← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

و ﴿الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة الشديدة، عن أبي إسحاق وغيره (١)، يقال: رجفت الأرض ترجُف رَجْفًا ورَجَفَانًا، إذا تحركت واضطربت. وقيل: الرجفة: الصيحة (٢). ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: قوله : ﴿وَلُوطًا﴾ يحتمل أن يكون منصوبًا بالعطف على ﴿نُوحًا﴾ (٣)، أي: وأرسلنا لوطًا، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لأرسلنا، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: واذكر لوطًا، قيل: و ﴿إِذْ﴾ بدل منه، بمعنى: واذكر وقت قال لقومه. قال أبو إسحاق: والوجه أن يكون معطوفًا على الإِرسال (٤). وزعم بعض أهل اللغة (٥): أن ﴿لُوطًا﴾ مشتق من لطت الحوض، إذا ألزقتَ عليه الطين وملسته به، وهذا أَلْوَطُ بقلبي، أي: ألصق به. قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ لأنَّ لوطًا من الأسماء الأعجمية، والعجمي لا يشتق من العربي (٦). وقوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ الباء للتعدية، من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله، ومنه قوله ﵊: "سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ" (٧).

стр. 1437

قاله الزمخشري (١). ومِن في قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ مزيدة لتوكيد النفي، وليست كالتي في قولك: ما جاءني من رجل؛ لأنَّ من ها هنا أفادت معنى الاستغراق، فهي مزيدة لفظًا لا معنى، وفي قولك: ما جاءني من أحد أفادت معنى التوكيد ليس إلَّا، والمعنى: ما عملها قبلكم أحد. و﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: في موضع الصفة لأحد. والجملة في محلّ النصب على الحال إمّا من ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، أو من الضمير في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾، وقد جوز أن تكون مستأنفة؛ على أنَّه أنكر عليهم أولًا بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، ثمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنَّه جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا له: لم لا تأتيها؟ فقال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾، فلا تفعلوا شيئًا لم يفعله أحد (٢). ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: قوله : ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ (٣) بيان وتفسير للفاحشة، كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) بيان وتفسير للوصية، والهمزة مثلها في ﴿أَتَأْتُونَ﴾ (٥) للإِنكار والتوبيخ. وقرئ: (إنكم) (٦) على الخبر؛ لأنَّ الاستفهام في الجملة الأولى وهي

стр. 1438

﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يغني عن الاستفهام في الجملة الثانية لدلالته عليه. وقوله: ﴿لَتَأْتُونَ﴾ من أتى المرأة، إذا غشيها. ﴿شَهْوَةً﴾: مصدر قولك، شهِيت الشيء أشهاه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر شهوة، إذا اشْتَهَيْتَهُ، وهي هنا إما في موضع الحال من الضمير في ﴿لَتَأْتُونَ﴾، أي: ذوي شهوة، أو مشتهين، أو مفعول له، أي: للاشتهاء. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ في موضع نصب على النعت لقوله: ﴿شَهْوَةً﴾. ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ قرئ بنصب ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ (١) على خبر كان، واسمها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾، وبرفعه (٢) على اسم كان، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الخبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٣). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزهون عن الفاحشة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾:

стр. 1439

قوله : ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، يقال: غَبَرَ يَغْبُرُ غُبورًا، إذا بقي وإذا مضى، وهو من الأضداد (١). وإنما قيل: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ دون الغابرات، لتغليب الذكور على الإناث. وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يعني حجارة، والمعنى: أرسلنا عليهم إرسال المطر. فإن قلت: ما محلّ قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؟ قلت: النصب على الحال من المرأة، أي: كائنة منهم. فإن قلت: الاستثناء هنا متصل أم منقطع؟ قلت: متصل لأنها من الأهل، ولقائل أن يقول: هو منقطع لكونها كافرة (٢). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [أي: وأرسلنا أخاهم شعيبًا] (٣) وقد ذكر (٤). واختلف في امتناع صرف ﴿مَدْيَنَ﴾: فقيل: لكونه معربًا في حال تعريفه، وأصله مديان بن إبراهيم، وهؤلاء ولده.

стр. 1440

وقيل: لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة (١)، ففي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: إلى أهل مدين، أعني إذا كان اسمًا للبلدة. وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الناس أشياءهم) مفعولا ﴿تَبْخَسُوا﴾، لأنه يتعدى إلى مفعولين، يقال: بخسته حقه، إذا نقصته إياه، ومنه قيل: للمسكين: البخيس. قيل: وإنما قال ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم (٢). ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: قوله : ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ محل ﴿تُوعِدُونَ﴾ النصب على الحال من الضمير في قوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾، ومفعوله محذوف تقديره: ولا تقعدوا موعدين مَن أتى شعيبًا بالأذى، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣). و﴿تَصُدُّونَ﴾: عطف على ﴿تُوعِدُونَ﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه، وكذا ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ أي: وصادِّين عنها وباغيها. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (مَن) موصول في موضع نصب بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾ والضمير في ﴿بِهِ﴾ لكل صراط، قال أبو الحسن (٤): أي: في كل صراط،

стр. 1441

كقولك: فلان بالبصرة، أي: في البصرة (١). فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؟ قلت: قيل: وتطلبون لسبيل الله عوجًا، أي: تصفونها للناس بأنها سبيلٌ معوجة غير مستقيمة، لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها (٢). وقد ذكر فيما سلف من الكتاب: أن العِوج بالكسر في الدين وفي كل ما لا يُرى، وأن العَوج بالفتح في العُود وغيره مما يُرى من حائط أو غيره (٣). وقد مضى الكلام أيضًا على نصب قوله: ﴿عِوَجًا﴾ في "آل عمران" (٤). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ (إذ) مفعول به لا ظرف كما زعم بعضهم؛ لأنه هو المراد بالذكر. والمعنى: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلًا عددكم، فكثركم الله ووفر عددكم. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾: قوله : ﴿. . . أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ قيل: الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين (٥). ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا

стр. 1442

وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: قوله : ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ لفظه ماض ومعناه المستقبل؛ لأنه لم يقع وإنما سدَّ مسد جواب ﴿إِنْ عُدْنَا﴾، قيل: وساغ دخول قد هنا؛ لأنهم نزَّلوا الافتراء عند العود منزلة الواقع، فقربوه بقد (١). والمعنى: قد افترينا الآن إن هممنا بالعود، ﴿وَمَا يَكُونُ﴾ وما ينبغي لنا وما يصح. وقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ محل ﴿أَنْ﴾ وما اتصل بها رفع بأنها اسم يكون، والخبر ﴿لَنَا﴾. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه منقطع بمعنى: إلَّا أن يريد الله إهلاكنا. والثاني: أنَّه متصل، أي: إلَّا وقت مشيئة الله، والاستثناء هاهنا على وجه التسليم لله جل ذكره. وقوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (كل) مفعول وسع، و ﴿عِلْمًا﴾ منصوب على التمييز، وقد ذكر في "الأنعام" (٢)، أي: أحاط به فلا يخفى عليه شيء منه. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: قوله : ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ اللام الأولى لام القسم، وإن حرف شرط، و ﴿إِنَّكُمْ﴾ وما اتصل به جواب القسم، وسد جواب القسم عن جواب الشرط، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٣).

стр. 1443

واللام الثانية لام الابتداء؛ لأنها داخلة على الاسم، فأما ﴿إِذًا﴾ فتوكيد وهي ملغاة من العمل، ولكونها ملغاة وقعت بين الاسمين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ رفع بالابتداء، وخبره ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. وكذلك ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ابتداء وخبر. قيل: وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا، كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأنَّ الذين اتبعوا شعيبًا قد أنجاهم الله (١). يقال: غَنِي بالمكان يغنَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غِنًى وغُنْيةً، إذا أقام به. وإعادة ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لتعظيم الأمر وتفخيمه مع ما فيه من معنى الاختصاص، كأنه قيل: هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أَتْباعه فإنهم الرابحون. ولك أن تنصب ﴿الَّذِينَ﴾ بإضمار فعل، أو تجعله بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ (٢)، فيكون قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿كَذَّبُوا﴾ أي: مشبهين حال من لم يكن قط في تلك الدار إذ حلّ بهم ما حل بهم، وهذا مما يُتحسر عليه، كما قال: ٢٣١ - كَأَنْ لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسمُرْ بمكةَ سامِرُ (٣) والحَجُون بفتح الحاء: جبل بمكة، وهي مقبرة.

стр. 1444

﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: قوله : ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أي: أحزن، يقال: أَسِيت لفلان آسَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر أسًى، إذا حزنت له. وقرئ: (فكيف إِيْسى) بكسر الهمزة وياء بعدها (١)، قيل: وهذه لغة تميم يقولون: أنا إضربُ (٢). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: قوله : حَتَّى عَفَوْا أي: إلى أن عفوا، أي: كثروا، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣)، ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت، وعفا: من الأضداد، يقال: عفت الريح المنزل، إذا درسته، وعفا المنزل، إذا درس (٤).

стр. 1445

وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ عطفٌ على قوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾، و ﴿بَغْتَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الهاء والميم، بمعنى: أخذناهم آمنين مغترين بما هم فيه. و﴿بَيَاتًا﴾ مصدر في موضع الحال بمعنى بائتين، أو وقت بيات، فيكون ظرفًا، وقد مضى الكلام عليه في أول السورة بأشبع من هذا. ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قوله : ﴿أَوَأَمِنَ﴾ قرئ بفتح الواو (١) على أنها للعطف دخلت عليها همزة الاستفهام كما دخلت في قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا﴾ (٢)، ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ (٣)، ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ (٤). وقرئ: بإسكانها (٥)، على أنها أو التي للعطف، وهي لأحد الشيئين أو الأشياء، أي: أفأمِنُوا إحدى هذه العقوبات. و﴿ضُحًى﴾: ظرف للإتيان. وقوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، و ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: الواو فيهما واو الحال. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾:

стр. 1446

قوله : ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ الجمهور على الياء في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ النقط من تحته، وفي فاعل الفعل الذي هو ﴿يَهْدِ﴾ وجهان: أحدهما: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو ضمير الشأن والحديث، بمعنى: أو لم يهد لهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما فعلنا بمن قبلهم. والثاني: ضمير اسم الله جل ذكره، تعضده قراءة من قرأ: (أو لم نهد) بالنون وهو ابن عباس ﵄ وغيره (١)، بمعنى أو لم يبين الله، ولذلك عدّي باللام؛ لأنه بمعنى يبين فتكون (أن) على هذا الوجه في موضع نصب، وتكون النون في (نشاء) على الخروج من الغيبة إلى الإخبار عن النفس، وهو شائع مستعمل في كلام القوم نظمهم ونثرهم. وقرئ: (أو لم نهد) بالنون (٢)، فأن على هذه القراءة في موضع نصب على أنها مفعول به، بمعنى: أو لم نبين لهم كيت وكيت. وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ مستأنف، أي: ونحن نطبع. وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ابتداء وخبر. فإن قلت: ما هذه الفاء؟ قلت: قيل: لتعقيب عدم السمع بعد الطبع على القلب من غير فصل (٣). ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾:

стр. 1447

قوله : ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (تلك) مبتدأ، و ﴿الْقُرَى﴾ خبره، و ﴿نَقُصُّ﴾ حال، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١)، والفائدة ها هنا منوطة بالحال، كما تكون منوطة بالصفة في قولك: هو الرجل الجواد، فلا يحسن السكوت على المبتدأ والخبر دونهما لعدم الفائدة. ولك أن تجعل ﴿الْقُرَى﴾ صفة لـ ﴿تِلْكَ﴾، و ﴿نَقُصُّ﴾ الخبر، وأن تجعل ﴿الْقُرَى﴾ و ﴿نَقُصُّ﴾ خبرًا بعد خبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف في غير موضع بأشبع من هذا. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ (من) للتبعيض، أي: نقص عليك بعض أنبائها، فإن قلت: قد ذكرت آنفًا أن قوله : ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) مستأنف على تقدير: ونحن نطبع، فهل يجوز أن يكون معطوفًا على (أصبنا) (٣) بمعنى: وطبعنا، كما قال: (لو نشاء) ومعناه لو شئنا؟ قلت: لا يبعد ذلك، والمعنى يساعده؛ لأنَّ الختم بيد الله جل ذكره، إن شاء ختم على قلوبهم، وإن شاء لم يختم عليها. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: قوله : ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ محلّ ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ نصب، و ﴿مِنْ﴾ لاستغراق الجنس مزيدة في اللفظ دون المعنى. وقوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ إن: مخففة من الثقيلة كالتي في قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٤)، واسمها محذوف وفيه وجهان:

стр. 1448

أحدهما: ضمير الشأن والحديث، أي: وإن الشأن والحديث. والثاني: ضمير اسم الله جل ذكره، أي: وإنَّا وجدنا أكثرهم فاسقين، أي: خارجين عن الطاعة مارقين منها كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ. واللام في ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ هي الفارقة بين أن المخففة وأن النافية، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (١)، ومذهب غيره: أن (إن) بمعنى ما، واللام بمعنى إلَّا، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢). فإن قلت: ﴿وَجَدْنَا﴾ هنا بمعنى علمنا، أو بمعنى صادفنا؟ قلت: بمعنى علمنا؛ لأنَّ أن المخففة واللام الفارقة لا تدخلان إلَّا على المبتدأ والخبر، والأفعال الداخلة عليهما لا تكون إلَّا من أفعال القلوب. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ في الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وجهان: أحدهما: للرسل في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ (٣). والثاني: للأمم. وقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ عُدّي الظلم بالباء إجراء له مجرى الكفر؛ لأنهما من وادٍ واحد، بدليل قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). وقيل: المفعول

стр. 1449

محذوف تقديره: فظلموا أنفسهم، أو الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها (١). وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ﴾ (كيف) في موضع نصب بخبر كان، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾. ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: قوله : ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ قرئ: (عليَّ) مضافًا إلى ياء النفْس (٢) على أن قوله: ﴿حَقِيقٌ﴾ بمعنى: واجب وحق، وكلاهما يتعدى بعلى بشهادة قوله جل ذكره: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ (٤)، أي: واجب عليَّ قول الحق، أو حَقٌّ عليَّ ذلك، فـ ﴿حَقِيقٌ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾، و (عَلَيَّ) من صلة المبتدأ، أو خبر بعد خبر لقوله: ﴿إِنِّي﴾ (٥)، أو نعت لرسول، أو بدل منه. و ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ على هذا رفع بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، أو بقوله: ﴿حَقِيقٌ﴾ لكونه بمعنى يحقّ على ذلك. وقرئ: ﴿عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ بألف بعد اللام (٦) على معنى: حقيق بألَّا أقول، فـ ﴿عَلَى﴾ ها هنا بمعنى الباء، كما تقول: فلان على حالٍ حسنة،

стр. 1450

وبحالٍ حسنة، عن الفراء (١). قال أبو الحسن: كما وقعت الباء في قوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ (٢) موضع (على)، كذلك وقعت ﴿عَلَى﴾ ها هنا موضع الباء، ذكر ذلك عنه الشيخ أبو علي الفارسي (٣). وقوله: ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾ منصوب لكونه مفعول القول. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: قوله : ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَإِذَا﴾ هذه هي التي تكون للمفاجأة، وهي ظرف مكان (٤)، كما تقول: خرجت فإذا زيد بالباب، فما بعدها رفع بالابتداء، و ﴿ثُعْبَانٌ﴾ خبره، كأنه قيل: هي ثعبان مبين هناك. وقيل: هي ظرف زمان (٥)، وقد مضى الكلام عليها فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا. والثعبان فيما ذكر أهل اللغة: ضرب من الحيات طوال، وجمعه ثعابين. ومعنى قوله: ﴿مُبِينٌ﴾، أي: ظاهرٌ أمره، لا لبس في أنَّه ثعبان. فإن قلت: هل يجوز في الكلام نصب ﴿ثُعْبَانٌ﴾ على الحال على أن تكون هي مبتدأ، والخبر (إذَا)؟ .

стр. 1451

قلت: قد جوز ذلك (١)، و (إذَا) على هذا لا يكون إلَّا ظرف مكان لكونه خبرًا عن الجثة. فإن قلت: ما ذو الحال؟ وما العامل فيها؟ قلت: ذو الحال المستكن في الظرف، والعامل: الظرف نفسه، ونظيره ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ وقوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ من صلة بيضاء. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾: وقد مضى الكلام على (ماذا) فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢)، واختلف في قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، فقيل: هو من قول الملأ، وقيل: هو من قول فرعون مجيبًا للملأ (٣). ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾: قوله : ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ قرئ: (أرجئهُ) بالهمز وضم الهاء من غير إشباع (٤)، وبالإِشباع (٥)، وكسرها مع ترك الإِشباع (٦). وقرئ: (ارجهِ) بغير الهمز وكسر الهاء من غير إشباع (٧)، وبالإِشباع (٨)، وإسكانها (٩)

стр. 1452

فالهمز وتركه لغتان فاشيتان، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته إرجاءً فيهما، إذا أخرته. فأما ضم الهاء من غير إشباع: فهو المختار؛ لأن الهاء خفيّة، فلو أشبعت لكان كالجمع بين الساكنين. وأما ضمها مع الإِشباع: فعلى الأصل؛ لأن الهاء فاصل. وأما كسرها مع ترك الإِشباع: فعلى إتباع الهاء كسرة الجيم إجراء للهمزة الساكنة مجرى الياء الساكنة؛ لانقلابها إليها حال التسهيل إذا كان قبلها كسرة، نحو: بِير وذيب، هذا حكم الهاء مع الهمز. وأما كسر الهاء من غير إشباع مع ترك الهمزة: فلكسرة الجيم، والاجتزاء بكسرة الهاء عن الياء نظرًا إلى اللفظ دون الأصل، أو حذفت الياء لالتقاء الساكنين نظرًا إلى الأصل؛ لما ذكرت آنفًا من أن الهاء خَفِيّة، فلو أشبعت لكان كالجمع بين الساكنين. وأما كسرها مع الإِشباع: فعلى الأصل أعتدادًا بالهاء حاجزًا نظرًا إلى الأصل، أو لعدم ما يوجب حذفها نظرًا إلى اللفظ، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وأما إسكان الهاء فعلى إجراء الهاء مجرى لام الكلمة، كقولهم: لم يقرَ فلانٌ القرآن، أو على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقد أوضحت جميع ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ﴾ مجزوم على جواب شرط محذوف، وقد ذكر نظيره فيما سلف في غير موضع. ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾:

стр. 1453

قوله : (أَإِنَّ) قرئ: بالاستفهام (١) على معنى أنهم لم يقطعوا بأن لهم الأجر، وقرئ: على الخبر (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: على إثبات الأجر. والثاني: على إرادة همزة الاستفهام، ويعضده إجماعهم على الاستفهام في "الشعراء"، والقصة واحدة (٣). وقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عطف على محذوف، دل عليه حرف الإِيجاب وهو ﴿نَعَمْ﴾، أي: نعم إن لكم لأجرًا، وإنكم معه لمن أهل المنزلة الرفيعة، وكسرت ﴿إِنَّكُمْ﴾ لأنها في موضع استئناف بالوعد لا لأجل اللام، إذ لو لم تكن اللام لكانت مكسورة أيضًا على هذا المعنى. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾: قوله : ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ﴾ اختلف في موضع ﴿أَنْ﴾ مع ما اتصل بها، فقيل: في موضع نصب (٤) على تأويل: اختر إمّا إلقاءك، وإما إلقاءنا، وجاز ذلك لأنه كلام فيه معنى الأمر. وقيل: في موضع رفع (٥) على تقدير: إمّا إلقاؤك مبدوءٌ به، وإمّا إلقاؤنا.

стр. 1454

فإن قلت: لِمَ دخلت أن مع إمّا ها هنا ولم تدخل معه في قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (١)؟ قلت: قيل: لأن في ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ معنى الأمر، كأنه قيل: اختر إما أن تلقي أنت، وإما أن نلقي نحن، والأمر مستقبل، و (أن) عَلَمٌ للاستقبال، فلما كان كذلك دخلت أن هنا لتحقيق هذا المعنى، ولم تدخل ثَمَّ؛ لأنه خبر، والخبر لم يحتج إلى أن (٢). وقوله: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ عطف على ﴿سَحَرُوا﴾، ومعنى استرهبوهم: أرهبوهم، يقال: أرهبه واسترهبه، إذا أخافه. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾: قوله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ﴾ أن: تحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي، وأن تكون مع ما بعدها في تأويل المصدر. وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ قرئ: (تلَقّف) بفتح اللام وتشديد القاف (٣)، وأصله تتلقف، فحذفت إحدى التاءين. وقرئ: بتشديد التاء في الإِدراج (٤) على الإِدغام. وقرئ: (تَلْقَف) بإسكان اللام وتخفيف القاف (٥)، على أن ماضيه لقِف كَعَلِمَ، يقال: لَقِفْتُ الشيء بالكسر أَلْقَفُهُ لَقَفًا، إذ تناولته بسرعة. و﴿مَا﴾: تحتمل أن تكون موصولة بمعنى: الذي يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويُزَوِّرُونه، يقال: أَفَكَ الشيءَ يَأْفِكُهُ، إذ قلبه وصرفَهُ عن

стр. 1455

أصله. وأن تكون مصدرية تسميةً للمأفوك بالإِفْك، كضرْبِ الأمير، وخَلْقِ الله، أي: تلقف إفكهم، أي: مأفوكهم. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾: قوله : ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصولًا بمعنى: بطل الحبال والعصى التي سحروا بها، وأن يكون مع ما بعده في تأويل المصدر، أي: وبطل عملهم. ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾: قوله : ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (صاغرين) يحتمل أن يكون حالًا، وأن يكون خبرَ ﴿انْقَلَبُوا﴾ على تضمين ﴿انْقَلَبُوا﴾ معنى صاروا، أي: صاروا أذلاء منهزمين، وفعله صغِر يصغَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر صَغَرًا وصغارًا، إذا ذل، وقد ذكر في "الأنعام" عند قوله: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١). وقوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (ساجدين) حال من ﴿السَّحَرَةُ﴾ والمعنى: وخروا ساجدين لله، كأن ملقيًا ألقاهم لشدة خُرُورهم. وقوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ يحتمل أن يكون حالًا وقد معه مرادة، أي: قد قالوا، وأن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى﴾ بدل من (رب العالمين). ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾:

стр. 1456

قوله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قرئ: على الخبر (١)، على معنى: فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخًا لهم وتقريعًا. وقرئ: (أآمنتم به) على الاستفهام (٢)، على معنى الإِنكار والاستبعاد. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾: قوله : ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ في موضع الحال من الأيدي والأرجل، أي: مختلفة، وقد ذكر في "المائدة" (٣). وقوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (أجمعين) توكيد للكاف والميم. ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ قد ذكرت كسر القاف وفتحها في المائدة عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ (٤) فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا. وقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: اصببه علينا كما تفرغ الدلو، أي: تصب. وقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ حال من الضمير المنصوب، بمعنى: ثابتين على الإسلام، والله أعلم. ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ

стр. 1457

وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾: قوله : ﴿وَيَذَرَكَ﴾ الجمهور على نصب الراء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على قوله: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾. والثاني: أنه منصوب على جواب الاستفهام بالواو، كما يجاب بالفاء، وأُنشد عليه: ٢٣٢ - أَلَمْ أَكُ جارَكُمْ ويكونَ بيني ... وبينَكُمُ المودةُ والإخاءُ (١) والنصب بإضمار أن، تقديره: ألم يجتمع أن أجاوركم، وأن يكون بيني وبينكم المودة، وكذا هنا تقديره: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك. وقرئ: (ويذرُك) بالرفع (٢)، وفيه أيضًا وجهان: أحدهما: أنه معطوف على قوله: ﴿أَتَذَرُ﴾، على معنى: أتذره وأيذرك، أي: أتطلق له ذلك؟ والثاني: أنه مستأنف أو حال، على معنى: أتذره وهو يذرك. وقرئ أيضًا: (ويذرْك) بإسكان الراء (٣)، وفيه وجهان أيضًا: أحدهما: أنه جزم عطفًا على قوله ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ حملًا على المعنى، كأنه قيل: إن تذره [وقومه] يفسدوا ويذرْك، كقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (٤) على قراءة من جزم (٥).

стр. 1458

والثاني: أنه تخفيف من يذرُك لثقل الضمة. والجمهور على الياء في قوله: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ النقط من تحته، والمستكن فيه لموسى ﵇، وقرئ: (ونذرَك) بالنون والنصب (١) إخبارًا عن الملأ، على معنى: يصرفنا عن عبادتك فنذرها. والجمهور على قوله: (وآلهتك) وهو جمع إله، وقرئ أيضًا: (وإلاهتك) بكسر الهمزة (٢)، وهي العبادة، يقال: أله إلاهة، أي: عبد عبادة، ومنه سميت الشمس الإلاهة. وإلاهة: غير مصروف بلا ألف ولام؛ لأنهم كانوا يعبدونها، والمعنى: ويذرك وعبادتك. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا﴾ في اللام وجهان: أحدهما: للعهد، والمراد بالأرض: أرض مصر خاصة، كقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ (٣). والثاني: للجنس، كالتي في قولك: أهلك الناسَ الدرهمُ والدينارُ. ويورث يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من الله جل ذكره،

стр. 1459

والعامل في الحال الاستقرار؛ لأنه هو العامل في ذي الحال، والتقدير: إن الأرض استقرت له موروثًا لها من يشاء من عباده. وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الجمهور على رفع العاقبة على الاستئناف، وقرئ: بالنصب (١) عطفًا على ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾: قوله : ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ عطف على ما قبله. قال أبو إسحاق: والمعنى: فيرى ذلك بوقوعه منكم؛ لأن الله جل ذكره لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم (٢). ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾: قوله : ﴿بِالسِّنِينَ﴾ فتحت النون لأنها نون جماعة، كالتي في نحو: الزيدِينَ، وعليه جلّ العرب، ومنهم من يجعل الإِعراب في النون. وحَكَى الفراء عن بني عامر: أقمت عنده سنينًا، مصروفًا (٣)، وكسرت السين إيذانًا بأنها جمعت على غير القياس، وأنها ليست بجمع السلامة الحقيقي؛ لأن جمع السلامة الحقيقي لا يكون فيه تغيير البتة، وقد ذكرتُ في "البقرة" عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أصلَ سنةٍ وما قيل فيها (٤). قال أبو إسحاق: والسنون في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم

стр. 1460

السَّنَة، أي جَدْبُ السنةِ وشدتُها (١). وقد اشتقوا منها فقالوا: أَسْنَتَ القومُ، إذا أجدبوا. وقوله: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ من صلة ﴿وَنَقْصٍ﴾. ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾: قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الحسنة: الخصب والرخاء، والسيئة: الجَدب والضر (٢). ومعنى قولهم في الحسنة: ﴿لَنَا هَذِهِ﴾، أي: هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها، واللام في ﴿لَنَا﴾ كالتي في قولك: السرج للدابة. وقوله: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ الأصل: يتطيروا، من تطيَّرتُ بالشيء ومن الشيء، والاسم منه: الطِّيَرَةُ، وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء، فأدغمت التاء في الطاء بعد القلب، وهو مجزوم على جواب الشرط. وقرئ: (تَطيَّرُوا) على لفظ الماضي (٣) لكونه أخف، وموضعه جزم. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الطائر واحد، وقد يكون جمعًا على إرادة الجنس، كالجامل والباقر (٤). وقرفي: (طَيْرُهُمْ) (٥)، وفيه ثلاثة أوجه:

стр. 1461

أحدهما: وهو قول صاحب الكتاب: أنه اسم للجمع بمنزلة الجامل والباقر وليس بتكسير (١). والثاني: وهو قول أبي الحسن: أنه جمع طائر، وهو تكسير كصاحب وصحب (٢). والثالث: وهو قول قطرب، وأبي عبيدة: أنه قد يكون واحدًا (٣). ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ قوله : ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ (مهما) حرف شرط، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول الخليل وموافقيه: أن أصله ماما، فالأولى هي المضمنة معنى الجزاء، والثانية مزيدة ضمت إليها لتوكيد الجزاء كما ضمت إلى غيرها من حروف الجزاء لذلك، نحو: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤)، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ (٥)، متى ما تفعل أفعل، إلّا أنهم قلبوا الألف هاء كراهة اجتماع المثلين (٦). والثاني: أن أصله (مه) وهي الصوت الذي يصوت به الكافُّ، ثم أدخلت عليها (ما) التي للجزاء، كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين (٧).

стр. 1462

والثالث: أن أصله كذلك وليس بمركب (١). والأول هو الوجه وعليه الجل، وقد جوز أن يكون محله الرفع، بمعنى: أي شيء تأتنا به، وأن يكون محله النصب بمضمر، بمعنى: أيما شيء تحضرنا تأتنا به، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿تَأْتِنَا﴾ لاستيفائه ما يقتضيه وهو ﴿بِهِ﴾ (٢). قيل: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ تبيين لـ ﴿مَهْمَا﴾ والضميران في ﴿بِهِ﴾ و ﴿بِهَا﴾ راجعان إلى ﴿مَهْمَا﴾ إلّا أن أحدهما ذُكّرَ على اللفظ، والثاني أُنّثَ على المعنى؛ لأنه في معنى الآية (٣). وجواب الشرط قوله: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾. قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ الطوفان: ما طاف بهم من مطر أو سيل غامر (٤)، قال أبو الحسن: واحده طوفانةٌ (٥). وقال غيره: هو مصدر كالرجحان والنقصان (٦). وقوله: ﴿وَالْجَرَادَ﴾ جمع جرادة، قال الجوهري: وهو واقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بذكرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنس كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة وما أشبه ذلك (٧).

стр. 1463

وقوله: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الجمهور على ضم القاف وفتح الميم مع تشديدها، وفيه أوجه: احدها: أنه السوس الذي يخرج من الحنطة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (١). والثاني: أنه الدَّبا، وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، الواحدة دباة، عن قتادة وغيره (٢). والثالث: أنه الحَمْنان، وهو ضرب من القراد، الواحدة حَمْنانة، عن أبي عبيدة (٣). والرابع: أنه البراغيث، عن ابن زيد (٤). والخامس: أنه دواب صغار سود، عن الحسن وغيره (٥). قلت: يحتمل أن يريد الحسن (٦) بـ (دواب) ما ذكر في الوجه الأول. وواحد القُمّل: قُمَّلة، وقرئ: (والقَمْل) بفتح القاف وسكون الميم (٧)، وهو هذا القمل المعروف، عن أبي الفتح (٨).

стр. 1464

وقوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾، جمع ضِفدِع بكسر الضاد والدال، ومنهم من يقول: ضِفدَع بفتح الدال (١). وقوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ نصب على الحال من المذكورات، أو بدل منها، وهي العلامات، واختلف في معنى ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾: فقيل: مبينات ظاهرات لا يشكل على ذي لب وعقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، عن مجاهد (٢). وقيل: فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر: أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون؟ إلزامًا للحجة عليهم، ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام (٣). ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾: قوله : ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، أي: بالذي أمرك وأوصاك أن تدعوه به فيجيبك، وأن تكون مصدرية، أي: بعهده عندك، وهو النبوة. وفي الباء وجهان: أحدهما: متعلقة بقوله: ﴿ادْعُ﴾. والثاني: بالقسم، وجوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾، أي: أقسمنا بالذي أمرك

стр. 1465

وأوصاك أن تدعوه به، أو أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ قوله : ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ يعني آجالهم، وهو الوقت الذي غرقوا فيه على ما فسر. وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة، وجواب لمَّا: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، كأنه قيل: فلما كشفناه عنهم فاجؤوا النكث وبادروه لم يؤخِّروه، ولكن لما كشف عنهم نكثوا، قاله الزمخشري (١). وجاز أن يجاب (لما) بـ (إذا) كما أجيب (أَنْ) به في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٢)، والنكث: نقض العهد الذي يلزم الوفاء به، أي: ينقضون ما عقدوه على أنفسهم. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾: قوله : ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الفاء الأولى: لتعقيب الانتقام بعد النكث، والثانية: عطف على الأولى. واختلف في اليم، فقيل: هو البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل: هو لجةُ البحر ومعظم مائه (٣). قيل: واشتقاقه من التيمم، وهو القصد؛ لأن المستنفعين به يقصدونه (٤).

стр. 1466

وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا﴾ الباء متعلقة بأغرقنا، أي: أغرقناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفولهم عنها. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾: قوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ وَرِثَ: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، تقول: وَرِثْتُ فلانًا، وَوَرَثْتُ الشيءَ من فلانٍ، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، تقول: أَوْرَثَهُ الشيءَ فلانٌ. فإذا فهم هذا، فقوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾، القوم: المفعول الأول، ﴿الَّذِينَ﴾ صفة للقوم، واختلف في المفعول الثاني، فقيل: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾. و ﴿الَّتِي﴾ على هذا في موضع نصب على الصفة للمشارق والمغارب. وقيل: في موضع جر على النعت للأرض، وليس بالمتين؛ لأن فيه تفرقة بين الموصوف وصفته بالمعطوف. وقيل المفعول الثاني هو ﴿الَّتِي﴾، أي: الأرض التي باركنا فيها، فمشارق ومغارب على هذا ظرفان للاستضعاف على حذف الجار وهو في (١). والأرض: أرض مصر والشام، عن قتادة (٢). ومشارقها ومغاربها:

стр. 1467

أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية. ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾: بالخصب وسعة الأرزاق. واختلف في الضمير في ﴿فِيهَا﴾، فقيل: للمشارق والمغارب، وقيل: للأرض الطاهرة (١). وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ (الحسنى): تأنيث الأحسن، صفة للكلمة، و ﴿عَلَى﴾: من صلة (تَمَّتْ)، ومعنى تَمَّتْ على بني إسرائيل: مضت عليهم واستمرت، من قولك: تَمَّ على الأمر، إذا مضى عليه. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿عَلَى﴾ من صلة الكلمة؟ قلت: مُنع ذلك لأجل الفصل بين الموصول وصلته بالصفة. وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ من صلة (تَمَّتْ) أيضًا، و (ما) مصدرية، أي: بسبب صبرهم. وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ﴾ ما: موصول، ونهاية صلته ﴿وَقَوْمُهُ﴾، واسم كان المستكن فيها وهو ضمير ما، وخبرها ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ أي: يصنعه، ثم حذف الراجع لطول الاسم بالصلة. وقد جوز أن يكون ﴿فِرْعَوْنُ﴾ اسم كان على إرادة التقديم، وفي ﴿يَصْنَعُ﴾ ضمير فاعل (٢)، والجملة في موضع خبرها، وهذا من التعسف والتصرف البارد؛ لأن الشيء إذا وقع في رتبته فلا يُنوى به تقديم ولا تأخير من غير اضطرار، وما ذكرت فيه مندوحة عن هذا التعسف. وقيل: ﴿مَا﴾ مصدرية، و ﴿كَانُوا﴾ مزيدة (٣). ومعنى ﴿يَصْنَعُ﴾: يعمل ويسوي من العمارات وبناء الدور والقصور. والتدمير: الإِهلاك.

стр. 1468

وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قرئ: بكسر الراء وضمها (١)، وهي لغتان، غير أن الكسر أفصح عن اليزيدي (٢). ومعنى ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون من الأبنية والقصور، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣). وعن الحسن: هو تعريش الكرم (٤). وأصل التعريش: الرفع. قال بعض أهل العلم: وبلغني أن بعض الناس قرأ: (يغرسون) من غرس الأشجار، ثم قال: وما أحسبه إلّا تصحيفًا منه (٥). ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾: قوله : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ الباء هنا للتعدية، كالتي في قولك: ذهبت بزيد، وجاوز وأجاز وجوّز بمعنًى، يقال: جاوز الوادي، وأجازه، وجوَّزه، إذا جازه، ونظيره: عالاه وأعلاه وعلّاه. وقوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الفاء للعطف، و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿قَوْمٍ﴾. وقرئ: بضم الكاف وكسرها (٦)، وهما لغتان أيضًا. ومعنى يعكفون على أصنام لهم: يلازمون عبادتها ويواظبون عليها، يقال: عكف على الشيء، إذا

стр. 1469

لزمه وواظب عليه ﴿لَهُمْ﴾: موضع الصفة لأصنام. وقوله: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (ما) هنا تحتمل أن تكون موصولة، والكاف وما اتصل بها في موضع نصب على أنها نعت لقوله: ﴿إِلَهًا﴾، والتقدير: اجعل لنا إلهًا مشبهًا أو مماثلًا للذي لهم. فإن قلت: أين صلة (ما) وعائدها؟ قلت: أما الصلة فالظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، وأما العائد فالمستكن فيه، والتقدير: استقر أو ثبت لهم، دون مستقر أو ثابت، إذ الصلة لا تستقل بالمفرد. وترتفع ﴿آلِهَةٌ﴾ على أحد وجهين إما على البدل من المستكن في الظرف وهو الجيد، وإما على خبر مبتدأ محذوف، وأن تكون مصدرية، فإن قلت: (ما) إذا كانت مصدرية كان بعدها فعل فَيُسْبَكُ منها ومنه مصدر، وليس هنا فعل، فكيف يجوز أن تكون مصدرية؟ . قلت: بعدها ما هو في تقدير الفعل وهو الظرف؛ لأنه يقدر بالفعل، والتقدير: اجعل لنا إلهًا كاستقرار الآلهة لهم، دل على هذا التقدير قوله: ﴿لَنَا﴾؛ لأنه متعلق بمحذوف، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿اجْعَلْ﴾ كما زعم بعضهم؛ لأنه في الأصل خبر مبتدأ، وقد ذكر نظيره فيما سلف في غير موضع. وقال الزمخشري: (ما) كافة للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها (١). يعني أن من شرط الكاف أن تدخل على المفرد دون الجملة، فلما وقعت هنا الجملة بعدها كفت بما. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾:

стр. 1470

قوله : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ (ما) موصول مرفوع بالابتداء، وخبره ﴿مُتَبَّرٌ﴾، والجملة خبر إن، ولك أن ترفعها بقوله: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ على الفاعلية، و ﴿مُتَبَّرٌ﴾ هو الخبر، ولكونه خبرًا رفع ما بعده؛ لأن اسم الفاعل والمفعول كلاهما لا يعمل عمل الفعل إلّا بعد أن يعتمد على شيء. والمتبَّر: المكسر المهلك، يقال: تَبَّره تتبيرًا، إذا كسره وأهلكه. قال أبو إسحاق: يقال لكل إناء مكسَّر: مُتبَّرٌ، وكُسَارَتُه تِبرٌ (١). وقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ حكم (ما) في قوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ في الإِعراب حكم (ما) في قوله: ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾، غير أن (ما) في قوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، أي: باطل الذي كانوا يعملونه أو عملهم. ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾: قوله : ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ انتصاب (غير) على أحد وجهين: إما على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿إِلَهًا﴾، والتقدير: أأطلب لكم إلهًا غير الله؟ وإمّا على أنه مفعول، ﴿أَبْغِيكُمْ﴾. و﴿إِلَهًا﴾ على هذا تمييز أو حال، أي: أأطلب لكم غير الله معبودًا؟ الزمخشري: ومعنى الهمزة للإنكار والتعجب من طِلْبتهم - مع كونهم مغمورين في نعمةِ الله - عبادةَ غيرِ الله (٢). وقوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال، وتحتمل أن تكون مستأنفة.

стр. 1471

﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ قوله : ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: واذكروا إذ أنجيناكم. وقرئ: (أنجاكم) بغير ياء ونون قبل الألف (١) لقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقرئ: بياء ونون قبل الألف (٣) على استئناف الإِخبار من الله جل ذكره عن نفسه بلفظ الجمع على وجه التفخيم والتعظيم. وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من آل فرعون، والعامل أنجينا، أي: سامين، أو من المخاطبين في أنجيناكم، أي: مسومين، وأن يكون مستأنفًا. ومعنى (يسومونكم) يُوْلُونكم، من سُمتُه خسفًا، إذا أوليته إيّاه، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ الإِشارة إلى الإِنجاء، والبلاء: النعمة، أو إلى العذاب، والبلاء: المحنة، وقد ذكر أيضًا (٥). ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾:

стр. 1472

قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ في التفسير: أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أُهلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يومًا، وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خُلُوفَ فيه (١)، فتسوَّكَ، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحةَ المسك، فأَفْسَدْتَهُ بالسواك (٢). وقيل: أوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ ! فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك (٣). وقيل: أمره الله بأن يصوم ثلاثين يومًا، وأن يعمل فيها ما يقرِّبه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكُلّم فيها (٤). وميقات ربه: ما وقَّت له من الوقت وضربه له. فإن قلت: لم قال: فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وقد دل ما سلف على هذا العدد؟ قلت: قيل: لئلا يُتوهم أن قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر﴾ أنها عشر ساعات (٥). وقيل: ليدل على انقضاء العدد، وأنه لم يبق منه شيء (٦). فإذا فهم هذا فقوله : ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ (ثلاثين) مفعول ثان

стр. 1473

للوعد، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: انقضاء أو تمام ثلاثين. ولا يجوز أن يكون ظرفًا للوعد، إذ الوعد لم يكن فيها، و ﴿لَيْلَةً﴾ تمييز. فإن قلت: قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ لم ترك ذكر ليال من عشر؟ قلت: اكتفاء بذكر الليلة المتقدمة. وانتصاب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ إمَّا على الحال من الميقات، بمعنى: فتم ميقات ربِّه بالغًا هذا العدد، أو كاملًا، أو على أنه مفعول به لقوله: ﴿فَتَمَّ﴾ على تضمين (تم) معنى بلغ. فإن قلت: ما حَمَلَكَ على هذا التضمين، وهلَّا تركته على حاله ونصبت الأربعين به كما زعم بعضهم؟ . قلت: حملني على ذلك عدم تعديه؛ لأن تَمَّ فعل غير متعد، وبلغ في معناه وهو متعدٍ بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (١). وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ الجمهور على فتح نون هارون على أنه بدل من (أخيه)، أو عطف بيان له، وقرئ: بالضم (٢) على النداء، كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٣) فإن قلت: من المنادي؟ قلت: موسى ﵇. وقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى

стр. 1474

رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾: قوله : ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ من صلة (جاء)، أي: جاء لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه. قيل: ومعنى اللام للاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خَلَونَ من الشهر (١). وقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (أنظر) مجزوم على جواب شرط محذوف، وقد ذكر نظيره في غير موضع، و (أرى) هنا منقول من رأيت الذي يراد به إدراك البصر، فلما نقل بالهمز تعدى إلى مفعولين، وثاني مفعوليه محذوف، وإنما حذف لأن ما يتعلق بالفعل الثاني يدل عليه، ومعنى الكلام يقتضيه، تقديره: أرني نفسك أنظر إليك، أي: اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك، ولذلك أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: لن تنظر إليَّ، لقوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وقوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الدك: مصدر قولك: دَكَّه يدكُّه دكًّا، إذا دقه وسحقه، والدَّكُّ والدَّقُ أخوان، ومنه ناقة دكّاء، وهى التي التصق سنامها بظهرها، وانتصابه هنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعل، أي: صيره مدكوكًا، تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، أو ذا دَكٍّ. والثاني: أن يكون مصدرًا على بابه؛ لأن جعل ودك متقاربان، فكأنه قيل: دكه دكًا. وقرئ: (دكاء) بالمد وترك الصرف (٢) على حذف الموصوف وإقامة

стр. 1475

الصفة مقامه، أي: جعله أرضًا دكّاء مستوية، أو مثل ناقة دكّاء، وهي التي لا سنام لها، وقد ذكر آنفًا، والدكاء أيضًا: اسم للرابية الناشزة من الأرض لا تبلغ أن تكون جبلًا. وقرئ: (دُكًّا) بضم الدال (١)، أي: قِطَعًا، وهو جمع دكاء، كحمراءَ وحُمْرٍ. وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ صعق: فعل يتعدى ولا يتعدى، يقال: صَعِقَ الرجلُ يصعق صَعْقًا وصعْقَةً وتَصعاقًا، إذا غُشي عليه أو مات، وبهما فسر هنا، فقيل: خرّ مغشيًا [عليه]، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)، وهو الوجه لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾، وقيل: خر ميتًا، عن قتادة (٣). فهو صَعِقٌ، وصعَقَهُ الله، كَسَكب الماء وسكبتُه وفغر فوه وفغر فاه. ونَصْبُهُ على الحال من (موسى) ﵇. ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾: قوله : ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع (٤)؛ لأنه أُرسل بضروب منها. وبالتوحيد (٥) على إرادة الجنس. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾:
следующие страницы →