← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ فإن قلت: إلَامَ يرجح الضمير في ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾؟ قلت: إلى أحد خمسة أشياء: إما إلى الألف، أو إلى الإِمداد دلَّ عليه ﴿مُمِدُّكُمْ﴾، أو إلى الإرداف دل عليه ﴿مُرْدِفِينَ﴾، أو إلى الدعاء دل عليه ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، أو إلى الوعد دل عليه معنى الكلام، وقد جوز أن يكون للبشرى حملًا على المعنى؛ لأن البشرى والاستبشار بمعنى. وكذلك الضمير في ﴿بِهِ﴾ حكمه حكمه (١). و﴿بُشْرَى﴾ مفعول ثان لجعل إن جعلته بمعنى صير، وإن جعلته بمعنى عمل كان ﴿بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله، أو بدلأ من الضمير في ﴿جَعَلَهُ﴾، وقد ذكر في "آل عمران" (٢). وقد مضى الكلام على قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيضًا في "آل عمران" فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٣). ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾: قوله : (إذ يغْشَاكُم) (إذ) يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ (٤)، وأن يكون منصوبًا بالنصر، أو بما في ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو بما ﴿جَعَلَهُ﴾، أي: جعله بشرى لكم حين يغشاكم النعاس.

стр. 1542

وقرئ: (يَغْشَاكم) بفتح الياء والشين مع إسكان الغين وألف بعد الشين مع تخفيفها ورفع النعاس به (١). وقرئ: (يُغَشِّيكُم) بضم الياء وفتح الغين وكسر الشين مشددة ونصب (النعاس) (٢). وقرئ كذلك، غير أن الغين ساكنة والشين مخففة (٣)، والمستكن فيه لله تعالى. و﴿أَمَنَةً﴾ مفعول له، أي: يغشاكم من أجل الأمنة، وهي مصدر قولك: أمِن يأمَنُ أَمْنًا وأمانًا وأَمَنَةً. والجمهور على تحريك ميمها، وقرئ: (أمْنة) بإسكانها (٤)، قيل: كأنها المرة من الأمن، ولا يسوغ أن تكون مخففة من ﴿أَمَنَةً﴾ من أجل أن المفتوح في نحو هذا لا يسكن كما يسكن المضموم والمكسور لخفة الفتحة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٥). وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ الجمهور على مد قوله: ﴿مَاءً﴾، وقرئ: (ما) بالقصر (٦)، فما على هذه القراءة موصولة، فكأنه قال: وينزل عليكم من السماء الماء (٧) الذي لطهارتكم، أو لتطهيركم،

стр. 1543

وصلتها حرف الجر وما انجر به، كما تقول: كسوته الثوب الذي للبرد، أي: لدفع البرد، واللام على هذه القراءة متعلقة بمحذوف، وأما على قراءة الجمهور فمتعلقة بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾؛ لأنها لام المفعول له، كالتي في قولك: زرتك لتكرمني، وأعطيتك لتشكرني. وقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ يعني وسوسته وتخويفه إياهم من العطش وغيره. قال ابن عباس ﵄: وسوس الشيطان إلى المسلمين بأن المشركين قد غلبوهم على الماء، وأنهم لا يجدون ما يتطهرون به من الجنابة، ولا ما يتوضؤون به، ولا ما يشربون (١). وقرئ: (رجس الشيطان) بالسين (٢)، قال ابن جني: كل شيء يُستقذَر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه (٣). فسمي ما يؤدي إلى العذاب رجسًا استقذارًا له. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾: قوله : ﴿إِذْ يُوحِي﴾ يحتمل أن يكون بدلًا ثالثًا من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ (٤)، وأن يكون معمول قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ (٥) أي: ويثبت به الأقدام في ذلك الوقت، وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر. وقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ الجمهور على فتح الهمزة، وأصله بأني، فحذف الجار وسلط عليه ﴿يُوحِي﴾، وقد ذكر نظيره في غير موضع.

стр. 1544

وقريء: (إني معكم) بكسرها (١) على إرادة القول، أو على إجراء ﴿يُوحِي﴾ مجرى يقول، لأنه نوع من القول. وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ اختلف فيه، فقيل: فوق هنا: مزيدة، أي: فاضربوا الأعناق (٢). وقيل: هو مفعول به على السعة، لأنه قد استعمل اسمًا، بشهادة قوله: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٣)، أي: فاضربوا أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل (٤). وقيل: هو ظرف والمفعول محذوف تقديره: فاضربوا فوق الأعناق الرؤوس (٥). والوجه عندي: أن يكون مفعولًا به على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنه قيل: فاضربوا مكانًا فوق الأعناق، يعضده قوله أبي العباس المبرد ﵀: ﴿فَوْقَ﴾ يدل على إباحة ضرب وجوههم؛ لأنها فوق الأعناق (٦). وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (منهم) يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿وَاضْرِبُوا﴾، وأن يكون حالًا من ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ لتقدمه عليه، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: واضربوا كل بنان كائنًا منهم. والبنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، الواحد بنانة وهي جمع

стр. 1545

الكثرة، وأما جمع القلة: فبنانات (١). وقال أبو إسحاق: البنان: الأصابع وغيرها من الأعضاء، واشتقاقه من قولهم: أَبَنَّ بالمكان، إذا أقام به ولزمه (٢). فالبنان يلزم به ما يقبض عليه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مبتدأ، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، أي: ذلك العقاب الذي هو ضرب الأعناق والشَوَى (٣) حق عليهم، بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، أي: خالفوهما، كأنهم صاروا في شق آخر، والمشاقة والشقاق: الخلاف والعداوة. والثاني: خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ (مَن) شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط أو الجزاء، والعائد على الوجه الثاني محذوف، أي: شديد العقاب له. وأجمعوا على إظهار التضعيف هنا لأجل الرسم مع أن حركة القاف الثانية عارضة، فلذلك لم يَعْتَدُّوا بها، وهو لغة أهل الحجاز، أعني الإِظهار، وغيرهم يدغم حرصًا على إزالة المثلين لثقل ذلك على اللسان. والإِدغام هنا جائز في الكلام، غير أن الاختيار: الكسر؛ لأجل الألف واللام، والفتح جائز معهما، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا (٤).

стр. 1546

﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾: قوله : ﴿ذَلِكُمْ﴾ محل ذلكم: الرفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ذلكم حكم الله أو عقابه، أو بالعكس، أي: الأمر أو الحكم ذلكم، أو النصب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر، كقولك: زيدًا فاضربه. وقوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ الجمهور على فتح الهمزة عطفًا على ﴿ذَلِكُمْ﴾ على كلا التقديرين: الرفع والنصب. وقرئ بالكسر (١) على الاستئناف. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾: قوله : ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ (زحفًا) حال إما من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو من المؤمنين، أو منهما جميعًا، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أي: متدانين، والتزاحف: التداني. والزحف: الجيش الدهم الذي يُرى لكثرته كأنه يزحف، أي: يدب دبيبًا، من زحف الصبي، إذا دَبَّ على استه قليلًا قليلًا قبل أن يمشي، والجمع زحوف، وهو في الأصل مصدر (٢). وقيل: هو مصدر للحال المحذوفة (٣)، كأنه قيل: إذا لقيتم الذين كفروا تزحفون زحفًا، ثم حذفت الحال لدلالة (زحفًا) عليها. والوجه ما ذكرت لسلامته من هذا التعسف. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الفاء جواب ﴿إِذَا﴾، والأدبار: مفعول ثانٍ لـ ﴿تُوَلُّوهُمُ﴾، وواحد الأدبار: دبُر، بضم الباء، وإسكانها جائز تخفيفًا. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ

стр. 1547

تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾: قوله : ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. (متحرفًا ومتحيزًا) انتصبا على الحال من المستكن في ﴿يُوَلِّهِمْ﴾، و ﴿إِلَّا﴾ لغو، أو على الاستثناء منه؛ لأنه في معنى الجمع، أي: ومن يولهم إلَّا رجلًا منهم متحرفًا، أي: مائلًا، يقال: تحرف عن القوم وانحرف واحرورف، إذا مال وعدل. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾: أي مُنْضَمًّا، وأصله متحيوز، متفيعل؛ لأنه من حاز يحوز. ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾: الفاء جواب الشرط. والقول في: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ كالقول في: ﴿ذَلِكُمْ ... وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١). وقرئ: ﴿مُوهِّنٌ﴾ بتشديد الهاء والتنوين، ونصب (كيد الكافرين) (٢)، وتحقيقها ونصب (كيد الكافرين) (٣)، على الأصل والإِعمال، وبالتخفيف والإِضافة (٤)، وهو ظاهر. وأصل الفعل: وهَن ووهِن أيضًا بالكسر، ثم نقل بالتضعيف أو بالهمزة، كخرج وخرَّجتُه وأخرجته، والأمران فيهما حسن جيد، وقد أوضحت هذا فيما سلف بأشبع ما يكون (٥).

стр. 1548

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾: قوله : (وإِنَّ الله) قرئ: بكسر الهمزة (١) على الاستئناف، تعضده قراءة من قرأ: (والله مع المؤمنين) بطرح الهمزة والنون وهو ابن مسعود ﵁ (٢). وقرئ: بفتحها (٣) على تقدير: ولأن الله معهم، أي: لذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئًا. وقيل: فتحت عطفًا على أختيها اللتين قبلها وهما: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤) ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ (٥)، فتكون في موضع رفع أو نصب على ما مضى (٦). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ لرسول الله ﷺ ، وقيل: للأمر بالطاعة (٧). والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ واو الحال. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾:

стр. 1549

قوله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ المراد بالشر: الجنس والكثرة، ولذلك جمع الخبر، ولو أفرد فقيل: الأصم، لكان جائزًا في الكلام على اللفظ، والأصل أشر، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال مع العلم بها، وهو أصل مرفوض، يقال: فلان شَرُّ الناس، ولا يقال أَشَرُّ الناسِ إلَّا في لغة رديئة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ الجمهور على إسكان الراء، وقرئ: بتشديدها على إلقاء حركة الهمزة عليها فصارت (بين المرّ) (١)، ثم نوى الوقف فأسكن وشدد على لغة من يقول: هذا خالدٌ وجعفرّ، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾: قوله : ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يحتمل أن يكون في موضع الصفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾ على إرادة القول، كأنه قيل: واتقوا فتنة مقولًا فيها: لا تصيبن الظالمين منكم خاصة، بل تعم الناس أجمعين. وأن يكون نهيًا بعد أمر، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ (٢)، فالنهي في اللفظ لسليمان ﵇ وجنوده، وهو في المعنى للنمل، ونظيره ما حكاه صاحب الكتاب ﵀: لا أرينَّكَ ها هنا (٣). أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أره، فلفظ النهي

стр. 1550

لنفسك ومعناه للمخاطب، وكذا هنا، كأنه قيل: لا تدخلوا في الفتنة، فإنه من يدخل فيها تحل به عقوبة عامة. وأن يكون مستأنفًا على أنه جواب قسم محذوف، أي: والله لا تصيبن الظالمين خاصة ولكنها تعمكم، تعضده قراءة من قرأ: (لَتُصِيْبَنِّ) (١) على جواب القسم المحذوف، وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما: يراد لا تصيبن، ثم حذفت الألف من (لا) تخفيفًا واكتفاء بالفتحة منها كما حذفت من (ما) في نحو قولهم: أمَ والله لأفعلن كذا، وهي أخت لا، وكما حذفوها من نحو: يابَتَ على قول من قال: إن أصله يا أبتا، فتكون القراءتان بمعنى، وإن اختلف اللفظان. والثاني: أن تكون ضد قراءة الجمهور من جهة المعنى، كأنه قيل: واتقوا فتنة إنما تصيب الظالمين خاصة. وأن يكون جوابًا للأمر، وهو قول الفراء (٢)، بمعنى: إن أصابتكم لم تصب الظالمين خاصة بل تعم، فهو محمول على المعنى دون اللفظ، وجاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر لما فيه من معنى النهي، كما تقول: انزلْ عن الدابة لا تطرحْكَ، وإن شئت أكدت فقلت: لا تطرحنَّك، فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، ولولا معنى النهي لما ساغ دخول النون المؤكدة؛ لأن جواب الأمر مجزوم على جواب شرط محذوف، وجواب الشرط متردد فلا يليق به التأكيد. و﴿خَاصَّةً﴾: نصب على الحال بمعنى: لا تصيبنهم في حالٍ تَخُصُّهم دون غيرهم. و (مِن) في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ للتبيين.

стр. 1551

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾: قوله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ﴾ (إذ) مفعول به لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾، لا ظرف له كما زعم بعضهم، أي: اذكروا وقت القلة والذلة والضعف. وقوله: ﴿تَخَافُونَ﴾ يحتمل أن يكون في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾، وأن يكون في محل الرفع على النعت كالذي قبله، أو على أنه خبر بعد خبر، أي: خائفين أو خائفون. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾: قوله : ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا عطفًا على ﴿لَا تَخُونُوا﴾ مُدخلًا في حكم النهي، وأن يكون منصوبًا على الجواب بالواو، كقوله جل ذكره: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (١)، وقولك: وتَشْرَبَ اللّبَنَ (٢). والجمهور على جمع الأمانة لاختلاف أنواع الأمانة، وقرئ بالتوحيد (٣) على إرادة الجنس.

стр. 1552

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الواو للحال. ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ عطف على قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ من قولهم: أثبته، إذا جرحه جراحة لا يقوم معها. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (الحق) خبر كان. و ﴿هُوَ﴾ فصل. وقرئ بالرفع (٢) على أن ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و (الحَقُ) خبره، والجملة في موضع نصب بخبر كان. و ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ في محل النصب على الحال. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة قوله: ﴿فَأَمْطِرْ﴾، وأن يكون صفة لـ ﴿حِجَارَةً﴾. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أن: في موضع نصب لعدم الجار وهو في، أو جرٍ على إرادته، وقد ذكر نظيره في غير موضع فيما سلف من الكتاب.

стр. 1553

﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الجمهور على رفع الصلاة ونصب (مكاء وتصدية)، وهو الوجه. وقرئ بالعكس (١) على تقديم خبر كان على اسمه، وهذه القراءة ضعيفة (٢)؛ لأنه جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة وهو قليل شاذ، وأكثر ما يأتي ذلك في النظم دون النثر. ووجه هذه القراءة مع ضعفها: أن المكاء والتصدية جنسان؛ لأنهما مصدران، والمصدر جنس ونكرة الجنس تفيد ما تفيده معرفتها، ألا ترى أن قولك: خرجت فإذا أسدٌ بالباب، تجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما، لأنك في الموضعين لا تريد أسدًا بعينه إنما تريد واحدًا من الجنس، وكذلك هنا لا فرق بين قولك: وما كان صلاتهم عند البيت إلَّا مكاء وتصدية، وإلَّا المكاء والتصدية، بمعنى إلّا هذا الجنس من الفعل، وإذا كان كذلك لم يجر هذا مجرى قولك: كأنَّ أخاك قائم، وكأنَّ زيدًا منطلق، وإلى هذا ذهب بعضهم في قول حسان ﵁: ٢٤٧ - كأن سَبِيئَةً من بَيْتِ رَأْسٍ ... يكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ (٣)

стр. 1554

فالعسل والماء جنسان، فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، وأيضًا فإن هنا شيئًا لطيفًا، وذلك أدن الكلام قد دخله النفي والإِثبات، وقد يسوغ في ذلك ما لا يسوغ في الإِثبات المحض، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. والمُكَاءُ: الصفير، يقال: مَكَا يَمْكُو مَكْوًا ومُكَاءً، إذا صَفَّر بفيه، وهمزته مبدلة من لام الكلمة، وهي واوٌ، بشهادة قولهم: المكوُ، و: مَكَوْنا. والتصدية: التصفيق بالأيدي، تفعِلة، إمّا من الصديد الذي هو الضجيج ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (١)، أو من الصدّ الذي هو المنع، على ما فسر أدن معنى التصدية: صدهم عن البيت (٢). وأصلها: تَصدِدَةٌ، فأبدلت الدال الأخيرة ياء كراهة التضعيف، كما قيل: ﴿دَسَّاهَا﴾ (٣)، والأصل: دسسها، ويتظنى، والأصل: يتظنن. أو من الصدى الذي هو الصوت، قال الرماني: يقال: صَدِي يَصْدَى تَصْدِيَةً، إذا صفق بيديه. وقال أبو الحسن: التصدية: التصفيق، ولم أسمع فيه بفعل (٤). وقيل: التصدية. صياح كانوا يعارضون به القرآن، عن قتادة (٥). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اللام من صلة قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾؛ لأن إنفاقهم كان لأجل صدهم الناس عن طريق الحق.

стр. 1555

وقوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ يعني عاقبة الإِنفاق، ولذلك أنث ﴿تَكُونُ﴾. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من صلة الحسرة. ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني المؤمن من الكافر. والثاني: يعني المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون في محبته، فاللام على الوجه الأول من صلة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ (١)، وعلى الثاني من صلة قوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ (٢). وقرئ: (ليميز) مخففًا ومشددًا (٣)، وقد ذكر في "آل عمران" (٤). و﴿بَعْضَهُ﴾ بدل من ﴿الْخَبِيثَ﴾ وهو بدل البعض. وقوله: ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صلة قوله: ﴿وَيَجْعَلَ﴾، على أنه مفعولٌ ثانٍ له. والثاني: حال، أي: ويجعل بعض الخبيث عاليًا على بعض. وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ ... فَيَرْكُمَهُ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾، و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الضمير في ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾، وهو للفريق الخبيث، أو للمال الخبيث على ما ذكر آنفًا.

стр. 1556

والرَّكْمُ: هو الضم والجمع، يقال: رَكَمَ الشيءَ يَرْكُمُهُ رَكْمًا، إذا جمعه وضَم بعضه إلى بعض حتى يتراكم، والاسم الرُّكَام، أي: يجمع الخبيث حتى يصير كالسحاب المركوم، وهو أن يكون بعضهم فوق بعض في النار مجتمعين فيها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩﴾: قوله : ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ الجمهور على ترك تسمية الفاعل في ﴿يُغْفَرْ﴾، وقرئ: (يَغفِرْ) على تسمية الفاعل (١)، وهو الله . ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾: قوله : ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم المولى الله، والمولى هنا: الناصر والمعين. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾: قول : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (ما) موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في محل النصب على الحال من العائد المحذوف، أي: واعلموا أن ما غنمتموه قليلًا وكثيرًا. وإنما جيء بـ ﴿شَيْءٍ﴾ وبيّن به لما فيه من التعميم. وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي: فَحَقٌّ أو واجبٌ أن لله خمسه، أو بالعكس، أي: فحكمه أن لله خمسه، والجملة في محل الرفع

стр. 1557

بخبر أن، و (أن) وما اتصل بها في محل النصب لكونها معمول ﴿وَاعْلَمُوا﴾. ودخلت الفاء في خبر (ما) لما في الذي من معنى المجازاة. وقيل: إن الفاء مزيدة، و (أَنَّ) الثانية بدل من الأولى أو مؤكدة لها. وقيل: الفاء عاطفة (أَنَّ) الثانية على (أَنَّ) الأولى. وخبر أن الأولى على هذين الوجهين محذوف دل عليه الكلام تقديره: واعلموا أنما غنمتم من شيء يجب قسمه، فاعلموا أن لله خُمُسَهُ. والوجه هو الأول لسلامته من هذا التعسف. وقيل: إن (ما) شرطية، عن الفراء وغيره (١)، والتقدير: أنه ما .. ، وَرُدَّ هذا بسبب أَنَّ (أَنَّ) لا تدخل على ما الشرطية إلّا مع العماد؛ لأن الشرط له صدر الكلام كالاستفهام، ولا يجوز حذف العماد في حال السعة والاختيار عند صاحب الكتاب ﵀ وغيره من المحققين من أهل هذه الصناعة (٢). وأما نحو: ٢٤٨ - إنَّ مَنْ يدخلِ الكَنيسةَ يومًا ... ....................... (٣) فمن ضرورات الشعر. وقيل: هي مصدرية بمعنى المفعول، كَخَلْقِ الله، وضرْبِ الأمير، أي: واعلموا أن غنمكم، أي: مغنومكم. و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من صلة ﴿غَنِمْتُمْ﴾ على هذا. وقرئ: (فإن لله) بكسر الهمزة (٤)، على أَنّ (إِنَّ) وما عملت فيه مبتدأ

стр. 1558

وخبر في موضع خبر أن الأولى، وتعضد هذه الرواءة قراءةُ من قرأ: (فلِلَّهِ خمسه) بطرح (أن) وهو النخعي (١). والجمهور على ضم ميم ﴿خُمُسَهُ﴾، وقرئ: بإسكانها (٢)، وهما لغتان. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ﴾ شرط، وجوابه محذوف دل عليه ﴿وَاعْلَمُوا﴾، أي: إن كنتم آمنتم بالته فاقبلوا ما أمركم به. وقيل: جوابه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ (٣)، أي: إن كنتم آمنتم بالله فأيقنوا أن الله تعالى ناصركم (٤). وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ في موضع جر عطفًا على بـ ﴿بِاللَّهِ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ ظرف لأنزلنا. و﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ وهو يوم بدر. والجمعان: الفريقان من المؤمنين والكافرين. وقد جوز أن يكون ﴿يَوْمَ الْتَقَى﴾ ظرفًا للفرقان؛ لأنه مصدر بمعنى التفريق (٥). ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾:

стр. 1559

قوله : ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ (إذ) يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، وأن يكون ظرفًا لـ ﴿قَدِيرٌ﴾ (١)، وأن يكون منصوبًا بإضمار: اذكروا. والعدوة بضم العين وكسرها وفتحها: جانب الوادي وحافته، وقد قرئ بهن (٢)، وجمعها عِداءٌ، كَبُرْمَة وبرام. وعن أبي عمرو: أن العُدوة والعِدوة: المكان المرتفع (٣). وقرئ: (بالعدية) على قلب الواو ياء (٤)، كما قالوا: هو ابن عمي دنيا، وهو من دنوت، وقالوا: قنية، وهو من الواو؛ لأن بينهما وبين الكسرة حاجزًا غير حصين. والدنيا والقصوى: تأنيث الأدنى والأقصى، وكلتاهما فُعْلَى من ذوات الواو، وكان القياس في القصوى: القصيا؛ لأنها فُعْلَى من الصفات الجارية مجرى الأسماء، وفعلى إذا كانت كذلك تقلب لامها ياء من غير علة، ولكنها جاءت بالواو على طريق الشذوذ إيذانًا بالأصل وإشعارًا به، كما جاء قود واستحوذ كذلك لذلك. وقد جاء: القصيا، غير أن استعمال القصوى أكثر، وهو لغة التنزيل كما ترى. وقوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ﴾ الركب: مبتدأ، وخبره ﴿أَسْفَلَ

стр. 1560

مِنْكُمْ﴾، فهو منصوب اللفظ مرفوع المحل لكونه خبرًا للمبتدأ، كما تقول: زيد عندك، والقتال خلفك، وهو نعت لظرف محذوف تقديره: والركب مكانًا أسفل من مكانكم (١). وقد أجيز رفع (أسفل)، وفي الكلام على هذا حذف مضاف تقديره: وموضع الركب أسفل منكم (٢). و﴿مِنْكُمْ﴾ من صلة ﴿أَسْفَلَ﴾ لأن فيه معنى التسافل. والركب: جمع راكب في المعنى دون اللفظ، بشهادة قولهم في تصغيره: رُكيب (٣). وأنشد: ٢٤٩ - بَنَيْتُهُ بِعُصْبَةٍ من مالِيا ... أَخشى رُكَيبًا أَورُجَيْلًا غادِيًا (٤) ومحل الجملة جر عطفًا على ﴿أَنْتُمْ﴾ المجرور بإذ، بمعنى: وإذ الركب أسفل منكم. والله تعالى أعلم بكتابه. قوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ﴾ متعلق بمحذوف، أي: فعل ذلك ليقضي أمرًا كان مفعولًا في علمه وحكمه، وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه، أو جمعكم ليقضي ذلك. وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿لِيَقْضِيَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿مَفْعُولًا﴾. وقوله: ﴿مَنْ هَلَكَ﴾ (مَن) يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنه

стр. 1561

فاعل بقوله: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ وهو الوجه، وأن يكون في موضع نصب على أنه مفعول به، وفاعل الفعل هو الله سبحانه، أي: ليهلك الله من هلك. وهلك: فعل لازم عند أكثر العرب، ومتعد عند تميم. قال أبو عبيد: تميم تقول: هَلَكَهُ يَهْلِكُهُ هَلْكًا بمعنى: أَهْلَكَهُ (١). وقوله: ﴿مَنْ هَلَكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الماضي هنا بمعنى المستقبل. والثاني: على بابه، والمعنى: ليهلك، أو ليهلك الله بعذاب الآخرة من هلك، أو من هلكه الله في الدنيا منهم بالقتل. وقوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (ويحيى) في موضع نصب بالعطف على ﴿لِيَهْلِكَ﴾. وقرئ: (حَيَّ) بالإِدغام (٢)، وهو الأصل لاجتماع المثلين في كلمة، فهو مثل عدَّ وصدَّ، وذلك أن الياء لما لزمتها الحركة أشبهت الحروف الصحاح، ألا ترى أن من حذف الياء من نحو: جوارٍ في الرفع والجر لم يحذفها إذا تحركت بالفتح لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحيحة، وأنشد عليه: ٢٥٠ - عَيُّوا بأَمْرِهِمُ كما ... عَيَّتْ بِبَيضَتِها الحَمامَهْ (٣) وقرئ: (حَيِيَ) بالإِظهار (٤) لانتقال الحرف الثاني عن الياء في اللفظ عند

стр. 1562

قولك: يحيي، ولأن المستقبل لا يدغم؛ لأن حركته غير لازمة لزوالها في حال الرفع، وذهابها مع الياء في الجزم، فحمل الماضي عليه، وأيضًا فإن حركة الياء تزول عند اتصال الياء بالضمير، فصارت بمنزلة حركة الإعراب لذلك. والعين واللام منه مثلان، وليس اللام منه بدلًا من واو، فأما الحيوان فالواو فيه بدل من الياء، وأما قولهم: الحوَّاء في صاحب الحيات، فليس من لفظ الحية، بل من حَوَى يحوي، إذا جَمَعَ، لجمعه لها في جونه وأوعيته. وقوله: ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وفي الموضعين من صلة الفعل الأول دون الثاني، وهو ليهلك ويحيي. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾: قوله : ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ موضع ﴿إِذْ﴾ يحتمل أن يكون نصبًا بإضمار اذكر، وأن يكون من صلة ﴿عَلِيمٌ﴾ (١)، وأن - يكون بدلًا ثانيًا من: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ (٢)، والضميران: مفعولان للإِراءة، بمعنى: إذ يبصرك إياهم. و﴿قَلِيلًا﴾: نصب على الحال من الهاء والميم؛ لأن الفعل قد استوفى مفعوليه. وقوله: ﴿فِي مَنَامِكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: في رؤياك، وذلك أن الله أراهم إياه في رؤياه قليلًا، فأخبر بذلك أصحابه ليكون ذلك تثبيتًا لهم وتشجيعًا على عدوهم. والثاني: في عينك؛ لأنها موضع النوم، كما قيل للقطيفة: المنامة؛ لأنه يُنام فيها، قال الشاعر:

стр. 1563

٢٥١ - ..................... ... لكلِّ مَنامةٍ هُدْبٌ أَصِير (١) أي: متقارب. وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ (كثيرًا) حال من الهاء والميم؛ لأن الإِراءة من رؤية البصر. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم وهبتم الإِقدام، يقال: فَشِل يَفْشَلُ فَشَلًا، إذا جَبُن، فهو فَشِلٌ. ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: لاختلفتم في الرأي، ولكن الله سلمكم من المخالفة والفشل بما أرى رسوله ﵊ من قلة المشركين. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ عطف على: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، والكلام فيهما واحد، وأجاز يونس: (وإذ يريكمهم) بإسكان الميم وضمها من غير واو (٣). وإثباتُها هو الوجه وعليه الجل؛ لأن المضمر يردّ الشيء إلى أصله. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (فتفشلوا) منصوب على جواب

стр. 1564

النهي، أو مجزوم على أن يكون داخلًا في حكم النهي. وتعضد الأول قراءه الجمهور: و ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: بالتاء والنصب عطفًا على ﴿فَتَفْشَلُوا﴾. وتنصر الثاني قراءة من قرأ: (ويذهبْ ريحكم) بالياء والجزم عطفًا عليه، وهو حفص عن عاصم، كذا ذكره مجاهد عن هبيرة عنه (١). والريح هنا: الدَّولةُ، يقال: ذهبت ريح فلان: إذا ذهب عزُّهُ، وهبَّت ريحُه: إذا دالت له الدولة. وعن ابن زيد: لم يكن نصر قط إلّا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو (٢). ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾: قوله : ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ مفعولان من أجله، أو مصدران في موضع الحال من الضمير في ﴿خَرَجُوا﴾، أي: بطرين مرائين (٣). والبَطَرُ: الأَشَرُ، وهو شدة المَرَحِ اغترارًا بالنعم، وقد بطِر بالكَسر يَبْطَرُ بَطَرًا، وأَبْطَرَتْهُ النعمةُ إبطارًا. وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ عطف على معنى المصدر، كأنهم يبطرون ويراؤون ويصدون.

стр. 1565

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: واذكر (إذ زين). وقوله: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ (غالب) مبني مع لا في محل الرفع بالابتداء، وخبره ﴿لَكُمُ﴾، أي: لا غالب كائن لكم. و ﴿الْيَوْمَ﴾ من صلة الخبر ومعمول له، وكذلك ﴿مِنَ النَّاسِ﴾. ولك أن تجعل ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ حالًا من الذكر الذي في ﴿لَكُمُ﴾، ولا يجوز أن يكون ﴿لَكُمُ﴾ من صلة: ﴿غَالِبَ﴾، ولا ﴿مِنَ النَّاسِ﴾، ولا حالًا من الذكر الذي في ﴿غَالِبَ﴾؛ لأن اسم لا إذا عمل فيما بعده لا يجوز بناؤه. قيل: فإن قيل: هلَّا قيل: لا غالبًا لكم بالنصب والتنوين، كما يقال: لا ضاربًا زيدًا عندك، فالجواب: أن ﴿لَكُمُ﴾ لو كان مفعولًا لـ ﴿غَالِبَ﴾ بمعنى: لا غالبًا إياكم، لكان الأمر كما زعمت، ولكنه خبره كما بُيِّن (١). وقوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (جار) يجمع في القلة: على أجوار وجِيرةٍ، وفي الكثرة: على جيرانٍ، وألفه منقلبة عن واو، بشهادة قولك: جاورته مجاورة وجِوارا أوجُوارًا، ، والكسر أشيع، وتجاور القوم واجتوروا بمعنى. وقوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: يحتمل أن يكون من صلة ﴿نَكَصَ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن فيه. والنكوص: الإِحجام عن الشيء، يقال: نكص على عقبيه ينكُص

стр. 1566

وينكِصُ نكُوصًا فِيهما، إذا رجع خوفًا مما يرى. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾: قوله : ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ أي: اذكر إذ يقول، أو: اذكر ذلك إذ يقول، فيكون ظرفًا له لا مفعولًا به كالوجه الأول، ويحتمل أن يكون ظرفًا و ﴿زَيَّنَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ أي: ولو عاينت وشاهدت، وإنما فسر المضارع بالماضي لأن الو) تردّ المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ (إن) الماضي إلى معنى الاستقبال، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب، وجواب لو محذوف، أي: لرأيت أمرًا عظيمًا، أو عقابًا شديدًا، وما أشبه هذا مما يدل على الإِبعاد، و (إذ) ظرف لـ ﴿تَرَى﴾ وقرئ: (يَتَوفَّى) بالياء النقط من تحته (٢)، وهو مسند إلى الملائكة، وذُكِّر للحائل، أو لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي. و﴿يَضْرِبُونَ﴾: حال منهم، أو من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأجل الذكر العائد عليهم، أو إلى المستكن فيه، وهو لله جل ذكره. و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ مرفوعة با لابتداء، والخبر ﴿يَضْرِبُونَ﴾، والجملة في محل النصب على الحال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأغنى الضمير عن الواو.

стр. 1567

وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (١)، والملائكة رفعها بالفعل ليس إلَّا، و ﴿يَضْرِبُونَ﴾ حال منهم، أو من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على ما ذكر آنفًا. وقوله: ﴿وَذُوقُوا﴾ عطف على ﴿يَضْرِبُونَ﴾ على إرادة القول، أي ويقولون ذوقوا ذلك، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، أي: يقولون ذلك. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (ذلك) مبتدأ، والخبر ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾، و ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ عطف على الخبر، أي: وبأن الله، أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب ما صدر منهم من المعاصي، وبأن الله ليس بظلَّامٍ للعبيد. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾: قوله : ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ حل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون. ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه وواظبوا. أو النصب، أي: فعلنا بهم فعلًا مثل فعلنا بآل فرعون. والدأبُ: مصدر دَأَبَ يَدْأَبُ دَأبًا ودُؤوبًا، إذا جرى على العادة، وقد مضى الكلام على هذا في "آل عمران" بأشبع من هذا (٣). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (الذين) في محل الجر بالعطف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، و ﴿كَفَرُوا﴾ في موضع الحال، وقد معه مرادة، أو الرفع بالابتداء و ﴿كَفَرُوا﴾ خبره.

стр. 1568

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ محل ذلك: الرفع بالابتداء، و ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ الخبر، والإِشارة إلى ما حل بهم، أي: ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يك مغيرًا نعمة بنقمة إلّا بمعصيةٍ. أو النصب، أي: فعلنا ذلك بهم بسبب كيت وكيت. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الجمهور على فتح الهمزة عطفًا على قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾، وقرئ: بكسرها على الاستئناف (١). ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾: قوله : ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كرر للتأكيد (٢). ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، وأن يكون نصبًا على إضمار فعل. و﴿مِنْهُمْ﴾ في محل النصب على الحال من العائد المحذوف، أي: الذين عاهدتهم كائنين منهم.

стр. 1569

وقوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ أي: ثم هم ينقضون عهدهم، عطف جملة على جملة. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾: قوله : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ أي: فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، يقال: ثَقِفْتُهُ بالكسر أَثْقَفُهُ ثَقْفًا، إذا صادفته وظفرت به. وقال الشاعر: ٢٥٢ - فإمّا تَثْقَفُوني فاقتُلُوني ... فإنْ أَثْقَفْ فسوفَ تَرَوْنَ بالِي (١) وقوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: فَطَرِّدْ (٢) بهم من خلفهم، أي: افعل بهم فعلًا من القتل تفرق به مَن وراءهم من الكفرة. والتشريد: التفريق. والشريد: الطريد، فعيل بمعنى مفعول. وقرئ: (فشرذ) بالذال المعجمة (٣) قال أبو الفتح: لم يمر بنا في اللغة تركيب (ش ر ذ)، ثم قال: وأَوْجَهُ ما يُصرَف إليه ذلك أن تكون الذال بدلًا من الدال لكونهما متقاربين مجهورين، كما قالوا: خردلت اللحم وخرذلته، بالدال والذال جميعًا، إذا قطعته صغارًا (٤). وقيل: هو مقلوب من قولهم: تفرقوا شذر مذر، إذا ذهبوا في كل وجه، ومنه: الشذْر، وهو ما يلقط من المعدن من الذهب لتفرقه (٥). ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾:

стр. 1570

قوله : ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ المفعول محذوف، و ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ حال إما من النابذ دون المنجوذ إليهم، بمعنى: فاطرح إليهم العهد ثابتًا على عدل، وهو أن تخبر القوم بما عزمت عليه من الحرب ونقض العهد وغير ذلك، أو منهما جميعًا بمعنى: ثابتين على استواء في العلم في نقض العهد على ما فسر (١). وقيل: على استواء في العداوة (٢). ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾: قوله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ قرئ: (ولا تحسبن) بالتاء النقط من فوقه (٣) على أن الفعل للمستكن فيه على وجه الخطاب، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مفعول أول، و ﴿سَبَقُوا﴾ ثان. وقرئ: بالياء النقط من تحته (٤)، والفعل أيضًا للمستكن فيه على وجه الغيبة، وكلاهما للنبي ﷺ أو لكل مخاطب وحاسب، ومفعولا الحسبان: المذكوران أيضًا آنفًا، أو للذين كفروا، والمفعول الأول على هذا محذوف، أي: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، وقد جوز أن يكون في الكلام حذف (أن) تقديره: (أن سبقوا) على أنها مخففة من الثقيلة بمعنى أنهم، ثم حذفت تعضده قراءة من قرأ: (أنهم سبقوا) وهو ابن مسعود ﵁ (٥)، فإذا حملته على هذا الوجه سد أن مسد المفعولين، كما سد في قوله : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٦) مسدهما على المذهب المنصور.

стр. 1571

وقرئ: (إنهم) بالكسر على الاستئناف، وبالفتح (١) على أنه مفعول له، أي: لأنهم، بمعنى: ولا يحسبوا ذلك لأجل أنهم لا يفوتون. قيل: وكل واحد من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح (٢). وقيل: هو مفعول الحسبان، فيكون ﴿سَبَقُوا﴾ على هذا حالًا لكون (أنهم) يسدّ مسدّ المفعولين بمعنى سابقين، أي: مفلتين هاربين، وتكون قد معه مرادة، أو بدل من ﴿سَبَقُوا﴾، و (لا) على كلا التأويلين صلة (٣). والجمهور على فتح نون ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾، وقرئ بكسرها (٤) على الإِضافة إلى الله ، والأصل: لا يعجزونني، فحذفت إحدى النونين كراهة المثلين، والياء اجتزاء بالكسرة عنها. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾: قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الإِعداد للشيء:

стр. 1572

التهيؤ له. و (ما) موصولة. ومحل ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: النصب على الحال، إما من (ما) والعامل ﴿وَأَعِدُّوا﴾، أو الراجح المحذوف في ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾ والعامل استطعتم. والقوة هنا: كل ما يتقوَّى به في الحرب من آلتها. والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويقال: لفلان رباط من الخيل، كما تقول: تِلاد، وهو أصل خيله، والرباط أيضًا: المرابطة، وهو ملازمة ثغر العدو. وقرئ: (من رُبُطِ الخيل) بضم الباء وسكونها (١)، وهو جمع رباط، كَكُتُبٍ في جمع كتابٍ، والإِسكان تخفيف منه. وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَأَعِدُّوا﴾، أي مُرهِبين، أو مُرَهِّبين على قدر القراءتين (٢)، يقال: أرهبه ورهبه بمعنًى، إذا أخافه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقوله: ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطف على: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾، وقد جوز أن يكون معطوفًا على ﴿لَهُمْ﴾ بمعنى: وأعدُّوا لآخرين (٣). وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ العلم هنا بمعنى العرفان، ولذلك تعدى إلى مفعول واحد. وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ ما) شرط في موضع نصب بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾، و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ تفسير له، أي: من آلة وسلاح وغيرهما، وجيء بـ ﴿شَيْءٍ﴾ لما

стр. 1573

فيه من التعميم، وقد ذكر نظيره فيما سلف بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ محمول على المعنى، كأنه قيل: يوصل إليكم، فلذلك عدي بإلى. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ الواو للحال، أي: يوصل إليكم غير مظلومين. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ يقال: جنح له وإليه، إذا مال، أي: إن مالوا إلى المسالمة فمل إليها. والسلم تؤنث وتذكر، وتفتح سينها وتكسر وقد قرئ بهما (٢). وقوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الجمهور على فتح النون، وهي اللغة الفاشية، وقرئ: بضمها (٣)، لغة حكاها صاحب الكتاب (٤)، ونظيره ركد يركد، وقعد يقعد. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾: قوله : ﴿جَمِيعًا﴾ وحال إما من ﴿مَا﴾، أو من الذكر في الظرف. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾:

стр. 1574

قوله : ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر، بمعنى: كافيك الله، ولك أن ترفع الجلالة على الفاعلية، على تأويل: يكفيك الله، كما تقول: حسبك درهم، أي: كفاك. وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ ختلف في محل (مَن)، فقيل: محله الرفع إما بالعطف على اسم الله جل ذكره على الوجهين المذكورين، كأنه قال: حسبك الله وتُبَّاعُكَ، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، بمعنى ومن اتبعك كذلك، أو حسبه الله، أو أنه خبر مبتدأ محذوف بمعنى: وحسبك تباعك (١)، وضعف الأول لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى أن يقال: "مما شاء الله وشئت" (٢). وقيل: محله النصب، إما على تقدير يكفيك الله ويكفي من اتبعك (٣)، أو على جعل الواو بمعنى مع، كما تقول: حسبك وزيدًا درهم (٤). قال الشاعر: ٢٥٣ - إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ (٥) وقيل: محله الجر عطفًا على الكاف في ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، وليس بشيء؛

стр. 1575

لأن عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع إلا بإعادة العامل (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾: قوله : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ كان هنا تحتمل أن تكون التامة، و ﴿عِشْرُونَ﴾ فاعله، وأن تكون الناقصة و ﴿عِشْرُونَ﴾ اسمها و ﴿مِنْكُمْ﴾ خبرها، و ﴿مِنْكُمْ﴾ على الأول يحتمل أن يكون من صلة ﴿يَكُنْ﴾، وأن يكون حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿عِشْرُونَ﴾، وكذلك القول فيما بعدها من نظائرها. قيل: وكسرت العين من عِشرين حملًا على الهمزة من اثنين؛ لأن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسرت العين من عشرين، كما كسرت الهمزة من اثنين، كما حملت ستون وتسعون على ستة وتسعة (٢). والجمهور على الياء النقط من تحته في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ لأن المسند إليه مذكر، وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (٣) على تأويل الفرقة، أو الجياعة، كأنه قيل: إن تكن منكم فرقة أو جماعة صابرة عددها عشرون. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾:

стр. 1576

قوله : (فإن تكن منكم مائة) قريء: بالتاء النقط من فوقه (١) لتأنيث لفظ المائة، وقرئ: بالياء النقط من تحته (٢) حملًا على المعنى؛ لأن المائةَ رجالٌ في المعنى، ومن قرأ الموصوف بصابرة بالتاء - وهو أبو عمرو - فلأن وصف المائة بصابرة قَوَّى تأنيثها. وأما الضعف والضَّعف فهما لغتان بمعنًى، كالفُقر والفَقر، وقد قرئ بهما (٣)، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم، عن أبي عمرو (٤). وقرأ ابن القعقاع: (ضُعَفاءَ) (٥)، وهو جمع ضعيف، كشريف وشرفاء، والمانع له من الصرف ألف التأنيث. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾: قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾: (أن تكون) بالتاء النقط من فوقه (٦) لتأنيث لفظ ﴿أَسْرَى﴾. وقرئ: بالياء النقط من تحته (٧) خملًا على المعنى، إذ المراد بهم الرجال، أو على إرادة الجماعة والجمع. وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الإِثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه،

стр. 1577

عن مجاهد وغيره (١)، من قولهم: أثخنته الجراحات، إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثقله المرض، إذا أثخنه، من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يقال: ثَخُنَ الشيءُ ثَخانةً، إذا غَلُظ وكثف. وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: متاعها الذي يغني. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: عملها. والجمهور على نصب ﴿الْآخِرَةَ﴾ وهو الوجه، وذلك أنهم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه، وقرئ: بالجر (٢) على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، وذلك أنه لما قال جل ذكره: : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فجرى ذكر العرض، صار كأنه أعاده ثانيًا، فكأنه قال: والله يريد عرض الآخرة. ونظيره بيت الكتاب: ٢٥٤ - أَكُلَّ امْرِئٍ تَحسبينَ امْرءًا ... ونارٍ تَوَقَّدُ بِالليلِ نَارَا (٣) أي: وكل نار، فناب ذكر كل في أول الكلام عن إعادتها في آخره، وذلك فرار من العطف على عاملين وهما: كل وتحسبين. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾: قوله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿كِتَابٌ﴾ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: تدارككم، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ و ﴿سَبَقَ﴾: صفتان لكتاب. ولك أن تجعل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿سَبَقَ﴾، وسبق: حالًا من الذكر

стр. 1578

الذي في الظرف على الوجه الأول، وهو أن يكون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، صفة لكتاب، وقد معه مرادة. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿سَبَقَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو كتاب؟ قلت: لا، لأن الاسم المبتدأ الواقع بعد لولا التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره لا يظهر خبره رأسًا لأجل طُولِ الكلام بالجواب، ولأن الحال تدل عليه. ومعنى سبق: أي سبق إثباته في اللوح، وهو أنه لا يعذِّب أحدًا بخطأ إلَّا بعد البيان ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). وكان هذا خطأ في الاجتهاد. وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ جواب لولا، ومعنى ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: يعني من الأسرى والغنائم؛ لأنهم أخذوه قبل أن يؤذن لهم في أخذه، وقد كان سبق في علم الله أنه سيحله لهم، عن ابن عباس ﵄ (٢). ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾: قوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ دخلت الفاء على تقدير: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم. و﴿حَلَالًا﴾: منصوب إما على الحال من المغنوم، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا حلالًا، وقد ذكر في "البقرة" (٣)، وسمي طيبًا؛ لأن كل حلال طيب. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾: وقد مضى الكلام على أسرى وأسارى في "البقرة" (٤).

стр. 1579

وقوله : ﴿مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ الجمهور على ترك تسمية الفاعل في ﴿أُخِذَ﴾. وقرئ: (أَخذ) على البناء للفاعل (١)، وهو الله جل ذكره لقوله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ قوله : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الخيانة: مصدر خانه في كذا يخونه خيانة وخونًا ومخانة، وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ووقوع الألف بعدها. والمعنى: وإن يريدوا خيانتك في العهود التي بينك وبينهم، فقد رأيت إمكان الله منهم يوم بدر ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَنَصَرُوا﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. والإِيواء: هو أن تضم صاحبك إليك وتنزله عندك. وقوله: ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ قرئ: بفتح الواو وكسرها (٣)، قيل: وهما لغتان

стр. 1580

كالدَّلالة والدِّلالة، والوَكالة والوِكالة، ومعناهما: النصرة (١). وقيل: الفتح بمعنى النصرة، والكسر بمعنى الإِمارة (٢). وقال صاحب الكتاب ﵀: بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، كالنَّقابة والنِّقابة (٣). وقوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ابتداء وخبر، ونصبه جائز في الكلام على الإِغراء، أي: فعليكم النصرَ، كعليك زيدًا. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم (٧٤)﴾: قوله : ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضمير للمأمور به المذكور، أي: إلَّا تفعلوا ما أمرتكم به من الموالاة في الدين ونصر من انتصر فيه، وترك موالاة الكفار وغير ذلك. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أي: تقع فتنة، وأجيز نصب (فتنة) (٤) على معنى: تكن فعلتكم ما سواهُ فتنةً في الأرض وفسادًا كبيرًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾: قوله : ﴿فِي كِتَابِ﴾ من صلة ﴿أَوْلَى﴾، ومعنى في كتاب الله: في حكمه وقسمته (٥).
следующие страницы →