← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ قوله : ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: واذكروا إذ أنجيناكم. وقرئ: (أنجاكم) بغير ياء ونون قبل الألف (١) لقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقرئ: بياء ونون قبل الألف (٣) على استئناف الإِخبار من الله جل ذكره عن نفسه بلفظ الجمع على وجه التفخيم والتعظيم. وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من آل فرعون، والعامل أنجينا، أي: سامين، أو من المخاطبين في أنجيناكم، أي: مسومين، وأن يكون مستأنفًا. ومعنى (يسومونكم) يُوْلُونكم، من سُمتُه خسفًا، إذا أوليته إيّاه، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ الإِشارة إلى الإِنجاء، والبلاء: النعمة، أو إلى العذاب، والبلاء: المحنة، وقد ذكر أيضًا (٥). ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾:

стр. 1472

قوله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ في التفسير: أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أُهلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يومًا، وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خُلُوفَ فيه (١)، فتسوَّكَ، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحةَ المسك، فأَفْسَدْتَهُ بالسواك (٢). وقيل: أوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ ! فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك (٣). وقيل: أمره الله بأن يصوم ثلاثين يومًا، وأن يعمل فيها ما يقرِّبه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكُلّم فيها (٤). وميقات ربه: ما وقَّت له من الوقت وضربه له. فإن قلت: لم قال: فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وقد دل ما سلف على هذا العدد؟ قلت: قيل: لئلا يُتوهم أن قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر﴾ أنها عشر ساعات (٥). وقيل: ليدل على انقضاء العدد، وأنه لم يبق منه شيء (٦). فإذا فهم هذا فقوله : ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ (ثلاثين) مفعول ثان

стр. 1473

للوعد، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: انقضاء أو تمام ثلاثين. ولا يجوز أن يكون ظرفًا للوعد، إذ الوعد لم يكن فيها، و ﴿لَيْلَةً﴾ تمييز. فإن قلت: قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ لم ترك ذكر ليال من عشر؟ قلت: اكتفاء بذكر الليلة المتقدمة. وانتصاب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ إمَّا على الحال من الميقات، بمعنى: فتم ميقات ربِّه بالغًا هذا العدد، أو كاملًا، أو على أنه مفعول به لقوله: ﴿فَتَمَّ﴾ على تضمين (تم) معنى بلغ. فإن قلت: ما حَمَلَكَ على هذا التضمين، وهلَّا تركته على حاله ونصبت الأربعين به كما زعم بعضهم؟ . قلت: حملني على ذلك عدم تعديه؛ لأن تَمَّ فعل غير متعد، وبلغ في معناه وهو متعدٍ بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (١). وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ الجمهور على فتح نون هارون على أنه بدل من (أخيه)، أو عطف بيان له، وقرئ: بالضم (٢) على النداء، كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٣) فإن قلت: من المنادي؟ قلت: موسى ﵇. وقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى

стр. 1474

رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾: قوله : ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ من صلة (جاء)، أي: جاء لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه. قيل: ومعنى اللام للاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خَلَونَ من الشهر (١). وقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (أنظر) مجزوم على جواب شرط محذوف، وقد ذكر نظيره في غير موضع، و (أرى) هنا منقول من رأيت الذي يراد به إدراك البصر، فلما نقل بالهمز تعدى إلى مفعولين، وثاني مفعوليه محذوف، وإنما حذف لأن ما يتعلق بالفعل الثاني يدل عليه، ومعنى الكلام يقتضيه، تقديره: أرني نفسك أنظر إليك، أي: اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك، ولذلك أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: لن تنظر إليَّ، لقوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. وقوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الدك: مصدر قولك: دَكَّه يدكُّه دكًّا، إذا دقه وسحقه، والدَّكُّ والدَّقُ أخوان، ومنه ناقة دكّاء، وهى التي التصق سنامها بظهرها، وانتصابه هنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعل، أي: صيره مدكوكًا، تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأمير، أو ذا دَكٍّ. والثاني: أن يكون مصدرًا على بابه؛ لأن جعل ودك متقاربان، فكأنه قيل: دكه دكًا. وقرئ: (دكاء) بالمد وترك الصرف (٢) على حذف الموصوف وإقامة

стр. 1475

الصفة مقامه، أي: جعله أرضًا دكّاء مستوية، أو مثل ناقة دكّاء، وهي التي لا سنام لها، وقد ذكر آنفًا، والدكاء أيضًا: اسم للرابية الناشزة من الأرض لا تبلغ أن تكون جبلًا. وقرئ: (دُكًّا) بضم الدال (١)، أي: قِطَعًا، وهو جمع دكاء، كحمراءَ وحُمْرٍ. وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ صعق: فعل يتعدى ولا يتعدى، يقال: صَعِقَ الرجلُ يصعق صَعْقًا وصعْقَةً وتَصعاقًا، إذا غُشي عليه أو مات، وبهما فسر هنا، فقيل: خرّ مغشيًا [عليه]، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)، وهو الوجه لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾، وقيل: خر ميتًا، عن قتادة (٣). فهو صَعِقٌ، وصعَقَهُ الله، كَسَكب الماء وسكبتُه وفغر فوه وفغر فاه. ونَصْبُهُ على الحال من (موسى) ﵇. ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾: قوله : ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع (٤)؛ لأنه أُرسل بضروب منها. وبالتوحيد (٥) على إرادة الجنس. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾:

стр. 1476

قوله : ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً﴾ (موعظة) مفعول كتبنا، و ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ صفة لها، فلما قُدِّمتْ عليها صارت حالًا. وقال الزمخشري: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في محل النصب مفعول كتبنا، و ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ بدل منه، والمعنى: كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام (١). وأصل اللوح: اللَّمْعُ، من قولهم: لاح يلوح لَوحًا، إذا لمع وتلألأ، فكأَنَّ اللوح الذي يكتب فيه تلوح فيه المعاني المكتوبة (٢). وقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أصله: فَأْخُذها، والأصل في خذ أُوْ خذ، حذفت الهمزة تخفيفًا لاجتماع الضمّات، فلما حذفت الهمزة بقي خُذ، وقد ذكر فيما سلف بأشبع من هذا (٣). وهو معطوف على ﴿كَتَبْنَا﴾، أي: وكتبنا له في الألواح فقلنا له: خذها بقوة، أي: بجد وعزيمة، وإضمار القول في التنزيل كثير. قيل: والضمير في ﴿فَخُذْهَا﴾ للألواح، أو لكل شيء؛ لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات، أو للتوراة (٤). وقوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ اختلف في أفعل هنا: فقيل: للتفضيل وفيها حسن وأحسن، كالاقتصاص والعفو، والانتصار والصبر، وما أشبه ذلك، فَمُرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب. وقيل: ليس للتفضيل وإنّما هو بمعنى اسم الفاعل، أي: يأخذوا

стр. 1477

بالحسن من جهتها (١). قلت: ونظيره في احتمال الوجهين: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٢). وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ الأصل سَأُوْرِيْكُم، سأفعلكم، من رأيت، ثم خففت الهمزة بحذفها بعد إلقاء حركتها على الراء، فبقي سأريكم بوزن سأفلكم، وهي قراءة الجمهور. وقرئ: (سَأُوْرِيكم) بواو ساكنة بعد الهمزة (٣)، وهذه تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الواو فيها فاء الكلمة، من وَرَى الزَّنْدُ يَرِي وَرْيًا، إذا خرجت ناره، وأوريته أنا، على معنى: سأبينها لكم وأنيرها. والثاني: أن تكون الواو ناشئة عن الإِشباع، وهو لغة فاشية في كلام القوم نظمهم ونثرهم. وقرئ أيضًا: (سأورثكم) (٤) من ورث، كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ﴾ (٥). ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾:

стр. 1478

قوله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ الجمهور على فتح ياء (يَروا) في الفعلين، وقرئ: بضمها فيهما (١) وكلاهما ظاهر. وقرئ: (سبيل الرُّشْد) بضم الراء وإسكان الشين (٢). وبفتحهما من غير ألف (٣). وبالألف مع الفتحتين (٤). وهى مصادر بمعنًى، أَمَّا الرُّشد: فمصدر رَشَد يرشُدُ، وأما الرَّشَد والرَّشادُ: فمصدران لرشِد يرشَدُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر. وسبيلُ الرُّشد: سبيل الصلاح والهدى، وسبيل الغي: سبيل الضلال والخيبة، يقال: غَوَى الرجل يَغْوِي غيًّا وغَوايةً فهو غاوٍ وغوٍ، إذا ضلَّ. والضمير في ﴿لَا يَتَّخِذُوهُ﴾ للسبيل، وكذا ما بعده، والسبيل يذكر ويؤنث (٥). وقيل: الضمير للرشد، والوجهُ: الأولُ؛ لأن الحكم للمضاف لا للمضاف إليه. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ يحتمل أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع رفع بالابتداء

стр. 1479

وخبره ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، أي: ذلك الفعل الذي فعلته بهم بسبب تكذيبهم، وأن يكون في موضع نصب بمضمر، أي: صرفهم الله ذلك الصرف بسببه، دل عليه ﴿سَأَصْرِفُ﴾، والباء على هذا الوجه من صلة هذا الفعل. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ (والذين) مبتدأ، وخبره ﴿حَبِطَتْ﴾ و ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول به من غير أن يذكر معه الفاعل، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (١) أي: ولقائهم الآخرة. ويحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا، كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقولهم: ٢٣٣ - *يا سارق الليلةِ ................. * (٢) والمفعول محذوف تقديره: ولقائهم ما وعد الله فيها. وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) موصول في محل النصب على أنه مفعول ثانٍ لـ ﴿يُجْزَوْنَ﴾. ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾: قوله : ﴿مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الضمير في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لموسى ﵇، أي: من بعد فراقه إياهم إلى الجبل،

стр. 1480

والمفعول الثاني لقوله: ﴿وَاتَّخَذَ﴾ محذوف، أي: اتخذوا عجلًا جسدًا معبودًا. ومعنى ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾: أي: بدنًا لا يعقل ولا يميز، وهو ذو لحم ودم كسائر الأجساد. وانتصابه: إمّا على البدل من ﴿عِجْلًا﴾، أو على النعت له. والعجل: ولد البقرة، والعجول مثله، وجمعه عجاجيل. والخُوار: صوت البقر، وهو صوت غليظ. وقرئ: (من حُلِيِّهم) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء (١)، وهو جمع حَلْي، كثدْيٍ وثُديٍّ، وأصلُه: حُلُوي مثلُ فلوس، قلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء، وكسرت اللام لمجاورتها الياء، وبقيت الحاء على ضمها. وقرئ: (من حِلِيِّهم) بكسر الحاء واللام والتشديد (٢) للإِتباع، كدِلِيٍّ في جمع دَلْو. وقرئ أيضًا: (من حَلْيِهم) بفتح الحاء وإسكان اللام وتخفيف الياء (٣) على التوحيد. والحلي: اسم لما يتزين به. و﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿اتَّخَذَ﴾، وأن يكون حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو العجل. قيل: وإنما قال: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ ولم تكن الحلي لهم إنما كانت عواريَّ في أيديهم؛ لأن الإِضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها في أيديهم كفى به

стр. 1481

ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المُهْلَكين، كما ملكوا غيرها من أملاكهم بعد إهلاكهم (١). ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾: قوله : - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: الجمهور على ترك تسمية الفاعل في: ﴿سُقِطَ﴾ وهو مسند إلى ﴿فِي أَيْدِيهِمْ﴾، فـ ﴿فِي أَيْدِيهِمْ﴾ في محل الرفع لقيامه مقام الفاعل، كما تقول: ذُهب بزيد، وجُلس إلى عمرو، أي: سَقط الندمُ في أيديهم، ثم سُقِط في أيديهم. وقرئ: (سَقَط) على تسمية الفاعل (٢) وهو الندم، قال أبو إسحاق: والمعنى: ولما سقط الندم في أيديهم، أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده من هذا مكروه، وإن كان محالًا أن يكون في اليد تشبيهًا لما يحصل في القلب، وفي النفس بما يحصل في اليد ويُرَى بالعين (٣). وبه قال أبو الحسن، قال: وقرأ بعضهم (سَقَط)، كأنه أضمر الندم، وجوَّز: أُسْقِطَ في يديه (٤). ووافقه على ذلك أبو إسحاق، قال: يقال للنادم على ما فعل، الحَسِرُ على ما فَرَطَ منه: قد سُقِط في يده وأُسقِطَ (٥). وقال أبو عمرو: لا يقال: أُسْقِطَ بالألف على ترك تسمية الفاعل. وافقه على ذلك أحمد بن يحيى (٦).

стр. 1482

وقوله: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: وعلموا وتيقنوا ضلالهم تيقنًا، كأنهم أبصروه بعيونهم. وقرئ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بالياء فيهما النقط من تحته مع رفع ﴿رَبُّنَا﴾ (١) على الخبر، قال ذلك بعضهم لبعض على وجه الندم حين تبين لهم الضلال في عبادة العجل. وقرئ: بالتاء فيهما النقط من فوقه و (ربَّنا) بالنصب (٢) على النداء، وهذا كلام التائبين كما قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ (٣) الآية. ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾: قوله : ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ انتصاب ﴿غَضْبَانَ﴾ على الحال من موسى، وكذاي ﴿أَسِفًا﴾ حال منه على قول من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المستكن في ﴿غَضْبَانَ﴾ على قول من لم يجوز ذلك، ولا يجوز أن يكون نعتًا لغضبان كما زعم بعضهم؛ لأن النعت لا ينعت. والأَسِفُ: الحزين، عن ابن عباس ﵄ (٤). وقال غيره: هو الشديد الغضب (٥). وفعله أسِف يأسَف بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر

стр. 1483

أَسَفًا، فهو أَسِفٌ، وقد أسف على ما فاته وأسِف عليه، أي: غضب، وآسفه: أغضبه، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (١). وقوله : ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ (ما) هنا تحتمل أن تكون مصدرية مع ما بعدها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وفاعل بئس والمخصوص بالذم كلاهما محذوف، والتقدير: بئس خلافة خلفتمونيها، أو بئس شيئًا خلفتموني من بعدي خلافتكم، وأن تكون موصولة في موضع رفع على الفاعلية، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "البقرة" عند قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٢). ومعنى ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾: قمتم مقامي، وكنتم خلفاء من بعدي. وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي: استعجلتموه، وسبقتموه، ولم تنتظروا أمره. قال أبو إسحاق: يقال: عجلت الشيء، سبقته، وأعجلته، استحثثته (٣). وقال غيره: عجل عن الأمر؟ إذا تركه غير تام، ونقيضه تَمَّ عليه، وأعجله عنه غيره. ويُضمَّنُ معنى سبق فيُعدَّى تعديته، فيقال: عجلتُ الأمر. والمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم (٤)؟ والاستفهام هنا معناه: الإِنكار والتهدد. وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: بشعر رأس أخيه. وقوله: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ في محل النصب على الحال إما من المستكن

стр. 1484

في أخذ، أو من الرأس، أي: جارًّا أو مجرورًا إليه. وقوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ قرئ: بفتح الميم (١)، على جعل الاسمين اسمًا واحدًا تشبيهًا بخمسةَ عشرَ، ففتحة ﴿ابْنَ﴾ فتحة بناء، كما أن فتحة التاء من خمسةَ عشرَ كذلك. وقيل: إذ الألف محذوفه، وأصل الألف الياء فتحت الميم قبلها فانقلبت ألفًا وبقيت الفتحة تدل عليها، ففتحة ﴿ابْنَ﴾ علَى هذا فتحة إعراب. وبكسرها (٢) على طرح ياء الإِضافة وبقيت الكسرة تدل عليها، فحركة ﴿ابْنَ﴾ على هذا حركة إعراب، هذا على قول من قال: يا غلامَ غلامي، ثم يا غلامَ غلامِ بطرح الياء اجتزاء بالكسرة عنها، وذلك لكثرة الاستعمال. وأما من قال: إنهم أضافوا بعد البناء؛ لأنهم لو لم يجعلوهما اسمًا واحدًا لم يجز حذف الياء كما لا يجوز حذفها من قولك: يا غلام غلامي؛ لأن الثاني ليس بمنادىً، وإنما المنادى الأول، وكان الأصل ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بالفتح، ثم يا ابن أُمِّي، كما تقول: يا خمسة عشري، فالحذف واقع في المنادى، والحركة حركة بناء، أعني حركة ﴿ابْنَ﴾، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٣). ومن العرب من يقول: يا ابن أُمِّي بإثبات الياء على الأصل، وبه قرأ بعض القراء (٤)، وأنشد:

стр. 1485

٢٣٤ - يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسي ... أَنْتَ خَلَّفْتَنِي لدهرٍ شَديدِ (١) وقرئ أيضًا: (ابن إِمِّ) بكسر الهمزة والميم (٢) على الإِتباع. و(ابن أمَّ): نداء مضاف، وحذف حرف النداء كما حذف من قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر الميم ونصب ﴿الْأَعْدَاءَ﴾ به، أي: تسرهم، والشماتة: الفرح ببليَّة الأعداء، وفعله شمِتَ به يشمَتُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر شماتة، وأشممته فلان إشماتًا، إذا عرضه لتلك الحال. والمعنى: فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي، والإِساءة إليَّ. وقرئ: (فلا تَشْمَت) بفتح التاء والميم ورفع (الأعداءُ) (٤) على نهي الأعداء، فالنهي في اللفظ لهم وفي المعنى لموسى ﵇، كقول العرب: لا أرينَّكَ ها هُنَا، وقد ذكر. والمراد: أَلَّا يحلَّ به ما يشمتون به لأجله، فالتاء على إرادة الجماعة، والياء جائزٌ على إرادة الجمع. وقرئ أيضًا: (فلا تَشْمَت بي الأعداءَ) بفتح التاء والميم ونصب (الأعداءَ) (٥)، على تقدير فعل، كأنه قال: لا تشمت أنت بي يا ربّ، ولا

стр. 1486

تُشمِت بي الأعداء، ويكون تأويل فلا تشمت بي أنت يا رب كتأويل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (١)، وهذا قول أبي الفتح وتأويله، وفيه ما فيه لمن تأمل (٢). والوجه عندي - والله تعالى أعلم بكتابه - أن الفعل مسند إلى موسى ﵇، وناصب (الأعداء) فعل مضمر وفاعله الشماتة، كأنه قال: فلا تشمت أنت بي فتشمت بي الأعداء، أي: فشماتتك تشمت بي الأعداء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ نهاية صلة الموصول محذوف وهو المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، أي: اتخذوه معبودًا أو إلهًا. وقوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (في الحياة) يحتمل أن يكون من صلة ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾، وأن يكون من صلة الغضب، والذِّلة على جهة الصفة، فيكون متعلقًا بمحذوف على أن الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم، والذلة: خروجهم من ديارهم، أو ضرب الجزية على ما فسر (٣)، وأن يكون من صلة الذلة وحدها، على أن الغضب عذاب في الآخرة، والذلة في الحياة الدنيا. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء نجزيهم. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1487

فإن قلت: الجملة إذًا وقعت خبرًا للمبتدأ فلا بد من ذكرٍ يرجع منها إليه، فأين الذكر هنا؟ قلت: محذوف تقديره: لغفور لهم رحيم بهم، فحذف للعلم به. ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾: قوله : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن، وفيه وجهان: أحدهما: شبه سكون الغضب بسكوت الناطق من حيث كان فورةً كالنطق، وسكونه كالسكوت. والثاني: أنه من المقلوب، والمعنى: ولما سكت موسى عن الغضب، كقولهم أدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة. قال أبو إسحاق: والقول الأول الذي معناه سكن هو قول أهل العربية (١). وقرئ: (ولما سُكِّتَ) بتضعيف العين، و (أُسْكِتَ) بزيادة همزة قبل الفاء (٢)، لأجل تعدي الفعل، وفي فاعل الفعل وجهان: أحدهما: الله جل ذكره. والثاني: أخوه باعتذاره إليه. وقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ابتداء وخبر في محل النصب على الحال من ﴿الْأَلْوَاحَ﴾. ومعنى ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾: أي وفيما نسخ منها بعد ذهاب ما ذهب، أي: كُتب، وإنما سمي نسخة؛ لأنها انتسخت من أصل، فهي فُعْلَةٌ بمعنى مفعول، كالخطبة.

стр. 1488

وقوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ اللام هنا مؤكدة لعمل الفعل وناصرة له على العمل، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفًا، بشهادة قولهم: زيد ضربتُ، على إرادة ضميره، أي: ضربته، فإذا جيء باللام فقيل: لزيد ضربت، صَرَفَتِ الابتداءَ عن الاسم وخصَّتهُ بالفعل الذي يعمل فيه النصب في حال التأخر البتَّةَ، نحو: ضربت زيدًا، وقد حكى أبو الحسن عن القوم: لزيدٍ ضربت، وكفى دليلًا: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (١)، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب. وقيل: المعنى من أجل ربهم، فمفعول (يرهبون) على هذا محذوف، أي: يرهبون عقابه، والوجه: الأول، لسلامته من الحذف. ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾: قوله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (اختار) فعل يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر، وإلى الثاني به، نحو: اخترت زيدًا من الرجال، ثم يحذف الجار ويوصل الفعل، فيقال: اخترت الرجال زيدًا، وكذا هنا التقدير: مِن قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، فالمفعول الصحيح هو زيد في المسألة، وفي الآية: ﴿سَبْعِينَ﴾؛ لأن الاختيار في المسألة وقع على زيد، وفي الآية على ﴿سَبْعِينَ﴾ دون الرجال والقوم، فالرجال في المسألة والقوم في الآية مقدمان في اللفظ، والنية بهما التأخير، كما أنك إذا قلت: أخذت منك درهمًا، كان مرتبة الدرهم قبل مرتبة منك، وإنما يقدم (مِن) في نحو هذا؛ لأن البيان فيه، فيُعنَى به، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (٢).

стр. 1489

وقوله: ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ من صلة، ﴿وَاخْتَارَ﴾. وقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، ومحل ﴿مِنَّا﴾ النصب على الحال من ﴿السُّفَهَاءُ﴾. وقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ يعني نفسه وإياهم، وفيه وجهان: أحدهما: هو استفهام على بابه، بمعنى: أتعمنا بالإِهلاك؟ والثاني: لفظه لفظ الاستفهام ومعناه النفي، بمعنى: ما تهلك البريء. وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ إن بمعنى ما، أي: ما تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلَّا اختبارك وابتلاؤك. وقوله: ﴿تُضِلُّ﴾ مستأنف، وقد جوز أن يكون حالًا من الكاف في قوله: ﴿فِتْنَتُكَ﴾ (١). ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ الجمهور على ضم هاء ﴿هُدْنَا﴾ بمعنى: تبنا إليك، يقال: هَادَ إليه يَهُودُ هَوْدًا، إذا رجع وتاب، فهو هائدٌ، وجمعه: هودٌ، كحُول في جمع حائل، وأنشدوا عليه: ٢٣٥ - يا راكبَ الذنّبِ هُدْ هُدْ ... واسجد كأنَّكَ هُدْهُدْ (٢)

стр. 1490

وقرئ: (إنا هِدنا) بكسر الهاء (١)، من هدت الشيء أهيده هيدًا، إذا حركته وأَملته. ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، ومفعوله محذوف تقديره: حركنا أنفسنا، أو أملناها إليك. وأن يكون مبنيًّا للمفعول، أي: حُرِّكنا، أو أُمِلنا إليك، كقولك: بِعت يا زيدُ، وبُعت يا عبدُ، فالأول مبني للفاعل والمفعول محذوف، والثاني مبني للمفعول، تريد أنه مبيع، فاللفظ واحد كما ترى والحكم مختلف، ونحو هذا إذا بنيته للمفعول جاز لك فيه وجهان آخران: أحدهما: الإِشمام، وهو أن تُقرب الكسرة من الضمة وهو حسن جيد؛ لأنه يفيد فصلًا بين الفاعل والمفعول ويكشف لبسًا. والثاني: الضم الصريح، نحو: بِعت يا عبدُ، وبُعت يا عبدُ. فإن قلت: هل يجوز أن تكون قراءة الجمهور من هاده يهيده هيدًا؟ قلت: نعم، وما ذكرتُ اللغتين الأخريين إلَّا لأجل قراءة الجمهور، وأن الضمة فيها تحتمل أن تكون كالتي في نحو قولك: هُبت يا أسدُ. وقوله : ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ الجمهور على الشين معجمة في قوله: ﴿أَشَاءُ﴾. وقرئ: (أساءَ) بالسين والفتح (٢) من الإِساءة، وهو فعل ماض، و ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بأصيب على كلتا القراءتين، وهو موصول. وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي في الدنيا، يعني أن رحمته واسعة تبلغ كل شيء، ما من شيء خلقه إلا وهو يتقلب في نعمته.

стр. 1491

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الجر على النعت ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (١) أو النصب على إضمار فعل، أو الرفع على إضمار: هم، أو على الابتداء، والخبر ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾. ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾: على غير هذا الوجه يحتمل أن يكون في محل النصب على الحال إما من الرسول ﵊، أو من الهاء في ﴿يَجِدُونَهُ﴾، أو من المستكن في ﴿مَكْتُوبًا﴾، وأن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿الْأُمِّيَّ﴾ الجمهور على ضم الهمزة، وهو منسوب إلى الأمة، بمعنى أنه على جملة أمر الأمة قبل استفادة الكتابة (٢)، أو إلى الأم، يعني: على ما ولدته أمه من أنه لا يكتب، وقد ذكر فيما سلف (٣). وقرئ: (الأَمِّيّ) بفتحها (٤)، ويحتمل على أمرين: أن يكون منسوبًا إلى الأَمّ، وهو مصدر قولك: أممت فلانًا أَمًّا، إذا

стр. 1492

قصدتَه، بمعنى: يتبعون الذي هو على القصد والسداد. وأن يكون من تغيير النسب، كقولهم في النسب إلى أُمَية: أَموي بفتح الهمزة، وإلى الدهر: دُهري بضم الدال، وإلى الأمسى: إمسي بكسر الهمزة، وما أشبه ذلك مما هو من تغييرات النسب (١). وقوله: ﴿يَجِدُونَهُ﴾ أي: يجدون اسمه ونعته. و ﴿مَكْتُوبًا﴾: منصوب على الحال، لأن يجدون هنا من وجد مطلوبه، وقيل: هو مفعول ثان ليجدونه (٢)، كقولك: وجدت زيدًا ذا الحِفاظ. و﴿عِنْدَهُمْ﴾: يحتمل أن يكون من صلة ﴿يَجِدُونَهُ﴾، وأن يكون من صلة ﴿مَكْتُوبًا﴾. وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قيل: الإِصرُ: الثِّقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله، وهو مَثَلٌ لِثقل تكليفهم وصعوبته، نحو: اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم (٣). وقرئ: (آصارهم) على الجمع (٤) حملًا على ما قبله وما بعده من الجمع، ليكون الكلام على نظام واحد مع اختلاف أنواع الثقل الذي كان عليهم، وأما الإِفراد فعلى إرادة الجنس. وكذلك (الأغلالَ) مَثَلٌ لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بَتّ القضاء بالقصاص عمدًا كان أو خطأ من غير شرع الديّة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم،

стр. 1493

وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت على ما فسر (١). وقوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ الجمهور على تشديد الزاي بمعنى عظّموه، والتعزير: التعظيم والتوقير. وقرئ: (وعزَروه) بتخفيفها (٢)، بمعنى: منعوه وحجزوه عن السوء، وأصل العزر: المنع، ومنه التعزيرُ في الأدب؛ لأنه يمنع من معاودة القبيح. وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صلة ﴿أُنْزِلَ﴾، بمعنى: أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوبًا بالقرآن مشفوعًا به. والثاني: من صلة (اتَّبَعُوا) بمعنى: واتبعوا القرآن مع اتباع النبي ﷺ والعمل بسنته وبما أمر به ونهى عنه، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه، قاله الزمخشري (٣). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. ونهاية صلة الموصول: ﴿مَعَهُ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾: قوله : ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من ﴿إِلَيْكُمْ﴾، وعاملها ما في الرسول من معنى الرسالة.

стр. 1494

وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ (الذي) يحتمل أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل، وأن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع جر على النعت لاسم الله، أو على البدل منه وإن فصل بينهما بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لأن نحو هذا مما يسدد القصة ويؤكدها. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مستأنف، الزمخشري: هو بدل من الصلة التي هِي ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بيان للجملة قبلها، لأن من مَلَك العالم كان هو إلهٌ على الحقيقة، وفي ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بيان لاختصاصه بالإِلهية؛ لأنه لا يقدر على الإِحياء والإِماتة غيره (١). وقوله: ﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ عطف على الجلالة، والجمهور على الجمع فيها وهي ما أُنزل عليه وعلى مَن قبله مِن الرسل من كتبه ووحيه. وقرئ: (وكلمته) على التوحيد (٢)، على إرادة الجنس (٣)، وقيل: هي للقرآن (٤). وقيل: هي عيسى بن مريم ﵇ (٥)، وقيل: هي الكلمة التي تكوّن عنها عيسى ﵇ وجميع خلقه، وهي قوله: (كن) (٦). ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ

стр. 1495

عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾: قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (أثنتي عشرة) مفعول ثان لقطعنا على تضمين قطعنا معنى صيرنا، أي: وصيرناهم قطعًا، ولك ألَّا تضمنه معنى صيرنا فيكون حالًا، كأنه قيل: وقطعناهم فرقًا، أي: مُتميزين. والجمهور على إسكان الشين وهي حجازية، وقرئ: بكسرها (١) وهي تميمية. وقرئ: (عشَرة) بفتحها (٢)، على تشبيه اثنتي عشرة بالعقود ما بين العشرة إلى المائة، ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون، فتجد فيه لفظ التذكير ولفظ التأنيث، أما التذكير فالواو والنون، وأما التأنيث فقولك: ثلاثٌ من (ثلاثون)، وبهذا التأويل تصحُّ هذه القراءة؛ لأن اثنتي تختص بالتأنيث، وعشرة تختص بالتذكير، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه، وهذا قول أبي الفتح (٣). و﴿أَسْبَاطًا﴾ بدلٌ من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لا تمييز؛ لأنه جمعٌ، ومميز ما عدا العشرة مفردٌ. فإن قلت: فإن كان الأمر على ما ذكرت فأين المميز؟ . قلت: محذوف تقديره: وقطعناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فرقةً أسباطًا، وإنما حذف المميز لدليل الحال عليه، كما تقول: كم مالُك؟ وكم درهَمُك؟ تريد: كم درهمًا مالُك؟ وكم دانقًا درهمُك؟ و﴿أُمَمًا﴾ نعتٌ لأسباط، أو بدل من اثنتي عشرة، وهو بدلٌ بعد بدلٍ،

стр. 1496

بمعنى: وقطعناهم أممًا؛ لأن كل أسباطٍ كانت أمةً عظيمةً وجماعة كثيفة العدد. وواحد أسباط: سِبْط، قيل: وهو مأخوذ من السَّبط، ضربٌ من الشجر، فجعل الأب الذي يجمعهم كالشجرة التي تتفرع عنها الأغصان الكثيرة. وقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ أي: فانفجرت، والانبجاس والانفجار بمعنًى، وهو الانفتاح بسعة وكثرة. ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾: قوله ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: استئناف مرتب على تقدير قول القائل: وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: سنزيد المحسنين، وكذلك زيادةُ (منهم) (١) زيادة بيانٍ. وأرسلنا وأنزلنا، ويظلمون ويفسقون من وادٍ واحد، وتقدم القول في سُجَّدًا، وحطة، ونغفر وتغفر، وخطاياكم في "البقرة" (٢). ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾: قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿كَانَتْ﴾، أو لـ ﴿حَاضِرَةَ﴾؛ لأنها كانت

стр. 1497

موجودة في ذلك الوقت ثم خربت. ومعنى كانت حاضرة البحر: أي: قريبة منه. وقيل: في موضع جرٍّ على البدل من ﴿الْقَرْيَةِ﴾، وهو من بدل الاشتمال، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم - يعني اليهود - عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت. والجمهور على إسكان العين وتخفيف الدال في ﴿يَعْدُونَ﴾: أي: يتجاوزون حدَّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه على ما فسر (١). وقرئ: (يَعَدُّون) بتحريك العين وتشديد الدال (٢)، والأصل: يعتدون، أدغمت التاء في الدال بعد نقل حركتها إلى العين، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب (٣). وقرئ أيضًا: (يُعِدُّون) بضم الياء وكسر العين (٤)، من الإِعداد، قيل: وكانوا يُعِدُّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بألَّا يشتغلوا فيه بغير العبادة (٥). والسبت: مصدر سبتت اليهود تسبت سبتًا، إذا عظّمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد. وقوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿يَعْدُونَ﴾. والحيتان:

стр. 1498

جمع حُوتٍ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهي السمك. وقوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ يوم: ظرف لتأتيتهم، وانتصاب ﴿شُرَّعًا﴾ على الحال من الحيتان، أي: ظاهرةً على وجه الماء. وقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (يوم) ظرف لتأتيهم. والجمهور على كسر الباء في قوله: ﴿لَا يَسْبِتُونَ﴾، وقرئ بضمها (١) وهما لغتان غير أن الكسر أشيع. وقرئ: (لا يُسبتون) بضم الياء (٢)، من أسبتتِ اليهودُ، إذا دخلت في السبت. وقرئ كذلك غير أنَّ الباء مفتوحة على البناء للمفعول (٣)، بمعنى: لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يُسبتوا. وأكثر العرب على نصب اليوم مع السبت والجمعة على الظرف لما فيها من معنى الفعل، نحو: اليومَ السبتُ، واليومَ الجمعةُ، أما السبت ففيه معنى الراحة والانقطاع، وأما الجمعة ففيها معنى الاجتماع والازدحام، وأما مع سائر الأيام فبالرفع نحو: اليومُ الأحدُ، لعدم معنى الفعل فيها (٤). وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران:

стр. 1499

أحدهما: نبلوهم بلاء مثل ذلك البلاء الشديد. والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإِتيان الذي يأتي يوم السبت، فيوقَفُ على الأول: على ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾، وهو الوجه وعليه الجمهور، وعلى الثاني: على ﴿كَذَلِكَ﴾. و(ما) مصدرية، أي: نبلوهم بسبب فسقهم وعصيانهم لنا. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ عطف على ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ (١) وحكمه في الإِعراب حكمه، ولك أن تنصبه بإضمار اذكر، أي: واذكر إذ قالت. وقوله: (مَعْذِرَةٌ) قرئ بالرفع (٢) على إضمار مبتدأ أي: موعظتُنا معذرةٌ. وقرئ: (معذرةً) بالنصب (٣) وفيه وجهان: أحدهما: مفعول له، أي: فعلنا ذلك معذرةً، أو وعظناهم معذرةً. والثاني: مصدر فعل تقديره: اعتذرنا معذرةً، والوجه: الرفع، وهو اختيار صاحب الكتاب ﵀، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارًا مستأنفًا من أمرٍ لِيموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم تَعِظون قومًا؟ فقالوا: موعظتُنا معذرةٌ (٤). ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾:

стр. 1500

قوله : ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فيه وجوه من القراءات: أحدهما: (بَئِيْس) بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة، وبعد الهمزة ياء ساكنة بوزن رئيس (١)، وفيه وجهان: أحدهما: اسم فاعل من بَؤُس يَبْؤُس بالضمِّ فيهما بأسًا، إذا اشتدَّ، فهو بئيسٌ. والثاني: مصدر كالنكير والنذير. وهو على كلا التقديرين نعت للعذاب، إلّا أن لك أن تقدر في الكلام على الوجه الثاني حذف مضاف تقديره: بعذاب ذي بئيسٍ، أي: ذي بؤس، أي: ذي شدة. والثاني: (بِئْسٍ) بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة بوزن حِبْر (٢)، على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء بعد إزالة حركتها؛ لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، كما قيل: كِبْدٌ في كَبِد، أو على كسر الباء إتباعًا لكسر الهمزة، وحذف حركة الهمزة تخفيفًا، كما قيل: شهْد في شهِد، وهو على كلا التقديرين أصله فعل ماض نُقل إلى الاسم ووُصف به، يعضده قوله ﵊: "إن الله ينهى عن قيلٍ وقالٍ" (٣)، والأصل قيلَ وقالَ، ويحتمل أن يكون كما جاء من الأوصاف على فِعْلٍ نحو: نِضر، ونِقص، وجِلف. والثالث: (بِيسٍ) كذلك، غير أنه جُعل مكان الهمزة ياء ساكنة (٤) على القلب القياسي، كذيب في ذئب، والقول فيه كالقول في الذي قبله.

стр. 1501

والرابع: (بَيْئَسٍ) بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعد الياء همزة مفتوحة بوزن حيدر (١)، وهو ملحق بجعفر كضيغم، وهو صفة للعذاب أيضًا. والخامس: (بَيْئِس) كذلك، إلا أن العين مكسورة (٢)، وهو شاذ؛ لأن هذا البناء وهو فَيعِل بناء اختص به المعتل نحو سيِّد وليِّن. قال أبو علي: وينبغي أن يُحمل بَيْئِس على الوهم ممن رواه؛ لأن فيعلا بناء اختص به ما كان عينه ياءً أو واوًا، انتهى كلامه (٣). قلت: ولقارئها أن يقول: إنما جاء فيعل في الهمزة لمشابهتها حروف العلة لما يلحقها من التغيير، ولذلك ألحقها بعض النحويين بحروف العلة. والسادس: (بيِّس) بوزن ريِّس (٤)، على قلب همزة بيئِس ياء وإدغام الياء فيها قياسًا على قول من قال في تخفيف سوءةٍ: سوّة، وفي تخفيف شيءٍ: شيٍّ، فأبدل الهمزة على لفظ ما قبلها. والسابع: (بَيْسٍ) بوزن فَلْسٍ (٥) على تخفيف بيِّسٍ, كمَيْتٍ في مَيِّتٍ. والثامن: (بائسٍ) بوزن ضارب, وهو اسم الفاعل من بِئس، ومعناه: بعذاب شديد. والتاسع: (بَيَسَ) بفتح الباء والياء والسين من غير همزٍ بوزن جَلَس (٦)، وهو فعْلٌ ماضٍ، وأصله بيْئَسَ كهيثم، ثم خففت الهمزة فيه بأن ألقيت حركتها على الياء وحذفت، ولم تقلب الياء ألفًا؛ لأن حركتها عارضة.

стр. 1502

قال أبو الفتح: وجاز اعتقاد هذا الفعل وإن لم يظهر، كأشياء تثبت تقديرًا ولا تبرز استعمالًا (١). والعاشر: (بِئْسَ) بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة بعدها سين مفتوحة (٢)، وهو فعل ماض، أي: بعذابٍ بِئْسَ العذابُ. والحادي عشر: (بَئِسٍ) بفتح الباء، وبعدها همزة مكسورة من غير ياء بعدها، بوزن حَذِرٍ (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: مقصور من بئيسٍ، كقولهم في لبيق: لبق، واللبيق: الرجل الحاذق في صنعته، قال: ٢٣٦ - .............. ... وكان بِتَصْرِيفِ القناةِ لبِيقا (٤) والثاني: أتى على قولهم: قد بَئِسَ الرجل بآسةً، إذا شجع، على معنى: بعذابٍ مُقْدِمٍ عليهم غير متأخر عنهم. والثاني عشر: كذلك إلا أنه بكسر الباء (٥) إتباعًا، كفِخِذ وشِهِد. والثالث عشر: (بِئِيس) كالقراءة الفاشية غير أنه كسر أوله (٦) لكسرة الهمزة بعده، كما قالوا: شِعير في شعير. والرابع عشر: (بَأْس) بفتح الباء وبعدها همزةٌ ساكنةٌ (٧) على أنه تخفيف بَئِيسٍ، كسأْمٍ وعَلْم في سئِم وعَلِم.

стр. 1503

والخامس عشر: (بِئْيَسٍ) بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة (١)، وهو فِعْيل كحِذْيَم. وقرئ: كذلك إلَّا أن الباء مفتوحةٌ (٢)، وهو شاذ، إذ ليس في الكلام فَعْيَلٌ. فهذه لسِتَّ عشرةَ قراءةً ووجوهُها فاعرفها (٣). ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾: قوله : ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (خاسئين) يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من اسم كان، وقد ذكر في "البقرة" بأشبع من هذا (٤). ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ (تأذن) تفعَّلَ من الإِيذان وهو الإِعلام، يقال: آذَنَ وأذَن وتأذَّن، بمعنى: أَعْلَمَ، وأُجْرِيَ هنا مجرى فِعْلِ القَسَم كعَلِمَ اللهُ، وشهِدَ الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على اليهود الذين وقع المسخ فيهم على ما فسر (٥). ومعنى ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾: ليسلطن عليهم، كقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٦).

стр. 1504

وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ من صلة ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾. ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾: قوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ (أممًا) يحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا لقطعنا، وأن يكون حالًا، وقد أوضحته عند قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (١). وقوله: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ ابتداء وخبر في موضع النعت لأممٍ، وقيل: هم الذين آمنوا منهم بالمدينة (٢). وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ (دون ذلك) ظرف في موضع الرفع على أنه نعتٌ لموصوف محذوف تقديره ومعناه: ومنهم قوم أو ناس منحطون عن الصلاح وهم الذين كفروا. وقيل: هم مؤمنون لم يلحقوا بالصالحين، وصفهم بذلك قبل أن يكفروا (٣). ونظيره: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤)، أي: وما منا أحد إلَّا له مقام معلوم. ولك أن ترفع ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ على مذهب أبي الحسن (٥) بالابتداء، وإن كان منصوب اللفظ لتمكنه في الظرفية، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحُ ومِنا الطالحُ، فترفع، ونظيره على مذهبه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فيمن نصبه وقد ذُكر ثَمَّ (٦).

стр. 1505

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾: قوله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ (ورثوا) في محل الرفع على النعت لـ ﴿خَلْفٌ﴾، والخلْفُ: القرن بعد القرن، وأكثر ما يستعمل بإسكان اللام في الذمّ، وفتحها في المدح، يقال: هذا خَلَفٌ صالحٌ، وهذا خَلْفُ سَوءٍ، عن ابن السكيت (١). قال لبيد: ٢٣٧ - ذَهَبَ الذين يُعاشُ في أَكْنافِهِمْ ... وَبقِيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأَجْرَبِ (٢) وقيل: إن الخلف مشتق من خَلَفَ اللَّبن، إذا طال مكثُهُ حتَّى يتغيَّر (٣)، ومنه: خلَف فمُ الصائم، إذا تغيَّر ريحُه (٤). وقوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ محلُّ ﴿يَأْخُذُونَ﴾ النصبُ على الحال من الضمير في ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾، أي: ورثوه آخذين حُطام هذا العالم

стр. 1506

الأدنى، أو الشيء الأدنى، وهو من الدنوِّ الذي بمعنى القُرْب؛ لأنه عاجل قريب، وقد جوز أن يكون من دنوِّ الحال وسقوطها وقلتها (١). وقوله: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (لنا) قائم مقام الفاعل، وقد جوز أن يكون الفاعل الأخذ الذي هو مصدر يأخذون. وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ الهمزةُ للاستفهام دخلت على (لم) للتقرير فأزالت معنى النفي بدخولها. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾، أي: بأن لا يقولوا، أو كراهة أن يقولوا، ولك أن تجعل ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ عطف بيان لـ ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾، أو بدلًا منه، فيكون في موضع رفع، وقد جوز أن تكون (أن) مفسرة، و (لا يقولوا) نهيًا، كأنه قيل: ألم يُقَل لهم: لا يقولوا (٢). وقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿وَرِثُوا﴾ وما بينهما اعتراض، وأن يكون عطفًا على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾، لأنه تقرير، كأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه. وقرئ: (وُرِّثوا الكتاب) على البناء للمفعول (٣)، وهذه القراءة في المعنى ترجع إلى قراءة الجماعة؛ لأنهم لا يرثون حتى يورَّثُوا. وقرئ: (وادَّارسوا) (٤) بمعنى تدارسوا، كقوله تعالى: ﴿ادَّارَكُوا﴾ والعمل فيهما واحد، وقد ذكر (٥).

стр. 1507

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ محل ﴿وَالَّذِينَ﴾ الرفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، وفيه تقديران: أحدهما - إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، فحذف للعلم به. والثاني - إنَّا لا نضيع أجرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأن المصلحين في معنى الذين يمسِّكون بالكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١). والثاني: محذوف، أي: مأجورون أو نأجرهم وما أشبه هذا، وما بينهما اعتراض. وقد جوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مجرورًا عطفًا على: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٢)، و: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ اعتراض على هذا أيضًا (٣). وقرئ: (يُمَسِّكون) بالتشديد (٤)، من مسَّك، و (يُمْسِكون) بالتخفيف (٥) من أمسك. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ موضع (إذ) نصب بمضمر،

стр. 1508

أي: اذكر، و ﴿فَوْقَهُمْ﴾ ظرف لقوله: ﴿نَتَقْنَا﴾، أي: قلعناه ورفعناهُ فوقهم، يقال: نَتَقْتُ الشيءَ أَنْتُقُهُ نَتْقًا، إذا قلعته ورفعته، وينشد له: ٢٣٨ - * ينتُقُ أقتادَ الشليلِ نَتْقا (١) * أي: يرفعه عن ظهره، والشليل: المسح الذي يُلْقَى على عجز البعير، وكفاك دليلًا ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ (٢). وقوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ محل ﴿كَأَنَّهُ﴾ النصب على الحال من الجبل، أي: ورفعناه مشبهًا ظُلةً، أو هو كأنه ظلة، فيكون في موضع رفع. والظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحابة. وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون معطوفًا على ﴿نَتَقْنَا﴾ فيكون محله جرًا، وأن يكون حالًا وقد معه مرادة، أي: وقد علموأ أنه ساقط عليهم. وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ على إرادة القول، أي: وقلنا: خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم، أي: رفعناه قائلين ذلك. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ قرئ: (واذكروا) (٣) بمعنى تذكروا، وبه قرأ ابن مسعود ﵁: (وتذكروا ما فيه) (٤)، فكأنهم أمروا بالتذكر والتفكر، وهي قريبة من معنى قراءة الجمهور؛ لأنهم إذا تذكروا ذكروا. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ

стр. 1509

تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: واذكر إذ أخذ. و ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم بإعادة الجار، وهو بدل البعض من الكل، وقد مضى الكلام على الذرية في "البقرة" بأشبع ما يكون (١). وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عطف على ﴿أَخَذَ﴾، فيكون موضعه جرًا، أي: اذكر وقت أخذ ربك وإشهاده، ويحتمل أن يكون حالًا وقد معه مرادة، وذكر نظيره قبيل (٢). وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ مفعول من أجله، وفيه وجهان: أحدهما: متعلق بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أي: أشهدهم على أنفسهم كراهة أن تقولوا، أو لِئلَّا تقولوا. والثاني: متعلق بقوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ وذلك أن الله تعالى لما أخرج ذرياتهم من أصلابهم وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قال الله للملائكة: اشهدوا، فقالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾. و: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هذا كله من قول الملائكة، فيوقف على ﴿بَلَى﴾ على هذا الوجه، ولا يوقف عليه على الأول. وقرئ: (أن تقولوا)، (أو تقولوا) بالتاء فيهما النقط من فوقه (٣) على الخطاب حملًا على ما قبله، وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾.

стр. 1510

وبالياء فيهما النقط من تحتها (١) حملًا على ما قبله من لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال أبو علي: وكلا الوجهين حسن؛ لأن الغُيَّب هم المخاطبون في المعنى (٢). ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾: قوله : ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فلحقه وأدركه وصار قرينًا له. يقال: أَتْبَعْتُ القومَ، إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم وأدركتهم، وأَتْبَعْتُ أيضًا غيري، يقال: أَتْبَعْتُهُ الشيءَ فتبعه (٣). فيحتمل على هذا أن يكون المفعول الثاني محذوفًا في الآية، أي: فأتبعَهُ الشيطانُ جنودَهُ، أو خطواته، والأول أمتن وعليه الجمهور. قال أبو الحسن: تَبِعْتُهُ وأَتْبَعْتُهُ بمعنًى، مثل: رَدِفتُهُ وأَرْدَفْتُهُ (٤). وقرئ: (فاتَّبعه) (٥)، بمعنى فتبعه، وهذه القراءة تعضد الوجه الأول، وأن اتَّبَع هنا بمعنى تبع. وقد ذكر معنى الغاوي فيما سلف من الكتاب (٦).
следующие страницы →