← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لا بنفس المطر، والتقدير: أو كذوي صيب جاعلين، ونظيره قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٢). وقد جُوّز أن تكون في موضع نصب على الحال من الهاء في ﴿فِيهِ﴾، والراجع على ذي الحال محذوف، والتقدير: من صواعقه (٣). وأن يكون مستأنفًا لا محل له من الإعراب، وذلك أنه لما ذُكر الرعد والبرق على ما يؤذِنُ بالشدة والهول، فكأن قائلًا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. ويجوز عندي وجه آخر، وهو أن يكون حالًا من المضروب بهم المثل، إذ حصل فيهم تخصيص [ما] (٤) بالإضافة، كما يحصل بالوصف فاعرفه (٥). والإِصْبَعُ مؤنثة وقد تُذَكّر (٦)، وفيها خمس لغات: أُصْبُعٌ بضم الهمزة والباء، وبفتحهما، وبكسرهما وبكسر الهمزة وفتح الباء، وبالعكس (٧). والأُذُنُ: الحاسة التي يُسمع بها، وهي مؤنثة، وقد تخفف وتثقل (٨).

стр. 177

﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْعَلُونَ﴾، أي: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم. والصواعق جمع صاعقة، والصاعقة: نار تسقط من السماء في رَعْدٍ شديد، عن أبي زيد (١)، يقال: صعقتهم السماء، إذا أَلْقَتْ عليهم الصاعقةَ، والصاعقة أيضًا: صيحة العذاب، ويقال أيضًا: صَعَقتْهُ الصاعقةُ، إذا أهلكته فصَعِقَ، أي: مات إما بشدة الصوت، أو بالإحراق. وقرئ: (من الصواقِع) بتقديم القاف (٢). وهي لغة تميم، عن أبي عمرو (٣). ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مفعول له، كقوله: ٥٢ - وأَغْفِرُ عَوراءَ الكريمِ ادَّخارَهُ ... ................... (٤) أي: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لحذر الموت، ثم حُذف الجار فوصل الفعل إلى المصدر فنصبه.

стр. 178

والحذر: الطلب للسلامة من المضرة. وقرئ: (حِذارَ الموت) (١). والحذَرُ مصدر حَذِرَ، والحِذارُ مصدر حاذَرَ. وقيل: انتصب على أنه مصدر، أي: يحذرون حَذَرًا، مثل حذر الموت (٢). ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: ابتداء وخبر، وهذه الجملة اعتراض لا محل لها من الإعراب. ومحيط: أصله (مُحْوِطٌ)، لأنه من حاط يحوط، فأُلقِيتْ كسرةُ الواو على الحاء، فانقلبت ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. والإحاطة بالشيء، والإطافة به، والإحداق به، نظائر في اللغة، ومعنى إحاطة الله بهم: أنهم لا يفوتونه. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾: قوله : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ (يكاد) أي: يقرب، والعرب تقول: كاد يفعل كذا، بغير (أن)، لكونه موضوعًا للمقاربة، و (أن) تُخَلِّصُ الفعلَ للاستقبال. وقد يُشَبَّه بعسى، فيقال: كاد أن يفعل، قال: ٥٣ - * قد كادَ مِن طُولِ البِلَى أن يَمْصَحَا (٣) * والأول أشهر وأفصح، وعليه الأكثر، فاعرفه، وهو إذا لم يصحبه

стр. 179

حرف نفي قارب الوقوع ولم يقع، كما في الآية، وإذا صحبه حرف نفي فهو واقع لا محالة، ولكنه بعد تأخُّرٍ، كقوله : ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١) وعينه واو، وأصله: كَوِدَ، كخَوِفَ، يَكاد كَودًا ومكادةً، وحَكَى سيبويه عن بعض العرب: كُدتُ أفعلُ كذا، بضم الكاف (٢). و﴿الْبَرْقُ﴾: اسمه، و ﴿يَخْطَفُ﴾: في موضع نصب لكونه خبره، أي: قارب البرق خَطْفَ أبصارهم، والخَطْفُ: الأخذ بسرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ خَطْفًا. والجمهور على فتح الياء والطاء، وقرئ: (يخطِف) بكسر الطاء (٣)، على أن ماضيه خَطَف بفتح الطاء. والفتح في المستقبل أشيع وأعْلى. وقرئ أيضًا: (يَخَطِّف) بفتح الياء والخاء مع تشديد الطاء (٤)، وأصله: (يختطف) فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها طاءً، ثم ألقيت حركتها على الخاء. و: (يَخِطِّف) بكسر الخاء والطاء (٥)، ووجهه: أنه لما أسكن التاء للإدغام كسر الخاء لالتقاء الساكنين، واستغنى بحركتها عن نقل الحركة إليها. و: (يِخِطِّف) بكسر الياء والخاء على إتباع الياء الخاء (٦).

стр. 180

و: (يُخَطِّف) من خَطَّف، و (يَخْطّف) بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الطاء (١)، وهو ضعيف لما فيه من الجمع بين الساكنين على غير حَدِّه، والمحققون من النحاة يعبرون عن نحو هذا بالاختلاس والإخفاء، ولا يجيزون إطلاق هذا اللفظ عليه (٢). وعن أُبيّ ﵁: (يَتَخَطَّفُ) (٣) من قوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٤). والاختطاف، والاستلاب، والانتزاع، نظائر في اللغة. ﴿كُلَّمَا﴾ كُل: حَرْفُ جملةٍ (٥) ضُمّ إلى (ما)، وهو اسم فيه معنى الشرط والجزاء، فصار أداةً للتكرار، وانتصب على الظرف لانضمام (ما) إليه، وعاملها جوابها وهو: ﴿مَشَوْا﴾، أي: متى ما أضاء لهم مشوا فيه، ولا يعمل فيها ﴿أَضَاءَ﴾، لأنها ليست بشرط محض. و﴿أَضَاءَ﴾: متعدٍ والمفعول محذوف، والتقدير: كلما نَوَّر لهم البرقُ مَمْشىً ومَسْلَكًا أخذوه ومشوا فيه. أي في ضوئه. ويجوز أن يكون غير مُتَعَدٍّ، والتقدير: كلما لمع لهم البرق مشوا في ضوئه. وتعضده قراءة من قرأ: (كلما ضاء لهم مشوا فيه) وهو ابن أبي عَبْلَة (٦)، فيكون كأَسْكَتَ وسكتَ، لغتان بمعنىً.

стр. 181

والمشي: جنس الحركة المخصوصة، فإذا اشتد فهو سَعْيٌ، فإذا ازداد فهو عَدْوٌ. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: (أظلم) فعل غير متعدٍّ، يقال: أظلم الليل، وأظلم القوم، أي: دخلوا في الظلام. وظَلِم الليل بالكسر، وأظلم بمعنىً، عن الفرّاء (١). وقد جُوّز أن يكون متعديًا منقولًا من ظَلِمَ الليلُ، تعضده قراءة من قرأ: (وإذا أُظْلِم)، على ترك تسمية الفاعل، وهو يزيد بن قطيب (٢). ومعنى: ﴿قَامُوا﴾: وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيرين، ومنه قامت السوق، إذا ركدت، وقام الماء: جَمَدَ (٣). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: (لو) حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره، وفيه معنى الشرط، ولهذا يَطْلُبُ الفعلَ والجوابَ كالشرط المحض. ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، وحَسُن حذفه لأن الجواب يدل عليه، والتقدير: ولو شاء الله أن يَذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وألفه منقلبة عن ياء، بدليل قولهم في مصدره: شيئًا ومشيئة. والمعنى: ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وهو شدة صوته، وأبصارهم بوميض البرق، وهو لمعه. وقرئ: (لأذْهَبَ بأسماعهم) (٤)، على أن الباء مزيدة للتأكيد، كقوله:

стр. 182

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١) و ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (على) متعلقة بقدير، والشيء: ما صح أن يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عنه، قال صاحب الكتاب ﵀: وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أُخبر عنه من قَبْل أن يُعلم أَذَكَرٌ هو أم أُنثى؟ والشيء مذكر (٣). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، قيل: (يا) صوتٌ يَهْتِفُ به الشخصُ بمن يناديه، وهو حرف وُضع في أصله لنداء البعيد، ثم استعمل في مناداة من سَهَا وغَفَل وإن قرب، تنزيلًا له منزلة من بَعُدَ، فإذا نودي به القريبُ المفاطِنُ، فذاك للتأكيد المُؤْذِنِ بأن الخطاب الذي يتلوه مَعْنِيٌّ به جدًّا. وأما نداء القريب فله: أي، والهمزة. و (أيُّ): وصْلَةٌ إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم مُفرَد مَعرِفة بالنداء، مبني على الضم، مُفتقِر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس، أو ما يجري مجراه يتصف به كالناس، والرجل، والمرأة، والقارئ، والكاتب وما أشبه هذا، حتى يَصِحّ المقصود بالنداء. والذي يعمل فيه حرف النداء هو: (أيُّ)، والاسم التابع له هو صفته، كما أن قولك: يا زيدُ الظريفُ، ويا عمرُو العاقل كذلك، غير أن (أَيًّا) لا يستقل بنفسه استقلالَ زيدٍ وعمرٍو، فلا بد له من التابع، ولهذا أجمع الجمهور على رفع التابع، لأنه هو المقصود بالنداء، وإنما جيء به لما ذكرتُ. وها: حرف تنبيه، وهي عِوَضٌ مما يستحقه من الإضافة، و ﴿النَّاسُ﴾:

стр. 183

نعت لأيٍّ وهو معرب. ويجوز في لغة بني أسد (يا أيُّهُ) بضم الهاء (١). وأجاز المازني نصب التابع، كما أجيز في نحو: يا زيدُ الظريفَ، وليس بالمتين، لما ذكرت من أن التابع هنا هو المقصود بالنداء (٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (والذين): نصب بالعطف على الكاف والميم، وهي نصبٌ بخَلَق. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: (مِن) لابتداء الغاية في الزمان، أي: وخلق الذين من قبل خلقكم، ثم حذف الخلق وأقيم الضمير مُقامه لضربٍ من الإيجاز والاختصار. والخلق: إيجاد الشيء على تقديرٍ واستواءٍ، ويقال: خَلَقَ النَّعْلَ، إذا قدرها وسواها بالمقياس. وقرئ: (والذين مَنْ قَبْلَكُم) (٣)، قيل: هي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدًا، كما أقحم جريرٌ في قوله: ٥٤ - يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبا لَكُمُ ... ......................... (٤)

стр. 184

تيمًا الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في لا أبا لك (١). ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل واسمُها، ﴿تَتَّقُونَ﴾: خبرها، وهي من صلة ﴿اعْبُدُوا﴾ والتقدير عند صاحب الكتاب: افعلوا ذلك على الرجاء والطمع أن تتقوا، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) على معنى: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يَذَّكَّر أو يخشى (٣). وقيل: معنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: كي تتقوا، عن قُطرب، وأبي علي (٤)، وقد منع أن يكون من صلة قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، لأن مَن خَلَقه الله لجهنم، لم يخلقه ليتقي، اللهم إلا على تأويل، وذلك أن كل مولود لَمَّا ولد على الفطرة جاز لمتأمل أن يتوقع له ويرجو أن يكون متقيًا. وأصل تتقون: (تَوْتَقِيُون) فأدغمت الواو في التاء بعد أن قلبت تاءً، وألقيت حركة الياء على القاف، بعد أن أزيلت حركتها، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون واو الجمع بعدها. وقيل: بل أسكنت الياء استخفافًا، ثم حذفت لما ذكرت آنفًا وقد ذُكر، ووزنه الآن (٥) (تفتعون)، فاعرفه وقس عليه. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ الموصول مع صلته إما في محل النصب بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾ أو بإضمار أعني، ولك أن تجعله وصفًا مكررًا،

стр. 185

كالذي خلقكم، أو بدلًا من ﴿رَبَّكُمُ﴾، أو في محل الرفع بالابتداء، وخبره: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، أو هو ﴿الَّذِي﴾. ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول أول لجعل، و ﴿فِرَاشًا﴾: ثانٍ إذا جعلت الجَعْلَ بمعنى التصيير، كقوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١) أي: صيّرني نبيًّا، وإن جعلته بمعنى الخلق كان ﴿افِرَاشًا﴾ حالًا من الأرض. وكذلك القول في: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾. و﴿جَعَلَ﴾ على أوجه: أن يكون بمعنى خلق وعمل وصنع، فيتعدى إلى مفعول واحد. وأن يكون بمعنى صيّر، أو سَمَّى فيتعدى إلى مفعولين، نحو: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١) ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ ... إِنَاثًا﴾ (٢) أي سموهم. وقد يستعمل استعمال كاد، كقولهم: جعل يفعل كذا، ككاد يفعل كذا، فاعرفه وقس عليه. فإن قلت: ما الفرق بين الخَلْق والجَعْل؟ قلتُ: قيل: إن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تصيير شيء شيئًا، أو نقله من مكان إلى مكان، والمعنى: جَعَلها وِطَاءً، ولم يجعلْها حَزْنَة كليظة لا يمكن الاستقرار عليها (٣). والفراش، والمهاد، والوطاء، والبساط، نظائر في المعنى. والبناء: مصدر سمي به المبنيُّ بيتًا كان أو قبة أو خباء أو طِرافًا. والخباء: واحد الأخبية من وَبَرٍ، أو صوفٍ، ولا يكون من شَعَر، وهو على عمودين أو ثلاثة. والطِّراف: بيت من أَدَمٍ، وأبنية العرب أخبيتُهم. والبناء، والعلو، والارتفاع، نظائر في المعنى. وعن الزجاج: كل ما

стр. 186

عَلا الأرضَ فاسمه بناء (١). وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: (مِن) لابتداء غاية المكان، متعلق بـ ﴿وَأَنْزَلَ﴾ تَعَلُّقَ الجار بالفعل، ولك أن تعلقه بمحذوف إذا جعلته حالًا من ﴿مَاءً﴾، لأن وصف النكرة إذا قُدِّمَ على الموصوف نُصب على الحال، كقوله: ٥٥ - لِعزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ ... ........................ (٢) فـ (موحشًا): حال من طلل على رأي أبي الحسن، ولا يجوز أن يكون حالًا منه على رأي سيبويه؛ لبقائه بلا عامل، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض، والتقدير: وأنزل ماء ثابتًا أو كائنًا من السماء (٣). والهمزة في ﴿مَاءً﴾ بدل من هاء هي لامه، بدليل قولهم في تصغيره: مُوَيْهٌ، وفي جمعه: أَمْواهٌ ومِياهٌ. وماهت الرَّكِيَّةُ (٤) تموه مَوْهًا ومُؤُوهًا، إذا ظهر ماؤها وكثر. وأصله: مَوَهٌ بتحريك العين، إلا أنها قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما قلبت في بابٍ ومالٍ لذلك. فإن قلتَ: لم قَضيتَ بتحريك عينه بانقلابها، ولم تقضِ بذلك بجمعه على أفعال، كقَتَبِ وأقتاب، وجمل وأجمال؟ قلتُ: لأن عينه واو، والعين إذا كانت واوًا وكَانت ساكنة في المثال، كان بابه أن يُكَسَّر فيه القلة على

стр. 187

أفعال، كَجَوْزٍ وأجوازٍ، وثوب وأثواب، فلذلك قضيت [بذلك] (١) بالانقلاب دون جمعه على أفعال، فاعرفه، فبقي ماهٌ، فاجتمع حرفان خفيان، فأبدلت من الهاء همزة، لكونها أجلَدَ منها وهي بالألف أشبه. وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (مِن) في ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ يَحتمل وجهين: أن يكون للتبعيض متعلقًا بـ (أخرج) تعلق المفعول بالفعل. و ﴿رِزْقًا﴾ مفعول من أجله، كأنه قيل: وأنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم، وعليه المعنَى، لأنه لم يَنْزِل الماءَ كلَّه، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات. وأن يكون للتبيين في محل النصب على الحال من ﴿رِزْقًا﴾ لتقدمه عليه متعلقًا بمحذوف. و﴿رِزْقًا﴾: مفعول به بـ (أخرج)، كما تقول: أخذت من الدنانير مائة، كأنه قيل: فأخرج به رزقًا كائنًا أو ثابتًا من الثمرات، فيكون الرزق على هذا عينًا بمعنى المرزوق، وعلى الأول معنىً، و ﴿لَكُمْ﴾ على الوجه الأول متعلق بـ ﴿رِزْقًا﴾، وعلى الثاني بالكائن المذكور. والإخراج، والإبراز، والإظهار، نظائر. وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (فلا تجعلوا) يحتمل وجهين: أن يكون مجزومًا إن جعلته متصلًا بالذي جعل، أو باعبدوا. وإن جعلته متصلًا بـ (لعل) كان منصوبًا، كقوله : ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ على قراءة عاصم (٢)، وعلامة جزمه أو نصبه حذف النون.

стр. 188

والجعل هنا بمعنى التصيير، أو بمعنى التسمية، ولذلك تعدى إلى مفعولين. و ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع نِدٍّ بكسر النون. والند: المِثْلُ والنظير، والنديدُ مثله (١). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مبتدأ وخبرٌ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾، أي: فلا تجعلوا لله أَمْثالًا وأَكْفاء، وهذه حالكم وصفتكم. ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ محذوف، أي: تعلمون أنه واحد لا نِدَّ له ولا ضد (٢). وقيل: تعلمون أنه المحسن س إليكم والمنعم عليكم دون الأنداد (٣). والاسم من (أنتم) الألف والنون، والتاء للخطاب لا موضع لها من الإعراب، والميم للجمع (٤). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ (إن) حرف جزم، ومعناه المجازاة، كقولك: إن تقم أقم، فتقم مجزوم على أنه شرط بإن، وأقم مجزوم بأنه جزاء، فإن دخل على (فَعَلَ) قلب معناه إلى (يَفْعَلُ) كما قلب (لم) معنى يَفْعَلُ إلى فَعَلَ.

стр. 189

وأصل ﴿كُنْتُمْ﴾: كَوُنْتُمْ، وهو منقول من (فَعَل) إلى (فَعُل)، لأن الفاء منه مضموم، وكان قبل اتصال التاء به مفتوحًا نحو كان، فَعَلِمنا أن الضمة ليست حركة الفاء، وأنها حادثة فيها، أو منقولة إليها من العين، فلا معنى لأن تكون حادثة، لأن الفعل يُضَمّ فاؤه إذا بُني للمفعول به، نحو: ضُرِبَ، و ﴿كُنْتُمْ﴾ مبني للفاعل كما ترى، وإذا بطل أن تكون حادثة على نفس الفاء وكائنة له، علمتَ أنها منقولة من العين، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. ثم نقلت حركة العين إلى الفاء، فسكنت العين، واللام بعدها ساكنة لاتصالها بالفاعل، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة في الفاء تدل عليها، فاعرفه وقس عليه ما كان من الأفعال مُعتلَّ العين من ذوات الواو. ﴿فِي رَيْبٍ﴾: في محل النصب بخبر كان متعلق بمحذوف، وكذلك كل ما وقع من الظروف خبرًا لكان وأخواتها، أو لأن وأخواتها، أو مفعولًا لظننت وأخواتها، نحو: كان زيد في الدار، وإن زيدًا في الدار، وظننت زيدًا في الدار، فإنه يتعلق أبدًا بمحذوف، فاعرفه فإنه أصل يُعتَمَد عليه. ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾: (ما) موصولة، و ﴿نَزَّلْنَا﴾ صلتها، وعائدها محذوف، أي: نزلناه، والموصول مع صلتها في موضع جر على أنه صفة لـ ﴿رَيْبٍ﴾ متعلق بمحذوف، ولك أن تعلقه بنفس الريب لكونه مصدرًا، أي: إن ارتبتم في المُنْزَلِ. فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون (ما) هنا نكرة موصوفة كما زعم بعضهم (١)؟ قلت: لا، لأن المذكورين أَخْزاهم الله ارتابوا في المُنْزَلِ كُلِّه، لا في بعضه، بشهادة قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٢) حين قالوا: ﴿افْتَرَاهُ﴾، فاعرفه فإن فيه أدنى إشكال.

стр. 190

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾: جواب الشرط، والأصل في ﴿فَأْتُوا﴾: فَأْتِيُوا، الهمزة فاء الفعل، والتاء عينه، والياء لامه، فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى التاء بعد أن أزيلت حركة التاء، أو حذفت ولم تُنقل فسكنت، وواو الجمع بعدها ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لتصح الواو. الزمخشري (١): والسورة: الطائفة من القرآن، أقلها ثلاث آياتٍ، وواوها إن كانت أصلًا: فإما أن تسمى بسُورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من القرآن محدودة مَحُوزَة على حيالها، كالبلد المسوَّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم، وأجناس من الفوائد، كاحتواء سُورَةِ المدينة على ما فيها. وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأحد معنيين، لأن السُّوَرَ بمنزلة المنازل والمراتب، يترقى فيها القارئ، وهي أيضًا في أنفسها مترتبة طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها، وجلالة محلها في الدين. وإن جُعلتْ واوها منقلبة عن همزة: فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، كالسُّؤْرَةِ التي هي البقية من الشيء والفضلة منه (٢). يقال أسأرتُ منه سُؤْرًا، أي: أبقيت وأفضلت منه فضلًا (٣). والسورة، والمنزلة، والمرتبة، نظائر. وقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: في موضع جر صفة لسورة متعلقة بمحذوف، أي: بسورة كائنة من مثله، والضمير للمُنْزَل، أي: فأتوا بسورة مما هو على

стр. 191

صفته في البيان الغريب، وعلو الطبقة في حُسْن النظم، أو لعبدنا (١)، فمِن على الوجه الأول: للتبيين، أو مزيدة بشهادة قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٢)، وعلى الثاني: لابتداء الغاية (٣). وقيل: يجوز أن يتعلق ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ بقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ والضمير للعبد، أي: فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرًا عربيًا، أو أميًّا لم يقرأ الكتب، ولم يأخذ من العلماء (٤). وقيل: الضمير للأنداد على إرادة الجمع (٥)، كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٦)، وهو سهو، لأن ارتيابهم في المُنْزَلِ والمُنْزَلِ عليه، لا في المُنْزِل، بشهادة قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٧)، في غير موضع من التنزيل (٨). الزمخشري: وَرَدُّ الضمير إلى المُنْزَل أَوْجَهُ، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٩). ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ (١٠). ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا

стр. 192

الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (١)، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب، والوقوع على أصح الأساليب. والكلام مع رد الضمير إلى المنزَل أحسن ترتيبًا، وذلك أن الحديث في المُنْزَل، لا في المُنْزَل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه ألا يُفَكَّ عنه برد الضمير إلى غيره، ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أن القرآن مُنْزَل من عند الله فهاتوا أنتم نُبَذًا مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودًا إلى رسول الله ﷺ أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدًا ﷺ مُنْزَلٌ عليه فهاتوا قرآنًا مِنْ مثله (٢). وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: أصله: وادْعُوُوا، حذفت لامه بعد أن أزيلت حركتها كراهة اجتماع المثلين مع انضمام العين. والشهداء: جمع شهيد، ككريم وكرماء، والشهيد: مَن شهدهم وحضرهم من عون ونصير، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قد جُوِّز أن يكون من صلة الشهداء على معنى: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق. وأن يكون من صلة قوله: ﴿وَادْعُوا﴾، أي: ادعوا من دون الله شهداءكم، أي: لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق. وأن يكون من صلة محذوف، فيكون في موضع الحال من الشهداء، أي منفردين، أو منعزلين عن الله (٤). ودون: نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ومنه الشيء الدون، وهو

стр. 193

الحقير الخسيس، وهذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلًا. ويكون ظرفًا، ولا يشتق منه فعل، وبعضهم يقول: دان يَدُونُ دونًا (١). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: جوابه محذوف دل عليه قوله: ﴿فَأْتُوا﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾: قوور : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: مجزوم بلم دون إن، لكونه يلزم الفعل المستقبل في اللفظ ويُحْدِثُ فيه معنى المضي، و (إن) يليه الاسم، ويدخل على الماضي في اللفظ، ولكونه بجنب المعمول، فلذلك كان مجزومًا به دون (إن). ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: منصوب بلن، وهو نقيض السين وسوف، لأن سوف للإيجاب في المستقبل، و (لن) للنفي ديه، ولن ولا أختان في نفي المستقبل، غير أن (لن) موضوع للتوكيد والتشديد، يقول القائل: لا أفعل كذا، فإن أُنكر عليه قال: لن أفعل. ومن العرب من يجزم بلن، عن أبي عبيدة (٢)، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات: ٥٦ - ................... ... فلن أُعَرِّضْ أَبيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (٣)

стр. 194

وقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾: الفاء وما اتصل به جواب الشرط، و (لن تفعلوا) لا محل له لكونه اعتراضًا بين الشرط وجوابه. والمعنى: فإن لم تفعلوا ذلك، وهو الإتيان بمثل هذا القرآن فيما مضى. ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: ولن تقدروا على ذلك فيما بقي عجزًا منكم عنه. وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾: عطف عليه، والجملة صلة ﴿الَّتِي﴾. والحجارة: حجارة الكبريت، عن ابن مسعود ﵁ وغيره (١). والوَقُود بالفتح: الحطب، وبالضبم الاتقاد، كالوَضوء والوُضوء، فالوَضوء بالفتح: الماء الذي يُتَوضّأ به، والوُضوء بالضم: المصدر، وهو فعل المتوضئ، وقد جاء في مصدرهما الفتح. قال صاحب الكتاب ﵀: وسمعنا من العرب من يقول: وَقَدَتِ النارُ وَقُودًا عاليًا، ثم قال: والوُقود أكثر، والوَقَود: الحطب. وذكر أيضًا: توضأتُ وَضوءًا حسنًا، انتهى كلامه (٢). وحكى الأخفش أيضًا في الوقود في مصدره: الضم والفتح (٣). وقرئ: بالضم (٤)، تسمية بالمصدر، كما يقال: فلان فخر قومه، وعدل أهله.

стр. 195

﴿أُعِدَّتْ﴾: في محل النصب على الحال من ﴿النَّارَ﴾ وقد معه مرادة، ومعنى أعدت للكافرين، أي: هيئت لهم، وجعلت عُدَّة لعذابهم. وقرى": (أُعْتِدَتْ) (١)، من العتاد بمعنى العُدّة، يقال: أَخَذَ للأمر عُدَّتَهُ وَعَتادَهُ، أي: أُهْبته وآلته. فإن قلت: ما منعك أن تجعل ﴿أُعِدَّتْ﴾ حالًا من ضمير النار، وهو قوله: ﴿وَقُودُهَا﴾، وهو أقرب منها؟ قلت: منعني عدم العامل إنْ جعلتَ الوقود عينًا، لأن العين لا يعمل في الأحوال، والتفرقة بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو ﴿النَّاسُ﴾ إن جعلتَ الوقود معنىً، فاعرفه. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الجمهور على فتح الباء وكسر الراء على الأمر عطفًا على ﴿فَاتَّقُوا﴾ (٢). وقرئ: (وبُشِّرَ) بضم الباء وفتح الراء (٣) على الخبر مبنيًّا للمفعول عطفًا على أعدت (٤).

стр. 196

و ﴿أَنَّ﴾: في موضع نصب لعدم الجار على رأي صاحب الكتاب، أي: وبشرهم بأن لهم، فلما حُذف الجار أفضَى الفعل إلى (أنّ) فَنَصَبَ، أو في موضع جر على رأي الخليل على إرادة الجار (١). ﴿جَنَّاتٍ﴾: نصبٌ بأنّ، وعلامة النصب كسرة التاء، وإنما كسرت التاء وقد كان يمكن فتحها؛ لأن جمع المؤنث السالم محمول على نحو الزيدِينَ، والياء في هذا الجمع علامة الجر والنصب، ومنصوبُهُ محمول على مجروره، فلما كان كذلك حملوا المؤنث عليه، وجعلوا الكسرة فيه علامة الجر والنصب؛ لأن المؤنث فرع على المذكر فكَرِهوا أن يعطوا الفرع حكمًا لم يكن للأصل، فاعرفه (٢). ﴿تَجْرِي﴾ وما اتصل به: في موضع نصبٍ لكونه وصفًا لجنات، وقد ذَكَرْتُ فيما سلف من الكتاب أن الجملة إذا أتت بعد نكرةٍ كانت صفة لها، وإذا أتت بعد معرفةٍ كانت حالًا منها. فإن قلت: ﴿تَجْرِي﴾ مسند إلى ماذا؟ قلت: إلى الأنهار. فإن قلت: ما منعك أن تجعل في ﴿تَجْرِي﴾ ضميرَ جناتٍ وتسنده إليه، وترفع الأنهار بالابتداء، وتجعل الظرف خبره على رأي صاحب الكتاب، أو بالظرف على رأي أبي الحسن؟ قلت: منعني فسادُ المعنى، لأن الجنة فيما فُسّر هي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه (٣)، قال الشاعر:

стр. 197

٥٧ - ..................... ... من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقَا (١) أي: نخلًا طوالًا، والطويل من النخل يسمى سَحُوقًا، وجمعه سُحُق، كرسول ورُسُل، والنواضح جمع ناضحة، والناضح: البعير يُسْتَقَى عليه، والأنثى ناضحة. والبساتين لا تجري إنما تجري أنهارها، والمعنى: تجري من تحت أشجارها الأنهار كما تجري في الدنيا تحت الأشجار النابتة على شواطئها، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه، كما حُذف في الأنهار، لأن الجاري هو الماء لا الأنهار. وقوله: ﴿مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ﴾: من في ﴿مِنْهَا﴾ لابتداء الغاية متعلق بـ ﴿رُزِقُوا﴾ تعلق الجار بالفعل. و﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾: يَحتمِل ثلاثة أوجه: أن يكون لابتداء الغاية أيضًا متعلقًا بـ ﴿رُزِقُوا﴾ تَعَلُّقَ ﴿مِنْهَا﴾. وأن يكون للتبعيض متعلقًا بـ ﴿رُزِقُوا﴾ تعلق المفعول بالفعل، لأنهم يرزقون بعض الثمرةِ. وأن يكون للتبيين في محل النصب على الحال لتقدمه على الموصوف متعلقًا بمحذوف، أي: رزقًا كائنًا من ثمرةٍ، إذ المراد بالثمرة النوعُ أو الجنسُ. فإن قلت: ﴿رِزْقًا﴾ في قوله: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ مفعول بمعنى المرزوق أم مصدر؟ قلت: إن جعلت ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ لابتداء الغاية أو للتبيين، كان مفعولًا ثانيًا لـ ﴿رُزِقُوا﴾، وإن جعلته للتبعيض، كان مصدرًا بمنزلة ضربتُ ضرْبًا.

стр. 198

﴿هَذَا﴾: مبتدأ و ﴿الَّذِي﴾ خبره، ونهاية الموصول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، وعائده محذوف، أي: رُزِقناه. و﴿قَبْلُ﴾: فيه ثلاثة أسئلة: أحدها: أن يقال: لِمَ بُني؟ . والثاني: أن يقال: لم بني على حركة؟ . والثالث: أن يقال: لم بني على الضم؟ اعلم أن (قَبْلُ) نقيض (بَعْدُ)، وأصله الإضافة، تقول: جئتك قبلَ زيد، ثم تحذف المضاف إليه في اللفظ ويراد في المعنى، فيبقى الاسم الأَمْكَنُ العاري من أسباب منع الصرف بغير تنوين، وذلك مخالفة الأسماء، فبُني حتى يتخلص من هذا الخلاف، وإنما لم يمكن تنوينه، لأجل أن المضاف إليه إذا ثبت في التقدير كان بمنزلة ثباته في اللفظ، فكما لا يجوز أن تقول: دارٌ عمرٍو، كذلك لا يجوز أن تقول: جئتك قبلًا، وأنت تريد قبل زيد، لامتناع الجمع بين الإضافة والتنوين، هذا سبب بنائه. وبني على حركةٍ فرقًا بينه وبين ما لم يَنَلْ نصيبًا من التمكن، كَمَنْ، وإذ، ونظائرهما. وبني على الضم لأن الضمة أقوى الحركات الثلاث، والموضع موضع الدلالة على التمكن، فاختير له أقوى هذه الألفاظ، وصارت الضمة عَلَمًا للحذف المذكور. وقيل: إن النصب والجر كانا يدخلانه في حال إعرابه، فأُعطي حركةً لا تكون له في حال الإعراب، لِيُعلم أنها حركة بناء لا حركة إعراب. وكذلك الكلام في (بعد) ونظائرهما فاعرفه، والتقدير: هذا الذي رزقنا من قبل هذا، ثم حذف هذا وبني لقطعه عن الإضافة. فإن قلتَ: ما محل قوله عز وعلا: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا﴾ مع ما اتصل به؟

стр. 199

قلتُ: محله النصب على أنها صفة ثانية لجنات، أو حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على حد: معه صقرٌ صائدًا به غدًا، و ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١)، أي: بشرهم مرزوقين على الدوام، أو في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمرُ كَيْتَ وكَيْتَ، ولا يجوز أن يكون حالًا من ﴿جَنَّاتٍ﴾ لكونها موصوفةً، وفي الجملة ضمير يعود إليها، وهو قوله: ﴿مِنْهَا﴾، كما تقول: مَلَكَ زيدٌ الدارَ وهو جالسٌ فيها، فلك أن تجعل وهو جالس حالًا من الدار، لأجل الضمير العائد إليها، وهو قولك: (فيها) كما زعم بعضهم لعدم العامل. ولك أن تجعلها جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب. وقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: أصل (أُتُوأ): أُتِيُوا، فاستُثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، وواو الضمير بعدها ساكنة، فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمت التاء لتصح الواو، ومحله النصب على الحال و (قد) معه مضمرة، أي: قالوا ذلك وقد أتوا به. ولك أن تجعله مستأنفًا، والضمير في (أتوا) لأهل الجنة. وقرئ: (أَتَوْا به) بفتح الهمزة والتاء (٢)، فالضمير على هذا لخَدَمِهم، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للمرزوق. و ﴿مُتَشَابِهًا﴾: حال منه. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ (أزواج): رفع بالابتداء، وخبره الظرف الذي هو ﴿لَهُمْ﴾، أو بالظرف المذكور على رأي أبي الحسن، فلا ضمير على هذا في الظرف. و﴿فِيهَا﴾: في محل النصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿أَزْوَاجٌ﴾، ولك أن تجعله ظرفًا للظرف، وهو ﴿لَهُمْ﴾.

стр. 200

و ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾: صفة لأزواج على إرادة الجماعة في الموصوف، كقوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ (١)، أي: وجماعةٌ أزواجٌ مطهرة من البول والغائط والحيض والنفاس والمُخاط والبُصاق وغير ذلك مما تكره النفس على ما فسر (٢). وقرئ: (وأزواجٌ مُطهَّراتٌ) (٣) ووجهها ظاهر. وواحد الأزواج: زوج. قال الأصمعي (٤): ولا تكاد العرب تقول: زوجة. وعن الفراء جوازها، وأُنشد: ٥٨ - إنَّ الذي يَمْشِي يُحَرِّشُ زوجتي ... كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبيلُها (٥) التحريش: الإفساد. ويستبيلها: يأخذ بولها في يده. وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ و (هم): مبتدأ. و ﴿خَالِدُونَ﴾: خبره، والظرف ملغىً متعلق بالخبر. ويجوز في الكلام (٦) أن تجعله خبرًا وتنصب (خالدين) على الحال من ضمير الظرف، والعامل الظرف. والجملة

стр. 201

مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقد جُوّز أن تكون حالًا من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: يستحيي بياءين: لغة أهل الحجاز (٢)، ووزنه: يستفعل، ولم يستعمل منه فعل على هذا المعنى بغير السين، وليس معناه الاستدعاء والطلب. وفيه لغتان: التعدي بالجار، والتعدي بنفسه، يقال: استحييت منه، واستحييته بمعنىً، وهما مُحتمِلَتان هنا، وعينه ولامه ياءان من الحياء، والهمزة منقلبة عن ياء هي لامٌ بدلالة حَيِيت، وحَيِيَ زيد. وبياء واحدة: لغة تميم (٣)، وبها قرأ بعض القراء (يستحي) بياء واحدة (٤)، ووزنه (يستفع)، والمحذوفة هي اللام لتطرفها ولكونها تحذف في الجزم، وحذفها لالتقاء الساكنين هي والعين، وذلك أن اللام تحذف حركتها استخفافًا، كما تحذف في نحو: يقضي، والعين تنقل حركتها إلى الفاء. وقيل: المحذوفة هي العين، ووزنه (يستفل) وليس بالمتين، لأن ما كان لامه معتلًا لم يُعِلُّوا عينه، بدلالة أنهم قالوا: أَحييتُ وحَويتُ، وإنما

стр. 202

ذلك يختص بما لامه صحيح، نحو: قُلت وبِعت. وقيل: بل حذفت الياء استخفافًا لا لالتقاء الساكنين، تقول: استحَى يستحِي، كما تقول: اقتضى يقتضي، والأول مذهب صاحب الكتاب، والثاني مذهب المازني (١). واسم الفاعل على لغة أهل الحجاز: مُسْتَحْيٍ، والجمع: مُسْتَحْيُون، ومُسْتَحْيِين. وعلى لغة تميم: مُسْتَحٍ، ومستحون، ومستحين (٢). وقوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾: في موضع نصبٍ لعدم الجار على مذهب صاحب الكتاب، أي: من أن يضرب، فلما حذف الجار تعدى الفعل إلى ﴿أَنْ﴾ فنصب. وفي موضع جر على إرادة الجار على مذهب الخليل (٣). وضرب الله مثلًا: أي وَصَفَ وبيّن. وضرب إذا كان بمعنى وصف وبيّن تعدى إلى مفعول واحد، وقد يكون بمعنى جعل فيتعدى إلى مفعولين، يقال: ضربتُ الفضةَ دراهمَ، أي: جعلتها دراهم. فإذا فهم هذا فقوله: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ يحتمل نصب ﴿بَعُوضَةً﴾ أَوْجُهًا: أن تكون ﴿مَا﴾ صلة للتأكيد كالتي في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) تعضده قراءة من قرأ: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا بعوضةً﴾ بطرح ﴿مَا﴾ وهو ابن مسعود ﵁ (٥). و ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان لـ ﴿مَثَلًا﴾ أو بدل منه. وأن تكون ﴿مَا﴾ إبهامية بمنزلة شيء، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة

стр. 203

أبهمته إبهامًا وزادته شِياعًا وعُمومًا، كقولك: أعطني شيئًا ما، تريد أي شيء كان. و ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان لها، أو بدل منها، وهي بدل من ﴿مَثَلًا﴾، أي: مثلًا شيئًا بعوضة فما فوقها. وأن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ نصبًا بيضرب، و ﴿مَثَلًا﴾ حالًا منها لتقدمه عليها كقوله: ٥٩ - لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ ..... (١) وأن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ مفعولًا ثانيًا ليضرب، على إجراء الضرب مُجْرى الجَعْل. وأن تكون على إسقاطِ (بين)، أي: أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، قيل: والعرب إذا حذفت (بين) من كلام تصلح (إلى) في آخره نصبوا الاسمين المجرورين بهما، فيقولون: له عشرون ما ناقةً فَجَمَلًا، أي: ما بين ناقةٍ فجملٍ، فلما أسقطوا (بين) جعلوا الإعراب فيهما، وأَنشد الفراء: ٦٠ - يا أحسنَ الناسِ ما قَرْنًا إلى قَدَمٍ (٢) أي: ما بين قرن إلى قدم. وقرئ: (بعوضةٌ) بالرفع (٣). و ﴿مَا﴾ على هذه القراءة تَحتمل وجهين: أن تكون موصولة، وصلتها جملة من ابتداء وخبر، أي: هو بعوضة،

стр. 204

ثم حُذف صَدرُ الجملة، كما حذف في قراءة من قرأ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾ (١) بالرفع، أي: هو أحسن، وهما ابن مسعود ﵁ ويحيى بن يَعْمَر (٢). وأن تكون مزيدة، و (بعوضةٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: أن يضرب مثلًا هو بعوضة. وقد جوز أن تكون (ما) استفهامية، قال أهل التأويل: وذلك أنهم لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمُحَقَّراتِ قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقَّرة مثلًا، بَلْهَ البعوضةَ فما فوقها، كما يقال: فلان لا يبالي بما وهَبَ ما دينارٌ وديناران؟ (٣). وقرئ أيضًا: (ما بعوضةٍ) بالجر (٤) على إرادة الجار وهو (بينَ)، يعضده ما روي عن بعض الفصحاء: أنه كان إذا سئل: كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ (٥). على إرادة الجار، وهو الباء، أي: بخير. والبعوضةُ: صغار البَقّ، وهي المعروفةُ العاضَّةُ المؤذية، وجمعها بعوض. قيل: اشتقاقه من البعض وهو القطعُ، كالبَضْع، والعَضْب، يقال: عَضَبه عَضبًا، إذا قطعه (٦).

стр. 205

وقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: الفاء للعطف، و (ما) موصولة معطوفة على بعوضة إن جعلتَ الأولى مزيدة، وإن جعلتها موصولةً أو موصوفةً كانت الثانية عطفًا عليها، و ﴿فَوْقَهَا﴾: صلتها، والعامل في الظرف: الاستقرار. ويَحتمل أن تكون (ما) في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ موصوفةً والظرف صفتُها، والعامل فيه أيضًا الاستقرار، وإعرابها إعراب ما قبلها من النصب والرفع والجر. [فصل في (أمَّا)] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: (أما): حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء، وينوب عن ثلاثة أشياء: حَرفِ الشرط، وفعلِ الشرط، وفاعلِه، بشهادة قول صاحب الكتاب ﵀ في تفسيره: مهما يكن من شيء فكيت وكيت (١). ويأتي للإخبار وحده، وللإخبار وتفصيل ما أجمله المدَّعِي. فمثال كونه للإخبار: قولك: أَمَّا زيد فظاعن، وأمّا عمر فمقيم. وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. ومثال كونه للإخبار والتفصيل: قولٌ القائلِ: فلان فقيه عالم عامل لبيب. فيقال له على سبيل إثبات بعض هذه الصفات ونفي بعضها: أما فقيهٌ ففقيهٌ، وأما الباقي ففيه نظر. ولا يليه إلا الاسمُ، نحو: أما زيد فذاهب، والأصل: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، إلا أنه لما ناب عن حرف الشرط كرهوا إتيان الفاء بعده، فأخّروها إلى الخبر وهي في نية التقديم، ولهذا أجازوا أما زيدًا فأنا ضارب، أن يكون (زيدًا) منصوبًا بضارب وإن كان ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، لأنها

стр. 206

في نية التقديم، وصار الاسم الواقع بعد (أمّا) كالعوض من فعل الشرط. فإن وقع بعد الفاء فعل يعمل في الاسم الواقع بعده نصبتَه به، وزال الابتداء كما يزول في غير هذا الموضع بدخول العوامل، فتقول: أما زيدًا فأكرمتُ، وأما عَمْرًا فأهنتُ، وفي التنزيل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (١)، فنصب اليتيم بالفعل الواقع بعده كما ترى، وفيه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٢) فرفع بالابتداء لاشتغال الفعل عنهم بضميرهم. وبعد ... فإن (أما) هذا مستغن عن التكرير، فإن كرر فلعطف جملة على جملة، كقوله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (٣). فإن قلتَ: هل لـ (أما) فائدة في الكلام غير ما ذكرتَ من الإخبار والتفصيل؟ قلتُ: نعم، قيل: فائدته في الكلام أن يُعْطِيَهُ فَضْلَ توكيد، فإن قلتَ: ما مثال ذلك؟ قلت: مثاله أن تقول: زيد منطلق، فإذا أردت توكيد ذاك، وأنه لا محالة منطلق، وأنه بصدد الانطلاق، وأنه منه عزيمة، قلت: أما زيد فمنطلق، فاعرفه (٤). ونعود إلى الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، و ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾ وما اتصل به: خبره، والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ لِلمَثَلِ. وقيل: لـ ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير المستتر في ﴿الْحَقُّ﴾ والعامل ما في ﴿الْحَقُّ﴾ من معنى الفعل. والحق: الثابت الذي لا يَسوغُ إنكاره، يقال: حَقَّ الأمرُ، إذا ثبت ووجب.

стр. 207

﴿وَأَمَّا﴾ الثاني: عطف على الأول، وحُكْمُه حُكْمُه، ولغة تميم وبني عامر في (أما): أَيْما، يبدلون من إحدى الميمين ياءً كراهَةَ التضعيف (١). وقوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ﴿مَاذَا﴾: فيه وجهان: أحدهما: أن تجعل (ذا) مركبًا مع (ما) مجعولين اسمًا واحدًا في موضع نصب بأراد بتقدير: أيَّ شيءٍ أرادَ اللهُ؟ والثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا موصولًا بمعنى الذي، و (ما) في موضع رفع بالابتداء، وخبره (ذا) مع صلته، والعائد محذوف، أي: أراده. والإرادة: المشيئة، وأصلها الواو، بدليل قولك: راودْتُهُ على فعل كذا، والهاء فيها عِوَضٌ مِن حَذْفِ إحدى الألفين؛ قيل: الأولى، وقيل: الثانية. و﴿مَثَلًا﴾: نصبٌ على التمييز، أي: مِن مَثَلٍ، كما تقول لمن حمل سلاحًا رديئًا: كيف تنتفع بهذا سلاحًا؟ أو على الحال من (ذا) في (بهذا)، أي: مُتَمَثِّلا، والعامل فيه معنى التنبيه أو الإشارة، كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٢)، ولك أن تجعله حالًا من اسم الله على تقدير مُتَمَثِّلًا به، يقال: تمثلت بكذا، وتمثلت كذا، بمعنىً، وعامله أراد، ولك أن تجعله مفعولًا به على تقدير أراد مثلًا، دل عليه هذا الظاهر. ﴿يُضِلُّ﴾: في محل النصب على أنه صفة لِلمَثَل، أو حال من اسم الله، ولك أن تجعله مستأنفًا (٣). وقوله: ﴿إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: نصبٌ بيضل، ولا يجوز أن يكون نصبًا على الاستثناء، لأن الفعل مُفَرَّغ لما بعد إلا، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن (إلا) في نحو هذا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعاني دون الألفاظ، نحو: هَلْ (٤). أَيْ: الخارجِينَ عن أمر الله.

стр. 208

والفسق: الخروج عن الشيء، من قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرجت من قشرها (١)، والفاسق في الشريعة: الخارج عن أمر الله بارتكابه ما نهاه الله عنه. وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾: قد جُوِّزَ أن يكون من قول الله، وأن يكون من قول الكافرين. وأما قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ فمن قول الله ليس إلا. والجمهور على ضم الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونَصْبِ قوله: ﴿كَثِيرًا﴾ و ﴿الْفَاسِقِينَ﴾. وقرئ: بضم الياء وفتح الضاد فيهما على البناء للمفعول (٢)، ورفع ما بعدهما تعظيمًا لفاعل الفعل، وهو الله سبحانه. ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب إن جعلته صفة للفاسقين، أو أَضمرتَ له فعلًا. أو في محل الرفع إن جعلته خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هم الذين، أو مبتدأ، وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الخبر. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: قيل: في ﴿مِنْ﴾ وجهان: أحدهما: أن تكون لابتداء غاية الزمان، كأنه قيل: ابتداء النقض للعهد من بعد أخذ الميثاق، أي: من ذلك الوقت. والثاني: أن تكون مزيدة على قول من جَوَّزَ ذلك. والضمير في ﴿مِيثَاقِهِ﴾ للعهد، أو لاسم الله.

стр. 209

والميثاق: بمعنى الإيثاق، كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، والمصدر مضاف إلى المفعول إن جعلت الضمير للعهد، والفاعل محذوف، وهو الله جل ذكره، أي: مِن بعد إيثاقِ اللهِ العهدَ، [أو إلى الفاعل إن جعلته لاسم الله تعالى، والمفعول محذوف، وهو العهد، أي: من بعد إيثاقِه العهدَ .. وقُلبت الواو في الميثاق ياء، لانكسار ما قبلها. وقوله: ﴿مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ﴾: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، وهي مع صلتها أو صفتها نصب بـ ﴿يَقْطَعُونَ﴾. ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾: في موضع جر على أنه بدل من الهاء في به، أي: بأن يوصل، أو في موضع نصب على البدل من (ما) في موضع رفع على إضمار مبتدأ، كقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ (١) أي: هو أن يوصل] (٢). وما أمروا بصلته، قيل: هو الأرحام. وقيل: هو الإيمان بجميع الرسل والكتب، وهو نوع من الصلة (٣). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: (أولئك): مبتدأ، و ﴿هُمُ﴾: مبتدأ ثانٍ، و ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. أو ﴿هُمُ﴾ فصل و ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ الخبر. فإن قلتَ: ما محل ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؟ قلتُ: محلها الرفع إن جعلت ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ مبتدأً، وإلا، فلا محل لها.

стр. 210

ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فإن قلتَ: هل يجوز الوقف على نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾؟ قلت: نعم إن جعلت ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصب، أو في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وإن جعلته مبتدأ فلا. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾: قوول : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾: (كيف): اسم مبني يستفهم به، وهو في الأصل سؤال عن الحال بدليل جوابه، وإنما بني لتضمنه معنى حرف الاستفهام (١)، وحرك لأن ما قبل آخره ساكن، وخُصَّ بالفتح طلبًا للخفة، ومعناه هنا التعجب والإنكار، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَكْفُرُونَ﴾، وعامله ﴿تَكْفُرُونَ﴾ على تقدير: أَمعاندين أو أمنكرين تكفرون. ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: الواو في ﴿وَكُنْتُمْ﴾ للحال، و (قد) معه مضمرة، لأن الواو إذا كانت للحال مع الماضي كانت بتقدير (قد)، لأجل أن الحال ما حضر، والماضي منقطعٌ مُنْقَضٍ وهما ضدان، فإن أتيت بقد معه جاز، لأن (قد) يقرب الماضي من الحال فتجري مجرى الحاضر، وإن كانت مع المستقبل لم تحتج إلى قد، لأنك تحكي الحال على ما كانت عليه وقت الوقوع، نحو: جئتُ وزيدٌ يَضْرِبُ، ونظيره قولهم: قد قامت الصلاة. وذلك أنهم لما قصدوا الإخبار بأن الصلاة كأنها قائمة، أتوا بقد ليعلم أن القصد إشرافها على القيام. ولو قيل: قامت الصلاة، كان الظاهر أنها قد انقطعت، فقد جرى قولهم: قد قامت الصلاة مجرى قولك: تقوم الصلاة،

стр. 211

تريد الحال، كقولك: هذا زيد يَضْرِبُ. أي: كيف تكفرون وحالكم هذه؟ أي: ما أعجبَ كفرَكم مع علمكم بحالكم هذه. وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الضمير في قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ لله جل ذكره، وقيل: للإحياء (١). ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾: قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ (لكم) أي: لأجلكم. ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾: ما: موصولة، والظرف صلتها، وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير الذي في الظرف، والعامل فيه الظرف، أو من ﴿مَا﴾ وعامله ﴿خَلَقَ﴾، وهو نهاية صلة ﴿الَّذِي﴾، أعني ﴿جَمِيعًا﴾. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إلى خلقها (٢). ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾: الضمير في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ للسماء، والسماء في معنى الجنس، وقيل: جمع سَمَاوَة (٣)، كتمر في جمع تمرة، فلما حذفت التاء في الجمع قلبت الواو ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمعت أَلِفان: المنقلبة

стр. 212

والمزيدة، فأبدلت المنقلبة همزة لوقوعها طَرَفًا بعد ألف زائدة، فالهمزة في (السماء) بَدَلٌ من ألف، والأَلِفُ التي أُبدلت الهمزة عنها بَدَلٌ من الواو، هذا مذهب المحققين من النحويين، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١). وقوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ﴿سَبْعَ﴾ انتصب على أحد أربعة أوجهٍ: إما على البدل من الضمير. وإما لكونه مفعولًا ثانيًا لسوًّى على إجراء سوَّى مجْرَى صيّر. أو لكونه مفعولًا به لسوَّى على تقدير: فَسَوَّى منهن سبع سماوات، ثم عومل معاملة (اختار) في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ (٢). وإما على الحال. وقيل: الضمير في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ مُبْهَمٌ، و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ تفسيره، كقولهم: رُبَّهُ رَجُلًا، وهو من التعسف (٣) قيل: ومعنى تسويتهن: تعديلُ خلقهن وتقويمُهُ، وإخلاؤه من العِوَجِ والفُطور ونحوهما (٤). ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾: قول : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: (إذ) ظرف لما مضى من الزمان، وإنما بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو (في)، أو لكونه لم يستقل بنفسه،

стр. 213

كما لم يستقل الموصول نحو: مَنْ، والذي، فبُني لاحتياجه إلى ما ينضم إليه من الإضافة، كما بُنيا لاحتياجهما إلى ما ينضم إليهما من الصلة، وهو في موضع نصبٍ لكونه مفعولًا به على تقدير: واذكر إذ قال. وقيل: هو منتصب بـ ﴿قَالُوا﴾ (١). وقيل: هو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فإحياؤكم إذ قال، على تقدير: وابتداءُ خَلْقِكم إذ قال. وقيل: هو زائد، عن أبي عبيدة (٢). وأنكر الزجاج ذلك، وقال: هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن ينبغي ألا يُتَكَلَّم فيه إلا بغاية تَحرِّي الحق، وو ﴿إِذْ﴾ معناه الوقت وهو اسم، فكيف يكون لغوًا؟ انتهى كلامه (٣). والملائكة: جمع مَلَكٍ، والتاء فيها لتأنيث الجمع (٤)، وقيل: للمبالغة، كعَلاَّمة ونسّابة، والأول أشهر وعليه الأكثر (٥). [مبحث في أصل مَلك] واختلف في أصل (مَلَك) على أربعة أقوال: أحدها: إن أصله (مَأَلَكٌ) بتقديم الهمزة بوزن (مَفْعَلٍ)، لأنه من

стр. 214

الألوكة (١)، وهي الرسالة، قال لبيد (٢): ٦١ - وغُلامٍ أرسَلَتْهُ أُمُّهُ ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ (٣) فالهمزة فاء الكلمة، واللام عينها، والكاف لامها، ثم قلبت، فقدمت اللام وجعلت الهمزة مكانها، فقيل: ملأك، والوزن (مَعْفَل) مقلوب من (مَفْعَل)، وأنشد أبو عبيدة لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك: ٦٢ - فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ (٤)

стр. 215

ثم تُركتْ همزتُه لكثرة الاستعمال بعد أن ألقيت حركتها على اللام، فقيل: مَلَكٌ كما ترى، والوزن (مَعَلٌ)، فلما جُمع ردت إليه وترك على أصله بعد القلب فقيل: ملائكة، والوزن (معافلة) ولو جُمع على أصله قبل القلب لقيل: مآلِكَة، بوزن: (مفاعِلة). والثاني: أن أصله (مَلأَكٌ) وليس فيه قلب، والوزن (مَفْعَل)، وأن أَلُوكَة وزنها (عَفُولة) وأن التركيب من لأك إذا أرسل، لغة محكية حكاها الأكابر (١). فاللام فاء الكلمة، والهمزة عينها وأنشدوا: ٦٣ - أَلِكْنِي إِليها وخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُم بنواحِي الخَبَرْ (٢) قال عبد القاهر (٣): والأصل أَلْئِكْني، ثم خففت الهمزة على العادة، فنُقلت حركتها إلى اللام الساكنة، فصار ألكني، فإذا قلت: ألئكني، دل على أن اللام فاء، والهمزة عين على النظام الذي نجده في (ملأك) انتهى كلامه، ثم حذفت الهمزة لِما ذكرت آنفًا بعد نقل حركتها إلى اللام، فبقي (مَلَكٌ) كما ترى، والوزن (مفل)، فلما جمع ردّت إليه فقيل: ملائكة، والوزن مفاعلة. والثالث: أن أصله (مَلْوَكٌ) من لاك الشيء في فمه يلوكه: إذا أداره وعَلَكَه، ومنه: لاكَ الفرسُ اللجامَ، لأن المُرْسَلَ يدير الرسالةَ في فمه ويلوكها، ثم قلبت الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى اللام، فبقي مَلاكٌ، كمقالٍ، ثم حذفت الألف استخفافًا، فبقي مَلَك، والوزن (مَفَلٌ)، فلما جُمع
следующие страницы →