٢٧٠ - .................. ... ولا أرض أَبْقَلَ ................. (١)
إلَّا على قبح، لتأخير الفعل بعد المؤنث وإن كان جائزًا أيضًا على تذكير الجمع، أعني (يزيغ) بالياء النقط من تحته مع رفع القلوب بـ (كاد).
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾:
قوله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عطف على (النبي) ﷺ ، أي: تاب عليه وعليهم أيضًا، أو على (عليهم) في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢).
ومعنى ﴿خُلِّفُوا﴾: خلّفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، خلفهم التقصير.
وقيل: خلفوا عن التوبة (٣)، حيث تيب عليهم بعد غيرهم.
وقرئ: (خَلَفوا) بفتح الخاء واللام مخففة على البناء للفاعل (٤)، وفيه وجهان:
أحدهما: خلفوا الغازين بالمدينة، بمعنى أقاموا بعدهم ولم يبرحوا.
стр. 1682
والثاني: فسدوا، من المخالفة وخلوف الفم، يقال: فلان خالفة أهل بيته، إذا كان لا خير فيه.
وقرئ أيضًا: (خالفوا) (١)، أي: خالفوا أمر النبي ﷺ .
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: حتى إذا ضاقت رَحِمَهُمْ، و (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، أي: برحبها، أي: مع سعتها، قيل: وهو مَثَلٌ للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانًا يفرون فيه قلقًا وجزعًا (٢).
وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (أن) هي المخففة من الثقيلة وقد سدت مسد مفعولي الظن.
و﴿مَلْجَأَ﴾ مصدر لجأ إليه، وهو اسم لا، وخبرها ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. و ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ استثناء، كـ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
والظن هنا بمعنى اليقين، أي: وأيقنوا أنه لا ملجأ من سخط الله إلَّا إلى استغفاره.
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ (أن) وما اتصل بها في موضع رفع على أنه اسم كان، وخبرها ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾.
стр. 1683
وقوله: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ عطف على اسم كان، يقال: رغبت عن الشيء، إذا لَمْ ترده، ورغبت بنفسي عن الشيء، إذا لَمْ ترده لها، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ولا يرغبون بأنفسهم عن مساعدته، أو عن مواساة نفسه.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، والإشارة إلى ما دل عليه قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ لهم ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ من وجوب مشايعته، كأنه قيل: ذلك الوجوب بأنهم، أي: بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ أي: عطش.
والظمأ: شدة العطش، وهو مصدر ظَمِيءَ يَظْمَأُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ظمأً، إذا عطش فهو ظمآن، وقوم ظِماء، أي: عطاش، والاسم: الظِمْءُ بالكسر.
﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب يُنصِب البدن، أي: يجهده، وهو مصدر قولك: نصِب فلان ينصَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نصبًا، إذا تعب، وأنصبه غيره.
﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: أي: جوع شديد، من خَمَصَ بطنُهُ، إذا دقَّ، ورجل خُمْصانٌ، وخَمِيصُ الحشا، أي: ضامر البطن أي: جوع يهزل البدن في طريق الجهاد، وهو مصدرٌ، مثل المغضبة والمعتبة، وقد خَمَصهُ الجوعُ خَمْصًا ومَخْمَصةً.
وقوله: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ (موطئًا) هنا يحتمل أن يكون مفعولًا به بمعنى: ولا يدوسون مكانًا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم.
وأن يكون ظرفًا بمعنى: ولا يضعون أقدامهم في موضع يغضب الكفار وضع القدم فيه، وذلك بأن يدخلوا ديارهم وأماكنهم.
стр. 1684
والموطئ: موضع وطء القدم.
وأن يكون مصدرًا كالموعد والمورد، وهو حسن هنا ليوافق ما قبله من المصادر.
والغيظ: الإغضاب، وغاظه: إذا أغضبه، قال ابن السكيت: ولا يقال: أغاظه (١). و ﴿يَغِيظُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه نعت لقوله: ﴿مَوْطِئًا﴾، أي: غائظًا.
وقوله: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ (نيلًا) قد جوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا، يقال: نال منه ينال نيلًا، إذا رزأه ونقصه، وأن يكون بمعنى المنيل فيكون مفعولًا به، بمعنى: ولا يصيبون من الكفار شيئًا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك (٢).
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾ (إلّا) حرف إيجاب، أي: إلَّا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل مثاب عليه.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾:
قوله : ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ يحتمل أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مصدرًا بمعنى إنفاقًا.
﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي: واديًا من الأودية في مسيرهم مقبلين ومدبرين.
والوادي: كلّ منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل.
стр. 1685
قيل: وهو في الأصل فاعل من ودي، إذا سال، ومنه الوَدْيُ (١). وجمعه أودية على غير قياس، كأنه جمع وديٍّ، كسَرِيّ وأسرية للنهر (٢). وعن الفراء: جمعه أوداء، كصاحب وأصحاب (٣).
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: في المفعول القائم مقام الفاعل وجهان:
أحدهما: مستكن في ﴿كُتِبَ﴾ راجع إلى ﴿عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٤)
والثاني: محذوف تقديره: إلّا كتب لهم ذلك من الإنفاق وقطع الوادي.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام من صلة ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام في ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ لتأكيد النفي الذي معناه النهي لهم عن الخروج إلى الغزو جميعًا، أو إلى الرسول ﷺ لطلب العلم على ما فسر (٥).
وهي في التقدير كأنها داخلة على المؤمنين، كأنه قيل: وما كان للمؤمنين أن ينفروا جميعًا، بشهادة قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ (٦).
стр. 1686
﴿كَافَّةً﴾ حال من الضمير في ﴿لِيَنْفِرُوا﴾، قال ابن بَرْهمان (١): وما استعملت العرب (كافة) قط إلّا حالًا، وإذا كان كذلك فاستعمال الناس لها بلام التعريف، أو ما يقوم مقامها خطأ، إذ ليس من كلام العرب (٢).
وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي: فَهَلَّا خرج إلى الغزو، أو إلى طلب العلم من كلّ جماعةٍ كثيرةٍ جماعةٌ قليلةٌ منهم. و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع حال من ﴿طَائِفَةٌ﴾.
وقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ إمَّا متعلق بمحذوف، والضمير فيه للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم، أي: فهلّا نَفَرَ منهم قومٌ وبقي سائرهم ليتفقهوا، أو متعلق بنفر، والضمير فيه للفرقة النافرة إلى الرسول ﵊ للتفقه، فاعرفه فإنه موضع مشكل.
وقوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: ولتنذر الفرقة الباقية قومهم من الخارجين إلى الغزو، أو لتنذر الطائفة النافرة إلى الرسول ﵊ في طلب العلم قومهم المقيمين على الوجهين المذكورين آنفًا إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الجمهور على كسر الغين من
стр. 1687
(غِلظة)، وقرئ أيضًا: بضمها وفتحها (١) وهُنَّ لغاتٌ بمعنىً، يقال. فلان فيه غِلظة وغُلظة وغَلظة وغِلَاظة أيضًا بالكسر، أي: فظاظة.
فالغِلظة كالشِّدة، والغُلظة كالضُّغطة، والغَلظة كالسَّخطةِ.
قال أبو الحسن: (غِلظة) قراءة الناس بالكسر، وهي العربية وبها نقرأ، قال: ولا أعلم (غَلظةً) إلّا لغة، انتهى كلامه (٢).
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾.
قوله : ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿أَيُّكُمْ﴾، ورفعه بالابتداء وخبره ﴿زَادَتْهُ﴾.
وقرئ: (أيَّكم) بالنصب (٣) على إضمار فعل يفسره ﴿زَادَتْهُ﴾، كقولك: زيدًا ضربته، تقديره: أيكم زادت زادته هذه إيمانًا، وضربت زيدًا ضربته.
فإن قلت: لَمْ قدرت في الأول الفعل بعد المفعول، وفي الثاني قبله وهو الوجه، لأنَّ من شرط العامل أن يكون قبل المعمول؟ .
قلت: أجَل الأمر كما ذكرتَ، إلّا أن في الأول منعني مانع وهو أن أَيًّا استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، لأنَّ له صدر الكلام، فلذلك قدرت بعده، وكفاك دليلًا ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ (٤)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٥).
стр. 1688
﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾:
قول : ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قرئ بالياء النقط من تحته (١) على وجه الإخبار عن المنافقين تقريعًا لهم بالإعراض عن التوبة مع ما يمتحنون به وقتًا بعد وقت.
وبالتاء النقط من فوقه (٢) على وجه الخطاب من الله للمؤمنين، والتنبيه لهم على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروه.
ويَرى هنا يحتمل أَنْ يكون من رؤية العين، وأَنْ يكون من رؤية القلب، فيتعدى إلى مفعولين وقد سدت أَنَّ مسدهما.
واختار أبو علي أن يكون من رؤية العين (٣)؛ لأنه عِلْمٌ لا يدخله ريب، فذلك أقوى في الحجة عليهم.
وقوله: ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ انتصاب قوله: ﴿مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ إما على الظرف بمعنى: وقتًا أو وقتين، أو على المصدر بمعنى: فتنة أو فتنتين.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾:
قوله : ﴿هَلْ يَرَاكُمْ﴾ على إرادة القول، أي: قائلين ذلك.
وقوله: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كما فيه وجهان: أحدهما: خبر وهو على بابه. والثاني؛ دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح.
стр. 1689
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: أي ذلك الصرف بسبب أنهم قوم لا يفقهون حجة الله عليهم، لإعراضهم عن التدبر لها.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾:
قوله : ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الجمهور على ضم الفاء من ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ على أنَّه جمع نَفْسٍ، وهو جمع قلة واقع موقع الكثرة، كأفئدة، وعكسه، شُسُوع (١).
والمعنى: من جنسكم أو من نسبكم عربي قرشي مثلكم.
وقرئ: (من أنفَسكم) بفتح الفاء (٢)، أي: من أشرفكم وأفضلكم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع، أي: أجوده وخياره.
قال أبو الفتح: واشتقاقه من النفس، وهي أشرف ما في الإنسان (٣).
وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ (عزيز) صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ من صلته، و ﴿مَا﴾ مصدرية في موضع رفع بـ ﴿عَزِيزٌ﴾: على الفاعلية، أي: شديد عليه عنتكم، لكونه بعضًا منكم.
والعنت: الوقوع في أمر شديد شاق، والعنت أيضًا: الإثم، وقد عنِت الرجل يعنَت بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عنتًا وأعنته غيره.
стр. 1690
ولك أن ترفع ﴿مَاعَنِتُّمْ﴾ بالابتداء، وخبره ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾، والجملة في موضع نعت لـ ﴿رَسُولٌ﴾.
وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ صفة أخرى، و (على) من صلته، والحرص: أشد الطلب.
وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ صفة أيضًا بعد صفة.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ من صلة قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: بالمؤمنين منكم ومن غيركم رؤوف رحيم، والرأفة: أشد الرحمة.
قيل: لَمْ يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ في قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان بك. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ جواب الشرط، أي: كافيني اللَّه.
وقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الجمهور على جر ﴿الْعَظِيمِ﴾ على النعت للعرش، وقرئ بالرفع (٢) على النعت للرب، وكلاهما حسن، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة براءة والحمد لله رب العالمين
стр. 1691
إعراب سُوْرَةِ يُونِس ﵇ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾
قوله : ﴿الر﴾ اختُلف فيها، فقيل: اسم لهذه السورة، وقيل: اسم للقرآن، وقيل غير ذلك، وقد سبق القول على هذه الحروف في أول "البقرة"، فأغنى ذلك عن الإعادة هاهنا.
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ الإشارة إلى ما تضمنته ﴿الر﴾ من الآياتِ على قول من جعلها اسمًا للسورة، ولهذا قيل: ﴿تِلْكَ﴾، ولم يقل: (هذه) لتقدم ذكر ﴿الر﴾، كما تقول: هند هي الكريمة؟ .
واختلف في معنى ﴿الْحَكِيمِ﴾:
فقيل: بمعنى المُحكَم، وهو الممنوع من الفساد والباطل والكذب والتناقض (١).
وقيل: هو ذو الحكمة، لاشتماله عليها ونطقه بها (٢).
وقيل: هو بمعنى الحاكم؛ لأنه يحكم بالعدل (٣).
стр. 1692
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾:
قوله : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ الهمزة للإنكار، و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ أن مع ما بعدها بتأويل المصدر، وهو في موضع رفع لأنه اسم كان، و ﴿عَجَبًا﴾ خبرها.
وقرئ: (عجبٌ) بالرفع (١)، وفي كان وجهان:
أحدهما: هي الناقصة، كما في قراءة الجمهور، و (عَجَبٌ) اسمها وهو نكرة، و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ خبرها وهو معرفة كقوله، أعني الشاعر:
٢٧١ - قِفِي قَبْلَ التفرُّقِ يا ضُباعا ... ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعا (٢)
وقوله:
٢٧٢ - ........................ ... يكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءٌ (٣)
والثاني: تامة، و (عجبٌ) فاعلها، و ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدل منه.
وفي اللام في قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ وجهان: أحدهما من صلة كان، والثاني حال من عجبٍ لتقدمه عليه، كقوله:
٢٧٣ - لِعزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ ... ............................ (٤)
стр. 1693
وقيل: هي من صلة (عجب)؛ لأنَّ (عجبًا) هنا بمعنى معجب، والمصدر إذا وقع موقع اسم فاعل أو مفعول جاز أن يتقدم معموله عليه (١). والوجه هو الأول، والعجب مصدر على بابه.
وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ (منهم) من صلة محذوف لكونه صفة لرجل، لا من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾ كما زعم بعضهم.
وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أن: هنا تحتمل ثلاثة أوجه:
أن تكون المفسرة بمعنى أي؛ لأنَّ الإيحاء فيه معنى القول.
وأن تكون المخففة من الثقيلة، والأصل أنه، والضمير ضمير الشأن والحديث، والمعنى: أن الشأن قولنا: أنذر الناس.
وأن تكون مع الفعل بتأويل المصدر على معنى: أوحينا إليه بأن أنذر الناس، أي: بإنذارهم.
وقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ محل (أن) النصب لعدم الجار وهو الباء، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع، أي: بشرهم بأن لهم سابقة وفضلًا ومنزلة رفيعة عند الله تعالى، يقال: فلان له قدم صدق عند. فلان، أي: منزلة وقدر.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ هذا: إشارة إلى القرآن وما جاء به رسول الله ﷺ على قراءة من قرأ: (لسحر) بغير ألف بعد السين (٢)، وإلى رسول الله ﷺ على قراءة من قرأ بالألف (٣) بمعنى أن محمدًا ﷺ هذا لساحر مبين، وليس كما يقولون بل هو وحي ومُوحَى إليه ﷺ .
стр. 1694
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾:
قوله : ﴿يُدَبِّرُ﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفع على أنَّه خبر بعد خبر، وأن يكون في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿اسْتَوَى﴾، وأن يكون مستأنفًا لا محل له.
وقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ﴾ في موضع رفع، و (من) مزيدة، أي: ما شفيع إلَّا من بعد إذنه.
﴿مِنْ﴾ (١) من صلة شفيع. والمعنى: لا يشفع أحد لأحد إلَّا بعد أن يأذن له الله تعالى في الشفاعة.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ الإشارة بـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي. . .﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: ذلك العظيم الموصوف بهذه الأشياء هو ربكم، وهو الذي يستحق العبادة منكم، فاعبدوه وحده، ولا تعبدوا معه غيره من ملك أو إنسان فضلًا عن جماد لا يضر ولا ينفع.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾:
قوله : ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (مرجعكم) مبتدأ، والخبر ﴿إِلَيْهِ﴾، و ﴿جمَيعًا﴾ حال من الكاف والميم، بمعنى: ترجعون إليه جميعًا، والمرجع: الرجوع.
стр. 1695
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ كلاهما مصدر مؤكد، أما ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: فمؤكد لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، وأما ﴿حَقًّا﴾: فمؤكد لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، أي: وعَدَ اللهُ ذلك وَعْدًا وحَقَّ ذلك حَقًّا، لأنَّ ذلك وَعْدٌ منه سبحانه. وقد أجيز رفعهما على الابتداء والخبر، ولكن لَمْ تثبت به قراءة.
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ بفتحها (١) وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: في موضع نصب لعدم الجار وهو اللام، أي: لأنه، أو جر على إرادته.
والثاني: هو منصوب بالفعل الناصب لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: وعد الله وعدًا (أنه يبدأ الخلق)، أي: بَدْءُ الخلق ثم إعادته، أي: إعادة الخلق بعد بدئه.
والثالث: في موضع رفع عل أنه فاعل بما نَصبَ ﴿حَقًّا﴾، أي: حق حقًّا بدء الخلق، أو بقوله: ﴿حَقًّا﴾ أي: حقًّا بدؤه الخلق وإعادته، أي: يحق ذلك، وبدأ وأبدأ لغتان. بمعنى واحد، وقد ورد بهما الكتاب العزيز (٢).
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ اللام من صلة الإعادة لا من صلة البدء كما زعم بعضهم.
وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ من صلة قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بمعنى: ليجزيهم بقسطه، أي: بعدله. والقسط بالكسر: العدل، تقول منه: أقسط الرجل فهو مقسط، يعني يوفيهم ثواب إيمانهم وأعمالهم، أو بقسطهم وبما
стр. 1696
أقسطوا وعدلوا ولم يظلِموا حين آمنوا وعملوا صالحًا.
ويجوز أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾، أي: فعلوا ملتبسين بالعدل متأزرين به.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ الباء متعلقة بما تعلقت به اللام، وما مع الفعل بتأويل المصدر، أي: استقر لهم ذلك بكفرهم، أي: بسبب كفرهم.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾:
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (جعل) هنا يحتمل أن يكون بمعنى صير، فيكون ﴿ضِيَاءً﴾ مفعولًا ثانيًا له، وأن يكون بمعنى خلق فيكون حالًا، ومثله ﴿نُورًا﴾.
و﴿ضِيَاءً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: جمع ضوء كسياط في جمع سوط.
والثاني: مصدر، يقال: ضاء القمر يضوء ضوءًا وضياء، كصام يصوم صومًا وصيامًا، وقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها في كلا الوجهين.
وقراءة الجمهور: (ضياء) بياء بعد الضاد وهمزة بينهما ألف، وقرئ: (ضئاء) بهمزتين بينهما ألف (١) على القلب بتقديم اللام على العين وتأخير العين مكانها، فلما وقعت الياء بعد ألف مزيدة، قلبت همزة بعد قلبها ألفًا كراهة اجتماع ألفين، كما صنع في نحو: دعاء، فالهمزة في الحقيقة إنَّما هي بدل من الألف، والألف التي أبدلت الهمزة عنها بدل إما من الياء أو من الواو
стр. 1697
على قدر لام الكلمة، هذا مذهب الحذاق من النحويين، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
فوزنه على هذه القراءة (فلاع) وأصله (فعال) فاعرفه، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، فحذف المضاف:
وقيل: ليس على حذف المضاف ولكن جعل الشمس ضياء لكثرة ضوئها، والقمر نورًا لكثرة نوره (١).
وقوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي: وصَيّر القمر، أي: وصير مسيره منازل، أو: وصيره ذا منازل، كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (٢)، لا بد من حذف مضاف، إما من الأول وإما من الثاني؛ ليكون الأول هو الثاني.
و(قَدَّرَ) هنا بمعنى جعل وصير، ولذلك تعدى إلى مفعولين، وهما ضمير القمر والمنازل، ويحتمل أن يكون بمعنى خلق وهيأ، فيكون ﴿مَنَازِلَ﴾ حالًا، بمعنى: وخلق مسيره منتقلًا، أو مفعولًا به بمعنى: وخلق له منازل، فحذف الجار واتَّصل المفعول كقوله تعالى: ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (٣). وقوله:
٢٧٤ - أَمَرْتُكَ الخَيْرَ .......... ... ........................ (٤)
أي: به.
فإن قلت: لم قال جل ذكره: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ ولم يقل: (وقدرهما)، وكلاهما ذو منازل، أعني الشمس والقمر؟ قيل: فيه وجهان:
أحدهما: أنه اجتزاء بأحد الضميرين عن الآخر، والتقدير: جعل الشمس ضياء وقدر لها منازل، وجعل القمر نورًا وقدر له منازل، ثم حذف
стр. 1698
الأول اكتفاء بالثاني، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (١)، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه.
والثاني: أنه خص القمر، لأنَّ به إحصاء شهور الأهلة التي يعمل الناس عليها في المعاملات (٢).
وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ اللام من صلة قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾، و (الحسابَ) عطف على قوله: ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ والتقدير: لتعلموا عدد السنين وتعلموا حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (ذلك) إشارة إلى المذكور، و ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال، أي: ما خلقه إلّا ملتبسًا بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثًا، وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: ما خلقه إلّا للحق من إظهار صنعه والدلالة على قدرته (٣).
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ (ما) موصول معطوف على قوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ﴾، أي: وفيما خلق الله السماوات من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفيما خلق في الأرض من الجبال والبحار وغيرهما مما لا يحصى.
و﴿لَآيَاتٍ﴾: اسم إنّ. ﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام من صلتها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾:
стр. 1699
قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ نهاية صلة الموصول ﴿غَافِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ أولئك: مبتدأ، و ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ ومبتدأ ثان، و ﴿النَّارُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ وما اتصل به خبر ﴿إِنَّ﴾.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، والباء من صلة محذوف دلَّ عليه معنى الكلام، أي: عُذِّبُوا، أو جُوزُوا بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر، أو بسبب كسبهم الكفر.
ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ زعم بعضهم، لأجل الفصل بين الصلة والموصول بالخبر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (يهديهم) خبر ﴿إِنَّ﴾، أي: يرشدهم ربهم بسبب إيمانهم إلى طريق الجَنَّة.
وقوله: ﴿تَجْرِي﴾ وفي موضع الحال من الهاء والميم في ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، أي: يهديهم في حال جَرْيِ الأنهار من تحت منازلهم.
وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ يحتمل أوجهًا:
أن يكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، وأن يكون من صلة ﴿تَجْرِي﴾، أو من صلة يهدي، بمعنى: يهديهم فيها إلى ما تشتهي أنفسهم، وأن يكون حالًا من ﴿الْأَنْهَارُ﴾، أي: كائنات فيها.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾:
стр. 1700
قوله : ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ (دعواهم) مبتدأ، أي: دعاؤهم، والعدوى: مصدر كالدعاء؛ لأنَّ ﴿اللَّهُمَّ﴾ نداء لله، و ﴿فِيهَا﴾ متعلق به.
وانتصاب ﴿سُبْحَانَكَ﴾ على المصدر وهو تفسير دعائهم، والمعنى: يدعون الله بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، وهو الخبر، أعني ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، أي: اللهم إنَّا نسبحك، أي: دعواهم هذا القول.
وقوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ ابتداء وخبر أيضًا، و ﴿فِيهَا﴾ من صلة التحية.
والمعنى: أن بعضهم يُحَيِّي بعضًا بالسلام، أي: وتحيةُ بعضهم بعضًا السلامُ (١).
وقيل: هي تحية الملائكة إيَّاهم، إضافة للمصدر إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل (٢).
وقيل: تحيةُ الله إياهم، أي: يحييهم الله بالسلام (٣).
وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ مبتدأ أيضًا، والخبر ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، و ﴿أَنِ﴾ هي المخففة من الثقيلة، والأصل أَنَّه الحمد لله، وبه قرأ بعض القراء، أعني بتشديد أَنَّ مع نصب الحمد (٤). والضمير ضمير الشأن والأمر، ونظيره قول الأعشى:
٢٧٥ - في فِتيةٍ كسيوفِ الهنْدِ قد عَلِمُوا ... أنْ هالكٌ كُلُّ من يَحْفَى وينتَعِلُ (٥)
بمعنى أنه هالك.
стр. 1701
وأجاز المبرد إعمالها مع التخفيف (١). قلت: وبه قرأ نفر من القراء في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (٢) غير أن الرفع أجود؛ لأنها إنما تعمل بشبه الفعل وقد زال الشبه.
وقيل: التقدير: وآخر دعواهم أن يقولوا الحمد لله، وليس بشيء (٣).
قال أبو الفتح: ولو قرأ قارئ إنّ الحمد بكسر الهمزة على الحكاية للفظ بعينه لكان جائزًا، لكن لا يُقْدَمُ على ذلك إلَّا أن يَرِدَ به أثرٌ وإن كان في العربية سائغًا، وإذا فَتح فقال: أنَّ الحمد لله، فلم يَحْكِ اللفظ بعينه، وإنَّما جاء بمعنى الكلام، كقولنا: بلغني أن زيدًا منطلق، فليس هذا على حكاية ما سمع لفظًا، ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد، فقال: بلغني أن زيدًا منطلق، كان صادقًا وإن لم يؤدِّ نفس اللفظ الذي سمعه، لكنه أدى معناه، وإن كسر فقال: إنّ الحمد لله، فهو مؤد لنفس اللفظ وحاكٍ له البتة، انتهى كلامه (٤).
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ (الشر) مفعول قوله: ﴿يُعَجِّلُ﴾، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ نعت لمصدر محذوف، والتقدير: ولو يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه استعجالًا مثل استعجالهم الخير، ثم حذف المصدر المنعوت ونعته وأقيم المضاف إليه مقامه (٥).
وقيل: التقدير: ولو يعجِّل للناس الشرَّ تعجيلًا مثل تعجيله لهم الخير،
стр. 1702
فوضع ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ وضع تعجيله لهم الخير إشعارًا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل [لهم بالخير تعجيل] (١) له.
والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته، والاستعجال: طلب العجلة.
وقيل: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ منصوب على تقدير حذف الجار، أي: كاستعجالهم، ثم حذف الجار فنصب، وليس بشيء، إذ لو جاز هذا لجاز زيد الأسد، بمعنى كالأسد، وزيد غلام عمرو، بمعنى كغلام عمرو، وهذا واضح لمن له قلب ويعرف العربية (٢).
وقوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: لفرغ من هلاكهم.
وقرأ ابن عامر: (لقَضى إليهم أجلَهم) بفتح القاف والضاد ونصب قوله: (أجلهم) (٣) على البناء للفاعل وهو الله تعالى لقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾، ويعضده أيضًا قراءة من قرأ: (لقضينا إليهم أجلهم) وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٤).
فإن قلت: لم عُدِّيَ قضى بإلي؟ قلت: قيل: لكونه أريد به معنى السرعة، كأنه قيل: لأسرع إليهم أجلهم (٥).
وقوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: على وجه الاستئناف، أي: فنحن نذر الذين.
стр. 1703
والثاني: عطف على محذوف بمعنى: ولكن نهملهم فنذرهم في طغيانهم عمهين، والأول أحسن.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾:
قوله : ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ محل (لجنبه) النصب على الحال من المنوي في ﴿دَعَانَا﴾ بدليل عطف الحالين عليه، أي: دعانا لإزالته مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا، يعنى في جميع الأحوال.
وأجاز أبو إسحاق أن يكون حالًا أيضًا من المستكن في مَسَّ، أي: مس الإنسان مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا (١).
والوجه هو الأول، لأجل الفصل بين الحال وذي الحال بجواب (إذا) وذلك ضعيف، وأيضًا فإن المعنى: أن المضرور لا يزال داعيًا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها لا على أن الضر يصيبه في جميع الأحوال، يعضده قول ابن عباس ﵄: إذا أصاب الكافرَ ما يكره من فقر أو مرض أو بلاء أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعًا كان أو قاعدًا أو قائمًا، وعليه أتى القرآن في مواضع كقوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٣) ونحوهما من الآي.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿مَرَّ﴾ أي: مر طاغيًا على ترك الشكر. وأن: هي المخففة من الثقيلة، والأصل: كأنه، على أن الضمير للشأن كقوله:
стр. 1704
٢٧٦ - ....................... ... كأَنْ ثَدْياهُ حُقَّانِ (١)
وقوله:
٢٧٧ - وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْـ ... ـببْ ................. (٢)
أي: كأنه، فخففت وحذف ضمير الشأن.
وقوله: ﴿إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ (إلى) من صلة ﴿يَدْعُنَا﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: إلى كشف ضُرٍّ مسه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: زين للمسرفين عملهم تزيينًا مثل ذلك التزيين، والإشارة بذلك إلى الإخبار عنهم بالإعراض والاغترار بالإهمال.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (من قبلكم) من صلة أهلكنا، و ﴿لَمَّا﴾ ظرف له أيضًا بمعنى: أهلكناهم وقت ظلمهم.
стр. 1705
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ حالًا من ﴿الْقُرُونَ﴾؟ قلت: لا، لأنه ظرف زمان (١)، وقد ذكر نظيره في غير موضع بأشبع من هذا.
وقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: الواو للحال وقد معها مرادة، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالمعجزات والدلالات الواضحات المنبئة عن صدقهم.
والثاني: للعطف، عطفت على ﴿ظَلَمُوا﴾، والأول أمتن وعليه المعنى.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: عطف على ﴿ظَلَمُوا﴾.
والثاني: اعتراض، واللام لتأكيد النفي.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جزاء مثل ذلك الجزاء، وهو الإهلاك، أو هلاكًا مثل ذلك، وهو وعيد لأهل مكة وغيرهم ممن كذَّب رسول الله ﷺ ، وهو أن يفعل بهم مثل ما فعل بالقرون الخالية.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (خلائف) جمع خليفة، وهو الذي يخلف الذاهب، أي: يجيء بعده خلفًا عنه، والمعنى: تخلفونهم قرنًا بعد قرن.
وقوله: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ اللام من صلة جعلنا، والجمهور على إظهار نونين في (لننظر) على الأصل، وقرئ: بنون واحدة وتشديد الظاء (٢)
стр. 1706
على إدغام النون فيها بعد القلب، وهو بعيد؛ لأن النون لا تدغم في شيء من الحروف إلَّا في هجاء "يرملون". والوجه أن يكون أخفاها القارئ فَظُنَّ مدغمة.
و﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب بقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ لا بقوله: ﴿لِنَنْظُرَ﴾؛ لأن معنى الاستفهام فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله.
والمعنى: لننظر إلى أعمالكم فنراها موجودة مشاهدة بعد أن نعلمها غيبًا فنجازيكم على قدر عملكم.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
قوله : ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ انتصابها على الحال من قوله: ﴿آيَاتُنَا﴾؛ أي: واضحات.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾:
قوله : ﴿مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ (ولا أدراكم) فعل ماض معطوف على قوله: ﴿مَا تَلَوْتُهُ﴾ وهو من التلاوة، والتلاوة: القراءة. وأدرى من دريته ودريت به، كلاهما حكاه صاحب الكتاب رحمه الله تعالى (١).
قال الشيخ أبو علي: والأكثر في الاستعمال بالباء، انتهى كلامه (٢)،
стр. 1707
يقال: دريت الشيء ودريت به دريًا ودريةً، إذا علمته، وأدريته غيري، وأدريت به غيري، أي: أعلمته.
والمعنى: ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني ولا أطلعكم عليه.
والجمهور على إثبات الألف بعد اللام على نفي الإدراء والعطف على ﴿مَا تَلَوْتُهُ﴾، وقرأ ابن كثير بخلاف عن البَزِّي: (ولأدراكم به) بغير ألف بعدها (١) على إثبات الإدراء، على معنى: ولو شاء الله ما تلوته أنا عليكم، ولو شاء لأعلمكم به على لسان غيري، أو بلا واسطة، واللام جواب لو محذوفة.
وعن الحسن وغيره: (ولا أَدْرَأْتُكُمْ به) بهمزة ساكنة بعد الراء بعدها تاء مضمومة (٢) على أن الأصل: أدريتكم به، فقلبت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة، كما قلبت في قول من قال: ياءَس في ييأس، ويابس في ييبس، فبقي (أدرأتكم).
وعن قطرب: أن عقيلًا يقولون في أعطيته وأرضيته: أعطاته وأرضاته، يقلبون الياء ألفًا (٣)، فلما صار أدريتكم إلى أدراتكم قلبت الألف همزة، كما قيل: لَبَّأتُ بالحجِّ ورثَّأتُ الميت، ومنه قولهم: البأرُ، والخأتم، والعألم ونحو ذلك مما هَمَزته العرب ولا أصل له في الهمز، وسبب ذلك أن الألف
стр. 1708
والهمزة من وادٍ واحد، ألا ترى أن الألف إذا مستها الحركةُ انقلبت همزة.
وقد جوز أن يكون من درأته، إذا دفعته، وأدرأته، إذا جعلته دارئًا، على معنى: ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال وتكذبونني.
وقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ (عمرًا) ظرف لِلَّبْثِ بمعنى: أقمت فيما بينكم مدة عمرٍ، أو مقدار عمر.
والدليل على أنه ظرف والمراد به الزمان: قول ابن عباس ﵄: "أقمت فيكم أربعين سنة" (١). وإسكان ميمه جائز (٢).
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني من قبل القرآن، وقيل من قبل هذا الوقت، وقيل: من قبل نزوله.
قوله : ﴿إِنَّهُ﴾، الضمير للشأن والحديث.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ (ما) موصولة في محل النصب بـ (يعبدون)، والمراد بها: الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله.
стр. 1709
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ (هؤلاء) حملًا على معنى (ما).
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة بمعنى: عن الشركاء الذين يشركونهم به، وأن تكون مصدرية بمعنى: عن إشراكهم.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾:
قوِله : ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ (إذا) الأولى زمانية للشرط، والثانية جوابها وهي للمفاجأة، كقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١)، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن (إذا). تنوب عن جواب الشرط كالفعل والفاء، كأنه قيل: مكروا وقنطوا.
قيل: والمكر إخفاء الكيد وطيُّه من الجارية الممكورة المطوية الخلق، ومعنى مستهُم: خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرها فيهم (٢). والعامل في الثانية الاستقرار الذي في ﴿لَهُمْ﴾.
وقيل: ﴿إِذَا﴾ الثانية زمانية أيضًا، والثانية وما بعدها جواب الأولى (٣)، والوجه هو الأول وعليه الجل.
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ انتصاب قوله: ﴿مَكْرًا﴾ على التمييز.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾:
стр. 1710
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قرئ بالسين (١) من التسيير، يقال: سارت الدابة [سِرْتها] وسَيَّرتها، قال الهذلي (٢):
٢٧٨ - فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَها ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُهَا (٣)
فَعدَّاه كما ترى، يقول: أنت جعلتها سائرة في الناس.
وقال لبيد:
٢٧٩ - لَسِيَّانِ حَرْث أو تَبُوؤوا بِخَزْيَةٍ ... وَقَد يَقْبَلُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ المُسَيَّرُ (٤)
وهو المراد.
وبالشين (٥) من النشر، والمراد به التفريق، يقال: نشرته فانتشر، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (٧)، أي: يصرفكم ويبثكم فيهما، ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٨)، فالبث تفريق ونَشر.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (الفلك) بالضم: السفينة ويكون واحدًا وجمعًا، وَيُذَكَّرُ على إرادة المركب، ويؤنث على تأويل السفينة، فمن التذكير قوله جل ذكره: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٩)، ومن التأنيث قوله:
стр. 1711
﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ (١).
وأما الجمع، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾، وهذا جمع فَلَك بشهادة قوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾، وهو تكسير للفلك الذي هو واحد، كالأُسْدِ في جمع أسَد، وذلك أن فُعْلًا وفَعَلًا قد اشتركا كثيرًا، نحو البُخْل والبَخَل، والعُرْب والعَرَب، والرُهْب والرَّهَب فكذلك اشتركا في الجمع فكسر كلّ واحد منهما على فُعْلٍ فقيل: فَلَكٌ وفُلْكٌ، كما قيل أسَدٌ وأُسْدٌ، فكما جاز أن يجمع فَعَلٌ على فُعْلٍ جاز أن يجمع فُعْل على فَعَلٌ لما ذكرت آنفًا من أن فُعْلًا أخي فَعَل لاشتراكهما كثيرًا في الشيء الواحد، وقد ذكر.
هذا مذهب صاحب الكتاب (٢) وموافقيه كأبي علي وغيره، غير أن الضمة التي في الفلك المفرد مخالفة للضمة التي في الجمع، كما أن الضمة التي في أُسُدٍ مخالفة للفتحة التي في أَسَد، غير أن ذلك الاختلاف تقديري وهذا لفظي، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٣).
وقرئ: (في الفلكيْ) بياء ساكنة بعد الكاف (٤)، على أن كسرة الكاف أشبعت فتولدت عنها الياء.
وروي أيضًا: (في الفلكيِّ) بزيادة ياءي النسب (٥)، قيل: هما زائدتان كما في الأحمريِّ والأشقري، وفي قول العجاج (٦):
стр. 1712
٢٨٠ - *والدهرُ بالإنسانِ دَوَّارِيُّ (١) *
أي: دَوَّارٌ.
وقد جوز أن يراد به اللُّج والماءُ الغمْرُ الذي لا تجري الفلك إلَّا فيه (٢).
وقوله: ﴿بِهِمْ﴾ رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم، ولو قال: بكم لكان جائزًا موافقًا لكنتم، وكذلك (فرحوا) وما بعده من لفظ الغيبة.
وقوله: ﴿جَاءَتْهَا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾، والضمير للريح الطيبة، وقيل: للفلك، أي: جاءت الريح الطيبة، أو الفلك (٣).
﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ شديدة الهبوب لا لين فيها، يقال: عَصَفَتِ الريحُ تَعْصِفُ عَصْفًا وعُصوفًا، إذا اشتدت، فهي عاصِفٌ وعاصِفةٌ وعَصوفٌ، وبنو أسد يقولون: أعصفت، فهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ (٤)، ويُنْشَدُ:
٢٨١ - حتى إذا أعصَفَتْ ريحٌ مُزعزِعةٌ ... فيها قطارٌ ورَعْدٌ صوتُه زَجِلُ (٥)
والقطار هنا: جمعُ قَطْرٍ وهو المطر، وتجمع عاصف على عواصف وعُصفٍ وعاصفاتً.
وقوله: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من كل مكان من أمكنة
стр. 1713
الموج. والموج: مصدر قولك: ماج البحر يموج موجًا، إذا اضطربت أمواجه.
وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: أي: وأيقنوا بالهلاك. قال أبو إسحاق: أحاط بهم البلاء من كل ناحية، انتهى كلامه (١).
والإحاطة: الإحداق بالشيء.
وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ قيل: (دعوا) بدل من ظنوا؛ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك، فهو ملتبس به (٢).
وقيل: هو جواب ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط، كأنه قيل: لما ظنوا كيت وكيت دعوا الله (٣). وانتصاب ﴿مُخْلِصِينَ﴾ على الحال من الواو في (دعوا).
وقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ على إرادة القول، أي: قالوا، أو لأن الدعاء نوع من القول.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ﴾ (إذا هم) جواب لما، وهي للمفاجأة كالتي يجاب بها الشرط، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (٤).
стр. 1714
قيل: ومعنى ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يفسدون فيها ويعيثون متراقين في ذلك ممعنين فيه، من قولك: بغى الجرح، إذا تَرَقَّى في الفساد (١).
وقوله: (إنما بغيُكُمْ على أنفسكُم متاعُ الحياةِ الدنيَا): البغي: التعدي، وهو مصدر قولك: بغى فلان على فلان يبغي بغيًا، إذا تعدى عليه واستطال، وهو مرفوع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: (متاعُ الحياة الدنيا)، و ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ صلة البغي، كقوله: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، ولا ذكر على هذا في الظرف الذي هو ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
والمعنى: إنما بغيكم على أمثالكم وعلى نظائركم ممن هو جنسه جنسكم، أي: بَغْيُ بعضِكم على بعض منفعةُ الحياة الدنيا لا بقاء لها.
والثاني: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ و (على) على هذا متعلقة بمحذوف وفيه ذكر يعود إلى المبتدأ، والمصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعول المصدر محذوف والتقدير: بَغْي بعضكم على بعض وبالٌ على أنفسكم، أو عائدٌ على أنفسكم، كقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٤)، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٥).
وقوله: (متاعُ الحياةِ الدنيا) على هذا خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك،
стр. 1715
أو هو منفعة الحياة الدنيا، أو خبر بعد خبر.
وقرأ حفص (١) عن عاصم: (متاعَ الحياة الدنيا) بالنصب (٢)، وفي نصبه أربعة أوجه:
أحدهما: في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تمتعون متاع الحياة الدنيا.
والثاني: منصوب على الظرف، وفي الكلام حذف، أي: مدة الحياة الدنيا.
والثالث: مفعول به وناصبه ﴿بَغْيُكُمْ﴾ على تأويل: إنما طلبكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا.
والرابع: مفعول له، أي: بغيكم على أنفسكم لأجل متاع الحياة الدنيا.
وخبر المبتدأ الذي هو ﴿بَغْيُكُمْ﴾ على الوجه الأول والثاني ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ لأن ناصبهما مضمر وهو (تمتعون) المقدر المذكور، وعلى الثالث والرابع محذوف تقديره: مذموم أو مكروه، أو منهي عنه، وما أشبه ذلك، و ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ من صلة البغي، وليس بخبر له على هذين الوجهين؛ لأن ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ داخل في صلة المصدر الذي هو البغي ومعمول له، فتفصل بين الصلة والموصول بالخبر، وذلك لا يجوز لأجل الفصل.
وقرئ: (متاعِ) بالجر (٣) على أنه نعت للأنفس، على تقدير: ذوات متاع الحياة الدنيا، أو متمتعات الحياة الدنيا، على جعله بمعنى اسم الفاعل،
стр. 1716
والمصدر يكون بمعنى اسم الفاعل والمفعول كقولك: لقيته كفاحًا، وقتلته صبرًا، أي: مكافحًا ومصبورًا، فاعرفه.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تمكُر ولا تُعِن ماكرًا، ولا تبغِ ولا تعن باغيًا، ولا تنكث ولا تعن ناكِثًا" (١) وكان يتلوها ﵊.
وعن ابن عباس ﵄: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي (٢).
وعن المأمون أنه كان يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
٢٨٢ - يا صاحبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ ... فاربع فخيرُ فعالِ المَرْءِ أَعْدَلُهْ
٢٨٣ - فلو بَغى جَبَلٌ يومًا على جَبَلٍ ... لاندكَّ منه أعاليهُ وأسفَلُهْ (٣)
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾:
стр. 1717
قوله : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ وخبره ﴿كَمَاءٍ﴾.
و﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: في موضع جر على النعت لماء وفيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: كنبات مطر منزل من السحاب، ثم حذف المضاف؛ لأنه شَبَّهَ الحياة الدنيا بالنبات على الأوصاف المذكورة.
والثاني: على الظاهر من غير تقدير مضاف، وشَبَّه الحياة الدنيا بالمطر المنزل.
وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ قيل: الباء هنا للسبب، أي: اختلط النبات بسبب اتصال الماء به. وقيل: المعنى خالطه نبات الأرض، أي: اتصل به فَرَبّاه (١).
وعن نافع (٢) أنه كان يقف على قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾، على معنى: فاختلط الماء بالأرض، ثم يبتدئ: ﴿بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ (٣) على الابتداء والخبر، أي: بالماء نبات الأرض، وعلى قول الجمهور: ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فاعل الفعل الذي هو ﴿فَاخْتَلَطَ﴾.
وقوله: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ﴾ محله النصب على الحال من النبات، على قول من لم يقف على قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾، ومن المنوي في ﴿بِهِ﴾ على قول نافع، ولا يجوز أن تجعله حالًا من النبات وترفعه بالابتداء على قوله، لعدم العامل في الحال؛ لأن الابتداء لا يعمل في الحال.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا﴾: جوابها ﴿أَتَاهَا﴾.
وقوله: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أصله: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها
стр. 1718
زايًا فسكنت، فاجتلبت لها ألف الوصل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (١).
وبالأصل قرأ عبد الله وأبي ﵄ (٢)، وقرئ: (وأَزْيَنَتْ) بفتح الهمزة وإسكان الزاي مع ياء مفتوحة بعدها نون مفتوحة أيضًا مخففتين (٣)، أي: صارت ذات زينة كقولهم: أجرب الرجل، إذا صار ذا إبل جَرْبى.
وأتت عينه مصححة على الأصل، وكان القياس: أزَانت، كأشاع الحديث، وأباع الثوب، إذا عرضه للبيع، كما أتت عين أَغْيلتْ وأجود وأطيب على ذلك. يقال: أَغْيَلَت المرأة، إذا سقت ولدها الغَيْلَ، والغَيْلُ: اسم ذلك اللبن (٤).
وقرئ أيضًا: (وازْيَأَنَّت) بزاي ساكنة خفيفة قبلها همزة وصل وبعدها ياء مفتوحة بعدها همزة مفتوحة بعدها نون مشددة بوزن ادْهَأَمَّت (٥). وأصله ازيانَّت كابياضَّت واسوادَّت، فكره الجمع بين الساكنين وهما الألِف والنون، فحركت الألف فانقلبت همزة، وقد ذكر في الفاتحة عند قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وروي أيضًا: (وازَّاينَت) (٦)، وأصله تزاينت، ثم عمل فيه ما ذكر في قراءة الجمهور المشهورة.
стр. 1719
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا أي: فجعلنا زرعها حصيدًا، شبيهًا بما حصد من الزرع في قطعه واستئصاله، وهو فعيل بمعنى مفعول.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأن لم تقم أمس، أي: كأن لم تكن، يقال غَنِيَ بالمكان يغنَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غِنىً وغُنْيَةً، إذا أقام به، وهنا فيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت فحذف المضاف، تعضده قراءة من قرأ: (كأن لم يغن) بالياء النقط من تحته على أن المنوي فيه للمضاف المحذوف الذي هو الزرع، وهو الحسن (١).
والثاني: على الظاهر من غير تقدير مضاف، على معنى: كأن لم تعمر بالأمس، يعني الأرض، أي: كأن لم تعمر هذه الأرض الموصوفة بالأمس.
والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس بالنزول بها، قيل: والأمس مَثَل في الوقت القريب، لا حقيقة أمس الذي قبل يومك، كأنه قيل: كأن لم تغن آنفًا (٢).
وقرئ: (كأن لم تَتَغَنَّ) بتاءين بعدهما غين مفتوحة بعدها نون مشددة (٣).
قال أبو الفتح: أتى هذا إتيان نظائره، كقولهم: تمتعتُ بكذا، وتَلبَّستُ بالأمر، ونحوهما مما جاء على تفعلت من هذا الحد، انتهى كلامه (٤).
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾:
стр. 1720
قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (الحسنى) في موضع رفع بالابتداء، و (زيادةٌ) عطف عليها، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ الخبر.
والحسنى: تأنيث الأحسن، أي: المثوبةُ الحسنى (١). وقيل: هي مصدر كالبشرى (٢) وقيل: هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ، عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وبذلك فسرها رسول الله ﷺ على ما روي عنه (٣).
وقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ فيها وجهان:
أحدهما: مستأنفة.
والثاني: حال من المنوي في ﴿لِلَّذِينَ﴾.
﴿قَتَرٌ﴾: جمع قترة، وهي الغبرة التي معها سواد، عن أبي إسحاق وغيره (٤).
وقيل: السواد، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥).
وقيل: هي الغبار، عن أبي عبيدة (٦)، وأنشد للفرزدق:
٢٨٤ - مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يتبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوقَهُ الراياتِ والقَتَرَا (٧)