وقوله: ﴿كَمَا﴾ الكاف في موضع نصبٍ على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قتالًا مثل.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ النسيء: مصدر كالنعيق والشحيح، وهو مصدر نسأه، إذا أخّره، يقال: نسأه نسئًا ونساءً ونسيئًا، كقولك: مسه مسًا ومِساسًا ومسيسًا، وليس قول من قال: هو فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأتُ الشيء فهو منسوءٌ، إذا أخرته، ثم حول منسوء إلى نسيء، كما يحول مقتول إلى قتيل، بمستقيم؛ لأجل أنه إن حُمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، والمؤخر: الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وإنّما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا.
وذلك أنهم على ما فسر كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه لحاجتهم إلى القتال فيه، ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها (١).
وقرئ: (النسيّ) بتشديد الياء من غير همزة بوزن النديّ (٢)، على القلب والإِدغام على التخفيف القياسي.
стр. 1612
وقرئ: (النسْيُ) بسكون السين وياء مخففة بعدها بوزن النهي (١)، وهو تخفيف النسيء أيضًا غير أنه قصر بحذف يائه، ثم أسكن عينه، فبقي نَسْي كما ترى، ونظيره مما قصر من فعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سَمْحٌ، وفي رطيب رطْبٌ، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لَبِق. وفي سميح: سمِح.
وقوله: (يَضِلُّ) ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر بعد خبر للنسيء.
وقرئ: (يَضِل) بفتح الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل وهو ﴿الَّذِينَ﴾، وبضم الياء وفتح الضاد على البناء للمفعول (٢) على معنى: أن كبراءهم يضلونهم بأمرهم إياهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور.
وبضم الياء وكسر الضاد على البناء للفاعل (٣) وهو ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول به محذوف، أي: يضل به الذينِ كفروا أتباعهم، أو الله تعالى، أو كبراؤهم، أو الشيطان، والمفعول به ﴿الَّذِينَ﴾.
وبفتح الياء والضاد (٤)، وهي لغة، أعني ضلِلت أَضَلُّ، واللغة الفصحى ضلَلتُ أضِل بفتح عين الفعل في الماضي، فمن فتحها في الماضي كسر الضاد في المضارع، ومن كسرها في الماضي فتح الضاد في المضارع، وفاعله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيضًا، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للنسيء.
وقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون تفسيرًا للضلال، فلا يكون له محل من الإِعراب، وأن يكون حالًا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
стр. 1613
والضمير في ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ للنسيء أيضًا. والمعنى: أنهم إذا أحلُّوا شهرًا من الأشهر الحرم عامًا رجعوا فحرّموه في العام القابل.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ الأصل (تثاقلتم) وبه قرأ الأعمش (١)، فأدغمت التاء في الثاء بعد القلب للقرب في المخرج، ودخلت ألف الوصل للابتداء لمَّا سكن الحرف للإِدغام، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٢)، وعُدّي بإلى لكونه ضُمّن معنى الميل والإِخلاد، وهو العامل في ﴿إِذَا﴾، ولفظه ماض ومعناه المستقبل، ومحله النصب على الحال، أي: ما لكم تتثاقلون، أي: ما لكم متثاقلين إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله.
وقرئ: (أَثَّاقلتم) (٣) على الاستفهام الذي معناه الإِنكار والتوبيخ، والعامل في ﴿إِذَا﴾ على هذه القراءة ما دل عليه، أو ما في ﴿مَا لَكُمْ﴾ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم؟ كما تُعْمِلُهُ في الحال إذا قلت: ما لك قائمًا، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٤)، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ (٥).
وقوله: ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ في موضع الحال، أي: بدلًا أو عِوضًا من الآخرة.
стр. 1614
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ الأصل: إن لا، فإنْ حرف شرط، و (لا) للنفي، وهي لا تحول بين العامل والمعمول فيه.
﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾: جواب الشرط، ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾، و ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ عطف عليه.
و﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع المصدر، أي: ضرًا، أي: شيئًا منه، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
ولك أن تضمن الضر معنى المنع، فيكون مفعولًا ثانيًا، أعني ﴿شَيْئًا﴾.
والضمير في ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ لله تعالى، وقيل: لرسول الله ﷺ (٢)، أي: ولا تضروه؛ لأن الله وعده أن يعصمه من الناس، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣)، وأن ينصره، وَوَعْدُ الله كائن لا محالة.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من التبديل ونصر الرسول ﵊.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾:
стр. 1615
قوله : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الهاء في ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ لرسول الله ﷺ ، وفي جواب الشرط وجهان:
أحدهما: إلَّا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلَّا رجل واحدٌ، ولا أقل من الواحد، فدل بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ إلى أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت.
والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصورًا في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده، قاله الزمخشري (١).
وقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾. انتصاب قوله: ﴿ثَانِيَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿أَخْرَجَهُ﴾، وهو ضمير رسول الله ﷺ ، أي: أخرجوه منفردًا عن جميع الناس إلَّا من أبي بكر ﵁.
الزمخشري: وأسند الإِخراج إلى الكفار، كما أسنده إليهم في قوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٢)؛ لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه (٣).
ومعنى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾: أحد اثنين، كقوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤)، أي: أحد ثلاثة. وللقوم في هذا مذهبان:
أحدهما: يقولون: ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة إلى عاشر عشرة، على التأويل المذكور إذا كان المضاف إليه من جنس المضاف؛ لكونه مشتقًا منه، أعني المضاف من المضاف إليه، والإِضافة حقيقية.
стр. 1616
والثاني: يقولون: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعة إلى عاشر تسعة بمعنى: ثلّث الاثنين، وخمّس الأربعة بمصيره فيهم بعد أن لم يكن، والإِضافة غير محضة، لكون المضاف إليه من غير جنس المضاف، وفي هذا كلام لا يليق ذكره هنا، والمذكوران رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق ﵁.
وقرئ: (ثانيْ اثنين) بإسكان الياء (١) تشبيهًا لها بالألف.
قال أبو العباس: هو من أحسن الضرورات، حتى لو جاء به إنسان في النثر لكان مصيبًا (٢).
وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (إذ) ظرف لقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ لكونه بدلًا من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾، وجاز أن يكون بدلًا منه وإن كان وقتُ إخراج الكافرين له قبل وقت حصوله ﷺ مع صاحبه ﵁ في الغار؛ لأن الزمانين إذا تقاربا وُضع أحدهما موضع صاحبه، ولذلك أجاز أهل هذه الصناعة: شكرتك إذا أحسنت إليّ، مع أن زمان الإِحسان قبل زمان الشكر، لما ذكرت آنفًا فاعرفه.
هذا على قول من قال: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، وأما من قال: إن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه، فقدّر هنا فعلًا آخر دل عليه الأول، أي: نصره إذ هما (٣).
والغار: نَقْبٌ في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيره ساعة.
стр. 1617
قال مجاهد: مكثا فيه ثلاثًا (١).
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ (إذ) بدل ثانٍ. وقيل: ﴿إِذْ هُمَا﴾ ظرف لـ ﴿ثَانِيَ﴾: (٢). والهاء في ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ لأبي بكر ﵁ (٣).
وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السكينة: فعيلة بمعنى مُفعلة؛ لأنه أنزل عليه ما يسكنه، وهو ما ألقي في قلبه من الأَمنة التي سكن عندها، وعلم أنهم لا يصلون إليه.
والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ لأبي بكر ﵁؛ لأنه كان منزعجًا، عن ابن عباس ﵄، وقيل: لرسول الله ﷺ ، عن أبي إسحاق وغيره (٤).
والأول أوجه؛ لأن رسول الله ﷺ كان ساكن القلب رابط الجَأش، وكانت السكينة عليه قبل ذلك؛ لكونه ﵊ خرج بإذن الله تعالى مبشَّرًا بما يسرُّه، بشهادة قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٥).
وأما قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٦)، فقيل: نزلت عليه يوم
стр. 1618
حنين من أجل خوفه على المسلمين لا على نفسه (١).
والهاء في ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ لرسول الله ﷺ . والجنود: الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين على ما فسر (٢).
وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ الجمهور على رفع ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ على الابتداء، والخبر ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾، و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ أو فصل.
وقرئ: بالنصب (٣) حملًا على ﴿جَعَلَ﴾، والرفع أوجه لوجهين:
أحدهما: أن النصب يؤدي إلى أن ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ كانت سُفلى فجُعلت عليا، وهي لم تزل عليا.
والثاني: أن فيه وضع الظاهر موضع المضمر، وليس هذا من مواطنه، والوجه أن يقول: وكلمته هي العليا.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾:
قوله : ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ انتصابهما على الحال من الواو في قوله: ﴿انْفِرُوا﴾ وهما جمعُ خفيفٍ وثقيلٍ، ككرام في جمع كريم.
واختلف في معناهما فقيل: خفافًا في النفور لنشاطكم له، وثقالًا عنه لمشقته عليكم، أو خفافًا لقلة عيالكم، وثقالًا لكثرتها، أو خفافًا من السلاح، وثقالًا منه، أو ركبانًا ومشاة، أو شبانًا وشيوخًا، أو مهازيل
стр. 1619
وسِمانًا، أو صحاحًا ومراضًا، أو فقراء وأغنياء (١).
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ خبر كان، واسمها مضمر وهو ما دلَّ عليه المعنى، أي: لو كان ما ررعوا إليه غُنْمًا قريبًا سهل المنال.
والعَرَضُ هنا: ما عرض لك من منافع الدنيا قَلَّ أو كَثُر، قال الجوهري: يقال: الدنيا عَرَضٌ حاضرٌ يأكل منها البَرُّ والفاجر (٢).
و(سفرًا قاصدًا): وسطًا سهلًا.
و(الشُّقة) بالضم: المسافة البعيدة الشاقة، سميت شُقة؛ لأنها يشق ركوبُها لبعدها، وكسر الشين جائز (٣)، وبه قرأ بعض القراء هنا مع كسر العين: (ولكن بعِدت عليهم الشِّقَّة) (٤)، وأُنشد:
٢٦٠ - يقولون لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنونه ... ولَا بُعْدَ إلّا ما تُواري الصَّفَائِحُ (٥)
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ قد جوز أن يكون ﴿بِاللَّهِ﴾ من صلة قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾، وأن يكون من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين، أي: سيحلفون - يعني المتخلفين - عند رجوعك من غزوة تبوك متعذرين يقولون:
стр. 1620
بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، أو سيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا (١).
وقوله: ﴿لَخَرَجْنَا﴾ سد مسد جوابي القسم و ﴿لَوِ﴾ جميعًا.
والجمهور على كسر واو ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾، لا على الأصل، وقرئ: بضمها (٢) تشبيهًا لها بواو الجمع نحو: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ (٣)، كما شبهت واو الجمع بها فكسرت فقيل: (فتمنوِا الموت) وبه قرأ بعض القراء (٤)، وقد مضى الكلام على تفصيل هذا النحو في "البقرة" عند قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة ها هنا (٥).
وقوله: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون بدلًا من ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾، وأن يكون حالًا إمّا من الضمير في ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ بمعنى أنهم يوقعونها في الهلاك بسبب أقسامهم الكاذبة مع إضمارهم النفاق، أو من الضمير في قوله: ﴿لَخَرَجْنَا﴾ بمعنى: لخرجنا معكم مهلكين أنفسنا بإلقائنا إياها في التهلكة بما نُحَمِّلُها من المسير في تلك المسافة الشاقة.
قيل: وجاء به على لفظ الغائب؛ لأنه مخبر عنهم، ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدًا، يقال: حلف بالله ليفعلنَّ ولأفعلن، فالغيبة على حكم الإِخبار، والتكلم على الحكاية (٦).
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾:
стр. 1621
قوله : ﴿لِمَ﴾ من صلة ﴿أَذِنْتَ﴾ لا من صلة ﴿عَفَا﴾، كما زعم بعضهم؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (حتى) من صلة محذوف دل عليه ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ تقديره: هلّا استأنيت (١) بالإِذن إلى أن يتبين لك مَن صدق في عذره ممن كذب فيه، لا من صلة ﴿أَذِنْتَ﴾، كما زعم بعضهم؛ لأن ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبين، وكلاهما يمنع العتاب.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ محل أن وما اتصل به النصب لعدم الجار. وهو في، أو الجر على إرادته، وقيل: هو مفعول له، أي: كراهة أن يجاهدوا (٢).
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ العدة بالضم: الاستعداد، يقال: كونوا على عُدّةٍ. والعدّة أيضًا: ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح وغيرهما، يقال: أخذ للأمر عُدّتَهُ وعَتاده بمعنىً، وهذه قراءة الجمهور أعني (عُدَّةً) بتاء التأنيث من غير إضافة.
وقرئ: (عُدَّهُ) بحذف تاء التأنيث، مع هاء الضمير على الإِضافة (٣)،
стр. 1622
بمعنى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته، فحذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها.
وقرئ: (عِدَّةً) بكسر العين بغير إضافة (١)، و (عِدَّهُ) بحذف التاء والإِضافة (٢) على ما ذكرت آنفًا، وأما كسر العين فلعله لغيّة بمعنى الضم.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ قيل: لما كان قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ معطيًا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم (٣).
وقوله: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: فوقَّفَهُمْ، والتثبيط: التوقيف بالأمر بالتزهيد فيه.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الزمخشري: ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولونه؛ لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلَّا خبالًا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلًا؛ لأن الخبال بعضُ أعمِّ العام، كأنه قيل: ما زادوكم شيئًا إلَّا خبالًا، والخبال: الفساد والشر (٤). وكذلك الخَبْل ساكنة الباء.
стр. 1623
وقوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، (خلالكم) ظرف لأوضعوا، والإِيضاع: الإِسراع والحمل على الإِسراع، يقال: وَضَعَ البعيرُ وغيره وضعًا، إذا أسرع في سيره.
وقال:
٢٦١ - يا لَيتَنِي فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ (١)
وأوضعه راكبه، وأنشد:
٢٦٢ - إنَّ دُلَيمًا قد أَلاحَ من أبي ... فقال أَنْزِلْنِي فلا إيضاعَ بِي (٢)
أي: لا أقدر على أن أسير، والمعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإِسراع بالنمائم؛ لأن الراكب أسرع من الماشي.
وقرئ: (ولأَرقَصُوا) (٣)، من رقصت الناقة رَقْصًا ورَقَصانًا، إذا أسرعت، وأرقصها راكبها، قال:
٢٦٣ - ....................... ... والراقصاتُ إلى مِنًى فالغبغب (٤)
الغبغب: المنحر بمنى، وهو جُبَيْلٌ.
قال أبو الفتح: ولا يقال: رقص إلَّا للاعب، أو للإِبل (٥).
стр. 1624
وأما قول حسان ﵁:
٢٦٤ - بِزُجاجَةٍ رَقَصَتْ بما في دَنِّها ... رَقَصَ القَلُوصِ بِراكبٍ مُسْتَعجِلِ (١)
فعلى التشبيه.
ومحل ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾: النصب على الحال من الواو في ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾، وكتب في "الإِمام" (وَلَا أَوْضَعُوا) بزيادة ألف قبل الفاء، قيل: وسبب ذلك أن الفتحة كانت تكتب ألفًا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا وفتحتها ألفًا أخرى، ومثله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿لَهُمْ﴾ من صلة ﴿سَمَّاعُونَ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: وفيكم أيها المؤمنون عيون لهم، أي: جواسيس يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم.
والثاني: فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم.
واختلف في هؤلاء العيون، فقيل: هم مؤمنون، وقيل: بل منافقون (٣).
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل غزوة
стр. 1625
تبوك. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: ودبروا لك الحيل والمكايد، وبالغوا في إبطال أمرك.
وقوله: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ (حتى) من صلة التقليب، والحق هو النصر والتأييد.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (مَن) موصول مبتدأ، و ﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبره. والمعنى: ائذن لي في القعود ولا تفتنِّي، أي: ولا توقعني في الفتنة، وهي الإِثم، بأن لا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.
وقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (سقطوا) محمول على معنى ﴿مَنْ﴾، وفي بعض المصاحف (سقط) (١) حملًا على لفظه؛ لأن ﴿مَنْ﴾ موحد اللفظ مجموع المعنى، وقد أوضحت حكمه في أول "البقرة" بأشبع ما يكون (٢).
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل ما وقع.
وقوله: ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يَتَوَلَّوْا﴾، و ﴿يَتَوَلَّوْا﴾ عطف على جواب الشرط وهو ﴿يَقُولُوا﴾ فلذلك جزم.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾:
стр. 1626
قوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ الجمهور على تخفيف ياء ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ لأن ماضيه أصاب، وهي منقلبة عن واو بشهادة قولهم: الصواب، وصاب السهم يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فإذا فهم هذا، فقرئ: (لن يصيّبنا) بتشديد الياء (١)، على أنه يُفيعل، وأصله يصيوبنا، فاجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، فبقي (لن يصيّبنا) كما ترى لا يُفعَّلُ؛ لأنه من ذوات الواو بالدلائل المذكورة، اللهم إلَّا أن يكون من لغة من يقول: صاب الهدف يَصِيبه، كباعه يَبيعه، ومنه قول الكميت (٢):
٢٦٥ - أسهُمُهَا الصائِباتُ والصُيُب (٣)
فيكون يُفعِّلُنا منه.
و﴿مَا﴾ موصولة مرتفعة بقوله: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾، واللام في قوله: ﴿لَنَا﴾ للاختصاص، كالتي في قولك: السرج للدابة.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾:
стр. 1627
قوله : ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (إحدى) في موضع نصب؛ لأنها مفعول ﴿تَرَبَّصُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ﴾ في موضع نصب على أنها مفعول ﴿نَتَرَبَّصُ﴾، و ﴿بِكُمْ﴾ من صلته، قيل: والمعنى: هل تربصون بنا إلَّا إحدى العاقبتين اللتين كلُّ واحدة منهما هي حسنى العواقب، وهما: النصرة والشهادة، ونحن نتربص بكم إحدى السوأتين من العواقب إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، أو بعذاب ﴿بِأَيْدِينَا﴾، وهو القتل بإذنه (١).
والحُسْنى والسُّوءى كلتاهما لم تستعمل إلَّا بالألف واللام، أو الإِضافة لأنها منقولة من أفعل (٢) من كذا، ويجمع على فُعَل، ككبرى والكُبَر.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾:
قوله : ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال من الضمير في ﴿أَنْفِقُوا﴾ أي: طائعين أو مكرهين، وأنفقوا معناه: التهديد والوعيد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣) وهو على بابه، وقيل: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر (٤)، كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ (٥)، وعكسه: رحم الله زيدًا وغفر له.
وقيل: معناه معنى الشرط والجزاء (٦)، أي: إن أنفقتم، وهذا قريب من هذا؛ لأن معناه الخبر الذي تدخل فيه إن التي للجزاء.
стр. 1628
وقوله: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ تقديره: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا. والكَره والكُره لغتان كالضَّعف والضُعف، وقد قرئ بهما (١).
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾:
قوله : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ (أنهم) فاعل منع، وهم و ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ مفعولاه، أي: وما منعهم قبول نفقاتهم أو من قبول نفقاتهم إلَّا كفرهم بالله ورسوله.
وليس قول من قال: إنّ ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ في موضع نصب على البدل من المفعول في ﴿مَنَعَهُمْ﴾ بمستقيم؛ لأن منع يطلب مفعولين نحو: منعت زيدًا حقّه.
وقد أجاز أبو إسحاق وجهًا آخر: وهو أن يكون فاعل الفعل الذي هو منع: الله تعالى، ﴿أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ مفعولًا له، أي: وما منعهم الله من قبول نفقاتهم إلّا لأنهم كفروا بالله ورسوله (٢).
والأول أوجه لسلامته من هذا الإِضمار والحذف.
وقرئ: (أن تقبل) بالتاء والياء على البناء للمفعول (٣)، و (نفقاتهم) و (نفقتهم) على الجمع والتوحيد (٤)، ووجهها ظاهر.
стр. 1629
و (أن يَقبل منهم) على البناء للفاعل (١)، وهو الله تعالى، و (نفقاتهم) و (نفقتهم) على الجمع والتوحيد (٢) أيضًا.
وقوله: ﴿وَهُمْ كُسَالَى﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿وَلَا يَأْتُونَ﴾، أي: ولا يأتونها إلَّا متثاقلين؛ لأنهم لا يرجون بفعلها ثوابًا، ولا يخشون بتركها عقابًا، فهي ثقيلة عليهم كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣)، ومثله ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، وذو الحال الضمير في ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾.
و﴿كُسَالَى﴾ بالضم والفتح جمع كسلان، كسكران وسكارى.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ الضمير في ﴿بِهَا﴾ للأموال عند قوم وضمير الأولاد محذوف، وعند آخرين: للأولاد وضمير الأموال محذوف (٤). وقد مضى الكلام على نحو قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ فيما سلف من الكتاب.
وقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ عطف على ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وزهوق النفس: خروجها، يقال: زهقت نفسه تزهق زهوقًا، أي: خرجت.
وقوله: ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ في موضع الحال من الأنفس، أي: وتخرج أنفسهم وهم على الكفر.
стр. 1630
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿يَفْرَقُونَ﴾ أي: يخافون، يقال: فرِق يفرَق بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر فرقًا، إذا خاف.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾:
قوله : ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾ الملجأ: المكان الذي يُتحصن فيه من رأس جبل، أو قلعة، أو جزيرة، أو ما أشبه هذا.
والمغارات جمع مغارة، وهي بقعة يغيب فيها الداخل ويستتر فيها، وقرئ: بضم الميم (١).
قال أبو الفتح: وليس هو من أغرت على العدو، ولكنه من غار الشيء يغور، وأغرته أنا أغيره، كقولك: غاب يغيب وأغبته، فكأنه لو يجدون ملجأ أو أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، انتهى كلامه (٢).
والمدخل: الموضع الذي يدخل فيه، وهو مفتعل من الدخول، وأصله مدتخل، فأدغمت الدال في التاء بعد قلبها دالًا، وقرئ: (مَدْخَلًا) بفتح الميم والخاء من غير تشديد (٣)، وهو مكان من دخل.
و: (مُدْخَلًا) بضم الميم وفتح الخاء من غير تشديد (٤) أيضًا من أدخل، وهو مكان أيضًا، أي: مكانًا يُدخلون فيه أنفسَهم.
стр. 1631
و (مُندخلًا) (١) من اندخل، وهو شاذ؛ لأن أصله وهو ثُلاثِيهُ غير متعدٍ عند صاحب الكتاب (٢).
وقيل: الملجأ وما بعده مصادر (٣)، والوجه هو الأول، وهو أن يكون أمكنةً، وعليه الجلّ.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿لَوَلَّوْا﴾ أي: لرجعوا إليه مسرعين، من الفَرَس الجموح وهو الذي إذا حَمل لم يردَّهُ اللجام، يقال جَمَحَ الفرسُ يَجمح جُموحًا وجِماحًا، إذا اعْتَزَّ فارسَه وغلبه، فهو جَموح.
ورجل جموح أيضًا: وهو الذي يركب هواه فلا يمكن رده.
وقرئ: (لَوالَوا) بألف بين الواو واللام مع تخفيف اللام (٤)، وهما بمعنىً، أعني ولَّوا ووالوا، وفَعَّل وفاعل يتعاقبان، نحو: ضعَّفتُ الشيء وضاعفتُه، وسوَّفت الرجل وساوفته.
وقرئ: (وهم يجمزون) (٥)، فقيل لقارئه: وما يجمزون؟ إنما هي يجمحون، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد (٦).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾:
стр. 1632
قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ قرئ: بضم الميم وكسرها (١)، وهما لغتان بمعنى، أي: يعيبك في قسمة الصدقات، ويطعن عليك، واللمز: العيب والطعن.
وقرئ: (يلمّزك) بتشديد الميم (٢). و (يلامزك) بألف بعد اللام (٣). والبناء على التفعيل والمفاعلة مبالغة في اللمز (٤).
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (إذا) هذه هي التي يجازَى بها الشرط، وهي مكانية كالتي للمفاجأة، وما بعدها مبتدأ وخبرٌ في موضع جزم معها بالجزاء، كالفاء مع ما بعدها في نحو قولك: إن تأتني فأنت مكرم، فقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ بمنزلة قولك: فإن لم يعطوا منها فهم يسخطون، بمعنى: فاجؤوا السخط.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و ﴿أَنَّهُمْ﴾ في موضع رفع بإضمار فعل.
و﴿مَا﴾ موصولة في موضع نصب بـ ﴿رَضُوا﴾، أي: ولو ثبت أنهم قنعوا با آتاهم الله ورسوله لكان خيرًا لهم.
стр. 1633
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (الصدقات) رفع بالابتداء، و ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ الخبر، وما بعدها من الأصناف المعدودة عطف عليها داخلة في حيزها لكونها من جملة الحبر، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم؛ لأن (إنما) للحصر ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١).
ويجب صرفها إلى الأصناف كلها لأجل لام التمليك وواو التشريك، وهو مذهب الإِمام الشافعي ﵁ (٢).
قيل: وإنما عدل عن اللام إلى ﴿فِي﴾ في الأربعة الأخيرة، للإِيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن (في) للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن تُوضع فيهم الصدقات ويُجعلوا مظنةً لها ومصبًا (٣).
وتكرير ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ في انتصابها وجهان:
أحدهما: على الحال من المنوي في (للفقراء) بمعنى: مفروضة.
والثاني: على المصدر، وهو مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ معناه: فرض الله على ذوي الأموال الصدقات لهم فرضًا.
وقرئ بالرفع (٤) على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: تلك فريضة.
стр. 1634
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾:
قوله : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ الجمهور على إضافة ﴿أُذُنُ﴾ إلى ﴿خَيْرٍ﴾ على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أذن خير، بمعنى: هو مستمع خير وصلاح لا مستمع شر وفساد، تعضده قراءة من قرأ: (ورحمةٍ) بالجر عطفًا عليه وهو حمزة (١)، أي: وهو مستمع خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله.
وقرئ: (أُذُنٌ خيرٌ لكم) بالتنوين ورفع خير (٢)، على أنه نعت لأُذُن، وفي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: هو أذنٌ ذو خير، أو تجعله نفس الخير مبالغة في حقه، كقولك: رَجُلٌ صومٌ، على التأويلين، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كالأُذن، أي: هو أذنٌ هو خيرٌ لكُم.
يعني: إن كان كما تقولون فهو خير لكم؛ لأنه يقبل معاذيركم ولا يجازيكم على ما يصدر منكم من القبائح.
وقيل: هو خبر (أُذُن)، أي: صاحب أذن خير لكم.
و﴿لَكُمْ﴾ من صلة (خير) على قول من رفعه؛ لأنه يحتمل أن يكون بمعنى أفعل، وهو على قراءة الجمهور في موضع النعت له.
والأُذُن: الرجل الذي يصدِّق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمي
стр. 1635
بالجارحة التي هي آلة السماع، كأن جملته أُذُنٌ سامعة، كما قالوا للربيئة: هو عين القوم، وهذا عينهم (١).
وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (يؤمن) خبر بعد خبر، أو نعت بعد نعت على ما ذكر في ﴿خَيْرٍ﴾، قيل: وإنما عُدِّي فعل الإِيمان بالباء إلى الله تعالى وإلى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، فعدِّي بالباء، وقصد السماع من المؤمنين، وأن يُسَلِّمَ لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده، فعدي باللام (٢).
قلت: فعل الإِيمان يُعَدَّى بنفسه وبالباء وباللام، يقال: آمنه، وآمن به، وآمن له، وقد ورد التنزيل بهن.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قرئ: بالرفع: (٣) عطفًا على أُذُن، أي: هو مستمع خير ورحمة، جعله ﷺ نفس الرحمة، لكثرة وقوعها به وعلى يديه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) و: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، أو على تأويل: وهو ذو رحمة.
وبالجر (٦) عطفًا على ﴿خَيْرٍ﴾ على قراءة من جره، أي: هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرهما، وقد ذكرت آنفًا.
وبالنصب (٧)، على أنها علَّةٌ معلَّلُها محذوف تقديره: ورَحمةً يأذن لكم،
стр. 1636
فحذف؛ لأن قوله: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ يدل عليه (١).
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾:
قوله : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ اسم (الله) رفع بالابتداء و ﴿وَرَسُولُهُ﴾ عطف عليه، و ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الجملة في موضع رفع بحق الخبر عن الرسول، وخبر اسم الله محذوف دل عليه خبر الرسول، والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف أحد الخبرين وهو الأول لدلالة الثاني عليه، كقول الشاعر:
٢٦٦ - نحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندكَ راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ (٢)
والتقدير: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
ولك أن تجعل ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ خبرًا عن اسم (الله)، وتحذف خبر الرسول، أي: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
والأول أمتن وهو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٣). لأن كل كلام يصح معناه على ترتيبه فليس لنا أن نغير ترتيبه من غير اضطرار خصوصًا في الكتاب العزيز.
والهاء في قوله: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ للرسول ﵊ على الوجه الأول، ولاسم الله جل ذكره على الوجه الثاني.
стр. 1637
وقيل: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ خبر عنهما، إذ لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله ﷺ ؛ لأن الرسول ﵇ قائم مقامه بشهادة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١)، فكانا كذلك في حكمٍ مرضيٍّ واحد، ولذلك وحد الضمير في قوله: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢).
و(أن) من ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته، أي: بأن يرضوه، وقد مضى الكلام على نحو هذا عند قوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ بأشبع ما يكون فأغنى عن الإِعادة هنا (٣).
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ فتحت (أن) الأولى لكونها معمول ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ وهي مع ما اتصل بها سدت مسد مفعوليه. ويحتمل أن يكون العلم هنا بمعنى العرفان، فيطلب مفعولًا واحدًا.
والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والحديث، وما بعده مفسر له، و ﴿مَنْ﴾ شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط. ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾: الفاء جواب الشرط.
والجمهور على فتح (أن) الثانية، واختلف في فتحها (٤):
فقيل: فتحت لأنها خبر مبتدأ محذوف، أي: فالأمر، أو فالشأن أن له نار جهنم.
стр. 1638
وقيل: بالعكس، أي: فحق أن له نار جهنم.
وقيل: المعنى: فله، و (أن) تكرير لأن الأولى توكيدًا، كقوله : ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ... ﴾ (١).
والفاء على هذه الأوجه جواب الشرط، وقيل: بدل من الأولى، وَرُدَّ هذا من وجهين:
أحدهما: أن الفاء التي معها تمنع ذلك، فالحكم بزيادتها ضعيف.
والثاني: أنّ جَعْلَها بدلًا يؤذن بالتمام ولاتمام؛ لأن (أن) من قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ لم يتم قبل الفاء، فكيف يُبدل منها قبل تمامها؟ وتمامها هو الشرط وجوابه؛ لأن الشرط وجوابه خبر (أنَّ) فلا تتم إلا بتمام خبرها.
وقد جوز أن تكون (أن) الثانية عطفًا على الأولى على أن جواب ﴿مَنْ﴾ محذوف تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأنَّ له نار جهنم (٢).
وقد أجاز صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله: كسر (أن) الواقعة بعد الفاء (٣) على الاستئناف، وبه قرأ بعض القراء (٤).
والمحادّةُ: المخالفة والمعاداة، يقال: حادّ فلان فلانًا، إذا خالفه وعاداه، وهي مفاعلة من الحد، كأنه صار في حدٍّ غير حدِّ صاحبه.
وقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ (خالدًا) حال من الضمير في ﴿لَهُ﴾ أعني من البارز.
стр. 1639
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: (يحذر) لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. أي: ليحذرِ المنافقون (١). ودل على ذلك ما في الكلام من معنى التهدد.
و(أن) في موضع نصب بقوله: ﴿يَحْذَرُ﴾ على قول صاحب الكتاب؛ لأنه يعدِّيه بنفسه فيقول: حذرت فلانًا أحذره حذرًا، وأنشد:
٢٦٧ - حَذِرٌ أُمورًا لا تُخافُ وآمِنٌ ... .................. (٢)
ومَن عَدَّاه بحرف الجر وهو (مِن)، أي: من ﴿أَنْ تُنَزَّلَ﴾، فيكون في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ للمؤمنين، وفي ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ للمنافقين، وقد جوز أن تكون الضمائر للمنافقين؛ لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم (٣).
والمنوي في ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ للسورة، قيل: كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعةً منتشرةً، فكأنها
стр. 1640
تخبرهم بها (١). وقيل: للنبي ﷺ (٢).
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿أَبِاللَّهِ﴾ من صلة خبر كان، وبه استُدل على جواز تقديم خبر كان عليها، وقد مضى الكلام على نحو هذا في أول البقرة بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾:
قوله : (إن يُعْفَ عن طائفة منكم تُعَذَّبْ طائفةٌ) قرئ: بالياء في (يُعْفَ) النقط من تحته، والتاء في (تُعَذَّبْ) النقط من فوقها مضمومتين، ورفع (طائفة) على البناء للمفعول (٣).
وبالنون فيهما ونصب ﴿طَائِفَةً﴾ (٤) على إخبار الله عن نفسه بلفظ الجمع، يعضده: ﴿عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ (٥).
وقرئ: (إن يَعْفُ عن طائفةٍ منكم يُعَذِّبْ طائفةً) بالياء فيهما النقط من
стр. 1641
تحته على البناء للفاعل (١) وهو الله تعالى.
وقرئ: (إن تُعْفَ عن طائفة منكم تُعَذَّبْ طائفة) على البناء للمفعول مع التأنيث فيهما (٢).
والوجه التذكير في الفعل الأول وهو (يعف) وهو قراءة الجمهور؛ لأن المسند إليه الظرف، كما تقول: سِيْرتِ الدابةُ، وسِيرَ بالدابةِ؛ وقُصِدَتْ هند، وقُصِد إلى هند، ولا تقول: سيرت بالدابة، ولا: قُصدت إلى هند، ولكنه حملٌ على المعنى، كأنه قيل: إن تسامح طائفة، أو إن ترحم طائفة، فأنث لذلك فاعرفه.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾:
قوله : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (المنافقون) مبتدأ و ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن الأول. وغُلِّب المذكر على المؤنث في الجمع على دَأْبِ القوم.
وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: من جنس بعض في المرود على النفاق.
الزمخشري: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾، وتقرير قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ (٣).
стр. 1642
وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ﴾ مستأنف مفسر لمضادة حالهم لحال المؤمنين، وكذا ما عطف عليه، أي: يأمرون بالكفر والعصيان، وينهون عن الطاعة والإِيمان.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ شُحًّا بالمبارِّ والصدقات والإِنفاق في سبيل الله، وقَبْضُ اليد كناية عن البخل.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: تركوا طاعته. ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: فتركهم من رحمته وفضله.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾:
قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من المذكورين، وهي حال مقدرة، أي: مقدرين الخلود.
وقوله: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: النار حسبهم، أي: كافيتهم.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ محل الكاف الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم مثل الذين من قبلكم، فحذف (أنتم) للعلم به، أو النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه وجهان:
أحدهما: تقديره فعلتم، فعلًا مثل فعل الذين من قبلكم، وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا. وقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾ تفسيرٌ لتشبيههم بهم، وتمثيلُ فعلهم بفعلهم.
والثاني: تقديره: وعد الله المذكورين على الكفر والنفاق وعدًا، كما وعد الذين من قبلكم، أي: وعدًا مثل وعده الذين من قبلكم.
стр. 1643
وقوله: ﴿قُوَّةً﴾ و ﴿أَمْوَالًا﴾ و ﴿وَأَوْلَادًا﴾ انتصبن على التمييز.
والخلاق: النصيب، يقال: لا خلاق له في الآخرة، قيل: وهو ما خُلِق لِلإِنسان، أي قدر من خير، كما قيل له: قِسْمٌ؛ لأنه قُسِمَ. ونصيب، لأنه نُصِبَ، أي: أُثبت (١).
وقوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ﴾ الكاف محله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: استمتاعًا مثل استمتاعهم.
وقوله: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ محل الكاف النصب أيضًا، وفي (الذي) وجهان:
أحدهما: أنه على بابه، والتقدير: وخضتم خوضًا مثل خوض القوم أو الفوج الذي خاضوا.
والثاني: أنه هنا بمعنى المصدر، أي: وخضتم خوضًا مثل الخوض الذي خاضوا، وهو غريب. والخوض: الدخول في الباطل واللهو.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾:
قوله : ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ (قوم) بدل من ﴿الَّذِينَ﴾، وما بعده إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ عطف عليه.
стр. 1644
و ﴿مَدْيَنَ﴾ لا ينصرف للتأنيث والتعريف.
والمؤتفكات: قيل: مدائن قوم لوط (١). وقيل: قُريَّاتُ قوم لوط (٢). وهي جمع مؤتفكة، وهي المنقلبة، يقال: ائتفكت البلدة بأهلها، أي: انقلبت، وقيل: وائتفاكهن: انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر (٣).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾:
قوله : ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من المؤمنين والمؤمنات، وهي حال مقدرة وقد ذكر قبيل (٤).
وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع رفع على النعت لـ (رضوانٌ). والرضوان: الرضا، أي: وشيء من رضاه أكبر من ذلك كله، لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (ذلك) إشارة إلى كل ما وصفه ووعد به، وقيل: إلى الرضوان، أي: هو الفوز العظيم وحده دون ما يعدّهُ الناس فوزًا (٥).
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المخصوص بالذم محذوف وهو جهنم، أي: وبئس المرجع جهنم.
حذف، أي: عاهد فقال: لئن آتانا، وقيل: ليس في الكلام حذف، وعاهد بمعنى قال؛ لأن العهد قول (١).
وقوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الأصل: لنتصدقن، أدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط.
وقرئ: (لنصدقَنْ ولنكونَنْ) بالنون الخفيفة فيهما (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في (تَوَلَّوا).
وقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اختلف في المنوي في ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾:
فقيل: للبخل (٣)، بمعنى: أورثهم البخل نفاقًا متمكنًا في قلوبهم؛ لأنه كان سببًا فيه وداعيًا إليه، من قولهم: أكل أكلة أعقبته سُقمًا، أي: أورثته.
وقيل: للتولي (٤)، بمعنى: أحدث لهم توليهم عن الطاعة نفاقًا متمكنًا في قلوبهم عاقبة فعلهم، من قولهم: أعقبني هذا الفعل نَدَمًا، إذا أحدثه عقيبهُ.
وقيل: لله (٥)، بمعنى: جعل عاقبةَ فعلهم نفاقًا في قلوبهم، من قولهم: أعقبه ندامة، أي: صيَّرَ عقيب أمره ذلك.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الهاء في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ للبخل أو للتولي، بمعنى: يلقون جزاء بخلهم أو جزاء توليهم، أو لله على الوجه الثالث.
стр. 1647
وقوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾ و: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (ما) فيهما مصدرية، أي: بسبب إخلافهم إياه ذلك وبكونهم كاذبين.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع على الابتداء، وخبره محذوف، أي: منهم الذين، أو ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهو خبرٌ لا دُعاءٌ، بمعنى: جزاهم جزاء استهزائهم، ونظيره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (١) في كونه خبرًا لا دعاء.
أو النصب إما على الذم، أو على إضمار فعل دل عليه ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ على الوجه الثاني، وهو جَعْلُك خبرًا له، وقد جوز أن يكون في محل الجر على البدل من الضمير في: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٢)، فيكون بدل البعض من الكل.
وقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أي: كائنين منهم، والأصل: المتطوعين، أي المتبرعين، فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها طاء.
وقوله: ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ من صلة ﴿يَلْمِزُونَ﴾ لا من صلة ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، كما زعم بعضهم، لأجل الفصل بينهما بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ النصب عطفًا على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أي: ويعيبون الذين لا يجدون إلّا جهدهم، أو الجر عطفًا على المؤمنين.
стр. 1648
ومنع أبو جعفر النحاس أن يكون عطفًا على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قال: لأنك لو عطفته عليه لعطفت على الاسم قبل تمامه؛ لأن قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿يَلْمِزُونَ﴾ (١). وهذا سهوٌ منه؛ لأن كُلًّا داخل في صلة الموصول الأول وهو تمامه، أعني ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾.
وقرئ: (إلا جهدهم) بضم الجيم وفتحها (٢)، وقيل: هما لغتان بمعنى الطاقة، أي لا يجدون إلَّا طاقتهم (٣). وقيل: بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة (٤).
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٨٠)﴾:
قوله : ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ انتصاب ﴿سَبْعِينَ﴾ على المصدر لكون المُفَسَّرِ مصدرًا، وقد يقام العدد مقام المصدر، تقول: ضربته خمسين ضربة، فتنصب خمسين على المصدر لما ذكرت آنفًا، وفي التنزيل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥)، فانتصاب ثمانين على المصدر لكون المُمَيَّزِ مصدرًا، فاعرفه.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾:
قوله : ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المقعد: مصدر كالقُعود، و ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ظرف له، أي: فرحوا بقعودهم عن
стр. 1649
الغزو خلفه، أي: بعده، تعضده قراءة من قرأ: (خَلْفَ رسول الله) وهو أبو حيوة (١)، يقال: جلست خلف فلالن، أي: بعده، وأقام خلاف الحي، بمعنى: بعدهم، ظعنوا ولم يظعن معهم. وأُنشد:
٢٦٨ - عَقَبَ الربيعُ خِلافَهم ... ......................... (٢)
أي: بعدهم.
وقيل: هو بمعنى المخالفة (٣)؛ لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، يقال: خالفه خلافًا ومخالفة، بمعنًى، وانتصابه على هذا على أنه مفعول من أجله، أو حال، أي: فرحوا بقعودهم لخلافه، أي: لمخالفته، أو مخالفين له، والعامل فرحوا (٤) أو مقعدهم. وقيل: هو منصوب على المصدر (٥) بفعل دل عليه الكلام؛ لأن قعودهم عنه تخلف.
وقوله: ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿حَرًّا﴾ على التمييز.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قليلًا وكثيرًا كلاهما نعت لمصدر محذوف، أي: ضحكًا قليلًا وبكاء كثيرًا، أو لظرف محذوف، أي: زمانًا أو وقتًا.
стр. 1650
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ انتصابه على أنه مفعول له، أي: وليبكوا لهذا الفعل، أو حال، أي: مجازين، أو مصدرٌ على المعنى.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ رجع: فعل يتعدى كما ترى ومصدره: الرجع. ولا يتعدى ومصدره: الرجوع والرجعى.
وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ انتصاب ﴿أَوَّلَ﴾ على المصدر لكونه مضافًا إلى المصدر، كما تقول: صمت أحسن الصيام، وقمت أطول القيام، فتنصب أحسن وأطول على المصدر لإِضافتهما إليه، والتقدير: رضيتم أن تقعدوا أول قعدة.
وقوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ الجمهور على إثبات الألف بعد الخاء على الأصل، وقرئ: (مع الخلفِين) بحذف الألف (١) على قصر الخالفين، والخالف: كل من تأخر عن الشاخص (٢).
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾: