قوله : (فإن تكن منكم مائة) قريء: بالتاء النقط من فوقه (١) لتأنيث لفظ المائة، وقرئ: بالياء النقط من تحته (٢) حملًا على المعنى؛ لأن المائةَ رجالٌ في المعنى، ومن قرأ الموصوف بصابرة بالتاء - وهو أبو عمرو - فلأن وصف المائة بصابرة قَوَّى تأنيثها.
وأما الضعف والضَّعف فهما لغتان بمعنًى، كالفُقر والفَقر، وقد قرئ بهما (٣)، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم، عن أبي عمرو (٤).
وقرأ ابن القعقاع: (ضُعَفاءَ) (٥)، وهو جمع ضعيف، كشريف وشرفاء، والمانع له من الصرف ألف التأنيث.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾: (أن تكون) بالتاء النقط من فوقه (٦) لتأنيث لفظ ﴿أَسْرَى﴾. وقرئ: بالياء النقط من تحته (٧) خملًا على المعنى، إذ المراد بهم الرجال، أو على إرادة الجماعة والجمع.
وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الإِثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه،
стр. 1577
عن مجاهد وغيره (١)، من قولهم: أثخنته الجراحات، إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثقله المرض، إذا أثخنه، من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يقال: ثَخُنَ الشيءُ ثَخانةً، إذا غَلُظ وكثف.
وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: متاعها الذي يغني. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي: عملها.
والجمهور على نصب ﴿الْآخِرَةَ﴾ وهو الوجه، وذلك أنهم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه، وقرئ: بالجر (٢) على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، وذلك أنه لما قال جل ذكره: : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فجرى ذكر العرض، صار كأنه أعاده ثانيًا، فكأنه قال: والله يريد عرض الآخرة.
ونظيره بيت الكتاب:
٢٥٤ - أَكُلَّ امْرِئٍ تَحسبينَ امْرءًا ... ونارٍ تَوَقَّدُ بِالليلِ نَارَا (٣)
أي: وكل نار، فناب ذكر كل في أول الكلام عن إعادتها في آخره، وذلك فرار من العطف على عاملين وهما: كل وتحسبين.
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿كِتَابٌ﴾ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: تدارككم، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ و ﴿سَبَقَ﴾: صفتان لكتاب.
ولك أن تجعل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿سَبَقَ﴾، وسبق: حالًا من الذكر
стр. 1578
الذي في الظرف على الوجه الأول، وهو أن يكون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، صفة لكتاب، وقد معه مرادة.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿سَبَقَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو كتاب؟ قلت: لا، لأن الاسم المبتدأ الواقع بعد لولا التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره لا يظهر خبره رأسًا لأجل طُولِ الكلام بالجواب، ولأن الحال تدل عليه.
ومعنى سبق: أي سبق إثباته في اللوح، وهو أنه لا يعذِّب أحدًا بخطأ إلَّا بعد البيان ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). وكان هذا خطأ في الاجتهاد.
وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ جواب لولا، ومعنى ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: يعني من الأسرى والغنائم؛ لأنهم أخذوه قبل أن يؤذن لهم في أخذه، وقد كان سبق في علم الله أنه سيحله لهم، عن ابن عباس ﵄ (٢).
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ دخلت الفاء على تقدير: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم.
و﴿حَلَالًا﴾: منصوب إما على الحال من المغنوم، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا حلالًا، وقد ذكر في "البقرة" (٣)، وسمي طيبًا؛ لأن كل حلال طيب.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾:
وقد مضى الكلام على أسرى وأسارى في "البقرة" (٤).
стр. 1579
وقوله : ﴿مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ الجمهور على ترك تسمية الفاعل في ﴿أُخِذَ﴾. وقرئ: (أَخذ) على البناء للفاعل (١)، وهو الله جل ذكره لقوله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
قوله : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الخيانة: مصدر خانه في كذا يخونه خيانة وخونًا ومخانة، وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ووقوع الألف بعدها.
والمعنى: وإن يريدوا خيانتك في العهود التي بينك وبينهم، فقد رأيت إمكان الله منهم يوم بدر ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَنَصَرُوا﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
والإِيواء: هو أن تضم صاحبك إليك وتنزله عندك.
وقوله: ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ قرئ: بفتح الواو وكسرها (٣)، قيل: وهما لغتان
стр. 1580
كالدَّلالة والدِّلالة، والوَكالة والوِكالة، ومعناهما: النصرة (١).
وقيل: الفتح بمعنى النصرة، والكسر بمعنى الإِمارة (٢).
وقال صاحب الكتاب ﵀: بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، كالنَّقابة والنِّقابة (٣).
وقوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ابتداء وخبر، ونصبه جائز في الكلام على الإِغراء، أي: فعليكم النصرَ، كعليك زيدًا.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم (٧٤)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ الضمير للمأمور به المذكور، أي: إلَّا تفعلوا ما أمرتكم به من الموالاة في الدين ونصر من انتصر فيه، وترك موالاة الكفار وغير ذلك.
﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أي: تقع فتنة، وأجيز نصب (فتنة) (٤) على معنى: تكن فعلتكم ما سواهُ فتنةً في الأرض وفسادًا كبيرًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿فِي كِتَابِ﴾ من صلة ﴿أَوْلَى﴾، ومعنى في كتاب الله: في حكمه وقسمته (٥).
стр. 1581
وقيل: في اللوح المحفوظ (١)؛ كقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢).
وقيل: في القرآن، وهو آية المواريث (٣).
هذا آخر إعراب سورة الأنفال
والحمد لله رب العالمين
стр. 1582
إعراب سورة براءة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾:
قوله سبحانه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ﴾ ارتفاع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على أحد وجهين:
إما على خبر الابتداء على معنى: هذه الآيات براءة، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ نعت لها.
و﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية، أي: هذه الآيات براءةٌ واصلةٌ من الله، ولا يجوز أن تكون من صلة ﴿بَرَاءَةٌ﴾ كما زعم بعضهم، كما تقول: بَرِئْتُ منك ومن الدَّيْن، لفساد المعنى.
و﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: من صلة ذلك المحذوف أيضًا، كما تقول: هذا كتاب من فلان إلى فلان، أي: واصل منه إليه، وقيل: من صلة ﴿بَرَاءَةٌ﴾.
أو على الابتداء لتخصصها بصفتها، و ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ الخبر، كما تقول: القصد إليك، والتبرُّؤ إليك.
والجمهور على فتح نون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ هربًا من توالي الكسرتين إليه، وقرئ: (منِ الله) بكسرها (١) على أصل التقاء الساكنين، وهي لغة أهل نجران، حكاه
стр. 1583
صاحب الكتاب ﵀ (١). وقرئ: (براءةً) بالنصب (٢) على إضمار فعل، أي: اسمعوا براءة، وهو حسن لما فيه من معنى الإِغراء والحض على ذلك.
والبراءة: مصدر قولك: برِئت إليك من كذا أبرَأ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر براءة، وهي هنا: انقطاع العصمة، وبرِئتُ من المرض أيضًا بُرْءًا، وأهل الحجاز يقولون: بَرَأتُ من المرض بَرَءًا بالفتح فيهما. والمعنى: أن الله ورسوله ﷺ قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾:
قوله : ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ظرف لسيحوا، أي: فقل للمشركين سيحُوا في الأرض زمانًا هذا حَدُّهُ، وما أضيف إلى الظرف فهو ظرف، أي: اذهبوا فيها، والسياحة: الذهاب في الأرض، يقال: ساح في الأرض يسيح سيحًا وسيحانًا وسيوحًا وسياحةً، أي: ذهب فيها.
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾:
قوله : ﴿وَأَذَانٌ﴾ عطف على ﴿بَرَاءَةٌ﴾. والأذان: الإعلام، عن أبي إسحاق وغيره يقال: اذنه بالشيء إيذانًا وأذانًا، إذا أعلمه به (٣)، ومنه سمي الحاجب الآذن. وما بعده من الجار والمجرور حكمه حكم ما بعد براءة، وقد أوضحت.
стр. 1584
وقوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَر﴾ يوم: ظرف لما تعلق به الجار وهو ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، ويضعف أن يكون ظرفًا لـ ﴿وَأَذَانٌ﴾ كما زعم بعضهم لكونه موصوفًا، فخرج بذلك عن حكم الفعل، وأيضًا فإن فيه فصلًا بالصفة بينه وبين الموصول (١).
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ محل أن النصب لكونه معمول ﴿وَأَذَانٌ﴾ علي تقدير حذف الجار الذي هو الباء، أي: بأن الله، فلما حذف تخفيفًا وصل الفعل إليه فنصبه.
وقيل: هو صفة لأذان، أي: أذان كائن بالبراءة. وقيل: هو خبر له، أي: أذان واصل من الله براءته من المشركين (٢).
والجمهور على فتح الهمزة لما ذكرت آنفًا، وقرئ: (إنَّ الله) بكسرها (٣) على إرادة القول، أو لأن الأذان نوع من القول.
قوله تعالى: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عطفًا على الذكر الذي في ﴿بَرِيءٌ﴾ لقيام الظرف مقام الضمير المؤكد؛ أو على موضع إنَّ المكسورة واسمها؛ لأن موضعها رفع على قراءة من كسرها، وأما على قراءة الجمهور على قول من جعلها صفة لأذان، أو خبرًا له، فلا يحسن العطف على موضع الابتداء؛ لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة. هذا مذهب المحققين من أصحابنا.
ولك أن ترفعه بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ورسوله بريء أيضًا.
стр. 1585
وقرئ: (ورسولَه) بالنصب (١) عطفًا على اسم إنّ، أو على جعل الواو بمعنى مع، أي: بريء معه منهم.
وقرئ: بالجر (٢) على القسم، وقيل: على الجوار، وليس بشيء لأجل العاطف، ولا يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ لأجل فساد المعنى، ونعوذ بالله من إعراب يؤدي إلى فساد المعنى.
وحُكيَ أن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ بالجر، فقال: إن كان الله بريئًا من رسوله فأنا منه بريء، فحملا إلى عمر ﵁، فحكى الأعرابي قراءته، فعندها أمر عمر ﵁ بتعليم العربية (٣).
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ (الذين) في محل النصب على الاستثناء من المشركين المعاهدين الناقضين للعهود في قوله: ﴿لَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، عن أبي إسحاق (٤).
وقيل: المعنى اقتلوا المشركين إلّا الذين عاهدتم، عن الحسن (٥).
وقيل: هو مستثنى من قوله: ﴿فَسِيحُوا﴾، أي: فقولوا لهم: سيحوا إلَّا
стр. 1586
الذين عاهدتم منهم، ثم لم ينقصوكم، فأتموا إليهم عهدهم (١).
ومعنى ﴿لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾: لم ينقصوكم من شروط العهد شيئًا.
﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾: أي ولم يعاونوا عليكم عدوًا.
وقرئ: (لم يَنْقُضوكُم) بالضاد معجمة (٢)، بمعنى: لم ينقضوا عهدكم، فحذف المضاف. ﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع المصدر، أي: نقضًا.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾:
قوله : ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ظرف لقوله: ﴿وَاقْعُدُوا﴾، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣). والمرصد: موضع الرصد، وقيل: على إسقاط الجار، أي: على كل مرصد، عن أبي الحسن (٤).
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ارتفاع ﴿أَحَدٌ﴾ بفعل مضمر دل عليه ما بعده، أي: وإن استجارك أحد استجارك، ولا يرتفع بالابتداء، كما زعم بعضهم، لأن إن الشرطية من عوامل الأفعال مختصة بها (٥).
стр. 1587
فإن قلت: لم جاز إضمار الفعل بعد إن ولم يجز بعد غيره مما يجازى به؟ قلت: قيل: لأن (إن) أُمُّ حروف الشرط، ويجوز في الأصول ما لم يجز في الفروع (١).
وقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ﴾ أي: إلى أن يسمع، ، أي: كي يسمع، وهي من صلة قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾. ومعنى استجارك: طلب منك الأمان من القتل فأجره منه.
[وقوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ المأمن مَفعَلٌ من الأمن، وهو المكان الذي يأمن فيه] (٢).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ محل ﴿ذَلِكَ﴾ الرفع بالابتداء، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، والإِشارة إلى الأمر بالإِجارة في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾، أي: ذلك الأمر بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإِسلام، وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا الحق، وما أَمَر به ونهى عنه.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾:
قوله : ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (عهد) اسم يكون، واختلف في خبره.
فقيل: ﴿كَيْفَ﴾، وهي استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد.
وقيل: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾، و ﴿عِنْدَ﴾ من صلة العهد، أو نعت له على هذين الوجهين.
стр. 1588
وقيل: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ و ﴿كَيْفَ﴾: حال من العهد (١).
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون جرًا على البدل من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾، لأن ما قبله في معنى النفي، وقد أوضحت، وأن يكون نصبًا على الاستثناء؛ لأن لفظه لفظ الإِيجاب، أي: ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام ولم يظهر منهم نقض. قيل: وهم بنو كنانة وبنو ضمرة (٢).
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (ما) تحتمل أن تكون شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط، أي: إن أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثله، وأن تكون زمانية في موضع نصب، أي: فاستقيموا لهم زمانَ أو مدةَ استقامتِهم لكم.
﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾:
قوله : ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا﴾ (كيف) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحُذُف المستفهمُ عنه لكونه معلومًا مع دلالة ما تقدم، أي: كيف يكون لهم عهد؟ أو كيف تركنون إليهم؟ أو كيف لا تقتلونهم وحالهم أنهم إن يظهَرُوا عليكم بعد أخذ المواثيق والعهود لم ينظروا في شيء من ذلك؟ .
و﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: جواب الشرط، و ﴿لَا﴾: للنفي.
و﴿إِلًّا﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾، أي: لا يراعوا عهدًا، عن مجاهد وغيره (٣).
стр. 1589
وقيل: قرابة، عن ابن عباس ﵄ (١). وأنشد لحسان بن ثابت ﵁:
٢٥٥ - لَعَمْرُكَ إنَّ إِلَّكَ من قُريشٍ ... كإلِّ السَّقْبِ من رَألِ النَّعَامِ (٢)
السَّقْبُ: الذكر من ولد الناقة، أي: ليس بينك وبينهم قرابة، كما أنه لا نسب بين ولد الناقة وولد النعامة.
وقيل: جوارًا، عن الحسن وغيره (٣).
وقيل: حلفًا، عن قتادة (٤).
وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى عن مجاهد أيضًا (٥). وأنكر أبو إسحاق ذلك، وقال: هذا عندنا ليس بالوجه؛ لأن أسماء الله تعالى معروفة معلومة، كما جاء في القرآن، وتليت في الأخبار (٦).
قلت: وحقيقة الإِل على مقتضى اللغة: الظهور، مأخوذ من الألِّ وهو البريق، يقال: ألَّ لونه يؤل إلًّا، إذا صفا وبرق، فسمي ذلك كله إلًّا لظهوره.
стр. 1590
ويجمع الإِل على الأوجه المذكورة ما عدا الوجهَ الأخير في القلة على آلَالٍ، وفي الكثرة على ألول وإلال.
وقوله: ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة: الأمان والعهد، من أَذمَّه، إذا أجاره، وجمع بينهما لاختلاف لفظهما، أعني على قول من فسر ﴿إِلًّا﴾ بالعهد.
وقرئ: (إيلًا) بياء بعد الهمزة خفيفة اللام (١)، على إبدال اللام الأولى ياء لثقل التضعيف مع ثقل الهمزة مكسورة، كما قالوا: دينار وقيراط، فأبدلوا من الحرف الأول ياء كراهية التضعيف.
والأصل: دِنَّارٌ وقِرَّاط، بشهادة قولهم: دنانير وقراريط، أو الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، على أن يكون أصله إولًا فِعْلًا، من آل الأمير رعيته يؤولها إيلًا وإيالًا وإيالة، إذا ساسها وأحسن سياستها.
فالياء في ذلك كله منقلبة عن الواو، وفي كلام بعضهم: قد ألْنا وإيلَ علينا، فاعرفه.
وقوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾ كلام مستأنف في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد، وليس في موضع الحال من الفاعل في ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: كما زعم بعضهم، لضعف المعنى على ذلك، وذلك أن المذكورين - أخزاهم الله - لا يُرْضون المؤمنين بعد القهر والغلبة.
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أكثرهم في شركهم متمردون فيه؛ لأن جميع المشركين فاسقون.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾:
стр. 1591
قوله : ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: استبدلوا بها ثمنًا قليلًا.
وقوله: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ يحتمل أن يكون لازمًا على معنى: أنهم امتنعوا في أنفسهم عنه، وأن يكون متعديًا بمعنى: أنهم منعوا غيرهم عنه وصرفوهم.
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ على حذف المبتدأ، أي: فهم إخوانكم، و (في الدين): من صلة إخوانكم.
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾:
قوله : ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ أي: فقاتلوهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، وأئمة: جمع إمام، وأصلها أَأْمِمَةٌ، ووزنها أَفْعِلَة، فالتقت همزتان: الأولى مزيدة، والثانية أصلية، ثم نقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الأصلية وأدغمت في الثانية، فبقي أئمة كما ترى.
وقرئ: بتحقيقهما على الأصل، وبتسهيل الثانية على مذاق العربية كراهة الجمع بين الهمزتين، وهو مذهب القراء (١)، ومنهم من يجعلها ياء مكسورة وهو مذهب النحاة (٢)، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون.
стр. 1592
وقوله: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ قرئ: بفتح الهمزة (١)، وهو جمع يمين، والمعنى: أنهم وُصفوا بالنكث في العهود، أي: لا أيمان لهم يفون بها، بشهادة قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٢).
ويمين الكافر يمين، وهو مذهب الإِمام الشافعي ﵁ (٣)؛ لأن الله جل ذكره قد أثبت لهم الأيمان ووصفها بالنكث كما ترى.
وقرئ بكسرها (٤)، وفيه وجهان:
أحدهما: لا إسلام لهم.
والثاني: لا إيمان لهم، على أنه مصدر آمنته إيمانًا، فهو مصدر الذي ضده الخوف، كأنه قيل: لا تؤمنوهم إيمانًا ولكن اقتلوهم، فاللفظ لفظ الخبر، ومعناه الأمر.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾:
قوله : ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ دخلت همزة الاستفهام على (لا) تقريرًا بانتفاء القتال، وبدخولها عليه صار فيه معنى التحضيض.
وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرف لـ ﴿بَدَءُوكُمْ﴾.
وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ دَخلت الهمزة تقريرًا بالخشية منهم وتوبيخًا عليها.
وقوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ اسم (الله) رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
стр. 1593
أحدهما: أحق، وفي ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ وجهان:
أحدهما - في موضع رفع بدل من اسم الله تعالى.
والثاني - في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته، وفي الكلام حذف، والمعنى: فالله أحق من غيره بالخشية.
والثاني: ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَحَقُّ﴾ مقدم عليه، والجملة خبر عن المبتدأ الأول، أي: فخشية الله أحق من خشية غيره.
والمعنى: فالله أحق أن تخشوه، فتقاتلوا أعداءه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بعذاب الله وثوابه.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ جواب شرط محذوف، أي: إن تقاتلوهم يعذبهم بأيديكم قتلًا.
وقوله: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ عطف على ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾، أي: ويخزهم أسرًا. والإِخزاء الإِذلال. و ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: بالقهر والغلبة. و ﴿وَيَشْفِ﴾ أيضًا عطف على المذكور.
وكذلك: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، أي: إن تقاتلوهم تكن هذه الأشياء كلها. ويجوز في الكلام رفع قوله: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ وما عطف عليه على القطع من الأول والاستئناف (٢).
ويجوز أيضًا فيهن النصب بإضمار أن، وهو مع النصب داخل في جواب
стр. 1594
الشرط معنًى، كما تقول: إن تأتني أحسن إليك وأعطي فلانًا دينارًا، فتجزم الأول على جواب الشرط، وتنصب الثاني على إضمار أن.
والمعنى: إن تأتني أجمع بين الإِحسان إليك والإِعطاء لفلان.
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ الجمهور على رفع ﴿وَيَتُوبُ﴾ على القطع مما قبله والاستئناف، وهو الوجه؛ لأن توبته سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم لهم؛ لأن الله تعالى يتوب على من يشاء قاتل أو لم يقاتل.
وقرئ بالنصب (١) بإضمار أن، والتوبة داخلة في جملة ما أجيب به الأمر من جهة المعنى، أي: إن تقاتلوهم يجمع الله بين تعذيبهم بأيديكم وإذلالهم، وشفاء صدور طائفة من المؤمنين منهم، وإذهاب غيظ قلوبكم، والتوبة على من يشاء.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾:
قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (أم) هنا منقطعة والهمزة فيها معنى التوبيخ على وجود الحسبان.
﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ أن وما اتصل بها سدت مسد مفعولي الحسبان على المذهب المنصور.
وقوله: ﴿وَلَمَّا﴾ معناها التوقع.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾ داخل في حيز الصلة،
стр. 1595
كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله (١).
والوليجة: الدخيلة على القوم من غيرهم، وكل شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة، فعيلة من ولَج، كالدخيلة من دخل، ووليجة الرَّجل: خاصته وبطانته الذي يداخله بالمودة.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾:
قوله : (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله) (٢) يعني المسجد الحرام، يعضده ما تأخر من قوله تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).
وقرئ: بالجمع (٤)، وفيه وجهان:
أحدهما: المراد به المسجد الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، ولأن كل بقعة منه مسجد.
والثاني: أن المراد هو وغيره لمنع المشركين من عمارة المسجد الحرام وغيره، ويعضده: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾.
و﴿شَاهِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿يَعْمُرُ﴾، و ﴿عَلَى﴾، والباء من صلة ﴿شَاهِدِينَ﴾.
стр. 1596
وقوله: ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ أي: وهم خالدون في النار، ففصل بالظرف بين العاطف والمعطوف.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾:
قوله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ السقاية والعمارة مصدران من سقى وَعَمَرَ، كالهداية والقصارة من هَدى وقصر.
وصحت الياء من السقاية لإِتوة تاء التأنيث بعدها مع بناء الكلمة (١)، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: أجعلتم أهل سقَاية الحاج، وأصحاب عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله، تعضده قراءة من قرأ: (سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المسجد الحرام) وهم: ابن الزبير، وأبو وجزة السعدي، وابن القعقاع (٢)، أما سُقاة: فجمع ساقٍ، كقاضٍ وقضاة، وأما عَمَرة: فجمع عامر، كحارس وحَرَسَةٍ.
ولك أن تقدر حذف المضاف من قوله: ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾: كإيمان من آمن، فلا بد من مضاف محذوف إمّا من أوله أو من آخره، ليكون الأول هو الثاني في المعنى؛ لأنه في الأصل مبتدأ وخبر، والجوهر لا يكون خبرًا عن الحدث.
وقرئ أيضًا: (سُقاية الحاج وعمرة المسجد الحرام) بضم السين (٣)،
стр. 1597
وهو جمع ساق أيضًا، إلا أنه جاء على فُعَالٍ، كرجل ورجالٍ، وظئر وظؤار، وكان قياسه أن يكون سقاءً بالتذكير، إلّا أنه أنث كما تؤنث الجموع، نحو: حجارة وذكارة.
وقد جوز أن تكون السقاية والعمارة على قراءة الجمهور جمع ساق وعامر، كراع ورعاء، وأنث كما ذكرت آنفًا.
والوجه هو الأول وعليه الجلُّ، وهو أن يكونا مصدري سَقى وَعَمَرَ، لسلامته من التعسف والتقديرات (١).
والسُّقاية والسِّقاية على قول من جعلها جمع ساقٍ مبنية على التأنيث لا على أنه أنث سقاء؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: سقاءة بالهمز، ونظير هذا قولهم: مِذْرَوَان وثنايان (٢) في البناء على التثنية، ولولا ذلك لقالوا: مِذْريان، كما قالوا: مغزيان، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
وجاء في التفسير: أن سقاية الحاج سقيهم الشراب والماء للحجيج في الموسم، قيل: كان نبيذ زبيب (٣).
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مستأنف. والثاني: حال من المفعول حملًا على المعنى دون اللفظ، وذلك أن معنى قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ سويتم بينهم، كأنه قيل: سويتم بينهم في حال تفاوتهم. والأول أمتن.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ونهاية صلته ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾،
стр. 1598
وخبره ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾، و ﴿دَرَجَةً﴾ نصب على البيان، أي: أعظم من غيرهم منزلة، و ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ لا أنتم.
والفائز: الظافر بأمنيته، والفوز، والفلاح، والنجاح نظائر في اللغة، وقد ذكر فيما سلف.
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١).
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ﴾ يعني في الجنات. وقيل: في الرحمة. وقيل: في البشرى، دل عليها ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ (٢).
و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ﴾ في موضع جر على النعت لجنات.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قرئ: بالتوحيد (٣) استغناء بما أضيف إليه من الجمع عن جمعه لدلالته عليه، وأيضًا فإن العشيرة واقعة على الجمع
стр. 1599
فاستغنى بذلك عن جمعها. وبالجمع (١) حملًا على المعنى؛ لأن لكل واحد من المخاطبين عشيرة، فجمعت لذلك.
والعشيرة: الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة، ومنه المعاشرة وهي الاجتماع.
ومعنى (اقترفتموها): اكتسبتموها، والاقتراف: الاكتساب.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (مواطن) جمع موطن، والموطن: المشهد من مشاهد الحرب ومواقفها.
قال:
٢٥٦ - على مَوْطِنٍ يَخشَى الفَتَى عندَهُ الرَّدَى ... ......................... (٢)
وقال:
٢٥٧ - وَكمْ مَوْطِنٍ لَولايَ طِحْتَ كما هَوَى ... بأجْرامِهِ من قُلّةِ النّيقِ مُنْهوِي (٣)
стр. 1600
وامتناعه عن الصرف عند صاحب الكتاب ﵀ لكونه جمعًا، ولكونه لا مثال له في الواحد.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف على محل ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ بمعنى: ونصركم يوم حنين.
الزمخشري: فإن قلت: كيف عطف الزمان على المكان وهو ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ على المواطن؟ .
قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت، كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ منصوبًا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرًا في جمعيها، فبقي أن يكون ناصبه فعلًا خاصًّا به إلَّا إذا نصبت ﴿إِذْ﴾ بإضمار اذكر، انتهى كلامه (١).
وصرف حنين؛ لأنه مذكر سمي به، وهو واد بين مكة والطائف عن قتادة (٢). ومن العرب من لا يصرفه يجعله اسمًا للبقعة (٣).
وقوله: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، والباء بمعنى مع، أي: مع رحبها، أي: سعتها. والرحب: السعة في المكان وفيه وجهان:
стр. 1601
أحدهما: فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم (١).
والثاني: ضاقت عليكم فلم تثبتوا فيها، كما لم يثبت من لا يسعه مكان.
قيل: وحقيقته ملتبسة برحبها، على أن الجار والمجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي: ملتبسًا بها لم أحلّها، تعني مع ثياب السفر (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (مدبرين) حال مؤكدة؛ لأن التولية والإِدبار بمعنى.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ بفتح الجيم مصدر قولك: نَجِسَ الشيءُ يَنْجَسُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَجَسًا فهو نَجِس كقَذِرَ يقذَرُ قَذَرًا فهو قَذِرٌ، وهو ضد النظافة.
جُعلوا نفس النجاسة، كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها، أو على تأويل حذف المضاف، أي: ذوو نجس، وكلا الوجهين حسن شائع في كلام القوم.
وإنما كان المشركون نجسًا، لأن معهم الشرك الذي يجري مجرى القذر في أنه يجب أن يتجنب، فسموا باسمه، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابِسةٌ لهم.
стр. 1602
وكان الحسن ﵀ فيما روي عنه يقول: من صافح مشركًا فليتوضأ (١).
وقرئ: (نِجْس) بكسر النون وسكون الجيم (٢) على تقدير حذف الموصوف، تقديره: إنما المشركون جنس نجس، أو ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعًا لرجس.
قال الفراء: إذا قالوه مع الرِّجس أَتْبعوه إِيَّاه فقالوا: رِجْسٌ نِجْس (٣)، وهو تخفيف نَجِسٍ ككِبْدٍ في كَبِدٍ.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ العيلة: مصدر عال يَعيل عيلة وعيولًا، إذا افتقر، قال:
٢٥٨ - وما يدري الفقيرُ متى غِناهُ ... وما يَدري الغني متى يَعيلُ (٤)
أي: وإن خفتم فقرًا بسبب منع المشركين من الحج، وما كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق، والمكاسب ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من عطائه، أو من تفضله بوجه آخر. قيل: أغناهم بأخذ الجزية، وقيل: بإدرار المطر (٥).
وقرئ: (عائلة) (٦)، على أنها مصدر أتت على فاعِلةٍ، كالعافية
стр. 1603
والعاقبة، أو نعت لمحذوف، أي: وإن خفتم حالًا عائلةً.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (دين الحق) مفعول به، على معنى: ولا يعتقدون دين الإِسلام الذي هو الحق.
وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة، وجمعها جِزًى، كلحيةٍ ولِحًى، مأخوذة من جزى دَينه، إذا قضاه.
و﴿عَنْ يَدٍ﴾: يحتمل أن يكون من صلة الفعل، وأن يكون في موضع الحال وهو الوجه، أي: حق يعطوها أَذِلَّاء.
واختلف في معناه، فقيل: المعنى: حتى يعطوها عن يدٍ إلى يدٍ نقدًا غير نسيئة، لا مبعوثًا عن يد أحدٍ، ولكن عن يدِ المعطِي إلى يد الآخذ (١).
وقيل: المعنى: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستوليةٍ، أو عن إنعام عليهم؛ لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الواو للحال، والصاغر: الذليل، والمعنى: إن الجزية تؤخذ منهم على الصَّغار والذلّ، قيل: وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيًا غير راكب، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس (٣).
стр. 1604
وقيل: يُجَرُّ إلى الموضع الذي يقبض منه فيه بالعنف، ويقال له: أدِّ الجزية (١).
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قرئ: بالتنوين (٢) على أن عُزيرًا مبتدأ، و ﴿ابْنُ﴾ خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة والاختيار إعلامًا بأن الأول مبتدأ، وأن ما بعده خبر عنه وليس بنعتٍ له.
وقرئ بحذف التنوين (٣) على أن ابنًا وصف له، و (عزيرُ) مبتدأ، وخبره محذوف، أي: عزيرُ ابن الله صاحبُنَا، أو معبودنا، أو بالعكس، أي: صاحبنا أو معبودنا عزيرُ ابن الله (٤)، أو خبر له، وحذف التنوين منه إمّا لالتقاء الساكنين، كقراءة من قرأ: (أَحَدُ الله) (٥)، أو للتخفيف، كما تحذف حروف اللين لذلك نحو: لم يك زيدٌ قائمًا، ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ (٦)، أو لكونه أعجميًا كعازرَ، وعَيزار، وعزرائيل، فامتناع صرفه للعجمة والتعريف.
وقيل: إن ابنًا بدل من ﴿عُزَيْرٌ﴾، أو عطف بيان له، و ﴿عُزَيْرٌ﴾: مبتدأ، وخبره محذوف، أو بالعكس، وقد ذكرا.
стр. 1605
وبعد .. فإن عزيرًا عربي عند قوم مشتق من قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ (١)، وعجمي عند آخرين، وانصرف على هذا لخفته، كنوح ولوط؛ لأنه تصغير عزر، والوجه هو الأول وعليه الأكثر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (ذلك) رفع بالابتداء، وخبره ﴿قَوْلُهُمْ﴾. و ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿قَوْلُهُمْ﴾، وأن يكون في موضع الحال، وأن يكون من صلة ﴿يُضَاهِئُونَ﴾، وهي جمع فُوهٍ.
والمعنى: أن ذلك قول لا يعضده برهان ولا حجة، وإنَّما هو لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته.
وقوله: (يضاهُون) قرئ: بضم الهاء من غير همز (٢)، وبكسرها مع الهمز (٣)، وهما لغتان، يقال: ضاهيت بالياء وضاهأت بالهمز، إذا أَشبهت.
وأصل المضاهاة: المشابهة، ومنه: امرأة ضهياء، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض (٤).
ولام الفعل على قراءة من لم يهمز محذوفة، كما حذفت في يقضون ونحوه، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: يضاهي قولُهم قولَهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا لقيامه مقام المضاف.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾
стр. 1606
بشهادة قول ابن عباس ﵄: اتخذوه ربًّا (١). فحذف الفعل والمفعول الثاني.
وقيل: التقدير وعبدوا المسيح (٢).
والأحبار: العلماء، واحدهم حَبرٌ بفتح الحاء، أو حِبرٌ بكسرها، وهو أحسن لإتوة جمعه على أفعال، وذلك أن فَعلًا بفتح الفاء سالمة العين لا يجمع على أفعال في الأمر العام.
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ الضمير في ﴿أُمِرُوا﴾ يحتمل أن يكون للعابدين وهم اليهود والنصارى، أي: وما أُمروا هؤلاء اليهود والنصارى إلَّا أن يعبدوا معبودًا واحدًا وهو الله تعالى، وأن يكون للمعبودين، أي: وما أُمروا هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا أن يعبدوا الله ويوحدوه، فكيف يصح أن يكونوا أربابًا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم؟ !
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ دخلت ﴿إِلَّا﴾ مع يأبى الله وهو إيجاب لوجهين:
إما لحملها على المعنى، إذ كان المعنى: ويأبى الله كل شيء إلَّا إتمام نوره، أو لإِجرائهم (أبي) مجرى: لم يُرِدْ، ولهذا قوبل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾، وأُوقع موقع ولا يُريد الله إلَّا أن يتم نوره.
وليس قول من قال: دخلت ﴿إِلَّا﴾ لأن في الإِباء معنى النفي من حيث هو منع (٣)، وأنشد:
стр. 1607
٢٥٩ - فَهَلْ لِيَ أُمٌّ غيرُها إنْ تركتُهَا ... أَبَى اللهُ إلَّا أن أَكونَ لَهَا ابْنَمَا (١)
بمستقيم، إذ لو كان الأمر كما زعم لأجيز: كرهت أو أبغضت إلَّا زيدًا، فلما لم يجيزُوا هذا دل ذلك على سداد ما ذكر وفساد ما ذكر فاعرفه (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع بالابتداء، والخبر ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾، ودخلت الفاء لما في الموصول من الإِبهام، أو النصب بإضمار فعل يفسره الظاهر، أي: بشر الذين يكنزون.
اختلف في الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾:
فقيل: للكنوز، دلَّ عليها ﴿يَكْنِزُونَ﴾.
وقيل: للأموال.
وقيل: للفضة؛ لأنها أقرب، والتقدير: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه، والفضة ولا ينفقونها. فاستغني بذكر أحدهما عن الآخر إيجازًا واختصارًا (٣).
стр. 1608
وقيل: للذهب والفضة؛ لأنهما جنسان ولهما أنواع، فعاد الضمير إلى المعنى دون اللفظ كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (١).
وقيل: للذهب لأنها أسبق، والذهب قد يؤنث (٢). والبشارة في المكروه مجاز وتشبيه.
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾ (يوم) ظرف لفعل دل عليه قوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ (٣)، أي: يعذبون عليها في ذلك اليوم.
ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ (٤) كما زعم بعضهم؛ لأن البشارة لا تكون في ذلك اليوم، ويضعف أن يكون ظرفًا لعذاب لكونه قد وصف.
وقيل: هو منصوب بفعل مضمر، أي: اذكر يوم (٥).
و﴿عَلَيْهَا﴾: في موضع رفع على الفاعلية، قيل: والأصل يوم تحمى النار، فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها، لانتقال الإِسناد عن النار إلى ﴿عَلَيْهَا﴾ كما تقول: رُفعت القضيةُ إلى الأمير، فإن لم تذكر القضية قلت: رُفع إلى الأمير (٦). وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، أي: يحمى الوقودُ أو الجمر (٧).
وقوله: ﴿بِهَا﴾ قيل: الضمير للكنوز، وقيل: لجهنم، والباء بمعنى في (٨).
стр. 1609
وقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ على إرادة القول.
و﴿مَا﴾ تحتمل أن تكون موصولة، أي: يقال لهم: هذا الذي تُكوون به هو ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله تعالى، وأن تكون مصدرية والإِشارة إلى العذاب، أي: هذا العذاب هو جزاء ما كنزتم، أي: كنزكم.
وقوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: عذابه.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (عدة) مصدر كالعدِّ، غير أنها هنا بمعنى العدد، والعدد الاسم.
و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ من صلتها، و ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في موضع رفع على الصفة لاثني عَشر، أي: مثله في كتاب الله.
ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿عِدَّةَ﴾، كما زعم بعضهم (١) لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر إنّ (٢).
وقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ﴾ يوم: ظرف لـ ﴿كِتَابِ﴾ إن جعلت كتابًا معنًى لا عينًا، أي في حكمه، أو في إيجابه في ذلك اليوم، أو للاستقرار الذي يتعلق به ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ إن جعلته عينًا وهو اللوح المحفوظ، عن ابن عباس ﵄ (٣).
стр. 1610
وقيل: ﴿يَوْمَ﴾ بدل من موضع قوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، و ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿عِنْدَ﴾ وهو بعيد لأجل الفصل بين البدل والمبدل منه بخبر إنَّ، والعامل في البدل هو العامل في المبدل منه وذلك لا يجوز هنا لما ذكرت قبيل من أن الفصل بين المصدر وما يتعلق به بالخبر لا يجوز (١).
وقوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ جملة مستأنفة لا موضع لها من الإِعراب. وقد جوز أن تكون صفة لاثني عشر، وأن تكون حالًا من المنوي في ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ للأربعة الحرم.
وقيل: لاثني عشر، والأول أمتن، لأن أكثر ما يكني القومُ عمَّا دون العشرة بالهاء والنون، وعما فوقها بالهاء والألف (٣).
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (كافةً) مصدر على فاعلة، كالعاقبة والعافية في موضع الحال، إمَّا من الفاعل بمعنى: قاتلوهم محيطين بهم، أو من المفعول بمعنى: جميعًا.
وأصلها كافِفَة، من كففتُ القوم، إذا منعتهم، ثم جعلت بمعنى جميعًا.
قال الرماني: وهي من المصادر التي لا تتصرف، لوقوعها موقع معًا وجميعًا، وهي في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة، انتهى كلامه.
стр. 1611
وقوله: ﴿كَمَا﴾ الكاف في موضع نصبٍ على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قتالًا مثل.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ النسيء: مصدر كالنعيق والشحيح، وهو مصدر نسأه، إذا أخّره، يقال: نسأه نسئًا ونساءً ونسيئًا، كقولك: مسه مسًا ومِساسًا ومسيسًا، وليس قول من قال: هو فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأتُ الشيء فهو منسوءٌ، إذا أخرته، ثم حول منسوء إلى نسيء، كما يحول مقتول إلى قتيل، بمستقيم؛ لأجل أنه إن حُمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، والمؤخر: الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وإنّما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا.
وذلك أنهم على ما فسر كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه لحاجتهم إلى القتال فيه، ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها (١).
وقرئ: (النسيّ) بتشديد الياء من غير همزة بوزن النديّ (٢)، على القلب والإِدغام على التخفيف القياسي.
стр. 1612
وقرئ: (النسْيُ) بسكون السين وياء مخففة بعدها بوزن النهي (١)، وهو تخفيف النسيء أيضًا غير أنه قصر بحذف يائه، ثم أسكن عينه، فبقي نَسْي كما ترى، ونظيره مما قصر من فعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سَمْحٌ، وفي رطيب رطْبٌ، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لَبِق. وفي سميح: سمِح.
وقوله: (يَضِلُّ) ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر بعد خبر للنسيء.
وقرئ: (يَضِل) بفتح الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل وهو ﴿الَّذِينَ﴾، وبضم الياء وفتح الضاد على البناء للمفعول (٢) على معنى: أن كبراءهم يضلونهم بأمرهم إياهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور.
وبضم الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل (٣) وهو ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول به محذوف، أي: يضل به الذينِ كفروا أتباعهم، أو الله تعالى، أو كبراؤهم، أو الشيطان، والمفعول به ﴿الَّذِينَ﴾.
وبفتح الياء والضاد (٤)، وهي لغة، أعني ضلِلت أَضَلُّ، واللغة الفصحى ضلَلتُ أضِل بفتح عين الفعل في الماضي، فمن فتحها في الماضي كسر الضاد في المضارع، ومن كسرها في الماضي فتح الضاد في المضارع، وفاعله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيضًا، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للنسيء.
وقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون تفسيرًا للضلال، فلا يكون له محل من الإِعراب، وأن يكون حالًا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
стр. 1613
والضمير في ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ للنسيء أيضًا. والمعنى: أنهم إذا أحلُّوا شهرًا من الأشهر الحرم عامًا رجعوا فحرّموه في العام القابل.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ الأصل (تثاقلتم) وبه قرأ الأعمش (١)، فأدغمت التاء في الثاء بعد القلب للقرب في المخرج، ودخلت ألف الوصل للابتداء لمَّا سكن الحرف للإِدغام، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٢)، وعُدّي بإلى لكونه ضُمّن معنى الميل والإِخلاد، وهو العامل في ﴿إِذَا﴾، ولفظه ماض ومعناه المستقبل، ومحله النصب على الحال، أي: ما لكم تتثاقلون، أي: ما لكم متثاقلين إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله.
وقرئ: (أَثَّاقلتم) (٣) على الاستفهام الذي معناه الإِنكار والتوبيخ، والعامل في ﴿إِذَا﴾ على هذه القراءة ما دل عليه، أو ما في ﴿مَا لَكُمْ﴾ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم؟ كما تُعْمِلُهُ في الحال إذا قلت: ما لك قائمًا، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٤)، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ (٥).
وقوله: ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ في موضع الحال، أي: بدلًا أو عِوضًا من الآخرة.
стр. 1614
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ الأصل: إن لا، فإنْ حرف شرط، و (لا) للنفي، وهي لا تحول بين العامل والمعمول فيه.
﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾: جواب الشرط، ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾، و ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ عطف عليه.
و﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع المصدر، أي: ضرًا، أي: شيئًا منه، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
ولك أن تضمن الضر معنى المنع، فيكون مفعولًا ثانيًا، أعني ﴿شَيْئًا﴾.
والضمير في ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ لله تعالى، وقيل: لرسول الله ﷺ (٢)، أي: ولا تضروه؛ لأن الله وعده أن يعصمه من الناس، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣)، وأن ينصره، وَوَعْدُ الله كائن لا محالة.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من التبديل ونصر الرسول ﵊.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾:
стр. 1615
قوله : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الهاء في ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ لرسول الله ﷺ ، وفي جواب الشرط وجهان:
أحدهما: إلَّا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلَّا رجل واحدٌ، ولا أقل من الواحد، فدل بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ إلى أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت.
والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصورًا في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده، قاله الزمخشري (١).
وقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. انتصاب قوله: ﴿ثَانِيَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿أَخْرَجَهُ﴾، وهو ضمير رسول الله ﷺ ، أي: أخرجوه منفردًا عن جميع الناس إلَّا من أبي بكر ﵁.
الزمخشري: وأسند الإِخراج إلى الكفار، كما أسنده إليهم في قوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٢)؛ لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه (٣).
ومعنى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾: أحد اثنين، كقوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤)، أي: أحد ثلاثة. وللقوم في هذا مذهبان:
أحدهما: يقولون: ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة إلى عاشر عشرة، على التأويل المذكور إذا كان المضاف إليه من جنس المضاف؛ لكونه مشتقًا منه، أعني المضاف من المضاف إليه، والإِضافة حقيقية.