← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الأدنى، أو الشيء الأدنى، وهو من الدنوِّ الذي بمعنى القُرْب؛ لأنه عاجل قريب، وقد جوز أن يكون من دنوِّ الحال وسقوطها وقلتها (١). وقوله: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (لنا) قائم مقام الفاعل، وقد جوز أن يكون الفاعل الأخذ الذي هو مصدر يأخذون. وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ الهمزةُ للاستفهام دخلت على (لم) للتقرير فأزالت معنى النفي بدخولها. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾، أي: بأن لا يقولوا، أو كراهة أن يقولوا، ولك أن تجعل ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ عطف بيان لـ ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾، أو بدلًا منه، فيكون في موضع رفع، وقد جوز أن تكون (أن) مفسرة، و (لا يقولوا) نهيًا، كأنه قيل: ألم يُقَل لهم: لا يقولوا (٢). وقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿وَرِثُوا﴾ وما بينهما اعتراض، وأن يكون عطفًا على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾، لأنه تقرير، كأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه. وقرئ: (وُرِّثوا الكتاب) على البناء للمفعول (٣)، وهذه القراءة في المعنى ترجع إلى قراءة الجماعة؛ لأنهم لا يرثون حتى يورَّثُوا. وقرئ: (وادَّارسوا) (٤) بمعنى تدارسوا، كقوله تعالى: ﴿ادَّارَكُوا﴾ والعمل فيهما واحد، وقد ذكر (٥).

стр. 1507

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ محل ﴿وَالَّذِينَ﴾ الرفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، وفيه تقديران: أحدهما - إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، فحذف للعلم به. والثاني - إنَّا لا نضيع أجرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأن المصلحين في معنى الذين يمسِّكون بالكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١). والثاني: محذوف، أي: مأجورون أو نأجرهم وما أشبه هذا، وما بينهما اعتراض. وقد جوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مجرورًا عطفًا على: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٢)، و: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ اعتراض على هذا أيضًا (٣). وقرئ: (يُمَسِّكون) بالتشديد (٤)، من مسَّك، و (يُمْسِكون) بالتخفيف (٥) من أمسك. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ موضع (إذ) نصب بمضمر،

стр. 1508

أي: اذكر، و ﴿فَوْقَهُمْ﴾ ظرف لقوله: ﴿نَتَقْنَا﴾، أي: قلعناه ورفعناهُ فوقهم، يقال: نَتَقْتُ الشيءَ أَنْتُقُهُ نَتْقًا، إذا قلعته ورفعته، وينشد له: ٢٣٨ - * ينتُقُ أقتادَ الشليلِ نَتْقا (١) * أي: يرفعه عن ظهره، والشليل: المسح الذي يُلْقَى على عجز البعير، وكفاك دليلًا ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ (٢). وقوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ محل ﴿كَأَنَّهُ﴾ النصب على الحال من الجبل، أي: ورفعناه مشبهًا ظُلةً، أو هو كأنه ظلة، فيكون في موضع رفع. والظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحابة. وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون معطوفًا على ﴿نَتَقْنَا﴾ فيكون محله جرًا، وأن يكون حالًا وقد معه مرادة، أي: وقد علموأ أنه ساقط عليهم. وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ على إرادة القول، أي: وقلنا: خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم، أي: رفعناه قائلين ذلك. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ قرئ: (واذكروا) (٣) بمعنى تذكروا، وبه قرأ ابن مسعود ﵁: (وتذكروا ما فيه) (٤)، فكأنهم أمروا بالتذكر والتفكر، وهي قريبة من معنى قراءة الجمهور؛ لأنهم إذا تذكروا ذكروا. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ

стр. 1509

تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: واذكر إذ أخذ. و ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من بني آدم بإعادة الجار، وهو بدل البعض من الكل، وقد مضى الكلام على الذرية في "البقرة" بأشبع ما يكون (١). وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عطف على ﴿أَخَذَ﴾، فيكون موضعه جرًا، أي: اذكر وقت أخذ ربك وإشهاده، ويحتمل أن يكون حالًا وقد معه مرادة، وذكر نظيره قبيل (٢). وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ مفعول من أجله، وفيه وجهان: أحدهما: متعلق بقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أي: أشهدهم على أنفسهم كراهة أن تقولوا، أو لِئلَّا تقولوا. والثاني: متعلق بقوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ وذلك أن الله تعالى لما أخرج ذرياتهم من أصلابهم وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قال الله للملائكة: اشهدوا، فقالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾. و: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هذا كله من قول الملائكة، فيوقف على ﴿بَلَى﴾ على هذا الوجه، ولا يوقف عليه على الأول. وقرئ: (أن تقولوا)، (أو تقولوا) بالتاء فيهما النقط من فوقه (٣) على الخطاب حملًا على ما قبله، وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾.

стр. 1510

وبالياء فيهما النقط من تحتها (١) حملًا على ما قبله من لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. قال أبو علي: وكلا الوجهين حسن؛ لأن الغُيَّب هم المخاطبون في المعنى (٢). ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾: قوله : ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فلحقه وأدركه وصار قرينًا له. يقال: أَتْبَعْتُ القومَ، إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم وأدركتهم، وأَتْبَعْتُ أيضًا غيري، يقال: أَتْبَعْتُهُ الشيءَ فتبعه (٣). فيحتمل على هذا أن يكون المفعول الثاني محذوفًا في الآية، أي: فأتبعَهُ الشيطانُ جنودَهُ، أو خطواته، والأول أمتن وعليه الجمهور. قال أبو الحسن: تَبِعْتُهُ وأَتْبَعْتُهُ بمعنًى، مثل: رَدِفتُهُ وأَرْدَفْتُهُ (٤). وقرئ: (فاتَّبعه) (٥)، بمعنى فتبعه، وهذه القراءة تعضد الوجه الأول، وأن اتَّبَع هنا بمعنى تبع. وقد ذكر معنى الغاوي فيما سلف من الكتاب (٦).

стр. 1511

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾: قوله : ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى الدنيا وركن إليها، يقال: أخلدت إلى فلان، إذا ركنت إليه، ومنه: أخلد بالمكان، إذا أقام به ولزمه. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ محل الجملة كلها النصب على الحال من ﴿الْكَلْبِ﴾، والعامل فيها ما في المثل من معنى الفعل، كأنه قيل: يشبه الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين، يقال: لَهَثَ الكَلْبُ يلهَثُ بالفتح فيهما لَهْثًا ولُهاثًا، إذا أخرج لسانه من التعب والعطش. ومعنى لَهْثِهِ في الحالتين: أنك إذا طردته وحملت عليه بالطرد نبح وولى هاربًا، وإن تركته شد عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلًا عليك ومدبرًا عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. وعن ابن عباس ﵄: الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حُمل عليه، أو لم يُحملْ عليه (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ مبتدأ وخبر، والإِشارة إلى ما ذكر ووصف. ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾:

стр. 1512

قوله : ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ (ساء) بمنزلة بئس، وفاعله مضمر، وهو من جنس المنصوب الذي هو ﴿مَثَلًا﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ مفسر له، وفي الكلام تقدير حذف مضاف محذوف، وذلك المحذوف هو المخصوص بالذم، والتقدير: ساء المثل مثلًا مثلُ القوم، لا بد من هذا التقدير؛ لأن المخصوص بالذم لا يكون إلَّا من جنس فاعل بئس، والفاعل المثل، والقوم ليس من جنس المثل، فوجب أن يكون التقدير ما ذكرت، ثم حذف فاعل ﴿سَاءَ﴾ لدليل المفسر، والمضاف لعدم اللبس، وأقيم ﴿الْقَوْمُ﴾ مقامه، فهو كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وارتفاع ﴿الْقَوْمُ﴾ على أحد وجهين: إما على الابتداء وخبره ساء، أو على إضمار مبتدأ، أي: هو القوم. فإن قلت: ساء متصرف أم لا؟ قلت: إن بقي على أصله فهو متصرف، نحو ساء يسوء سوءًا، لبقائه على أصل وضعه، وإن ضُمّن معنى الذم فهو غير متصرف، لخروجه عن أصل وضعه بالتضمين. وقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ قد جوز أن يكون معطوفًا على ﴿كَذَّبُوا﴾ فيدخل في حيِّز الصلة بمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم. وأن يكون كلامًا منقطعًا عن الصلة بمعنى: وما ظلموا إلَّا أنفسهم، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدوها إلى غيرها، قاله الزمخشري (٢). ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ (ذرأنا): خلقنا،

стр. 1513

﴿لِجَهَنَّمَ﴾ من صلة ﴿ذَرَأْنَا﴾، و ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ في موضع الصفة لكثير، وكذا ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، وهم لا يعقلون ما يصيرون إليه من العذاب. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغفلة. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾: قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحسنى) صفة للأسماء على إرادة الجماعة في الموصوف، ولذلك أنثت الصفة، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (١). وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ قرئ: بضم الياء وكسر الحاء (٢) وماضيه أَلحد، ويعضده قوله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (٣)، وقول الشاعر: ٢٣٩ - * ليس الإِمامُ بالشحيحِ المُلْحِد (٤) * قال أبو علي: ولا تَكادُ تَسمعُ لاحِدًا (٥). وبفتح الياء والحاء (٦)، وماضيه لحد، وينصره: اللحد، وهما لغتان

стр. 1514

بمعنًى، عن أبي الحسن وغيره (١)، وأصله: العدول عن الاستقامة والانحراف عنها، ومنه اللحد الذي يحفُر في جانب القبر، خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾. والثاني: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، أي: سنستدرج الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم. قيل: والاستدراج: استفعال من الدرجة، بمعنى الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة، ومنه دَرَجَ الصبي، إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئًا بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في إثر بعض (٢). ومعنى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: سنستدنيهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم، ولا نباغتهم كما يرتقي الراقي في الدرجة، فيتدرج شيئًا بعد شيء حتى يصل إلى العلو. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾: قوله : ﴿وَأُمْلِي﴾ يحتمل أن يكون معطوفًا على نستدرجهم داخلًا في حكم السين، وأن يكون مستأنفًا، أي: وأنا أملي لهم. والإِملاء: الإِمهال، يقال: أمليت له في غيّه، إذا أطلت، وأملى الله

стр. 1515

له، أي: أمهله وطوَّل له. والمعنى: أطيل لهم المدة وأؤخرهم مَلاوةً من الدهر (١). وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: شديد قوي، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب، وهما متنان. قيل: وسماه كيدًا؛ لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان (٢). والجمهور على كسر إن على الاستئناف، وقرئ: بالفتح (٣) على تقدير: لأن كيدي متين. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (ما) تحتمل أن تكون نافية على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، وفي الكلام حذفٌ تقديره: أو لم يتفكروا في قولهم وفيما يصدر منهم: شاعر مجنون، أو فيما أتاهم به محمد ﷺ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: من جنون. والجِنّة: الجنون، والاسم والمصدر على صورة واحدة، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة، أي جِنَّةٌ. وأن تكون استفهامية بمعنى أو لم يتفكروا أي شيء بصاحبهم من الجنون مع انتظام أقواله وأفعاله؟

стр. 1516

وقد جوز أن تكون موصولة (١)، بمعنى: أو لم يتفكروا في ما بصاحبهم من الجنون على زعمهم مع استقامة ما يصدر منه، فيعلمون بطلان ما يصدر منهم ويفوهون به، وهو قولهم: شاعر مجنون، ومنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢). ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾: قوله : ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ (ما) موصولة في موضع جر عطفًا على ﴿مَلَكُوتِ﴾، أي: وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء. ﴿وَأَنْ عَسَى﴾ أن: في موضع جر أيضًا عطفًا على ﴿مَلَكُوتِ﴾، وأن مخففة من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن والحديث، أي: أولم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، و ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾ , واسم يكون مضمر فيها، وهو ضمير الشأن والحديث. و﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: الجملة في موضع نصب بخبر ﴿يَكُونَ﴾، وهي مفسرة للضمير، والمعنى: ولعلهم يموتون عما قريب وهم يسوّفون بالتوبة. وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الباء من صلة يؤمنون، والضمير في ﴿بَعْدَهُ﴾ للقرآن، أي: بأي كتاب بعد هذا الكتاب يصدقون؟ وقيل: لرسول الله ﷺ (٣) ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾:

стр. 1517

قوله : ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ (فلا هادي له) في موضع جزم على جواب الشرط. وقوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ قرئ بالياء والنون، والجزم، والرفع (١): أما الياء فلقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾. وأما النون: فعلى إخبار الله عن نفسه بلفظ الجمع لعظمته. وأما الجزم: فعلى العطف على محل ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد، ومثله في الحمل على المحل قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) على قراءة من جزم (٣). وأما الرفع: فعلى الاستئناف والقطع عما قبله. وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في موضع الحال، والعَمَهُ: التحيّر والتردد، وقد عَمِهَ بالكسر يعمَهُ، فهو عَمِهٌ وعامِهٌ، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤)، والجمع: عُمَّهٌ. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾: قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (عن الساعة) من صلة السؤال.

стр. 1518

الزمخشري: والساعة من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق (١). و﴿أَيَّانَ﴾ سؤال عن الزمان على جهة الظرف للفعل، قال الراجز: ٢٤٠ - * أيّانَ تَقضِي حاجتي أيَّانَا (٢) * وهو بمعنى مَتَى، ولذلك بُني لتضمنه معنى حرف الاستفهام كمتى، قيل: واشتقاقه من أيٍّ، فَعْلان منه، والنون فيه مزيدة حملًا على الأكثر في نحو ذلك. فإن قيل: فهلا جعلته فعَّالًا من لفظ أين؟ قيل: يمنع من ذلك أن أيان ظرف زمان، وأين ظرف مكان، لكنه ينبغي أن يكون من لفظ أيٍّ لما ذكر من اعتياد زيادة النون في نحو هذا، ولأن معناه: أي وقت، ولأن كليهما استفهام، أعني أيًّا وأيان (٣). وأيٌّ من لفظ أويت ومعناه، أما اللفظ: فلأن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت وعييت، وأما المعنى: فلأن البعض آوٍ إلى الكل متساند إليه، فأصل أيٍّ على هذا: أويٌ، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصارت أيّ، كقولهم: طويت الكتاب طيًا، وشويت اللحم شيًا. والجمهور على فتح همزته، وقرئ (إِيان) بكسرها (٤)، وهي لغية.

стр. 1519

و ﴿مُرْسَاهَا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أَيَّانَ﴾، ومحل الجملة النصب لكونها معمول مدلول السؤال، أي يسألونك عنها قائلين: متى إرساؤها؟ أو وقت إرسائها؟ أي إثباتها، من أرسى السفينة، إذا أثبتها، ومنه الجبال الراسيات، أي الثابتات، وهو مُفعَلٌ، مصدر بمعنى الإِفعال، كالمدخل والمخرج بمعنى الإِدخال والإِخراج. والمعنى: متى يرسيها الله؟ وقيل: محلها الجر على البدل من ﴿السَّاعَةِ﴾، كأنه قيل: يسألونك عن وقت حلول الساعة (١). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ ابتداء وخبر، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: علم وقت إرسائها عنده، قد استأثر به، لم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه. وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ يقال: جلَّى الشيء، إذا كشفه وأظهره فانجلى هو. وقوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ثقلت على أهل السماوات والأرض، أي: تثقل عند وجودها لعظمها وشدة أهوالها. والثاني: ثقل علمها عليهم، ولا أثقل من الساعة، وكفاه دليلًا ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (بغتة) مصدر في موضع الحال من المستكن في ﴿لَا تَأْتِيكُمْ﴾، أو من المخاطبين، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب نظيرها في غير موضع (٢).

стр. 1520

وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (عنها) يحتمل أن يكون من صلة السؤال على التقديم والتأخير، و (عن) على بابها، ومعمول ﴿حَفِيٌّ﴾ محذوف حذف للعلم به، والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بها، أي عالم بها أو بهم، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. والحفي: العالم الذي يتعلم الشيء باستقصاء، يقال: أحفى فلان في المسألة، إذا ألحّ فيها وبالغ. وحفِي بفلان يحفَى، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حفاوة، وتحفَّى به، إذ بالغ في البِرِّ به، والحفيُّ أيضًا: المستقصي في السؤال، قال الأعشى: ٢٤١ - فإنْ تَسْأَلي عنِّي فيا رُبَّ سَائلٍ ... حَفِيٍّ عن الأَعشَى به حيث أَصْعَدا (١) أي: يسألونك عنها كأنك أكثرت السؤال عنها حتى علمتها. وقيل: إنَّ قريشًا قالوا: إنَّ بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟ فقيل: يسألونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم، فتخصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتَزْوِي علمها عن غيرهم (٢). ومنه: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٣) أي: بارًا معنيًا. وحفيٌّ فعيلٌ بمعنى مُحْفٍ، أو بمعنى فاعل على التأويلين، وأن يكون من صلة حفي، ولا يكون في الكلام تقديم ولا تأخير.

стр. 1521

و (عن) بمعنى الباء، والمفعول الثاني للسؤال محذوف تمديره: يسألونك كأنك حفي بها. وقيل: كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعني أنك تكره السؤال عنها؟ لأنه من عِلْمِ الغيب الذي استأثر الله به، ولم يؤتِه أحدًا من خلقه (١). وقيل: كأنك مسؤول عنها، فأقيم ﴿حَفِيٌّ﴾ مقام مسؤول (٢). ومحل ﴿كَأَنَّكَ﴾ النصب على الحال من الكاف، قيل: وكرر ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ و ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها (٣). ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾: قوله : ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء، والاستثناء من الجنس. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ من صلة البشير، ومعمول النذير محذوف تقديره: إن أنا إلَّا نذير للكافرين، وبشير لقوم يؤمنون، و ﴿إِنْ﴾ بمعنى: ما. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾:

стр. 1522

قوله : ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ من صلة ﴿جَعَلَ﴾، الزمخشري، أي: ليطمئن إليها، ويميل ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أَميل وبه آنس (١)، ولذلك كانت الأشياء تحنُّ إلى أشكالها، وتهرب من أضدادها. وقال: ﴿لِيَسْكُنَ﴾ فذكّر بعدما أنّث في قوله: ﴿وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ذهابًا إلى معنى النفس، إذ المراد بها آدم ﵇، أو لأن الذَّكَرَ هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها (٢). والتغشي كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان، يقال: تغشَّى حليلته وغشيها، إذا علاها. وقوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ خف عليها، يعني المنيّ، والحَمل بفتح الحاء: ما كان في البطن وأخرجه الشجر، وبالكسر: ما يحمل. وقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ الجمهور على تشديد الراء، وهو من المرور، أي: فقامت بذلك الحمل الخفيف وقعدت إلى أن صارت إلى حال الثقل، عن قتادة وغيره (٣). وقيل: هو مقلوب مثل أدخلت القلنسوة في رأسي. والمعنى: فاستمر بها (٤). وقرئ: (فمرَت) بتخفيفها (٥)، وهو مخفف من قراءة الجمهور لثقل

стр. 1523

التضعيف مع تكرير الراء. وقد جوز أن يكون من المَرْي وهو الجحد، على معنى: فوقع في نفسها ظن الحمل وارتابت به، يعضده قول ابن عباس ﵄: شَكَّتْ في الحمل لخفته (١). وقرئ: (فمارت به) بألف بعد الميم مع تخفيف الراء (٢)، وهو من مار يمور مَوْرًا، إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للطريق: المَوْرُ، للذهاب والمجيء عليه. وقرئ: (فاستمرت به) (٣)، قيل: ومعناه مرت مكلِّفة نفسها ذلك؛ لأن استفعل إنما يأتي في الأمر العام لمعنى الاستدعاء والطلب. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ الجمهور على فتح الهمزة والقاف على البناء للفاعل بمعنى ثقل حملُها، يقال: أثقلت المرأة فهي مثقل، إذا ثقل حملها، كأقربت، إذا قرب ولادُها، والولاد والولادة بمعنى واحد. وقرئ: (أُثقِلت) بضم الهمزة وكسر القاف على البناء للمفعول (٤)، بمعنى أثقلها الحمل. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ قيل: الضمير لآدم

стр. 1524

وحواء ﵍ (١) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: جُعل أولادُهما له شركاء، وكذلك ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: آتى أولادهما، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جمع الضمير، وأبوانا بريئان من الشرك (٢). وقرئ: (شُرَكاء) بضم الشين وفتح الراء والمد (٣)، وهو جمع شريك. وقرئ: (شِرْكًا) بكسر الشين وسكون الراء من غير مد (٤)، وهو مصدر شَرِكْتُ أَشْرَكُ شِرْكًا، وفي الكلام على هذه القراءة حذف مضاف، أي: ذوي شرك، وهم الشركاء. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم على ما فسر (٥). ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾: قوله : ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ (أنتم) مبتدأ، و ﴿صَامِتُونَ﴾ خبره، وهذه جملة اسمية وقعت موقع الجملة الفعلية التي هي صمَتُّم. فإن قيل: ولم عدل عن الجملة الفعلية إلى الإسمية، وهلا قيل: أم صَمَتُّم؟ قيل: لِما في ذلك من زيادة الفائدة، وذلك أن الفعل أفاد الماضي،

стр. 1525

واللفظ أفاد معنى الحال؛ لأنهم إذا حزبهم أمر دَعَوا الله دون أصنامهم، بشهادة قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (١) وكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل: إن دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم وبين ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والراجع محذوف، أي: تدعونهم، أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله. و﴿عِبَادٌ﴾ خبر إنّ، و ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ نعت له، والمعنى: إن الذين تدعون من دون الله مخلوقون كما أنتم مخلوقون، فسماهم عبادًا على تشبيههم في خلقهم بالناس. وقيل: قوله: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ استهزاء بهم، أي: قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضل بينكم، ثم أبطل أن يكونوا عبادًا أمثالهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ (٣). وقرئ: (إنِ) بالتخفيف و (عبادًا أمثالَكم) بالنصب (٤)، على أن (إن) هذه بمنزلة (ما) على اللغة الحجازية، و (الذين) اسمها، و (عبادًا) خبرها، و (أمثالكم) نعت له.

стр. 1526

وإن بمعنى (ما) لا تعمل عند صاحب الكتاب ﵀ لأن (إن) هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص (ما) به، فتجري مجرى ليس في المعنى، وتعمل عند المبرد (١). والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، إنّما هي خشب وحجارة، فأنتم عقلاء مخاطبون، وهي لا تعقل ولا تسمع، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟ وتحتمل أن تكون إن مخففة من الثقيلة و (عبادًا) بدل من العائد المحذوف، أو حال منه، وفي الخبر وجهان: أحدهما: فادعوهم، ودخلت الفاء لما في الموصول من معنى الجزاء، كما دخلت في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (٢) وما أشبه ذلك لذلك. والثاني: محذوف، أي: محدثون، أو مصنوعون، ونحو ذلك. وإن جعلت إن مخففة من الثقيلة كان معنى الآية كمعناها في قراءة الجمهور، وقد ذكر. وقرئ أيضًا: (عبادًا) بالنصب على البدل من الراجع، أو على الحال منه، و (أمثالُكم) بالرفع (٣) على خبر إنَّ. ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾: قوله : ﴿يَمْشُونَ بِهَا﴾ في موضع الرفع على النعت لأرجل،

стр. 1527

ومثله: (يبطشون) وضَمُّ الطاء وكسرها لغتان، وقد قرئ بهما (١). ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾: قوله : ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ قراءة الجمهور بياءين الأولى شديدة مكسورة، والثانية خفيفة مفتوحة وهو الأصل، ورفع اسم الله على خبر إن، بمعنى: إنَّ ناصري عليكم اللهُ الذي من صفته كيت وكيت. فإن قلت: كيف ساغ الجمع بين ثلاث ياءات وذلك, مجتنب في كلام القوم، ولذلك قالوا في تصغير خطايا - اسم رجل -: خُطَيِّئٌ بالهمز؟ قلت: جاز ذلك لأن الثالث ياء النفْس، وياء النفس بمنزلة المنفصلة. وقرئ: (إنَّ وليَّ الله) بياء واحدة مشددة مفتوحة (٢) على حذف الياء التي هي لام الكلمة وإدغام الياء التي قبلها، وهي ياء فعيل في ياء النفْس. وقرئ أيضًا: (أن وليِّيْ الله) بياءين الأولى مشددة مكسورة، والثانية ساكنة محذوفة في الوصل في اللفظ (٣)، لسكونها وسكون ما بعدها. وقرئ أيضًا: (إن وليَّ اللهِ) بياء واحدة مشددة مفتوحة وجر اسم الله تعالى (٤) بالإِضافة، على أن المراد بالوليِّ جبريل ﵇، وخبرُ (إنَّ) قوله:

стр. 1528

﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (١). ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾: قوله : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ النزغ: الإِزعاج بالإِغواء، وقيل: النزغ في اللغة أدنى حركة تكون (٢). والمعنى: وإما ينخسنَّك منه نَخْسٌ، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أُمرتَ به، فاستعذ بالله ولا تُطِعْهُ، والنزغ، والنسغ، والنخس نظائر في اللغة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا المعاصي، (إذا مسَّهُم طيف (٣) من الشيطان): لمم منه، قال الشاعر: ٢٤٢ - .................. ... فإذا بِها وأَبِيكَ طَيْفُ جُنُونِ (٤) وقرئ: (طَيْفٌ) (٥) وفيه وجهان: أحدهما: مصدر قولك: ءطاف به الخيال يطيف طيفًا، إذا أَلَمَّ به في المنام، قال:

стр. 1529

٢٤٣ - أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيالُ يطيفُ ... ...................... (١) والثاني: اسم فاعل منه، وأصله: طيِّفٌ فيعِلٌ، من طاف يطيف، كليّنٍ من لان يلين، أو من طاف يطوف، كميْتٍ من مات يموت. وأصله: طيوفٌ فخفف كما يخفَّفان، وبه قرأ بعض القراء (طيِّفٌ) (٢). وقرئ: (طائف) (٣)، وهو يحتمل الأمرين: أن يكون مصدرًا كالعاقبة والعافية، وأن يكون اسم فاعل وهو أحسن، ؛ لأن المصدر على فاعل قليل. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾: قوله : ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ قرئ بفتح الياء وضم الميم (٤) من مدَّ يمدُّ، أي: يكونون مددًا لهم فيه ويعضدونهم. وقرئ: (يُمِدُّونهم) بضم الياء وكسر الميم (٥) من الإِمداد، قال أبو زيد: مدَدْنا القوم، أي: صرنا مددًا لهم، وأمددناهم بغيرنا، ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ (٦).

стр. 1530

وقرئ: (يُمادُّونهم) (١) يُفاعلونهم، من أمددته بكذا، بمعنى: يعاونونهم. وقوله: ﴿فِي الْغَيِّ﴾ من صلة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، وقد جوز أن يكون متصلًا بالإِخوان، أي: وإخوانهم في الغيِّ يمدونهم، وأن يكون حالًا من ضمير المفعول وهو الهاء والميم في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، أو من ضمير الفاعل. واختلف في الضمير في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾: فقيل: للشيطان، إذ المراد به الجنس، وقيل: للمشركين (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يمسكون عن إغوائهم ولا يرحمونهم، من أقصرت عنه، أي: كففت ونزعت مع القدرة، فإن عجزت عنه قلت: قصرت، بلا ألف. ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾: قوله : ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال الفراء: العرب تقول: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته، إذا افتعلته من قبل نفسك، والمعنى: هلَّا افتعلتها افتعالًا من عند نفسك، لأنهم كانوا يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ (٣). ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾: قوله : ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ فيه وجهان:

стр. 1531

أحدهما: أن تكون اللام بمعنى لله، أي: لأجله. والثاني: أن تكون مزيدةً، أي فاستمعوه. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ مصدران في موضع الحال، أي: متضرِّعًا وخائفًا، وقد يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله، إمّا من لفظه فيكون محذوفًا، وإمّا من معنى المذكور فاعرفه، فإنه يحتاج إلى أدنى تفكُّر. و﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: عطفٌ على ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي: ومتكلمًا كلامًا في ون الجهر، كقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (١). وقوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الغدوُّ: مصدرُ غدا، وفي الكلام حذفٌ تقديره: بأوقات الغدوّ، وهي الغَدَوات، فعبر بالفعل عن الوقت، كما تقول: أتيتك طلوعَ الشمس، وخفوقَ النجم، أي: في وقتهما. والآصال: جمع أُصُلٍ، وأُصُل: جمع أصيل، فالآصال جمع الجمع (٢). وقيل: الآصال: جمع أصيل، كيمين وأيمان (٣). والأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، قيل: واشتقاقه من الأصل

стр. 1532

الذي ينتهي إليه النهار وينشأ عنه الليلُ، فهو أصل لهما على هذا المعنى (١). وقرئ: (بالغدوِّ والإِيصال) بكسر الهمزة وياءٍ بعدها (٢)، وهو مصدر قولك: آصَل فلانٌ فهو مؤصِلٌ، إذا دخل في الأصيل، كأفجر وأعتم. قال أبو النجم: ٢٤٤ - *فصدرت بعد أصيلِ المُوصِلِ (٣) * وهو مطابقٌ للغدوِّ. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلْهَون عنه، والله تعالى أعلم بكتابه. [هذا آخر إعراب سورة الأعراف والحمد لله رب العالمين]

стр. 1533

إعراب سُورَةِ الْأَنْفَالِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾: قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الجمهور على إثبات ﴿عَنِ﴾ على الأصل، وذلك أنهم إنما سألوا رسول الله ﷺ عن الأنفال تعرضًا لطلبها واستعلامًا لحالها، هل يسوغ طلبها؟ لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم على ما فسر (١). أو يسألونك عنها: لمن هي؟ جهالةً بحالها، وذلك أن الاختلاف وقع بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها، فسألوه ﵊ عنها، وكلا التأويلين يقتضي إثبات (عن) (٢). وقرئ: (يسألونك الأنفال) بطرحها (٣) على التفسير وتعدي السؤال إلى مفعولين، لما روي أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من أتى مكان كذا فله كذا" (٤)

стр. 1534

فتسرع الشبان وبقي الشيوخ، فجاء الشبان يطلبون ما جعل لهم، فنازعهم فيه الشيوخ فنزلت. أي: يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال؟ ولك أن تحمل على إسقاط الجار وتعدي الفعل كقوله: ٢٤٥ - أَمَرْتُكَ الخَيْرَ ... ........................ (١) أي: به، فلما حذف الباء نصب المفعول، فالقراءتان على هذا بمعنًى واحدٍ. والأنقال: الغنائم، واحدها نَفَل بالتحريك. قال لبيد: ٢٤٦ - إنَّ تَقْوَى ربِّنا خَيْرُ نَفَلْ ... ........................... (٢) تقول منه: نفلت فلانًا تنفيلًا، أي: أعطيته نفلًا. وقرئ: (علّنفال) (٣) بطرح الهمزة بعد إلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها تخفيفًا واعتدادًا بالعارض، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب نظيره (٤). ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:

стр. 1535

قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الَّذِينَ﴾، و ﴿إِذَا﴾ من صلة ﴿وَجِلَتْ﴾، أي: فزعت، يقال: وَجِل يَوْجَلُ وَجَلًا ومَوْجَلًا فهو وجلٌ. وفي مستقبله أربع لغات حكاها صاحب الكتاب ﵀: إحداهما: تصحيح الواو وهي المشهورة، وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (١). والثانية: ياجل، بقلب الواو ألفًا لأجل الفتحة قبله والهرب من اجتماع الواو والياء إلى الألف. والثالثة: قلب الواو ياء نحو: يَيْجَلُ، وذلك على طريقة سيِّد إلَّا أن الإِدغام هنا لم يتأت؛ لأجل أن الحركة في الياء الأولى من ييجل تمنع من الإِدغام. والرابعة: يِيجَلُ بكسر الياء وقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كما فعل بميقات وميعاد، وهذا على لغة من يكسر حروف المضارعة (٢). وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الهاء والميم في ﴿زَادَتْهُمْ﴾. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾: قوله : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (حقًّا) يحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: إيمانًا حقًّا، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا للجملة التي هي ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كما تقول: هو عبد الله حقًّا.

стр. 1536

وقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (عند ربهم) يحتمل أن يكون ظرفًا للظرف، وأن يكون نعتًا لدرجات. ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾: قوله : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ في محل الكاف وجهان: [أحدهما: ] النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، ثم في ذلك المصدر أقوال وتقديرات: - أحدها: تقديره: الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتًا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك بالحق وهم كارهون، والمعنى: تنفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك من بيتك وإن كرهوا، يعني بيته بالمدينة أو المدينة نفسها؛ لأنها مهاجرهُ ومسكنهُ ﷺ . - والثاني: امض لأمر الله في الأنفال مضاء مثل مضائك لأمره في الخروج وهم له كارهون، وكلا القولين بمعنًى وإن اختلفا في اللفظ والتقدير. - والثالث: نعت لحق (١)، أي: أولئك هم المؤمنون حقًّا مثل إخراج ربك من بيتك بالحق. - والرابع: وأطيعوا الله ورسوله إطاعة مثل ما أخرجك ربك من بيتك. - والخامس: يجادلونك في الحق جدالًا مثل ما أخرجك، أي: مثل ما كرهوا إخراجك بالحق؛ لأن فيه هذا المعنى وإن قدم ذكر الإِخراج. - والسادس: وهم كارهون كراهة مثل كراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك. [والثاني: ] الرفع على أنه مبتدأ محذوف وتقديره: هذه الحال مثل حال

стр. 1537

إخراجك، يعني: أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. وقال أبو عبيدة: الكاف بمعنى الواو التي للقسم، وما بمعنى الذي، أي: والذي أخرجك ربك (١). وهذا من النحو الذي معناه التعبد لا يعقل. و (ما) مصدرية وبـ ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال، أي: إخراجًا ملتبسًا بالحكمة والصواب الذي لا محيد عنه. وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الواو واو الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم، ومثلها: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ (إذ) في موضع نصب بإضمار فعل تقديره: واذكروا إذ. والجمهور على ضم الدال، وقرئ: (إذ يعدْكم) بإسكانها (٢)، لتوالي الحركات وثقل الضمة. و ﴿إِحْدَى﴾: مفعول ثان للوعد. وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿إِحْدَى﴾ وهو بدل الاشتمال، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وإذ يعدكم الله ملك إحدى الطائفتين. فإن قلت: لِمَ احتيج إلى حذف المضاف؟ قلت: قيل: لأن الوعد لا يقع على الأعيان، إنما يقع على الأحداث (٣).

стр. 1538

وقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ جملة مستأنفة، والشوك: شدة البأس والحد في السلاح، مستعارة من واحدة الشوك، وقد شاك الرجل يشاك شوكًا، أي: ظهرت شوكته وحدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح أيضًا مقلوب منه. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ قيل: اللام من صلة محذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل، فعل ذلك ما فعله إلَّا لهما، وهو إنبات الإِسلام وإظهاره، وإبطال الكفر ومَحْقُهُ. وقيل: من صلة قوله: ﴿وَيَقْطَعَ﴾ (١). ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾: قوله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ (٢)، وأن يكون من صلة قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ (٣)، وإن يكون مستأنفًا منصوبًا بإضمار اذكروا. وقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ الجمهور على فتح الهمزة على حذف حرف الجر، أي؛ بأني، فلما حذف الباء تعدى إليه الفعل ففتح. وقرئ: بكسرها (٤) على إرادة القول، أو لأن الاستجابة نوع من القول. فإن قلت: ما محل ﴿أَنِّي﴾ على قراءة من فتح؟ قلت: النصب لعدم الجار، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.

стр. 1539

وقوله: ﴿بِأَلْفٍ﴾ الجمهور على إفراد لفظ الألف، وقرئ: (بآلُفٍ) على الجمع (١)، وهو أَفْعُلٌ كأفلُس، وسئل قارئها عنها فقال: هي الخمسة التي في "آل عمران" (٢). وقرئ: (مردِفين) بكسر الدال وفتحها (٣). وبعد .. فإنه يقال: رَدِفَهُ وَأَرْدَفَهُ، إذا جاء بعده، قال أبو الحسن: تقول العرب: بنو فلان يُرْدِفُونَنا، أي: يجيئون بعدنا (٤). ويقال أيضًا: رَدِفه، إذا ركب خلفه، وأَرْدَفَهُ، إذا أركبه خلفه (٥). ويقال أيضًا: ردفه أمر وأردفه بمعنًى، كتبعه وأتبعه (٦). وقيل: ردفه إذا تَبعه، وأردفه أتبَعَهُ إياه (٧). وعن ابن عباس ﵄: معنى مردفين: مع كلّ مَلَكٍ مَلَكٌ (٨). وعن قتادة وغيره: معنى مردفين: متتابعين (٩). فإذا فهم هذا، فوجه من كسر الدال أنه بنى الفعل للفاعل وأسنده إلى الملائكة، بمعنى: جائين فرقة بعد فرقة، أو بمعنى: مردفين خلفهم غيرهم أو أمثالهم، فحَذَفَ المفعول، وحَذْفُ المفعول كثير في كلام القوم نظمهم

стр. 1540

ونثرهم، أو بمعنى: متتابعين، أو بمعنى متبعين، وكلا مفعوليه محذوف، أي: متبعين أنفسهم المؤمنين أو ملائكة آخرين. وموضع ﴿مُرْدِفِينَ﴾ جر على النعت لألفٍ، أو لآلُفٍ. ووجه من فتح الدال: أنه بنى الفعل للمفعول وأسنده إلى المستكن فيه، بمعنى: أردف الله المؤمنين بهم، ومحله الجر أيضًا على النعت، أو النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿مُمِدُّكُمْ﴾. فإن قلت: الضمير مجرور بإضافة (ممد) إليها، فكيف قلت: أو النصب من الضمير المنصوب؟ قلت: هو مجرور في اللفظ منصوب في المعنى؛ لأن اسم الفاعل بمعنى الاستقبال، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١). وقرئ: (مُرُدِّفين) بكسر الراء وضمها وتشديد الدال (٢)، وأصله: مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال بعد حذف حركتها وقلبها دالًا ليصح إدغامها فيها، فالتقى ساكنان: الراء والتاء، فحركت الراء بالكسر على الأصل في التقاء الساكنين، أو على إتباعها لكسرة الدال، وبالضم على الإِتباع لضمة الميم. ويجوز لك فتح الراء على أن تُلقِي فتحة التاء على الراء. وكسر الميم والراء على إتباعها لكسرة الراء. وقد جوز أن يكون فتح الراء من ردَّف يردَّفُ فهو مُردِّفٌ بتضعيف العين إما للتكثير، أو للتعدية كفرَّحتُه وأفرحتُهُ، والراء في الجميع مفتوحة، أعني في الماضي والمضارع واسم الفاعل.

стр. 1541

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ فإن قلت: إلَامَ يرجح الضمير في ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾؟ قلت: إلى أحد خمسة أشياء: إما إلى الألف، أو إلى الإِمداد دلَّ عليه ﴿مُمِدُّكُمْ﴾، أو إلى الإرداف دل عليه ﴿مُرْدِفِينَ﴾، أو إلى الدعاء دل عليه ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، أو إلى الوعد دل عليه معنى الكلام، وقد جوز أن يكون للبشرى حملًا على المعنى؛ لأن البشرى والاستبشار بمعنى. وكذلك الضمير في ﴿بِهِ﴾ حكمه حكمه (١). و﴿بُشْرَى﴾ مفعول ثان لجعل إن جعلته بمعنى صير، وإن جعلته بمعنى عمل كان ﴿بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله، أو بدلأ من الضمير في ﴿جَعَلَهُ﴾، وقد ذكر في "آل عمران" (٢). وقد مضى الكلام على قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيضًا في "آل عمران" فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٣). ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾: قوله : (إذ يغْشَاكُم) (إذ) يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ (٤)، وأن يكون منصوبًا بالنصر، أو بما في ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو بما ﴿جَعَلَهُ﴾، أي: جعله بشرى لكم حين يغشاكم النعاس.

стр. 1542

وقرئ: (يَغْشَاكم) بفتح الياء والشين مع إسكان الغين وألف بعد الشين مع تخفيفها ورفع النعاس به (١). وقرئ: (يُغَشِّيكُم) بضم الياء وفتح الغين وكسر الشين مشددة ونصب (النعاس) (٢). وقرئ كذلك، غير أن الغين ساكنة والشين مخففة (٣)، والمستكن فيه لله تعالى. و﴿أَمَنَةً﴾ مفعول له، أي: يغشاكم من أجل الأمنة، وهي مصدر قولك: أمِن يأمَنُ أَمْنًا وأمانًا وأَمَنَةً. والجمهور على تحريك ميمها، وقرئ: (أمْنة) بإسكانها (٤)، قيل: كأنها المرة من الأمن، ولا يسوغ أن تكون مخففة من ﴿أَمَنَةً﴾ من أجل أن المفتوح في نحو هذا لا يسكن كما يسكن المضموم والمكسور لخفة الفتحة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٥). وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ الجمهور على مد قوله: ﴿مَاءً﴾، وقرئ: (ما) بالقصر (٦)، فما على هذه القراءة موصولة، فكأنه قال: وينزل عليكم من السماء الماء (٧) الذي لطهارتكم، أو لتطهيركم،

стр. 1543

وصلتها حرف الجر وما انجر به، كما تقول: كسوته الثوب الذي للبرد، أي: لدفع البرد، واللام على هذه القراءة متعلقة بمحذوف، وأما على قراءة الجمهور فمتعلقة بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾؛ لأنها لام المفعول له، كالتي في قولك: زرتك لتكرمني، وأعطيتك لتشكرني. وقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ يعني وسوسته وتخويفه إياهم من العطش وغيره. قال ابن عباس ﵄: وسوس الشيطان إلى المسلمين بأن المشركين قد غلبوهم على الماء، وأنهم لا يجدون ما يتطهرون به من الجنابة، ولا ما يتوضؤون به، ولا ما يشربون (١). وقرئ: (رجس الشيطان) بالسين (٢)، قال ابن جني: كل شيء يُستقذَر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه (٣). فسمي ما يؤدي إلى العذاب رجسًا استقذارًا له. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾: قوله : ﴿إِذْ يُوحِي﴾ يحتمل أن يكون بدلًا ثالثًا من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ (٤)، وأن يكون معمول قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ (٥) أي: ويثبت به الأقدام في ذلك الوقت، وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر. وقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ الجمهور على فتح الهمزة، وأصله بأني، فحذف الجار وسلط عليه ﴿يُوحِي﴾، وقد ذكر نظيره في غير موضع.

стр. 1544

وقريء: (إني معكم) بكسرها (١) على إرادة القول، أو على إجراء ﴿يُوحِي﴾ مجرى يقول، لأنه نوع من القول. وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ اختلف فيه، فقيل: فوق هنا: مزيدة، أي: فاضربوا الأعناق (٢). وقيل: هو مفعول به على السعة، لأنه قد استعمل اسمًا، بشهادة قوله: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٣)، أي: فاضربوا أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل (٤). وقيل: هو ظرف والمفعول محذوف تقديره: فاضربوا فوق الأعناق الرؤوس (٥). والوجه عندي: أن يكون مفعولًا به على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنه قيل: فاضربوا مكانًا فوق الأعناق، يعضده قوله أبي العباس المبرد ﵀: ﴿فَوْقَ﴾ يدل على إباحة ضرب وجوههم؛ لأنها فوق الأعناق (٦). وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (منهم) يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿وَاضْرِبُوا﴾، وأن يكون حالًا من ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ لتقدمه عليه، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: واضربوا كل بنان كائنًا منهم. والبنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، الواحد بنانة وهي جمع

стр. 1545

الكثرة، وأما جمع القلة: فبنانات (١). وقال أبو إسحاق: البنان: الأصابع وغيرها من الأعضاء، واشتقاقه من قولهم: أَبَنَّ بالمكان، إذا أقام به ولزمه (٢). فالبنان يلزم به ما يقبض عليه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مبتدأ، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، أي: ذلك العقاب الذي هو ضرب الأعناق والشَوَى (٣) حق عليهم، بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، أي: خالفوهما، كأنهم صاروا في شق آخر، والمشاقة والشقاق: الخلاف والعداوة. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ (مَن) شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجزاء، والعائد على الوجه الثاني محذوف، أي: شديد العقاب له. وأجمعوا على إظهار التضعيف هنا لأجل الرسم مع أن حركة القاف الثانية عارضة، فلذلك لم يَعْتَدُّوا بها، وهو لغة أهل الحجاز، أعني الإِظهار، وغيرهم يدغم حرصًا على إزالة المثلين لثقل ذلك على اللسان. والإِدغام هنا جائز في الكلام، غير أن الاختيار: الكسر؛ لأجل الألف واللام، والفتح جائز معهما، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا (٤).
следующие страницы →