو
стр. 1413
بالرد، فاعرف الفرقان بين الرفع والنصب من جهة المعنى والتقدير، وهو قول أبي الفتح وتقديره (١).
وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ على قراءة النصب بمعنى حتى، أي: يشفعوا لنا حتى نردّ (٢).
وقيل: بمعنى إلَّا أن نُرَدّ (٣).
وقوله: ﴿فَنَعْمَلَ﴾ منصوب على جواب الاستفهام أيضًا.
وقرئ: (فنعملُ) بالرفع مع نصب (نردَّ) (٤) بمعنى: فنحن نعمل، وبالرفع مع رفع (نردُّ) (٥) على أنهم تمنوا الشفعاء والرد أيضًا، وتمنوا إن ردّوا أن يوفقوا لعمل ما لم يكونوا يعملونه.
وقد جوز أن يكون ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾ لفظًا والمراد به الجواب، كقوله : ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ (٦)، قال فيه أبو الحسن: إنهم إنما تمنوا الرد وضمنوا ألا يكذبوا، وهذا يوجب النصب؛ لأنه جواب التمني، قال: إلا أنَّه عطف في اللفظ والمراد به الجواب، وشبَّهَهُ بقول الله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٧) بالجر، قال: فهي في اللفظ معطوفة على المسح، وفي المعنى معطوفة على الغُسل، قال: ونحو جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، انتهى كلامه (٨).
стр. 1414
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي﴾ اسم الله جل ذكره خبر إن، و ﴿الَّذِي﴾ نعت له، ويجوز في الكلام نصب اسم الله على البدل من اسم إن، ويكون ﴿الَّذِي﴾ خبر إن.
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يحتمل أن يكون في محلّ النصب على الحال من المستكن في ﴿خَلَقَ﴾ أي: مُغْشِيًا، أو مُغَشِّيًا الليل والنهار، على قدر القراءتين (١)، أو من المستكن في ﴿اسْتَوَى﴾ أي: خلقهما في هذه الحال، أو: استوى عليه في هذه الحال. وأن يكون مستأنفًا.
و﴿اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ كلاهما مفعول لـ ﴿يُغْشِي﴾، ويغشى: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، بشهادة قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (٢) ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (٣)، فإذا نقل بالهمزة أو بالتضعيف تعدى إلى اثنين، وفي القرآن: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٤)، فهذا منقول بالهمزة كما ترى، والمفعول الثاني محذوف، أي: فأغشيناهم العمى، وفيه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ (٥)، وهذا منقول بتضعيف العين، و (ما) في موضع نصب بأنّه المفعول الثاني، وكان قبل النقل يَغْشَى الليلُ النهارَ، فلما نقل بالهمزة أو بالتضعيف صار الفاعل
стр. 1415
مفعولًا، أي يُغْشي أو يُغَشّي اللهُ الليلَ النهارَ، فالفاعل في المعنى من أحد المفعولين هو الليل؛ لأنه المفعول الأوّل، كما تقول: أغشيت زيدًا عمرًا، فالفاعل هو زيد؛ لأنه الغاشي، وعمرو هو المفعول؛ لأنه المغشي، وأعطيت محمدًا بكرًا، فمحمد هو الآخد، وبكر هو المأخوذ، وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، أي: يغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، لأنَّ كل واحد منهما يغطي صاحبه.
وتعضد الثاني قراءة من قرأ: (يَغْشَى الليلَ النهارُ) بفتح الياء والشين ونصب الليل ورفع النهار، وهو حميد بن قيس (١)، فالليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضًا مزيل له، فكل واحد منهما على هذا فاعلٌ وإن كان مفعولًا، ومفعولٌ وإن كان فاعلًا، فاعرفه فإن موضع وتصرف سيبيّ (٢).
وقوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (يطلبه) حال من ﴿اللَّيْلَ﴾ على قراءة الجمهور، أي: يُغشي الليل النهار طالبًا له، أو من ﴿النَّهَارَ﴾ لما ذكرت آنفًا من أن كل واحد منهما مزيل لصاحبه.
وعلى قراءة حميد: بدل من قوله: (يغشى الليل النهار) على وجه التوكيد، وهذا قول أبي الفتح (٣).
قلت: ويجوز أن يكون حالًا من ﴿النَّهَارَ﴾، لأنه الفاعل، أي: يغطيه في هذه الحال، و ﴿حَثِيثًا﴾ بدل من (طالبًا) المقدر، أو نعت لمصدر
стр. 1416
محذوف، أي: يطلبه طلبًا حثيثًا. ولك أن تنصبه على الحال إما من الفاعل أو من المفعول، أي: محثوثًا.
وقد جوز أبو الفتح أن يكون صفة لـ (طالبًا) المقدر، قال: لأنَّ طالبًا لو كان منطوقًا به حال، والحال عندنا توصف (١) من حيث كانت في المعنى خبرًا، والأخبار توصف، لكن الصفات عندنا لا توصف، قال: وإن شئت أن يكون ﴿حَثِيثًا﴾ حالًا من الضمير في ﴿يَطْلُبُهُ﴾، انتهى كلامه (٢).
والحثيث: السريع.
فإن قلت: ما محلّ (يَغشَى) على قراءة حميد بن قيس؟ قلت: حكمه حكم ﴿يُغْشِي﴾ على قراءة الجماعة، وقد ذكر.
فإن قلت: ما صاحب الحال على قراءته؟ قلت: المستكن في ﴿خَلَقَ﴾ أو في ﴿اسْتَوَى﴾ كقراءة الجماعة.
فإن قلت: فأين العائد منها إلى صاحبها؟ قلت: محذوف، تقديره: غاشيًا الليل النهار بأمره أو بإذنه، ثمَّ حذف كما يحذف من خبر المبتدأ في نحو قولهم: البُرُّ الكُرُّ بستين، أي: الكُرُّ منه بستين (٣). والتخفيف والتشديد في ﴿يُغْشِي﴾ متقاربان.
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ قرئ: بنصب هذه الأسماء (٤) عطفًا على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، يعضده: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (٥)، فأخبر سبحانه عن الشمس والقمر بالخلق كما ترى، فكما
стр. 1417
أخبر عنها هناك بالخلق كذلك يحمل عليه هنا فينصب، و ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ نصب على الحال منهن.
وقرئ: بالرفع فيهن (١) على الاستئناف، فالشمس مبتدأ وما بعده عطف عليها، والخبر (مسخراتٌ).
وقوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾، أي: خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره. ومعنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منهن على حسب إرادة المدبر فيهن، ولما ذكر أنَّه خلقهن مسخرات بأمره قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي: هو الذي خلق الأشياء، وهو الذي صرفها على حسب إرادته.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾:
قوله : ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ انتصبا على الحال من الضمير في ﴿ادْعُوا﴾، أي: أدعوه ذوي تضرع وخفية، وكلاهما مصدر، أو متضرعين ومخفين.
والتضرع: تفعّل من الضراعة، وهو الخضوع والذل، يقال: ضَرَعَ فلان ضَراعةً، إذا خضع وذلّ، وأَضْرَعَهُ غيرُه، وفي المثل: الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ (٢).
والخفية: خلاف العلانية، وقرئ: (خُفية) و (خِفية) بضم الخاء وكسرها (٣)، وهما لغتان حكاهما أبو الحسن، قال: فالخُفْيَةُ: الإِخفاءُ، والخِيفَةُ: الخوفُ والرهبةُ (٤).
стр. 1418
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المجاوزين ما أُمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره (١).
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
قوله : ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ مصدران أيضًا في موضع الحال، أي: ذوي خوف وطمع، أو: خائفين عذابه وطامعين في رحمته، ولك أن تجعل الجميع مفعولًا له.
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: إنما ذُكِّر ﴿قَرِيبٌ﴾ حملًا على المعنى لأنَّ الرحمة والغفران والعفو بمعنًى، أو لأنَّ تأنيث الرحمة غير حقيقي، وكلاهما قول أبي إسحاق (٢).
وقيل: لأنَّ المراد بالرحمة هنا المطر (٣).
وقيل: ليفصل بين القريب من القرب، وبين القريب من القرابة التي من النسب (٤). قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ لأنَّ سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما في مكان كان القرب أو في نسب (٥).
وقيل: على النسب، كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب، كما يقال:
стр. 1419
امرأة طالق وحائض، أي: ذات طلاق وحيض (١).
أو على تأويل حذف موصوف، أي: شيء قريب (٢).
وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، ككفٍ خضيب، ولحية دهين (٣).
وقيل: لكونه بزنة المصدر الذي هو النقيض والضغيب، والضغيب: صوت الأرنب (٤).
أبو عبيدة: إنما ذُكِّر على تذكير المكان، أي: إن مكان رحمة الله قريب (٥).
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]:
قوله : (وهو الذي يُرسل الرياحَ نُشُرًا) قرئ: (نُشُرًا) بضم النون والشين (٦)، على أنَّه جمع نشور، وفيه وجهان:
أحدهما: بمعنى فاعل؛ لأنها تنشر السحاب وتستدره، من قولهم: نَشَرَ المتاع وغيره يَنْشُرُهُ نَشْرًا، إذا بسطه وفرقه.
والثاني: بمعنى مفعول [كالركوب بمعنى المركوب، كأنها منشورة، فنشرت بعد الطي؛ لأنها بانقطاعها كالمطوية] (٧) أو منشورة بمعنى مُحْياة، كأن
стр. 1420
الله أحياها لتأتي بالغيث، من قولهم: نشر الله الميّت، فهو ناشر سبحانه، وذاك منشور، لغة حكاها أهل اللغة، يقال: نشر الله الميت وأنشره، بمعنًى، أو جمع ناشر، كبازل وبُزُل (١)، وقاتل وقُتُل، كقول الأعشى:
٢٢٧ - ....................... ... وإنَّا لأمثالِكم يا قَومَنَا قُتُلُ (٢)
وانتصاب نشر على الحال من ﴿الرِّيَاحَ﴾، أي: أرسلها ناشرات أو منشورات، أي في هذه الحال.
وقرئ: (نُشْرًا) بضم النون وإسكان الشين (٣)، وهو تخفيف نُشُر، كرُسْل في رُسُل، والقول فيه كالقول فيمن ضم الشين في جميع ما ذكرت.
قال أبو الفتح: والتثقيل أفصح؛ لأنه لغة الحجازيين، والتخفيف في نحو ذلك لتميم، انتهى كلامه (٤).
وقرئ: (نَشْرا) بفتح النون وإسكان الشين (٥)، وهو مصدر نَشَرَ، وهو أيضًا يحتمل الوجهين:
أحدهما: أن يكون النشر الذي هو خلاف الطي.
والثاني: أن يكون بمعنى الحياة على ما ذكرت قبيل، وانتصابه إما على المصدر؛ لأنَّ أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل: نشرها نشرًا، وإما على الحال بمعنى منتشرات، لأنها إذا نشرت انتشرت، أو ناشرات لأنها تنشر
стр. 1421
السحاب، أو منشورات على الوجه الثاني إن جعلت المصدر بمعنى المفعول أو منشراتٍ، فالنشر على هذا بمعنى الانتشار كقوله تعالى: ﴿إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (١)، وحذفت زوائد المصدر، كما حذفت من قوله:
٢٢٨ - ....................... ... وبعد عطائك المائة. . . . . (٢)
أو ذات نشر.
وقرئ: (بُشْرًا) بضم الباء وإسكان الشين (٣)، وهو جمع بشير، كقليب وقُلْب، وإسكان الشين تخفيف.
وقرئ كذلك إلا أنَّه بضم الشين (٤) على الأصل، وانتصابه على الحال أيضًا من الرياح أي: مبشرات، لأنَّ الريح تبشر بالمطر والرحمة، ويعضد هذه القراءة قوله في "الروم": ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٥).
وقرئ أيضًا: (بَشْرًا) بفتح الباء وإسكان الشين (٦)، وهو مصدر قولك: بشرت الرجل أبشره بالضم بشرًا وبشورًا من البشرى، فأنا باشر وهو مبشور، وكذلك الإِبشار والتبشير ثلاث لغات بمعنًى، والاسم: البِشارة والبُشارة بكسر الباء وضمها، وانتصابه على الحال أيضًا، أي: باشرات بمعنى مبشرات، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٧) أي: ساعيات.
стр. 1422
وقرئ أيضًا: (بُشْرى) غير منونة (١) على فعلى، كحبلى وأنثى، وانتصابها على الحال أيضًا بمعنى مبشرات.
وقرئ أيضًا: (نَشَرًا) بفتح النون والشين (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: بمعنى مفعول، كالنفض بمعنى المنفوض، وهو ما تساقط من الورق، والقبض بمعنى المقبوض، ومنه قولهم: ضم نشره، أي: منشوره، وانتصابه على الحال، أي: منشورات.
والثاني: أنَّه على حذف المضاف، أي: ذوات نشر، والنَّشَرُ فيما ذكر أهل اللغة أن تنشر الغنم بالليل فترعى.
قال أبو الفتح: فهذا على تشبيه السحاب في انتشاره وعمومه في كل الجهات بالغنم المنتشرة للرعي، انتهى كلامه (٣).
وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ظرف لـ ﴿يُرْسِلُ﴾ أي: أمام نعمته، وهي الغيث الذي هو من أجَلِّ النعم وأحسنها أثرًا.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ المستكن في ﴿أَقَلَّتْ﴾ للرياح، أي: حملت ورفعت، واشتقاق الإِقلال فيما ذكر أهل اللغة من القلة، لأنَّ الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلًا.
و﴿سَحَابًا﴾ جمع، ولذلك وصفت بالجمع، وهو جمع ثقيل، يقال: ثقل الشيء ثقلًا كصَغر صِغرًا، فهو ثقيل وجمعه ثقال، أي: سحابًا ثقالًا بالماء.
وقوله: ﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب على اللفظ، قيل: ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل: ثقيلًا (٤)، أي: سقنا السحاب لأجل بلد ليس فيه روح.
стр. 1423
وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يحتمل أن يكون للبلد، وأن يكون للسحاب، وأن يكون للسوق، دلّ عليه ﴿سُقْنَاهُ﴾.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ الأجود أن يكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ للماء، وقد جوز أن يكون للمذكورات كـ ﴿بِهِ﴾ الأوّل (١).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ الكاف في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، والإِشارة إلى الإِخراج، أي: نخرج الموتى إخراجًا مثل ذلك الإِخراج، وهو إخراج الثمرات.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: فيؤدّيكم التذكر إلى أنَّه لا فرق بين الإِخراجين، إذ كل واحد منهما إعادة للشيء بعد إنشائه، قاله الزمخشري (٢).
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾:
قوله : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ البلد الطيب: الأرض الكريمة التربة. والجمهور على فتح الياء وضم الراء في ﴿يَخْرُجُ﴾ ورفع النبات على إسناد الفعل إليه.
وقرئ: (يُخْرِج نباتَه) بضم الياء وكسر الراء ونصب النبات (٣) على إسناد الفعل إلى البلد، أي: يخرجه البلد وينبته، أو إلى الله ؛ لأنه هو المخرج في الحقيقة، أو إلى الماء.
стр. 1424
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿يَخْرُجُ﴾، وأن يكون في موضع الحال من النبات، قيل: كأنه قيل: يخرج نباته حسنًا وافيًا؛ لأنه واقع في مقابلةِ ﴿نَكِدًا﴾ (١). أو مأذونًا فيه.
وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الموصوف محذوف وهو البلد، تقديره: والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلَّا نكدًا، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى البلد مقامه، إلَّا أنَّه كان مجرورًا بارزًا فانقلب مرفوعًا مستكنًا لوقوعه موقع الفاعل.
والثاني: أنَّه على حذف المضاف تقديره: ونبات الذي خبث، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والذي خبث: الأرض السبخة التي لا تنتب ما ينتفع به.
و﴿نَكِدًا﴾: منصوب على الحال من المستكن في ﴿لَا يَخْرُجُ﴾. والنَّكِدُ فيما ذكر أهل اللغة: العسر لشدته، وهو الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل، وأنشدوا:
٢٢٩ - وأعطِ ما أعطيتَهُ طيِّبًا ... لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنَّاكدِ (٢)
وفعله نكِد ينكَدُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَكَدًا فهو نكِد ونكْدٌ على التخفيف ككتْف في كتِف، وقد نُكِد على البناء للمفعول، إذا سئل فبخل.
стр. 1425
وقرأ ابن القعقاع: (نكَدا) بفتح الكاف (١) على المصدر، أي: ذا نكد.
وقرئ أيضًا: (نكْدا) بإسكان الكاف (٢)، وهو مخفف من نكدٍ، وقيل: هو مصدر أيضًا، فيكون على حذف المضاف كما في قراءة ابن القعقاع (٣).
وقرئ أيضًا: (لا يُخرِج) بضم الياء وكسر الراء (٤) على إسناد الفعل إلى البلد، و ﴿نَكِدًا﴾ على هذه مفعول به.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾ الكاف في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: نصرِّفُ الآيات تصريفًا مثل ذلك التصريف.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ جواب قسم محذوف، وقد ذكر نظيره فيما سبق من الكتاب في غير موضع (٥).
وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (من) مزيدة، و ﴿إِلَهٍ﴾ مبتدأ، وفي الخبر وجهان:
أحدهما: لكم. والثاني: محذوف، أي: ما لكم من إله في الوجود أو في العالم.
стр. 1426
و (غيره) قرئ: بالحركات الثلاث (١): فالرفع على المحل إمَّا على البدل، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، فكما أن قوله: (إلا الله) بدل من قوله: (ما من إله)، كذلك يكون قوله: ﴿غَيْرُهُ﴾ بدلًا من ﴿إِلَهٍ﴾، ويكون (غير) في موضع إلا، كأنه قيل: ما لكم من إله إلَّا الله، أو على النعت، كأنه قيل: ما لكم إلهٌ غيره، والجر على الصفة على اللفظ، والنصب على الاستثناء بمعنى: ما لكم من إله إلَّا إياه، كقولك: ما في الدار من أحد غير زيد، بمعنى إلَّا زيدًا.
وقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قيل: اليوم العظيم يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان (٣)، ووصف اليوم بالعظيم والمراد عِظَمُ ما فيه.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
قوله : ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الملأ: الأشراف والسادة، قيل: سموًا بذلك؛ لأنهم يملؤون الصدور بعظم شأنهم (٤).
وقيل: الرجال ليس معهم نساء (٥)، سموا بذلك لأنهم يملؤون المحافل.
ومحل ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ النصب على الحال من الملأ، أي: كائنين منهم.
وقوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ الرؤية هنا تحتمل أن تكون من رؤية القلب، وأن تكون من رؤية العين، أو من الرأي الذي هو الاعتقاد.
стр. 1427
وقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ محله النصب إما لكونه مفعولًا ثانيًا إن جعلت الرؤية من رؤية القلب، أو على الحال من الكاف إن جعلتها من رؤية العين، أو من الرأي، ومعناه: في ذهاب عن طريق الصواب والحق، من قولهم: ضل الشيء يضل ضلالًا، إذا ضاع وذهب.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: قوله : ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾ (١)، وأن يكون حالًا من المستكن في الظرف وهو ﴿مِنْ رَبِّ﴾، والعامل هو الظرف نفسه، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿رَسُولٌ﴾ وإن كان موصوفًا؛ لعدم العامل.
وَبَلَغَ: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣).
وقوله: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ عطف على (أبلغكم)، يقال: نصحته ونصحت له، وتعديته باللام أكثر.
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصوفة و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، أي: أعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها، قد أَوحى إليّ بها، وأن تكون موصولة، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع الحال: إما من ﴿مَا﴾ أو من الذكر الراجع إلى ﴿مَا﴾، ويكون العلم على هذا بمعنى العرفان.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
стр. 1428
قوله : ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام، وهي بمعنى الإِنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف تقديره: أكذبتم وعجبتم.
و﴿أَنْ جَاءَكُمْ﴾: في موضع نصب بـ ﴿عَجِبْتُمْ﴾ لعدم الجار وهو (من)، أي: من أن جاءكم، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
﴿ذِكْرٌ﴾: موعظة، عن ابن عباس ﵄ (١).
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾، وأن يكون صفة لـ ﴿ذِكْرٌ﴾.
وقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: على لسان رجل منكم، كقوله: ﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ (٢) وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى مع (٣)، فيكون على هذين التقديرين من صلة ﴿جَاءَكُمْ﴾.
ويحتمل أن يكون في موضع الحال من المستكن في ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إذا جعلته صفة لـ ﴿ذِكْرٌ﴾، أي: نازلًا على رجل منكم، فلا حذف على هذا.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾:
قوله : ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة (أنجينا)، أي: فأنجيناه في السفينة من الطوفان، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿مَعَهُ﴾ والعامل ﴿مَعَهُ﴾.
وقوله: ﴿عَمِينَ﴾ وزنه: فعين، واللام محذوفة لالتقاء الساكنين، والعمى هنا يحتمل أن يكون من عمى العين، أي: عموا عن الهدى،
стр. 1429
وأن يكون من عمى القلب، يقال: رجل عمٍ القلب، إذا كان جاهلًا.
وقرئ: (عامين) بوزن قاضين (١)، وفُرِّقَ بين العَمى والعامِي، فقيل: العمى يدل على عمًى ثابتٍ، والعامي: على عمى حادث (٢).
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
قوله : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (أخاهم) عطف على ﴿نُوحًا﴾ (٣)، و ﴿هُودًا﴾ عطف بيان له، أو بدل منه، وكذلك ما بعده من قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٤) ونظائره، والتقدير في جميع ذلك: وأرسلنا إليهم أخاهم.
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ قيل: إنما حذف العاطف ولم يقل: فقال، كما في قصة نوح ﵇ لأنه على تقدير سؤال سائل قال: فما قال لهم هود؟ فقال: قال: يا قوم اعبدوا الله، وكذلك ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ (٥).
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
قوله : ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ القول في الرؤية، وفي إعراب ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾ كالقول في قوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ (٦).
والسفاهة: ضد الحلم، وأصلها الخفة والحركة، يقال: تسفهت الريحُ
стр. 1430
الشجر، إذا مالت به، وفعلها سَفُه يسفُه بالضم فيهما.
و﴿وَعَادٍ﴾ اسم للحي، ولذلك صرف، ولو جُعل اسمًا للقبيلة لم يصرف، وكذلك ﴿ثَمُودَ﴾ إن جعل اسمًا للحي صرف، وإن جعل اسمًا للقبيلة لم يصرف.
قيل: وسميت ثمود لقلة مائها، من الثمد وهو الماء القليل، وهذا يدلّ على أنَّه عربي، والمانع له من الصرف التعريف والتأنيث لا التعريف والعجمة، كما زعم بعضهم، وهو أبو حاتم (١).
فإن قلت: (هود) أعجمي أو عربي؟ قلت: قد جوز أن يكون أعجميًا، وأن يكون عربيًا من هاد يهود. فإن قلت: إذا جعل أعجميًا فلم صرف وفيه العجمة والتعريف؟ قلت: لخفته كنوح ولوط (٢).
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾:
قوله : ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (لكم) من صلة ناصح، و ﴿أَمِينٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي: أنا ناصح لكم فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه، وقيل: كان أمينًا بينهم معروفًا بالنصح والأمانة.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
قوله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ إذ: مفعول به وليس بظرف كما زعم بعضهم (٣)، أي: واذكروا وقت استخلافكم.
وقوله: ﴿فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (بسطة) مفعول ثان لزادكم. و ﴿فِي الْخَلْقِ﴾
стр. 1431
يحتمل أن يكون من صلة زاد، وأن يكون في موضع الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿بَسْطَةً﴾.
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ الآلاء: النعم، وفي واحِدها ثلاث لغات: إِلًى بكسر الهمزة وألف بعد اللام، كإنًى، وآناء، ومِعًى وأمعاء، وأَلًى بفتح الهمزة وألف أيضًا بعد اللام كرَحًى وأرحاء، وإِلْيٌ بكسر الهمزة وسكون اللام وياء بعدها، كحِسْيٍ وأحساءٍ، والحِسْيُ بالكسر: ما تُنَشِّفُهُ الأرض من الرمل.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
قوله : ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ الهمزة للإِنكار، و ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر بمعنى إيحادًا، من قولهم: أوحدته برؤيتي إيحادًا، أي: لم أر غيره، ثمَّ حذفت الزوائد منه وهي الهمزة والألف فبقي ﴿وَحْدَهُ﴾، واختلف في موضعه.
فقيل: هو مصدر في موضع الحال: إما من المعبود، أي: نعبده موحَّدًا، أو من العابدين أي: موحِّدين له.
وقيل: هو ظرف، أي: نعبده على حياله، وهو مذهب أهل الكوفة، أعني نصبه على الظرف (١).
وقوله: ﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ
стр. 1432
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾:
قوله : ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ (من ربكم) يحتمل أن يكون من صلة ﴿وَقَعَ﴾، وأن يكون في موضع الحال من ﴿رِجْسٌ﴾ لتقدمه عليه، والرجس: العذاب عن ابن عباس ﵄، وعنه أيضًا: السخط (١).
ومعنى وقع: حَقَّ ووَجَبَ، وقيل: نزل، والوقوع، والسقوط، والنزول: نظائر في اللغة.
وقوله: ﴿فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: سميتم بها، كقولك: سميتُ فلانًا زيدًا أي: بزيد، والمفعول الثاني محذوف، أي: سميتموها آلهة.
قيل: ومعنى قوله: ﴿فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: في أشياء ما هي إلَّا أسماء ليس تحتها مسميات؛ لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى الإِلهية فيها معدوم محال وجوده (٢).
و﴿أَنْتُمْ﴾: توكيد للواو في ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
قوله : ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ انتصبت ﴿آيَةً﴾ على الحال إما من الناقة، والعامل فيها ما في ﴿هَذِهِ﴾ من معنى التنبيه أو الإِشارة، كأنه قيل: أنبه عليها، أو أشير إليها في حال كونها علامة أو عبرة، أو دلالة، أو من المستكن في ﴿لَكُمْ﴾ والعامل فيها لكم، و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا خبر بعد خبر، أو خبر لـ ﴿هَذِهِ﴾، و ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿هَذِهِ﴾ أو عطف بيان.
стр. 1433
ولك أن تجعل ﴿لَكُمْ﴾ حالًا من ﴿آيَةً﴾ لتقدمه عليها على الوجه الأوّل.
وقوله: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ﴾ (تأكل) مجزوم على جواب شرط محذوف تقديره: إن تذروها تأكل، وعليه الجمهور، وقرئ: بالرفع (١)، ومحله النصب على الحال، أي: فذروها آكلة.
وقوله: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ منصوب على جواب النهي.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
قوله : ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مكنكم فيها، يقال: بوأته منزلًا، وبوأت له منزلًا، إذا هيأته ومكنت له فيه.
وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ محله النصب على الحال من الكاف والميم في ﴿وَبَوَّأَكُمْ﴾. و ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ هنا يحتمل أن يتعدى إلى مفعولين وهما ﴿مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾، وأن يتعدى إلى مفعول واحد بمعنى تبنون، فيكون ﴿مِنْ سُهُولِهَا﴾ حالًا من قصور لتقدمه عليها، أي: تبنون قصورًا كائنة من سهولة الأرض، وهي ما يعملون منها من اللبِنِ والآجُرِّ وغيرهما على ما فسر (٢).
وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ الجمهور على كسر الحاء في قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾. وقرئ بفتحها (٣) لأجل حرف الحلق، وهما لغتان، غير أن الكسر أشهر.
стр. 1434
وقرئ أيضًا: (وتنحاتون) بإشباع الفتحة (١)، والإِشباع بابه النظم.
و﴿بُيُوتًا﴾: يحتمل أن يكون مفعولًا به ثانيًا على تضمين ﴿تَنْحِتُونَ﴾ معنى تتخذون، وأن يكون حالًا من ﴿الْجِبَالَ﴾ على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا؛ لأنَّ الجبال لا تكون بيوتًا في حال النحت، ونظيره من الكلام: خِطْ هذا الثوبَ قميصًا؛ لأنَّ الثوب لا يكون قميصًا في حال الخياطة.
وجاز أن يكون ﴿بُيُوتًا﴾ حالًا؛ لأنها في معنى معمورة، أو مبنية، ولك أن تجعله مفعولًا به، و ﴿تَنْحِتُونَ﴾ على بابه مقدرًا الجار في الجبال، بشهادة ما جاء في "الحِجْرِ": ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الجمهور على فتح تاء ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ على أنَّه من عثا يعثو، إذا أفسد، وقرئ: (ولا تِعثوا) بكسرها (٣) على أنه من عَثِي يعثَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر تنبيهًا على عين الفعل، وهو لغة لبعض العرب، وقد ذكر في "الفاتحة" (٤)، و ﴿مُفْسِدِينَ﴾: حال.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
قوله : ﴿الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (من قومه): في موضع الحال من الضمير في ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾، أي:
стр. 1435
كائنين من قومه، وكذا ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿آمَنَ﴾.
و﴿لِمَنْ آمَنَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بإعادة الجار، وهو بدل البعض من الكل.
وقد جوز أن يكون الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود على قومه، فيكون الاستضعاف مقصورًا على المؤمنين، وأن يعود على المستضعفين، فعلى هذا لم يكن الاستضعاف مقصورًا عليهم، بل يعم الفريقين المؤمن والكافر، فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض (١).
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾:
قوله : ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أصبح: هنا يحتمل أن يكون تامًا بمعنى دخلوا في الصباح، كقولهم: أفجَرنا وأعتمنا، أي: دخلنا في هذين الوقتين، فيكون ﴿جَاثِمِينَ﴾ حالًا من الضمير في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا﴾، وأن يكون ناقصًا بمعنى صاروا، فيكون ﴿جَاثِمِينَ﴾ الخبر، أي: هامدين لا يتحركون موتى، يقال: الناس جُثمٌ، أي: قعود لا حَرَاك بهم.
وأصل الجثوم: البروك، يقال: جثم يجثُم ويجثِمُ جُثُومًا، إذا برك على ركبتيه، قال الراجز:
٢٣٠ - * إذا الكُماةُ جَثَموا على الرُّكَبْ (٢) *
و﴿فِي دَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَاثِمِينَ﴾، أي: جاثمين في بلدهم أو في مسكنهم، والمراد به البلاد أو المساكن، وإنما وحد على إرادة الجنس.
стр. 1436
و ﴿الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة الشديدة، عن أبي إسحاق وغيره (١)، يقال: رجفت الأرض ترجُف رَجْفًا ورَجَفَانًا، إذا تحركت واضطربت.
وقيل: الرجفة: الصيحة (٢).
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾:
قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ يحتمل أن يكون منصوبًا بالعطف على ﴿نُوحًا﴾ (٣)، أي: وأرسلنا لوطًا، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لأرسلنا، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: واذكر لوطًا، قيل: و ﴿إِذْ﴾ بدل منه، بمعنى: واذكر وقت قال لقومه.
قال أبو إسحاق: والوجه أن يكون معطوفًا على الإِرسال (٤).
وزعم بعض أهل اللغة (٥): أن ﴿لُوطًا﴾ مشتق من لطت الحوض، إذا ألزقتَ عليه الطين وملسته به، وهذا أَلْوَطُ بقلبي، أي: ألصق به.
قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ لأنَّ لوطًا من الأسماء الأعجمية، والعجمي لا يشتق من العربي (٦).
وقوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ الباء للتعدية، من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله، ومنه قوله ﵊: "سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ" (٧).
стр. 1437
قاله الزمخشري (١).
ومِن في قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ مزيدة لتوكيد النفي، وليست كالتي في قولك: ما جاءني من رجل؛ لأنَّ من ها هنا أفادت معنى الاستغراق، فهي مزيدة لفظًا لا معنى، وفي قولك: ما جاءني من أحد أفادت معنى التوكيد ليس إلَّا، والمعنى: ما عملها قبلكم أحد.
و﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: في موضع الصفة لأحد. والجملة في محلّ النصب على الحال إمّا من ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، أو من الضمير في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾، وقد جوز أن تكون مستأنفة؛ على أنَّه أنكر عليهم أولًا بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، ثمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنَّه جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا له: لم لا تأتيها؟ فقال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾، فلا تفعلوا شيئًا لم يفعله أحد (٢).
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾:
قوله : ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ (٣) بيان وتفسير للفاحشة، كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) بيان وتفسير للوصية، والهمزة مثلها في ﴿أَتَأْتُونَ﴾ (٥) للإِنكار والتوبيخ.
وقرئ: (إنكم) (٦) على الخبر؛ لأنَّ الاستفهام في الجملة الأولى وهي
стр. 1438
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يغني عن الاستفهام في الجملة الثانية لدلالته عليه.
وقوله: ﴿لَتَأْتُونَ﴾ من أتى المرأة، إذا غشيها.
﴿شَهْوَةً﴾: مصدر قولك، شهِيت الشيء أشهاه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر شهوة، إذا اشْتَهَيْتَهُ، وهي هنا إما في موضع الحال من الضمير في ﴿لَتَأْتُونَ﴾، أي: ذوي شهوة، أو مشتهين، أو مفعول له، أي: للاشتهاء.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ في موضع نصب على النعت لقوله: ﴿شَهْوَةً﴾.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ قرئ بنصب ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ (١) على خبر كان، واسمها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾، وبرفعه (٢) على اسم كان، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الخبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزهون عن الفاحشة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤).
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾:
стр. 1439
قوله : ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، يقال: غَبَرَ يَغْبُرُ غُبورًا، إذا بقي وإذا مضى، وهو من الأضداد (١). وإنما قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ دون الغابرات، لتغليب الذكور على الإناث.
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يعني حجارة، والمعنى: أرسلنا عليهم إرسال المطر.
فإن قلت: ما محلّ قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؟ قلت: النصب على الحال من المرأة، أي: كائنة منهم.
فإن قلت: الاستثناء هنا متصل أم منقطع؟ قلت: متصل لأنها من الأهل، ولقائل أن يقول: هو منقطع لكونها كافرة (٢).
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [أي: وأرسلنا أخاهم شعيبًا] (٣) وقد ذكر (٤).
واختلف في امتناع صرف ﴿مَدْيَنَ﴾:
فقيل: لكونه معربًا في حال تعريفه، وأصله مديان بن إبراهيم، وهؤلاء ولده.
стр. 1440
وقيل: لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة (١)، ففي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: إلى أهل مدين، أعني إذا كان اسمًا للبلدة.
وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الناس أشياءهم) مفعولا ﴿تَبْخَسُوا﴾، لأنه يتعدى إلى مفعولين، يقال: بخسته حقه، إذا نقصته إياه، ومنه قيل: للمسكين: البخيس.
قيل: وإنما قال ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم (٢).
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ محل ﴿تُوعِدُونَ﴾ النصب على الحال من الضمير في قوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾، ومفعوله محذوف تقديره: ولا تقعدوا موعدين مَن أتى شعيبًا بالأذى، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣).
و﴿تَصُدُّونَ﴾: عطف على ﴿تُوعِدُونَ﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه، وكذا ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ أي: وصادِّين عنها وباغيها.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (مَن) موصول في موضع نصب بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾ والضمير في ﴿بِهِ﴾ لكل صراط، قال أبو الحسن (٤): أي: في كل صراط،