← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

حذف، أي: عاهد فقال: لئن آتانا، وقيل: ليس في الكلام حذف، وعاهد بمعنى قال؛ لأن العهد قول (١). وقوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الأصل: لنتصدقن، أدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط. وقرئ: (لنصدقَنْ ولنكونَنْ) بالنون الخفيفة فيهما (٢). وقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في (تَوَلَّوا). وقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اختلف في المنوي في ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾: فقيل: للبخل (٣)، بمعنى: أورثهم البخل نفاقًا متمكنًا في قلوبهم؛ لأنه كان سببًا فيه وداعيًا إليه، من قولهم: أكل أكلة أعقبته سُقمًا، أي: أورثته. وقيل: للتولي (٤)، بمعنى: أحدث لهم توليهم عن الطاعة نفاقًا متمكنًا في قلوبهم عاقبة فعلهم، من قولهم: أعقبني هذا الفعل نَدَمًا، إذا أحدثه عقيبهُ. وقيل: لله (٥)، بمعنى: جعل عاقبةَ فعلهم نفاقًا في قلوبهم، من قولهم: أعقبه ندامة، أي: صيَّرَ عقيب أمره ذلك. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ الهاء في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ للبخل أو للتولي، بمعنى: يلقون جزاء بخلهم أو جزاء توليهم، أو لله على الوجه الثالث.

стр. 1647

وقوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾ و: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (ما) فيهما مصدرية، أي: بسبب إخلافهم إياه ذلك وبكونهم كاذبين. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع على الابتداء، وخبره محذوف، أي: منهم الذين، أو ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهو خبرٌ لا دُعاءٌ، بمعنى: جزاهم جزاء استهزائهم، ونظيره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (١) في كونه خبرًا لا دعاء. أو النصب إما على الذم، أو على إضمار فعل دل عليه ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ على الوجه الثاني، وهو جَعْلُك خبرًا له، وقد جوز أن يكون في محل الجر على البدل من الضمير في: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٢)، فيكون بدل البعض من الكل. وقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أي: كائنين منهم، والأصل: المتطوعين، أي المتبرعين، فأدغمت التاء في الطاء بعد قلبها طاء. وقوله: ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ من صلة ﴿يَلْمِزُونَ﴾ لا من صلة ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، كما زعم بعضهم، لأجل الفصل بينهما بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ النصب عطفًا على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أي: ويعيبون الذين لا يجدون إلّا جهدهم، أو الجر عطفًا على المؤمنين.

стр. 1648

ومنع أبو جعفر النحاس أن يكون عطفًا على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قال: لأنك لو عطفته عليه لعطفت على الاسم قبل تمامه؛ لأن قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿يَلْمِزُونَ﴾ (١). وهذا سهوٌ منه؛ لأن كُلًّا داخل في صلة الموصول الأول وهو تمامه، أعني ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾. وقرئ: (إلا جهدهم) بضم الجيم وفتحها (٢)، وقيل: هما لغتان بمعنى الطاقة، أي لا يجدون إلَّا طاقتهم (٣). وقيل: بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة (٤). ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٨٠)﴾: قوله : ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ انتصاب ﴿سَبْعِينَ﴾ على المصدر لكون المُفَسَّرِ مصدرًا، وقد يقام العدد مقام المصدر، تقول: ضربته خمسين ضربة، فتنصب خمسين على المصدر لما ذكرت آنفًا، وفي التنزيل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥)، فانتصاب ثمانين على المصدر لكون المُمَيَّزِ مصدرًا، فاعرفه. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾: قوله : ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ المقعد: مصدر كالقُعود، و ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ظرف له، أي: فرحوا بقعودهم عن

стр. 1649

الغزو خلفه، أي: بعده، تعضده قراءة من قرأ: (خَلْفَ رسول الله) وهو أبو حيوة (١)، يقال: جلست خلف فلالن، أي: بعده، وأقام خلاف الحي، بمعنى: بعدهم، ظعنوا ولم يظعن معهم. وأُنشد: ٢٦٨ - عَقَبَ الربيعُ خِلافَهم ... ......................... (٢) أي: بعدهم. وقيل: هو بمعنى المخالفة (٣)؛ لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، يقال: خالفه خلافًا ومخالفة، بمعنًى، وانتصابه على هذا على أنه مفعول من أجله، أو حال، أي: فرحوا بقعودهم لخلافه، أي: لمخالفته، أو مخالفين له، والعامل فرحوا (٤) أو مقعدهم. وقيل: هو منصوب على المصدر (٥) بفعل دل عليه الكلام؛ لأن قعودهم عنه تخلف. وقوله: ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿حَرًّا﴾ على التمييز. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾: قوله : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قليلًا وكثيرًا كلاهما نعت لمصدر محذوف، أي: ضحكًا قليلًا وبكاء كثيرًا، أو لظرف محذوف، أي: زمانًا أو وقتًا.

стр. 1650

وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ انتصابه على أنه مفعول له، أي: وليبكوا لهذا الفعل، أو حال، أي: مجازين، أو مصدرٌ على المعنى. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾: قوله : ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ رجع: فعل يتعدى كما ترى ومصدره: الرجع. ولا يتعدى ومصدره: الرجوع والرجعى. وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ انتصاب ﴿أَوَّلَ﴾ على المصدر لكونه مضافًا إلى المصدر، كما تقول: صمت أحسن الصيام، وقمت أطول القيام، فتنصب أحسن وأطول على المصدر لإِضافتهما إليه، والتقدير: رضيتم أن تقعدوا أول قعدة. وقوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ الجمهور على إثبات الألف بعد الخاء على الأصل، وقرئ: (مع الخلفِين) بحذف الألف (١) على قصر الخالفين، والخالف: كل من تأخر عن الشاخص (٢). ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾:

стр. 1651

قوله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿أَحَدٍ﴾، أو نصب على الحال من المنوي في ﴿مَاتَ﴾، و ﴿مَاتَ﴾ في موضع النعت أيضًا لـ ﴿أَحَدٍ﴾. و ﴿أَبَدًا﴾ ظرف لقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ كسرت إن على سبيل الاستئناف، ولم تفتح وإن كان فيها معنى العلة، لتحقيق الإِخبار عنهم بأنهم على الكفر، قاله الرماني. وقوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿وَمَاتُوا﴾. ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾: قوله : ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ هي أن المفسرة، أي آمنوا، وقيل: هي أن المصدرية، أي: أنزلت بأن آمنوا، أي: بالإِيمان (١). وقوله: ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ أي: ذوو الفضل والسعة في المال، من طال عليه طولًا. وقوله: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (نكن) مجزوم على جواب شرط محذوف. و ﴿مَعَ﴾ ظرف في موضع خبر ﴿نَكُنْ﴾، أي: دعنا مع الذين لهم علة وعذر في التخلف كالزَّمْنَى والضعفاء. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾: قوله : ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ الخوالف: جمع

стр. 1652

خالفة، وهي المرأة التي تخلف في البيت، وقيل: المراد بالخوالف هنا: المتخلفون الذين لا خير فيهم، يقال: فلانٌ خَالِفَةُ قومِه، وخالِفُ قومِه، إذا كان متخلفًا لا خير فيه، إلَّا أن فاعلًا إذا كان صفة لا يجمع على فواعل إلَّا في حرفين وهما: فارس وهالك (١). ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾: قوله : ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ الجمهور على فتح العين وتشديد الذال وفيه وجهان: أحدهما: أنه من عذّر في الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ، وحقيقته أن يوهم أن له عذرًا فيما يفعل ولا عذر له، يعضده ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرأ: (وجاء المعْذِرون) من أعذر، ويقول: والله لهكذا أُنزلت، وكان يقول: لعن الله المعذّرين (٢). قال الجوهري: كأن الأمر عنده أن المعذِّرَ بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر، وهذا لا عذر له (٣). والثاني: أنه من اعتذر، والاعتذار يكون بحقٍّ ويكون بباطل، والأصل المعتذرون؛ فأُدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين وقلبها ذالًا. ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها إتباعًا للميم (٤). ولا ينبغي لأحد أن يقرأ بهما لأنَّ القراءة سنةٌ متبعة، ولم تثبت بهما قراءة.

стр. 1653

وقرئ: (المعْذِرون) بإسكان العين وتخفيف الذال (١)، من أعذر، إذا أتى بعذر صحيح، فوزنه على الوجه الأول: مُفَعِّلٌ، وعلى الثاني: مُفْتَعِلٌ، وعلى الثالث: مُفْعِلٌ، فاعرفه. وقوله: ﴿مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مِن في ﴿مِنْهُمْ﴾ يحتمل أن تكون للتبيين فيكون العذاب يعم الجميع، وأن تكون للتبعيض فيعم البعض. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾: قوله : ﴿حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ﴾ (حرج): اسم ليس، وخبرها ﴿عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ وما عطف عليه. و(ما) في قوله: ﴿مَا يُنْفِقُونَ﴾ يحتمل أن يكون موصولًا، وأن يكون موصوفًا. و ﴿إِذَا﴾ ظرفٌ لـ ﴿حَرَجٌ﴾. وقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: (من) مزيدة لاستغراق الجنس، و ﴿سَبِيلٍ﴾ مبتدأ، والخبر ما قبله. ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾: قوله : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ﴾ محل الجار مع المجرور يحتمل أن يكون نصبًا عطفًا على خبر ﴿لَيْسَ﴾ (٢)، وما بينهما اعتراض، وأن

стр. 1654

يكون رفعًا عطفًا على خبر المبتدأ الذي هو ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) فيكون داخلًا في خبره. ولك أن تضمر مبتدأ دل عليه ﴿حَرَجٌ﴾ أو ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾، أي: ولا على الذين، إلى نهاية الصلة حرج أو سبيل. ومعنى لا سبيل عليهم: لا جناح عليهم، ولا طريق للعاتب عليهم؛ لأنهم محسنون، فَمَنَعَ إحسانُهم ذلك. و(ما) في ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ﴾ مزيدة للتأكيد، وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿تَوَلَّوا﴾. وقوله: ﴿قُلْتَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حال من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾، وقد قبله مضمرة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٢)، أي: إذا ما أتوك قائلًا: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ ... تَوَلَّوْا﴾. والثاني: أنه استئناف، وفي الكلام تقديم وتأخير، كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، فقيل: ما لهم تولوا باكين، فقيل: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، إلَّا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض. و(ما) في قوله: ﴿مَا أَحْمِلُكُمْ﴾ موصوفة. [وقوله: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿تَوَلَّوْا﴾، أي: تولوا باكين] (٣). وقوله: ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ في موضع نصب إمَّا على الحال من المنوي في ﴿تَفِيضُ﴾ أي: تفيض مملوءة، أو على التمييز، كأنه قيل: تفيض دمعًا.

стр. 1655

ويحتمل أن يكون من صلة ﴿تَفِيضُ﴾ فتكون ﴿مِنْ﴾ على هذا لابتداء الغاية، بمعنى فيضها من كثرة، وعلى الأول للبيان. وقوله: ﴿حَزَنًا﴾ مصدر في موضع الحال من المستكن في ﴿تَفِيضُ﴾ أي: تفيض حزينة، أو مفعولٌ له، أي: تفيض من أجل الحزن، أو منصوب على المصدر بفعل دل عليه ما قبله وهو اختيار الزمخشري؛ لأنه قال: ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ لئلا يجدوا، ومحله نصب على أنَّه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو ﴿حَزَنًا﴾ ولم يذكر غير هذا (١). وقيل: هو تمييز بمعنى: تسيل من الدمع من حزن في قلوبهم (٢). فإن قلت: لَمْ أفرد الخبر وهو ﴿تَفِيضُ﴾، والمخبر عنه جمع؟ قلت: قيل: لأنَّ الفيض في الحقيقة ليس للأعين، وإنما هو للدمع، والتقدير: وأعينهم يفيض دمعها، ثم حول الفيض إلى الأعين وجعلت كأن كلها دمع فائض، وترك الفعل موحَّدًا تنبيهًا على ذلك (٣). فإن قلت: هل يجوز أن يكون قوله: ﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾ من صلة ﴿تَفِيضُ﴾؟ قلت: نعم ويحسن ذلك، بمعنى يبكون لعدم وجدانهم النفقة، والأول أحسن للقرب. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾:

стр. 1656

قوله : ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ في موضع الحال من الفاعل في ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾. وقوله: ﴿رَضُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: حال وقد قبله مرادة. والثاني: مستأنف، قيل: كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء، فقيل: رضوا بالدَّنَاءة والضَّعَةِ والانتظام في جملة الخوالف (١). ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾: قوله : ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أُجري (نَبَّأَ) مجرى أعلم من حيث كان معناه الإِخبار، والإِخبار قريب من الإِعلام، فلذلك يتعدى إلى ثلاثة مفعولين كأعلم، ويجوز الاقتصار في هذا الباب على مفعول واحد وهو الأول، ولا يجوز على اثنين دون الثالث. فإذا فهم هذا فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ قد اقتصر على مفعول واحد وهو (نا)، وحذف الثاني والثالث، والتقدير: قد نبأنا الله بعضًا من أخباركم موضحًا، فحُذفا للعلم بهما. ولا يجوز أن تكون (مِن) في قوله: ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ مزيدة على رأي أبي الحسن وتكون هي المفعول الثاني، ويكون الثالث محذوفًا، كما زعم بعضهم (٢)، وهو سهوٌ لما ذكرت آنفًا من أن الاقتصار في هذا الباب لا يجوز على اثنين دون الثالث، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا (٣).

стр. 1657

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾: قوله : ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ انتصاب قوله: ﴿جَزَاءً﴾ على المصدر، أي: يُجزَون جزاء، أو يعذَّبُون له، فيكون مفعولًا من أجله، و (ما) من صلته. و(ما) موصولة أو مصدرية. ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾: قوله : ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ انتصاب قوله: ﴿كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ على التمييز، وجيء بقوله: ﴿أَشَدُّ﴾ مع كون كفر ثلاثيًّا (١)؛ لأجل المعطوف عليه وهو (نفاقًا)؛ لأنَّ فعله نافق. والأعراب: أهل البدو، أخبر الله جل ذكره: أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل الحَضَر، لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم ونشئهم في بعد من مشاهدة البصراء ومعرفة الكِتاب والسنة (٢). وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ أي: وأحق وأولى بألَّا يعلموا حدود الدين وحقائقه من الحلال والحرام وغيرهما للسبب المذكور آنفًا. فـ (أن) (٣) في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.

стр. 1658

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾: قوله : ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ (مَن) موصول مبتدأ، و (من الأعراب) الخبر، و (ما) موصول مفعول أول لـ (يتخذ)، و (مغرمًا) ثان. والمغرم والغرامة بمعنىً، وهو ما ينفقه الشخص ولا يلزمه. وقوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ (بكم) من صلة التربص، وقد جوز أن يكون حالًا من الدوائر (١). والدوائر: جمع الدائرة، وهي الحالة التي تدور على الإِنسان مما يكره، ودوائر الزمان: صروفه التي تأتي مرّة بخير ومرة بشر. وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قرئ: بفتح السين وضمها (٢)، أما الفتح: فهو الفساد والرداءة، وأما الضم: فهو البلاء والمكروه. وعلى الجملة هو بالفتح: مصدر ساءه يسوؤه سوءًا ومساءةً، نقيض سرَّه، وبالضم: الاسم، وإضافة الدائرة إلى السوء على طريق التأكيد والبيان، وفي الدائرة وجهان: أحدهما: مصدر كالعافية والعاقبة. والثاني: صفة غالبة: حالة تدور بالإنسان وتحيط به. قال الشيخ أبو علي ﵀: والصفة أكثر في الكلام، وينبغي أن يحمل عليها (٣).

стр. 1659

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾: قوله : ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (قربات) مفعول ثان لـ (يَتَّخِذُ)، و ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف لـ ﴿قُرُبَاتٍ﴾ على معنى: أن ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله. وقد جوز أن يكون ظرفًا لـ (يَتَّخِذُ)، وأن يكون صفة لـ ﴿قُرُبَاتٍ﴾ (١). وقوله: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: فيه وجهان: أحدهما: عطف على ﴿مَا يُنْفِقُ﴾ على معنى: ويتخذ نفقاته في سبيل البر ودعوات الرسول له قربات عند الله؛ لأنَّ الرسول ﵊ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٢)، وقال : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣). والثاني: عطف على ﴿قُرُبَاتٍ﴾ على معنى: ويتخذ ما ينفقه تقربًا إلى الله جل ذكره، وطلب دعاء الرسول ﵊، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز إسكان راء (قربات) وفتحها وضمها (٤). وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ الهاء في ﴿إِنَّهَا﴾ للنفقة، وقيل: للصلوات، و ﴿لَهُمْ﴾ من صلة. قربة، أو صفة لها. وقرئ: (قُرُبة) بضم الراء (٥) على الأصل، والإسكان تخفيف.

стр. 1660

والقربة: ما تُقُرِّبَ به إلى الله من فعل خير، أو إسداء معروف. فإن قلت: هل يجوز أن يكون الإسكان أصلًا، والضم إتباعًا؟ قلت: نعم قد قيل ذلك (١). ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾: قوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ ارتفع (السَّابقون) بالابتداء، و ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ صفة لهم. و ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ من: للبيان، و (الأنصار) عطف على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ على معنى: والسابقون من المهاجرين ومن الأنصار. وقرئ: (والأنصارُ) بالرفع (٢) عطفًا على (السَّابقون). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على (السَّابقون)، وأن يكون عطفًا على (الأنصار) في جره ورفعه. وعن عمر ﵁ أنه كان يرى قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ بغير واو صفة للأنصار، حتى قال زيد: إنه بالواو فقال: ائتوني بأُبيّ فقال: تصديق ذلك في أول "الجمعة": ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ (٣)، وأوسط "الحشر": ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤) وآخر "الأنفال": ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ (٥). وروي أنه سمع رجلًا يقرؤه بالواو، فقال من أقرأك؟ قال: أُبَيّ، فدعاه،

стр. 1661

فقال: أقرأنيه رسول الله ﷺ ، وإنك لتبيع القَرَظ بالبقيع (١)، قال: صدقت (٢). وخبر الابتداء الذي هو (السابقونَ) مع ما عطف عليه: ﴿﵃﴾. وقد جوز أن يكون (السابقونَ) عطفًا على ﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ (٣) على تقدير: ومنهم السابقون، وأن يكون مبتدأ، والخبر ﴿الأَوَّلُونَ﴾ على معنى: والسابقون إلى الهجرة الأولون من أهل الملة، أو السابقون إلى الجَنَّة الأولون إلى الهجرة، أو ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ على معنى: أن السابقين من هذه الأمة هم من المهاجرين والأنصار. والوجه هو الأول وعليه الجل. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ في مصاحف أهل مكة (من تحتها)، وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف ﴿تَحْتَهَا﴾ بغير (مِن)، وهي قراءة الجمهور (٤). وتحت: على هذه القراءة ظرف، وعلى قراءة ابن كثير اسم. و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، و ﴿أَبَدًا﴾: ظرف لخالدين. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾: قوله : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ (منافقون) مبتدأ، و (ممن حولكم) الخبر. و﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ فيه وجهان:

стр. 1662

أحدهما: عطف على خبر المبتدأ الذي هو (ممن حولكم). و ﴿مَرَدُوا﴾ صفة لـ ﴿مُنَافِقُونَ﴾ فصل بينها وبينه بمعطوف، والتقدير: وممن حولكم أيها المؤمنون، أي: حول بلدكم ومن أهل المدينة قوم منافقون مردوا على النفاق. والثاني: جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على المبتدأ والخبر، و ﴿مَرَدُوا﴾ صفة موصوف محذوف، وذلك الموصوف هو المبتدأ، والتقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق. ويحتمل أن يكون ﴿مَرَدُوا﴾ صفة للجميع. قيل: ومعنى ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ تمهروا فيه، من مرن (١) فلان على عمله ومرد عليه، إذا دَرِب به وضري حتى لان ومهر فيه (٢). وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ في موضع رفع على النعت للمذكورين أيضًا، كقوله: ﴿مَرَدُوا﴾، أي: لا تعرفهم، ولذلك تعدَّى إلى مفعول واحد. وقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ انتصاب ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ على المصدر لا على الظرف كما زعم بعضهم (٣)، كأنه قيل: سنعذبهم تعذيبتين، يعضده قول المفسرين: أحد العذابين كذا، والآخر كذا (٤)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يقل: إلى وقت عظيم، [والله أعلم بكتابه. والذي يظهر أن الوقت مقدر معروف، وأما عذابهم والعياذ بالله - ليس فيه انحصار وقت، وإنما هو دائم الأبد على الكافر، كما أن رحمته دائمة الأبد، ومصداق ذلك في كتاب الله، أما أهل النار وهم أهل الشرك قوله:

стр. 1663

﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (١)، وأما الجَنَّة فكما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (٢)] (٣). ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾: قوله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ ارتفع (أخرون) إما بالعطف على ﴿مُنَافِقُونَ﴾ (٤)، و ﴿اعْتَرَفُوا﴾ صفته، و ﴿خَلَطُوا﴾ صفة بعد صفة. أو بالابتداء والخبر ﴿خَلَطُوا﴾. والخلط هنا بمعنى الجمع، ولذلك جيء بالواو دودن الباء؛ لأن الواو للجمع (٥). وقوله: ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ عطف على ﴿عَمَلًا﴾. وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ جملة مستأنفة، وقيل: ﴿خَلَطُوا﴾ حال و (قد) قبله مضمرة، وهذه الجملة هي الخبر (٦). ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾: قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾: (من) تحتمل أن تكون من صلة ﴿خُذْ﴾، وأن تكون حالًا من ﴿صَدَقَةً﴾.

стр. 1664

وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ في موضع نصب إما على الصفة لـ ﴿صَدَقَةً﴾ أو على الحال من المنوي في ﴿خُذْ﴾، والتاء على الأول للتأنيث، وعلى الثاني للخطاب. ولو قرئ بالجزم على الجواب لكان جائزًا (١). وقرئ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٢)، من أطهره بمعنى طَهَّرَهُ، وقد يأتي فعلتُ وأفعلتُ للكثرة وبالعكس. وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ التاء للخطاب ليس إلّا، لقوله: ﴿بِهَا﴾. والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال. فإن قلت: هل يجوز أن يكون قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ صفة لصدقة مع جعل التاء فيهما للخطاب؛ قلت: نعم قد جوز ذلك (٣)، لأنَّ قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ تقديره إذا كانت التاء للخطاب: تطهرهم بها، دل عليه قوله: و ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وإذا كان فيهما ضمير الصدقة جاز وصفها بهما لأجل الذِّكْرِ العائد منهما إليها. وقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قرئ على التوحيد على إرادة الجنس لكونه مصدرًا، وعلى الجمع (٤) لاختلاف أجناسه وأنواعه.

стр. 1665

والصلاة في اللغة: الدعاء، والمعنى: ادع لهم فإن دعاءك سكن لهم، أي: تسكن إليه نفوسهم، وتطيب به قلوبهم. والسكن: كلّ ما سكنتَ إليه، وهو فَعَلٌ بمعنى مفعول. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾: قوله : ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾ ابتداء وخبر، ولك أن تجعل ﴿هُوَ﴾ فصلًا. وليس قول من قال: ولا يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا؛ لأنَّ ﴿يَقْبَلُ﴾ ليس بمعرفة ولا قريب منها (١)، بمستقيم؛ لأنَّ النحاة قد أجازوا: كان زيد هو يقول ذاك، أن يكون (هو) فصلًا إذا كان الخبر مضارعًا، فإن كان بدلَ يقول (قائل) أو (قالو) لم يجيزوا أن يكون (هو) فصلًا لسببٍ ذكرته في أول "البقرة" عند قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأغنى عن الإعادة هاهنا (٢). وفي معنى التخصيص والتأكيد في (هو) هنا وجهان: أحدهما: لتخصيص أنَّ الله من شأنه قبول توبة التائبين. والثاني: لتخصيص أن ذلك ليس إلى رسول الله ﷺ ، إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليه. ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾: قوله : ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ ارتفع ﴿وَآخَرُونَ﴾ بالعطف على: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ (٣).

стр. 1666

وقرئ: (مُرْجَئُوْنَ) بالهمز، و (مُرْجَوْنَ) بتركه (١)، من أرجأت فلانًا وأرجيته، إذا أخرته، إرجاءً فيهما وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: قال أبو إسحاق: ﴿إِمَّا﴾ لأحد الشيئين، والله تعالى عليم بما يصير إليه أمرهم، إلَّا أنه خاطب العباد بما يعلمون (٢). والمعنى: وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم، إما يعذبهم إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا، وإما يتوب عليهم إن تابوا، وهم ثلاثة وفيهم نزلت: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، كانوا مياسير تخلَّفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، ثم لَمْ يبالغوا في الاعتذار كما فعل غيرهم، وهم الثلاثة المذكورون في قوله جل ذكره: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٣). وبعد .. فإن (إما) إذا كانت للشك كالتي هنا وقع بعدها الاسم والفعل، وإن كانت للتخيير وأتى الفعل بعدها كانت معه (إن) بشهادة قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ ... ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾:

стр. 1667

قول : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قرئ: (والذين) بالواو (١)، وفي محله وجهان: - أحدهما: الرفع إمَّا بالعطف على ما قبله من نحو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ (٣)، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (٤) ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، (٥)، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ (٦). عطف قصة مسجد الضِّرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم، أي: ومنهم الذين اتخذوا، فسيكون عطف جملة على جملة، أو بالابتداء وفي خبره وجهان: أحدهما: محذوف، وفيه تقديران: أحدهما - وفيمن وصفنا الذين اتخذوا. والثاني - ننتقم منهم أو نجازيهم، وما أشبه ذلك. - والثاني: مذكور، وفيه وجهان: أحدهما - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ (٧)، أي: منهم، فحذف العائد للعلم به، والثاني - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾ (٨). - والثاني: النصب على الاختصاص كقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٩). وقرئ: بغير الواو (١٠)، وهو مبتدأ، وخبره إما محذوف أو مذكور على

стр. 1668

ما ذكر آنفًا، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام بغير واو (١) على الاستئناف؛ لأنَّها قصة على حيالها، وفي سائرها بالواو على العطف على أحد الوجهين. وقوله: ﴿ضِرَارًا﴾ مفعول له، أو منصوب على المصدر حملًا على المعنى؛ لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى معناه ضارُّوا به ضرارًا، وكلاهما قاله أبو إسحاق (٢). وقد جوز أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذُوْا﴾ (٣)، ويكون بمعنى اسم الفاعل، أي: مضرًّا، وكذا ما عطف عليه من المصادر حكمهن في الإعراب حكمه. والضرار: المضارة، والإرصاد: الإعداد. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من صلة قوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف. وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ (إن) بمعنى ما، أي: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلَّا الفعلة الحسنى، أو الإرادة الحسنى، وهي المصلحة للمسلمين، والتوسعة على المصلين جملى ما فسر، والله أعلم (٤). ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾: قوله : ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ (لمسجد) مبتدأ، وفي اللام وجهان: أحدهما: لام الابتداء. والثاني: لام جواب قسم محذوف. و﴿أُسِّسَ﴾ صفة له، و ﴿عَلَى﴾ من صلة أسس، وكذا (مِن) في قوله:

стр. 1669

﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: من حين بني، والتقدير عند بعض النحاة: من تأسيس أول يوم؛ لأنهم يرون أن (مِن) لا تدخل على الزمان، وإنما ذلك لمنذ ومذ. ولعمري هذا هو الأكثر، أعني اختصاص مذ ومنذ بالزمان، ودخول (من) في الزمان أيضًا جائز؛ لأنَّها أصل في ابتداء الغاية والتبعيض، بشهادة قوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ (١) في غير موضع من التنزيل. ولا مقال أن المراد بذلك الزمان، أيضًا فإن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى يكون (مِن) لابتداء غايته، وإنما هو إحكام أُسِّ البناء وهو أصله، وقد جاء: ٢٦٩ - ...................... ... أَقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومِن دَهْرِ (٢) كما ترى، ومنهم من أَوَّل هذا بتقدير: من مَرِّ حِجَجٍ، ومن مَرّ دَهْر (٣). والوجه ما ذكرت، وهو أن دخول (مِن) على الزمان جائز، وهو قول أبي إسحاق وغيره (٤). وقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ خبر المبتدأ، أي: بأن تقوم فيه، أي: أحق بالقيام فيه. وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ يعني في المسجد المؤسَّس على التقوى. واختلف في محل هذه الجملة على ثلاثة أوجه:

стр. 1670

أحدها: صفة لمسجد جاءت بعد الخبر. والثاني: حال من الهاء في ﴿فِيْهِ﴾ التي من صلة ﴿أَنْ تَقُومَ﴾. والثالث: مستأنفة، وهو اختيار أبي الفتح، قال: وهذا أولى من أن تجعل الظرف وصفًا لمسجد، لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذي هو ﴿أَحَقُّ﴾، ولأنك إذا أستأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد. انتهى كلامه (١). وقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ صفة لرجال. والجمهور على إظهار تاء ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ على الأصل، وقرئ: (أن يطّهروا) بالإدغام (٢). ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾: قوله : ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ الهمزة للاستفهام؛ و (مَن) موصول في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته: (رضوان)، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبره. و﴿عَلَى تَقْوَى﴾: يحتمل أن يكون من صلة ﴿أَسَّسَ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي فيه، أي: مُتَّقِيًا، أو مثابًا علي بنائه. ومثله ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ في احتمال الوجهين، أي: غير مُتقٍ، أو معاقبًا عليه. وقرئ: (أَسَّس) بفتح الهمزة والسين ونصب البنيان في الفعلين (٣) على البناء للفاعل وهو صاحب البنيان، أي: تولى ذلك بنفسه.

стр. 1671

وقرئ: (أُسِّس) بضم الهمزة وكسر السين الأولى ورفع البنيان فيهما (١) على البناء للمفعول وهو البنيان. وقرئ: (أُسُسُ بنيانِه) بضم الهمزة والسين. و (أَسَسُ بنيانِه) بفتح الهمزة والسين. و (أساسُ بنيانِه) بفتح الهمزة وكسرها وألف بين السينين. و (آساس بنيانه) بفتح الهمزة ومدة بعدها وألف بين السينين. و (أسُّ بنيانِه) بضم الهمزة والسين، وجر البنيان في هذه القراءات الست على الإضافة (٢). أما أُسس: فهو جمع أساس، كقُذُلٍ في جمع قَذال. وأما أَسس: فهو مقصور من أساس. وأما أساس: بفتح الهمزة وكسرها فهو جمع أُس، كَعُسٍّ وعساسٍ وهو القدح العظيم، وَفَعالٌ وفِعَالٌ يجريان مجرى المثال الواحد. وأما آساس: فهو جمع أُس أيضًا، كقُفلٍ وأقفال، وجُندٍ وأجناد. وأما أسٌّ: فهو أصل البناء، وكذلك الأساس فُعْلٌ وفَعَالٌ بمعنىً. قال أبو الفتح: وقد قالوا أيضًا: أَسّ بفتح الهمزة، وقد أَسَّ البناء يؤسه أسًا، إذا بناه على أساس، انتهى كلامه (٣). وروى صاحب الكتاب ﵀، عن عيسى بن عمر: (على تقوىً من الله) بالتنوين (٤) على جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث، كـ (تَتْرًا) فيمن نوَّن (٥) وجعلها مُلْحَقَةً بجعفر.

стр. 1672

والبنيان: مصدر كالغفران والكفران، قال أبو زيد: يقال: بنيت بنيانًا وبناء وبنيةً (١) وهو بمعنى المبنى، كَخَلْقِ اللهِ وضَرْبِ الأميرِ. قال أبو علي: يدلُّ على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد به اسم الحدث، أو اسم العين، فلا يجوز أن يكون الحدث؛ لأنه إنما يؤسس المبنيُّ الذي هو عين، ويبين ذلك أيضًا قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾، والحدث لا يعلو شفا جرف، انتهى كلامه (٢). وقيل: هو جمع بنيانة، كتمر وتمرة (٣). وقوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ شفا كلّ شيء: حرفه، والشفا والشفير بمعنى، وتثنيته شفوان، وجرف الوادي: جانبه الذي ينحفر أصله بالماء؛ لأنَّ السيل جَرَفَهُ فيبقى واهيًا. وقرئ: بضم الراء على الأصل، وبإسكانها تخفيفًا (٤). وقيل: هما لغتان (٥). والهاري: المنصدع الذي أشرف على التهدم والسقوط، وهو صفة لجرف، واختلف في أصله، فقيل: أصله هاور أو هاير ثم قلب، فجعلت عينه موضع لامه، وقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم حذفت لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما فعل بغازٍ ورام، وذلك في الرفع والجر. وقيل: أصله هور أو هير، ووزنه فعل قُصِر عن فاعل، ونظيره: شاك

стр. 1673

وصات في شائك وصائت، وأصلُهما شوك وصوت، فألفه على هذا ليست بألف فاعل إنما هي عينه قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فعلى هذا يكون حكمه حكم الصحيح، فتعرب الراء بوجوه الإعراب، فيقال: هذا جُرفٌ هَارٌ، ورأيت جرفًا هارًا، ومررت بجرف هارٍ. فوزنه على الوجه الأول بعد القلب فالعٌ، وبعد الحذف فَالٍ، وعلى الثاني فِعلٌ وقد ذكر. وعينه واو أو ياء بشهادة قولهم: تَهَوَّرَ البناء، إذا تساقط وتداعي، وقد قالوا أيضًا: تَهيَّر (١). وقوله: ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ﴾ محل ﴿بِهِ﴾ النصب على الحال، بمعنى: فانهار وهو معه، والضمير في ﴿بِهِ﴾: يحتمل أن يكون للباني، وأن يكون للبنيان، وفي ﴿فَأَنْهَارَ﴾: للبناء أو للجرف. ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾: قوله : ﴿﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إذا كان البنيان بمعنى المبني أو جمع بنيانة كان في الكلام حذف مضاف تقديره: لا يزال بناء بنيانهم الذي بنوه ريبة، أي: شكًّا في قلوبهم. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: إلى أن يموتوا، وحتى يموتوا، وإنما قدر (إلَّا) بتقدير إلى وحتى؛ لأنَّ التقطيع مُنتهَى يُنْتَهَى إليه، وإلى وحتى كلاهما للغاية ينتهى إليه، تعضده قراءة من قرأ: (حتى الممات) وهو أُبي ﵁ (٢)، وقراءة من قرأ: (إلى أن) وهما الحسن ويعقوب (٣).

стр. 1674

ولك أن تجعل ﴿إِلَّا﴾ على بابها على معنى أنك تستثني حال تقطع قلوبهم من الأحوال التي كانوا مترددين فيها. وقرئ: (تُقَطَّعَ قلوبُهم) بضم الحاء على البناء للمفعول (١) وهو القلوب، والمعنى: إلّا أن يقطع الله قلوبهم بالإماتة، أي: بأن يميتهم، تعضدها قراءة بعضهم: (إلّا أن تُقَطِّع قلوبَهم) بضم الماء وكسر الطاء على البناء للفاعل (٢) وهو رسول الله ﷺ ، على معنى: إلّا أن تقطع أنس قلوبهم بقتلهم. وقرئ: (إلّا أن تَقَطَّع قلوبُهم) بفتح التاء على البناء للفاعل (٣) وهو قلوبهم. والأصل: تتقطع بتاءين، فحذفت إحداهما كراهة اجتماعهما، وماضيه: تقطع، وهو لازم قَطَعَ. قال أبو علي: في الوجه الأول أضيف الفعل إلى المُقطِّع المُبلِي للقلوب بالموت في المعنى وإن لَمْ يذكر في اللفظ، وفي الثاني أسند إلى القلوب لما كانت هي البالية، وهذا مثل: مات زيد، ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند فيه الفعل إلى مَن حدث منه وإن لَمْ يكن له، انتهى كلامه (٤). وعن طلحة (٥): (ولو قطعتَ قلوبَهم) على خطاب الرسول ﷺ ، أو كلّ مخاطَب (٦).

стр. 1675

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾: قوله : ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهي حال مقدرة. وقوله: (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ قرئ: على بناء الأول للفاعل والثاني للمفعول، وعلى العكس (١)، وقد مضى الكلام عليهما في "آل عمران" (٢). وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد، وعدهم بذلك وعدًا، و ﴿عَلَيْهِ﴾ من صلة الوعد و ﴿حَقًّا﴾ صفة له، أي: ثابتًا لا خلف فيه، أخبر جل ذكره بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته في هذه الكتب المنزلة.

стр. 1676

وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَوْفَى﴾، أي: لا أحد أوفى منه، وقد مضى الكلام على ﴿أَوْفَى﴾ في "البقرة" عند قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (١). وقوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الإشارة في (ذلك) إلى البيع، وقيل: إلى الوعد، وقيل: إلى الثواب. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾: قول : ﴿التَّائِبُونَ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾، وفي رفعه ثلاثة أوجه (٢): - أحدها: على المدح، على تقدير: هم التائبون، يعني المؤمنين المذكورين. - والثاني: على الابتداء وفي خبره وجهان:

стр. 1677

أحدهما - محذوف، أي: التائبون إلى آخر الآية من أهل الجَنَّة، وإن لَمْ يجاهدوا بشهادة قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١). والثاني - مذكور وفيه وجهان: أحدهما: ﴿الْعَابِدُونَ﴾، وما بعده خبر بعد خبر، أي: التائبون من المعاصي على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال. والثاني: ﴿الْآمِرُونَ﴾، وما قبله صفة له، وما بعده عطف عليه، كأنه قيل: التائبون هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله. - والثالث: على البدل من الضمير في (يقاتلون). وقرئ: (التائبين) بالياء إلى والحافظين (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: منصوب على المدح كأنه قيل: أعني أو أمدح، فأضمر الفعل لمعنى المدح كما أضمر الرافع على الوجه الأول، فقيل: هم التائبون، لمعنى المدح. والثاني: مجرور على الصفة للمؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فإن قلت: لَمْ دخلت الواو في (الناهون) دون ما تقدم؟ قلت: قيل: لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجتمعان كالشيء الواحد فدخلت واو الجمع بينهما لذلك (٤). وأما الواو في ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾: فلأن حفظ حدود الله من صفة الآمرين بالمعروف أيضًا، فكأنه قيل: الذين يجمعون بين الأمر بالمعروف،

стр. 1678

والنهي عن المنكر، والحفظ لحدود الله، وليسوا كمن يأمر بالخير ولا يأتيه. وقيل: دخلت إعلامًا بأن السبعة عندهم عدد تام، ولذلك قالوا: سبع في ثمانية، أي: سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دلت الواو على ذلك؛ لأنَّ الواو تؤذن بأن ما بعدها غير ما قبلها، ولذلك دخلت في باب عطف النسق (١). وما يذكر من واو الثمانية فليس بشيء عند أهل العربية، فلذلك أضربت عنه (٢). واختلف في ﴿السَّائِحُونَ﴾، فقيل: هم الصائمون، شُبِّهوا بذوي السياحة في امتناعهم من شهواتهم. وأصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض، وفي الحديث: "لا سياحة في الإسلام" (٣). وفيه: "سياحة أمتي الصوم" (٤). وفيه: "سياحة أمتي الجهاد" (٥). وبه فسر بعضهم الآية فقال: هم المجاهدون (٦). وقيل: طلاب

стр. 1679

العلم (١)، يسيحون في الإرض يطلبونه في مظانه. ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾: قوله : (مِن بعدِ ما كاد تَزيغُ قلوبُ فريقٍ منهم) (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر على المعنى؛ لأنَّ ﴿كَادَ﴾ بمعنى قارب، فكأن المعنى: من بعد مقاربة قلوب فريق منهم الزيغ. وفاعل كاد أحد ثلاثة أشياء: إما ضمير الشأن والحديث، وهو قول صاحب الكتاب ﵀ وشبهه بقولهم: ليس خَلَقَ اللَّهُ مثلَه (٢)، والجملة بعده في موضع نصب على الخبر. وإنما جاز، الإضمار في ﴿كَادَ﴾ وليس من العوامل التي تدخل على الابتداء والخبر للزوم الخبر له، فأشبه لذلك العوامل الداخلة عليهما. ولا يجوز أن يضمر في (عسى) وإن كان له اسم وخبر، كـ (كاد)؛ لأنه قد يستغنى عن الخبر في مواضع كثيرة، وذلك إذا وقعت أن بعده كقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، فأشبه لذلك سائر الأفعال التي تسند إلى فاعليها مما لا يدخل على الابتداء والخبر؛ لأنَّ خبر (عسى) لا يكون إلّا (أن) وما بعدها، ولا تقع (أن) بعد كاد خبرًا له في حال السعة والاختيار فافترقا لذلك. وإمَّا مضمر دل عليه ما تقدم ذكره من أصحاب رسول الله ﷺ تقديره:

стр. 1680

من بعد ما كاد القوم أو الفريق أو الحزب، أو ما أشبه ذلك من الأسماء المفردة اللفظ الدالة على الجمع، والعائد على هذا الضمير في (منهم). وارتفاع قوله: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ على هذين الوجهين بقوله: (تَزِيغُ). وإما القلوب على التقديم والتأخير، أي من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، وإنما قدم (تَزِيغُ) والنية به التأخير، كما قدم خبر كان في قولهم: كان قائمًا زيد، وقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (١) وما أشبه هذا. قال أبو علي: وجاز تقديمه - بمعنى تقديم (تَزِيغُ) - وإن كان فيه ذى من القلوب، ولم يمتنع كما لَمْ يمتنع: ضَرَبَ غلامَهُ زيدٌ، لما كان التقدير به التأخير، أَلَا ترى أن حكم الخبر أن يكون بعد الاسم، كما أن حكم المفعول به أن يكون بعد الفاعل، انتهى كلامه (٢). وقرئ: (تزيغ) بالتاء على تأنيث الجماعة، و (يزيغ) بالياء (٣) على تذكير الجمع كقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ (٤)، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ (٥). وزاغ: مال، والزيغ: الميل. فإن قلت: ترفع القلوب بـ (كاد) على الوجه الأخير كلى كلتا القراءتين، أو على قراءة من قرأ (تزيغ) بالتاء؟ . قلت: [لا] (٦)، ولكن ارفعها به على قراءة من قرأ: (تزيغ) بالتاء لكون فاعل الفعل المؤخر في التقدير مؤنثًا، إلا ترى أنهم أجازوا: أبقل أرض إبقالها، ولم يجيزوا:

стр. 1681

٢٧٠ - .................. ... ولا أرض أَبْقَلَ ................. (١) إلَّا على قبح، لتأخير الفعل بعد المؤنث وإن كان جائزًا أيضًا على تذكير الجمع، أعني (يزيغ) بالياء النقط من تحته مع رفع القلوب بـ (كاد). ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾: قوله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عطف على (النبي) ﷺ ، أي: تاب عليه وعليهم أيضًا، أو على (عليهم) في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). ومعنى ﴿خُلِّفُوا﴾: خلّفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، خلفهم التقصير. وقيل: خلفوا عن التوبة (٣)، حيث تيب عليهم بعد غيرهم. وقرئ: (خَلَفوا) بفتح الخاء واللام مخففة على البناء للفاعل (٤)، وفيه وجهان: أحدهما: خلفوا الغازين بالمدينة، بمعنى أقاموا بعدهم ولم يبرحوا.

стр. 1682

والثاني: فسدوا، من المخالفة وخلوف الفم، يقال: فلان خالفة أهل بيته، إذا كان لا خير فيه. وقرئ أيضًا: (خالفوا) (١)، أي: خالفوا أمر النبي ﷺ . وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: حتى إذا ضاقت رَحِمَهُمْ، و (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، أي: برحبها، أي: مع سعتها، قيل: وهو مَثَلٌ للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانًا يفرون فيه قلقًا وجزعًا (٢). وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (أن) هي المخففة من الثقيلة وقد سدت مسد مفعولي الظن. و﴿مَلْجَأَ﴾ مصدر لجأ إليه، وهو اسم لا، وخبرها ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. و ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ استثناء، كـ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. والظن هنا بمعنى اليقين، أي: وأيقنوا أنه لا ملجأ من سخط الله إلَّا إلى استغفاره. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾: قوله : ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع رفع على أنه اسم كان، وخبرها ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾.

стр. 1683

وقوله: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ عطف على اسم كان، يقال: رغبت عن الشيء، إذا لَمْ ترده، ورغبت بنفسي عن الشيء، إذا لَمْ ترده لها، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ولا يرغبون بأنفسهم عن مساعدته، أو عن مواساة نفسه. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، والإشارة إلى ما دل عليه قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ لهم ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ من وجوب مشايعته، كأنه قيل: ذلك الوجوب بأنهم، أي: بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ أي: عطش. والظمأ: شدة العطش، وهو مصدر ظَمِيءَ يَظْمَأُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ظمأً، إذا عطش فهو ظمآن، وقوم ظِماء، أي: عطاش، والاسم: الظِمْءُ بالكسر. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب يُنصِب البدن، أي: يجهده، وهو مصدر قولك: نصِب فلان ينصَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نصبًا، إذا تعب، وأنصبه غيره. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: أي: جوع شديد، من خَمَصَ بطنُهُ، إذا دقَّ، ورجل خُمْصانٌ، وخَمِيصُ الحشا، أي: ضامر البطن أي: جوع يهزل البدن في طريق الجهاد، وهو مصدرٌ، مثل المغضبة والمعتبة، وقد خَمَصهُ الجوعُ خَمْصًا ومَخْمَصةً. وقوله: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ (موطئًا) هنا يحتمل أن يكون مفعولًا به بمعنى: ولا يدوسون مكانًا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم. وأن يكون ظرفًا بمعنى: ولا يضعون أقدامهم في موضع يغضب الكفار وضع القدم فيه، وذلك بأن يدخلوا ديارهم وأماكنهم.

стр. 1684

والموطئ: موضع وطء القدم. وأن يكون مصدرًا كالموعد والمورد، وهو حسن هنا ليوافق ما قبله من المصادر. والغيظ: الإغضاب، وغاظه: إذا أغضبه، قال ابن السكيت: ولا يقال: أغاظه (١). و ﴿يَغِيظُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه نعت لقوله: ﴿مَوْطِئًا﴾، أي: غائظًا. وقوله: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ (نيلًا) قد جوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا، يقال: نال منه ينال نيلًا، إذا رزأه ونقصه، وأن يكون بمعنى المنيل فيكون مفعولًا به، بمعنى: ولا يصيبون من الكفار شيئًا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك (٢). ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾ (إلّا) حرف إيجاب، أي: إلَّا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل مثاب عليه. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾: قوله : ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ يحتمل أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مصدرًا بمعنى إنفاقًا. ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي: واديًا من الأودية في مسيرهم مقبلين ومدبرين. والوادي: كلّ منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل.

стр. 1685

قيل: وهو في الأصل فاعل من ودي، إذا سال، ومنه الوَدْيُ (١). وجمعه أودية على غير قياس، كأنه جمع وديٍّ، كسَرِيّ وأسرية للنهر (٢). وعن الفراء: جمعه أوداء، كصاحب وأصحاب (٣). ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: في المفعول القائم مقام الفاعل وجهان: أحدهما: مستكن في ﴿كُتِبَ﴾ راجع إلى ﴿عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٤) والثاني: محذوف تقديره: إلّا كتب لهم ذلك من الإنفاق وقطع الوادي. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام من صلة ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام في ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ لتأكيد النفي الذي معناه النهي لهم عن الخروج إلى الغزو جميعًا، أو إلى الرسول ﷺ لطلب العلم على ما فسر (٥). وهي في التقدير كأنها داخلة على المؤمنين، كأنه قيل: وما كان للمؤمنين أن ينفروا جميعًا، بشهادة قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ (٦).
следующие страницы →