والمصدر يكون بمعنى اسم الفاعل والمفعول كقولك: لقيته كفاحًا، وقتلته صبرًا، أي: مكافحًا ومصبورًا، فاعرفه.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تمكُر ولا تُعِن ماكرًا، ولا تبغِ ولا تعن باغيًا، ولا تنكث ولا تعن ناكِثًا" (١) وكان يتلوها ﵊.
وعن ابن عباس ﵄: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي (٢).
وعن المأمون أنه كان يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
٢٨٢ - يا صاحبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ ... فاربع فخيرُ فعالِ المَرْءِ أَعْدَلُهْ
٢٨٣ - فلو بَغى جَبَلٌ يومًا على جَبَلٍ ... لاندكَّ منه أعاليهُ وأسفَلُهْ (٣)
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾:
стр. 1717
قوله : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ وخبره ﴿كَمَاءٍ﴾.
و﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: في موضع جر على النعت لماء وفيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: كنبات مطر منزل من السحاب، ثم حذف المضاف؛ لأنه شَبَّهَ الحياة الدنيا بالنبات على الأوصاف المذكورة.
والثاني: على الظاهر من غير تقدير مضاف، وشَبَّه الحياة الدنيا بالمطر المنزل.
وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ قيل: الباء هنا للسبب، أي: اختلط النبات بسبب اتصال الماء به. وقيل: المعنى خالطه نبات الأرض، أي: اتصل به فَرَبّاه (١).
وعن نافع (٢) أنه كان يقف على قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾، على معنى: فاختلط الماء بالأرض، ثم يبتدئ: ﴿بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ (٣) على الابتداء والخبر، أي: بالماء نبات الأرض، وعلى قول الجمهور: ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ فاعل الفعل الذي هو ﴿فَاخْتَلَطَ﴾.
وقوله: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ﴾ محله النصب على الحال من النبات، على قول من لم يقف على قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾، ومن المنوي في ﴿بِهِ﴾ على قول نافع، ولا يجوز أن تجعله حالًا من النبات وترفعه بالابتداء على قوله، لعدم العامل في الحال؛ لأن الابتداء لا يعمل في الحال.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا﴾: جوابها ﴿أَتَاهَا﴾.
وقوله: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أصله: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها
стр. 1718
زايًا فسكنت، فاجتلبت لها ألف الوصل، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (١).
وبالأصل قرأ عبد الله وأبي ﵄ (٢)، وقرئ: (وأَزْيَنَتْ) بفتح الهمزة وإسكان الزاي مع ياء مفتوحة بعدها نون مفتوحة أيضًا مخففتين (٣)، أي: صارت ذات زينة كقولهم: أجرب الرجل، إذا صار ذا إبل جَرْبى.
وأتت عينه مصححة على الأصل، وكان القياس: أزَانت، كأشاع الحديث، وأباع الثوب، إذا عرضه للبيع، كما أتت عين أَغْيلتْ وأجود وأطيب على ذلك. يقال: أَغْيَلَت المرأة، إذا سقت ولدها الغَيْلَ، والغَيْلُ: اسم ذلك اللبن (٤).
وقرئ أيضًا: (وازْيَأَنَّت) بزاي ساكنة خفيفة قبلها همزة وصل وبعدها ياء مفتوحة بعدها همزة مفتوحة بعدها نون مشددة بوزن ادْهَأَمَّت (٥). وأصله ازيانَّت كابياضَّت واسوادَّت، فكره الجمع بين الساكنين وهما الألِف والنون، فحركت الألف فانقلبت همزة، وقد ذكر في الفاتحة عند قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وروي أيضًا: (وازَّاينَت) (٦)، وأصله تزاينت، ثم عمل فيه ما ذكر في قراءة الجمهور المشهورة.
стр. 1719
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا أي: فجعلنا زرعها حصيدًا، شبيهًا بما حصد من الزرع في قطعه واستئصاله، وهو فعيل بمعنى مفعول.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأن لم تقم أمس، أي: كأن لم تكن، يقال غَنِيَ بالمكان يغنَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غِنىً وغُنْيَةً، إذا أقام به، وهنا فيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت فحذف المضاف، تعضده قراءة من قرأ: (كأن لم يغن) بالياء النقط من تحته على أن المنوي فيه للمضاف المحذوف الذي هو الزرع، وهو الحسن (١).
والثاني: على الظاهر من غير تقدير مضاف، على معنى: كأن لم تعمر بالأمس، يعني الأرض، أي: كأن لم تعمر هذه الأرض الموصوفة بالأمس.
والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس بالنزول بها، قيل: والأمس مَثَل في الوقت القريب، لا حقيقة أمس الذي قبل يومك، كأنه قيل: كأن لم تغن آنفًا (٢).
وقرئ: (كأن لم تَتَغَنَّ) بتاءين بعدهما غين مفتوحة بعدها نون مشددة (٣).
قال أبو الفتح: أتى هذا إتيان نظائره، كقولهم: تمتعتُ بكذا، وتَلبَّستُ بالأمر، ونحوهما مما جاء على تفعلت من هذا الحد، انتهى كلامه (٤).
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾:
стр. 1720
قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (الحسنى) في موضع رفع بالابتداء، و (زيادةٌ) عطف عليها، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ الخبر.
والحسنى: تأنيث الأحسن، أي: المثوبةُ الحسنى (١). وقيل: هي مصدر كالبشرى (٢) وقيل: هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله ، عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وبذلك فسرها رسول الله ﷺ على ما روي عنه (٣).
وقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ فيها وجهان:
أحدهما: مستأنفة.
والثاني: حال من المنوي في ﴿لِلَّذِينَ﴾.
﴿قَتَرٌ﴾: جمع قترة، وهي الغبرة التي معها سواد، عن أبي إسحاق وغيره (٤).
وقيل: السواد، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥).
وقيل: هي الغبار، عن أبي عبيدة (٦)، وأنشد للفرزدق:
٢٨٤ - مُتَوَّجٌ برداءِ المُلْكِ يتبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوقَهُ الراياتِ والقَتَرَا (٧)
стр. 1721
فإن قلت: ما الفرق بين الغبرة والغبار؟ قلت: لا فرق كلاهما واحد (١)، أي: لا يغشاها غبار ولا أثر هوان، والذّلة: الهوان.
والمعنى: لا يغشاهم ما يغشى أهل النار من القتر والذلة.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ في (الذين) وجهان:
* أحدهما: رفع بالابتداء، وفيه وجهان:
- أحدهما: في الكلام حذف مضاف تقديره: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، على معنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، ثم حذف المضاف.
- والثاني على الظاهر من غير تقدير مضاف، وفي خبره أربعة أوجه:
أحدها (جزاءُ سيئةٍ) وهو مبتدأ، وفي خبره وجهان:
- أحدهما: محذوف، أي: لهم جزاء سيئة مثلها، وإِلباء صلة، فجزاء سيئة مبتدأ، ولهم الخبر، والمبتدأ وخبره خبر قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾.
- والثاني: ﴿بِمِثْلِهَا﴾ وفي الباء وجهان:
أحدهما: صلة بشهادة قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢).
والثاني: ليست بصلة على معنى: وجزاء سيئة مقدر بمثلها، أي: وجزاء
стр. 1722
سيئتهم، ثم حذف المضاف إليه، لا بد من هذا التقدير لأجل الذكر العائد من الجملة إلى المبتدأ الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾.
والثاني: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.
والثالث: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾.
والرابع: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وما بين المبتدأ وخبره اعتراض.
* والثاني: معطوف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (١)، كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وهذا الوجه يمشي على مذهب أبي الحسن؛ لأنه عطف على عاملين وهو يجيزه (٢).
والوجه هو الأول من الأوجه الأربعة لسلامته من الاعتراض، سواء قُدِّر فيه حذف مضاف أو لم يقدر.
وقوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ على تقدير: يجازون بمثلها وترهقهم، وأن يكون حالًا.
ويبعد أن يكون معطوفًا على ﴿كَسَبُوا﴾، كما زعم بعضهم، لأجل اختلاف لفظهما.
وقوله: ﴿قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ قرئ: (قِطَعًا) بفتح الطاء (٣)، وهو جمع قطعة كخِرقة وخرَقٍ. والقطعة من الشيء: الطائفة منه، أو جمع قِطْعٍ، عن أبي عبيدة (٤)، والقِطْعُ: الجزء من الليل الذي فيه ظلمة، قال الشاعر:
٢٨٥ - افتحي البابَ فانظُري في النجوم ... كَم علينَا من قِطْعِ لَيْلٍ بَهيم (٥)
стр. 1723
وهو مفعول ثان لـ ﴿أُغْشِيَتْ﴾. و ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: صفة لقطع. و ﴿مُظْلِمًا﴾: حال من الليل، والعامل في الحال أحد الشيئين:
إمَّا ﴿أُغْشِيَتْ﴾؛ لأن قوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفة لقوله: ﴿قِطَعًا﴾، والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف عند صاحب الكتاب ﵀ (١). فإذا قلت: مررت بزيد الظريف، كان جر الظريف عنده بالباء، وإذا كان كذلك، كان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة.
وإما ما يتعلق به ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ وهو الفعل المختزل، والمعنى: كأن وجوههم أُلبست أجزاء من الليل في حال ظلمته، أي: كأنما ألبست سوادًا بعد سواد، وهذه صفة أهل النار، نعوذ بالله منها.
وقد جوز أن يكون حالًا من قوله: ﴿قِطَعًا﴾، وأن يكون صفة له، وكان القياس على هذين التأويلين أن يقال: مُظلِمةً، وإنما ذُكّر على تأويل الجمع، أو لأن المراد بقطع الليل: الليل.
وقرئ: (قِطْعًا) بإسكان الطاء (٢)، كقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: - وهو الوجه وعليه الجل - أن يكون مفردًا، فيكون (مظلمًا) صفة له، تعضده قراءة من قرأ: (كأنهما يغشى وجوههم قطعٌ من الليل مظلمٌ) وهو أُبي بن كعب ﵁ (٤)، أو حالًا منه، لكونه قد وصف بقوله: مِنَ اللَّيْلِ﴾، والعامل فيها ﴿أُغْشِيَتْ﴾، أو من المنوي في قوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾
стр. 1724
والعامل الظرف الذي هو ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ لأنه هو العامل في ذيها (١)، أو ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ والعامل أحد الشيئين المذكورين قبيل.
والثاني: أن يكون جمع قطعة أيضًا، كسدْرةٍ وسدرٍ، والقول في قوله: ﴿مُظْلِمًا﴾ على هذا الوجه كالقول في قراءة من فتح الطاء، فاعرفه فإنه قَلَّما يوجد في كتاب.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ (يوم) منصوب بإضمار فعل. و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء والميم.
وقوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي: الزموا مكانكم، لا تبرحوا حتى يفصل بينكم، وهو اسم مبني لوقوعه موقع الأمر الذي هو الزموا، كما أن صه: اسم لقولك: اسكت، ومَه: لقولك: اكفف، وفتحةُ نونه فتحةُ بناء، وفيه ضمير فاعل لسدِّه مسدَّ الزموا، و ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيدٌ لذلك الضمير الذي فيه، و ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه، أعني على الضمير المستكن فيه.
فإن قلت: ما محل الكاف والميم في قوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾؟ قلت: الجر؛ لأن اسم الفعل هو (مكانكم) بكماله، و (مكان) وحده لم يستعمل اسمًا للفعل بخلاف رويدك.
وقرئ: (شركاءَكم) بالنصب (٢)، على أن الواو بمعنى مع، والعامل فيه ما في ﴿مَكَانَكُمْ﴾ من معنى الفعل.
стр. 1725
وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ زيلنا: فَعَّلنا من زِلْتُ الشيء أزيلُهُ زَيلًا، إذا مِزته وفرقته، يقال: زِلْ ضَأْنَكَ من مِعْزَاكَ (١)، وزيلته فتزيَّلَ، أي: فرقته فتفرق، شُدِّد للتكثير.
وليس قول من قال: إن عين الكلمة واو - لأنه من زال يزول، وإنما قلبت ياء؛ لأن وزن الكلمة فيعل، أي: زيولنا، مثل بيطر وبيقر، فلما اجتمعت الياء والواو على الشرط المعروف قلبت ياء - بمستقيم؛ لأنهم قالوا في مصدره: تزييلًا، ولو كان فَيعَلْنَا كما زعم لقالوا: زيَّلَةٌ، كما قالوا: بيطرةٌ وبيقرةٌ، وأيضًا فإن أهل اللغة قد قالوا: زال الشيء من مكانه يزول زوالًا وأزاله غيره وزوَّله فانزال، ولم يقولوا: زيّله، ولو كان منه لقيل: فزوَّلْنا.
وعن الفراء: أنه قرئ: (فزايلنا بينهم) (٢) كقولهم: صاعر خده وصعَّره، وكالمته وكلَّمته.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ انتصاب قوله: ثم ﴿شَهِيدًا﴾ على التمييز، بمعنى: كفى بالله من الشهداء، أو على الحال، بمعنى: كفى بالله في حال الشهادة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٣).
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّا﴾ إن: هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وقد ذكر أيضًا فيما سلف في غير موضع (٤).
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ
стр. 1726
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾:
قوله : ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو﴾ (هنالك) ظرف مكان، أي: في ذلك المقام، وفي ذلك الموقف، أو ظرف زمان، أي: في ذلك الوقت، على استعارة اسم المكان للزمان، وهو ظرف لقوله: ﴿تَبْلُو﴾.
فإن قلت: ما الفرق بين هنا، وهناك، وهنالك؟
قلت: قيل: هنا للقريب، وهناك: للبعيد، وهنالك: لما هو أبعد منه، كذا، وذاك، وذلك. وكُسِرت اللام لسكونها وسكون الألف قبلها، والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب. ومعنى ﴿تَبْلُو﴾: تختبر، يقال: بلوت الشيء بلوًا، إذا جربته واختبرته.
﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾ (ما) موصولة في موضع نصب بـ (تبلو)، أي: تختبر وتذوق ما قدمت من العمل خيرًا كان أو شرًّا.
وقرئ: (تتلو) بتاءين (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: من التلاوة التي هي القراءة، بمعنى: تقرأ في صحيفتها ما قدمته من العمل ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ (٢)، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ (٣).
والثاني: من التلو الذي هو التَّبَعُ، يقال: تلوت فلانًا أتلوه تُلُوًا، إذا تبعته، وما زلت أتلوه حتى أتليته، أي: تقدمته وصار خلفي، بمعنى: تتبع ما
стр. 1727
عملته؛ لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار على ما فسر (١).
وروي: أن عمل الإنسان يأتي يوم القيامة على صورة حيوان يقود عامله إلى الجنة أو إلى النار (٢).
الزمخشري: وعن عاصم: (نبلو كلَّ نفس) بالنون والباء، ونصب كل (٣)، أي: نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل، فنعرف حالها بمعرفة حال عملها، إن كان حسنًا فهي سعيدة، وإن كان سيئًا فهي شقيةٌ.
والمعنى: نفعل بها فعل الخابر، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (مولاهم) في موضع جر على أنه نعت لله، أو بدل منه.
والجمهور على ﴿الْحَقِّ﴾ على أنه نعت بعد نعت، وقرئ: (الحقَّ) بالنصب (٥)، وفيه وجهان:
أحدهما: تأكيد لقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يحق ذلك الحق، كقولك: هذا عبد الله الحقَّ لا الباطلَ.
والثاني: منصوب على المدح، أي: أذكرُ الحقَّ، كقولك: الحمدُ لله الحميدَ، بمعنى: أحمد الحميد، والملكُ لله أهل الملك، بمعنى: أذكر أهل الملك، أو أمدح أهل الملك.
стр. 1728
وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، بمعنى: وضاع عنهم وغاب ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله، أو افتراؤهم الذي كانوا يفترونه في الدنيا.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ (ذلكم) مبتدأ، والإشارة إلى مَن هذه قدرته وأفعاله، والخبر اسم الله جل ذكره. و ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ صفتان له، ويجوز نصب الحق على ما ذكر آنفًا.
وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (الضلال) بدل من ماذا، وقد مضى الكلام على (ماذا) في غير موضع فيما سلف من الكتاب (١).
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ قال أبو إسحاق: الكاف في موضع نصب، أي: مِثْلَ أفعالهم جازاهم ربك، انتهى كلامه (٢). و (ذلك): إشارة إلى انصرافهم عن الحق بعد الإقرار.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ محل أن وما اتصل بها الرفع إمّا على البدل من الكلمة، بمعنى: حق عليهم انتفاء الإيمان، أو هي أنهم لا يؤمنون على التفسير لها، أو النصب لعدم الجار وهو اللام، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. والمراد بالكلمة على هذا الوعيد بالعقاب.
وقرئ: (كلمة ربك) على الإفراد على إرادة الجنس، أو على جعل
стр. 1729
الكلمات بمنزلة الكلمة؛ لأنهم قد يسمون القصيدة والخطبة كلمة. و: (كلمات ربك) على الجمع (١) على الأصل؛ لأن كلمات الله كثيرة.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ يقال: هداه إلى الحق وللحق، لغتان بمعنىً، وهدى بنفسه بمعنى اهتدى، ومنه قوله: (أمن لا يَهْدِي) بمعنى لا يهتدي، أو بمعنى لا يهدي غيره، وهي قراءة حمزة والكسائي (٢).
وقرئ: (لا يهدّي) بفتح الياء والهاء وبكسرهما، وبفتح الياء وكسر الهاء وإخفاء حركة الهاء مع تشديد الدال (٣).
والأصل في جميعها يهتدي، فأدغمت التاء في الدال لمقاربتها لها بعد أن ألقيت حركتها على الهاء، وكسر الهاء لالتقاء الساكنين هي والتاء المدغمة في الدال بعد أن حذفت حركتها، وكسر الياء لإتباع ما بعدها وهو الهاء، ليكون عملُ اللسان من جهة واحدة. والإخفاء تنبيه على أن حركة الهاء ليست بأصلية، وإنما هي منقولة من التاء.
واختلف في معناه: فقيل: معناه: أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي؟ أي لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره، فحذف
стр. 1730
المفعول الثابت في نحو قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) وتم الكلام، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ استثناء ليس من الأول، بمعنى: لكنه يحتاج أن يُهْدَى، كما يقال: فلان لا يُشْبعُ غيرَه إلّا أن يُشْبَعَ، أي: لكنه يحتاج أن يشبع.
وقيل: معناه: أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلَّا أن يهدي، أي: إلَّا أن يُنقَل (٢).
وقرئ: في غير المشهور: (إلّا أن يَهَدّي) بفتح الهاء وتشديد الدال (٣)، من هدَّاه الذي هو مبالغة في هَدَاهُ، كما بولغ في صدَق وكذب، فقيل: صدَّق وكذَّب.
وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (ما) استفهام، ومعناه التوبيخ والتقريع، ومحله الرفع بالابتداء و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر، وهنا تم الكلام.
والمعنى: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم استأنف وقال جل ذكره: كيف تحكمون بالباطل حيث تزعمون أن له أمثالًا ونظراء؟
ومحل ﴿كَيْفَ﴾؛ نصب بـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾. فإن قلت: ما محل قوله: ﴿أَنْ يُتَّبَعَ﴾؟ قلت: النصب على تقدير: بأن يُتَّبع، أي: بالاتباع، أو بالرفع إمَّا على البدل من (مَن) في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وهو بدل الاشتمال، أو على الابتداء وخبره ﴿أَحَقُّ﴾، والجملة خبر الابتداء الذي هو (مَن) في قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾، وعلى الوجه الأول خبر (مَن) ﴿أَحَقُّ﴾، فاعرفه.
стр. 1731
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾:
قوله : ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (شيئًا) فيه وجهان:
أحدهما: نصب بقوله: ﴿يُغْنِي﴾ على أنه مفعول به، و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ في موضع نصب على الحال منه لتقدمه عليه.
والثاني: في موضع المصدر، و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ من صلة ﴿يُغْنِي﴾ أي: لا يغني من الحق إغناءً، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب، والمعنى: شيئًا من الإغناء.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ (ما) نفي، و ﴿هَذَا﴾ اسم كان، و ﴿الْقُرْآنُ﴾ صفة له.
و﴿أَنْ يُفْتَرَى﴾: في موضع نصب بخبر كان، وهي في تأويل المصدر، بمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء، وفيه وجهان:
أحدهما: بمعنى المفعول كَخَلْقِ الله، وَضَرْبِ الأمير، أي: مفترىً.
والثاني: هو على بابه وفي الكلام حذف مضاف، أي: وما كان هذا القرآن ذا افتراء. وقيل: خبر كان محذوف والتقدير: وما كان هذا القرآن ممكنًا أن يفترى. وقيل: التقدير: لأن يفترى (١).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ الجمهور على نصب ﴿تَصْدِيقَ﴾ و (تفصيل) كليهما، وفي انتصابه وجهان:
стр. 1732
أحدهما: خبر كان مضمرة لدلالة المعنى عليها، أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة؛ لأنه معجز دونها، فهو عيان عليها وشاهد لصحتها، كقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١).
والثاني: مفعول له، بمعنى: ولكن أُنزل للتصديق والتفصيل (٢).
وقرئ: بالرفع (٣) على: ولكن هو تصديق وتفصيل، أي: وتبيين ما كتب عليكم من الأوامر والنواهي، وفرض من الأحكام والشرائع. وموضع ﴿الْكِتَابِ﴾ نصب بالتفصيل.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿تَصْدِيقَ﴾، و (تفصيل) داخل في حيز الاستدراك، وكذا ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن إضافتهما غير محضةٍ، والتقدير: ولكن كان تصديقًا وتفصيلًا منتفيًا عنه الريب كائنًا من رب العالمين.
ولك أن تجعلهما حالين من الكتاب، والعامل التفصيل، كأنه قيل: يبين ما كتب عليكم خالصًا من الريب كائنًا من رب العالمين.
وقد جوز أن يراد: ولكن كان تصديقًا من رب العالمين وتفصيلًا منه لا ريب فييِ ذلك، فيكون ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متعلقًا بتصديق وتفصيل، ويكون ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراضًا، كما تقول: زيد لا شك فيه كريمٌ.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾:
стр. 1733
قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (أم) هاهنا بمعنى بل وهمزة الاستفهام، وهي التي تسمى المنقطعة، كالتي في قولهم: إنَّها لإبل أم شاء (١).
والمعنى: بل أيقولون اختلقه من تلقاء نفسه؟ على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم، أو إنكارٌ لقولهم واستبعاد، والمعنيان متقاربان (٢).
وقيل: هي متصلة، والتقدير: أيقرون بأن القرآن من عند الله وأنه كلامه أم يقولون افتراه محمد ﷺ (٣)؟
وقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الجمهور على تنوين قوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾، و ﴿مِثْلِهِ﴾ صفة للسورة، والنية فيه الانفصال، أي: مثل له، أي: للقرآن. ومعنى ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾: أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم.
وقرئ: (بسورةِ مثلِهِ) بترك التنوين (٤) على الإضافة، على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أي: بسورة كتاب مثله، أو حديث، أو ذكر مثله.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾:
стр. 1734
قوله : ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: تكذيبًا مثل ذلك التكذيب كذب الذين مِن قبلهم مَن كان قبلهم من الكفار، والإشارة إلى التكذيب.
وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (كيف) في موضع نصب بأنه خبر ﴿كَانَ﴾، ولا يجوز أن يعمل فيه (انظر)، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه. و ﴿عَاقِبَةُ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (من) مبتدأ، والخبر (منهم)، ومثله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾.
وجُمع ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ على معنى ﴿مَنْ﴾، وأفرد ﴿يَنْظُرُ﴾ على لفظ مَن، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (شيئًا) يحتمل أن يكون مفعول ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ بمعنى: لا ينقصهم شيئًا مما يتصل بمصالحهم من بعث الرسم وإنزال الكتب وغير ذلك، وأن يكون في موضع المصدر بمعنى: لا يظلمهم ظلمًا، أي: شيئًا منه قليلًا ولا كثيرًا.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ (يوم) منصوب بإضمار
стр. 1735
فعل، أي: واذكر يوم نبعثهم من القبور ونجمعهم، وقد جوز أن يكون معمول ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ (١). وأن: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: كأنهم، ومحل الكاف النصب على الحال من الهاء والميم، بمعنى: نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلّا ساعة كائنة من النهار، و ﴿سَاعَةً﴾ ظرف للّبث.
وقوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ في محل النصب أيضًا على الحال من الهاء والميم لا من الضمير في ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾، كما زعم بعضهم (٢)؛ لأنهم لم يتعارفوا في حال لبثهم ميتين، وإنما تعارفوا عند اجتماعهم في الحشر منشرين.
وقد جوز أن يكون مستأنفًا، أي: هم يتعارفون (٣).
وقيل: ﴿كَأَنْ لَمْ﴾ صفة ليوم والعائد محذوف، أي: لم يلبثوا قبله.
وقيل: ولا يمتنع كونه ضفة وإن كان الموصوف ظرفًا؛ لأنه معرب ومضاف إلى معرب، فوصفه لا يمتنع لتصرفه وإعرابه.
وقيل: هو صفة لمصدر محذوف، أي: حشرًا كأن لم يلبثوا قبله (٤).
وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: استئناف وإعلام من الله جل ذكره بعد أن بين الدلالة على أمر البعث والنشور أنه من كذب بعد هذه الإبانة فقد خسر.
والثاني: على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم يقولون: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، أي: قائلين ذلك.
стр. 1736
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ الفاء جواب ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجواب ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوف، والتقدير: وإما نرينك يا محمد بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العذاب في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريك إيَّاه، فنحن نريكه في الآخرة.
قال أبو إسحاق: أَعْلَمَ اللهُ أنه إن لم ينتقم منهم في الدنيا ينتقم منهم في الآخرة (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ذُكرتِ الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقِبٌ على ما يفعلون.
والثاني: أن يراد أن الله مؤدّ شهادتَهُ على أفعالهم يوم القيامة حين يُنْطِقُ جلودَهُم وألسنَتَهُم وأيديهم وأرجلَهم شاهدةً عليهم (٢).
وقرئ في غير المشهور: (ثَمَّ) بالفتح (٣)، أي: هنالك.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾:
стр. 1737
قوله : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) في موضع نصب إمَّا على البدل من الضر والنفع، أو على الاستثناء، والاستثناء متصل، وقيل: هو منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب (١)؛
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ انتصابهما على الظرف، بمعنى وقت بياتٍ، وفي وقت أنتم مشتغلون بطلب المعاش والكسب، كقوله: ﴿بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (٢)، ﴿ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٣).
والبيات: اسم واقع موقع المصدر وهو التبييت، كالكلام والسلام بمعنى التكليم والتسليم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾ لك أن تجعل ﴿مَاذَا﴾ اسمًا واحدًا بمعنى أي شيء؟ ومحله إما النصب بقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ أو الرفع بالابتداء، والخبر الجملة التي بعده، وهي ﴿يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ على الوجه الأول لله جل ذكره بمعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله؟ وعلى الثاني للعذاب يعضده: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٥).
والمعنى: أن العذاب كله مكروه، مُر المذاق، وموجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه، وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟ وهو العائد إلى المبتدأ، أعني الضمير في ﴿مِنْهُ﴾، كقولك: زيد شكرت منه.
стр. 1738
ولك أن تجعل الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ في كلا الوجهين للعذاب، أو لله جل ذكره.
فإن قلت: فإن جعلت الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ لله تعالى على الوجه الثاني فأين الراجع إلى المبتدأ من الجملة؟ .
قلت: محذوف تقديره: أيّ شيء يستعجله المجرمون من الله؟ كقولك: زيد ضربت (وكُلٌّ وعد الله الحسنى) على قراءة ابن عامر (١).
ولك أن تجعل (ماذا) اسمين: (ما) للاستفهام في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي في موضع خبره، وما بعده صلته، والعائد محذوف بمعنى ما الذي يستعجله المجرمون منه؟ وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢).
وجواب الشرط الذي هو ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ محذوف تقديره: عَظُم عليكم، أو ندمتم، أو نحو ذلك. وقيل: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ هو الجواب، كقولك: إن أتيتك ماذا تُطعِمُنِي؟ (٣).
﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾:
قوله : ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ دخِول حرف الاستفهام على (ثم) كدخوله على الفاء والواو في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾، ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ (٤).
وقرئ: (أَثَمَّ) بالفتح (٥)، على أنه ظرف بمعنى: هنالك (٦)؟ و (ما) مزيدة
стр. 1739
للتوكيد، و ﴿آمَنْتُمْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للعذاب، وقيل: لله (١).
وقوله: ﴿الْآنَ﴾ على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به، وهذا المحذوف هو الناصب للظرف.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على قيل المضمر المذكور آنفًا قبل ﴿الْآنَ﴾.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾:
قصله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ (حق) رفع بالابتداء، و ﴿هُوَ﴾ مرفوع به على أنه فاعل وقد سد مسد الخبر كقولك: أقائم زيد؟ هذا قول صاحب الكتاب ﵀، ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَقٌّ﴾ الخبر مقدم عليه، ومحل الجملة النصب بقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾، والهمزة للاستفهام الذي معناه الإنكار والاستهزاء، واختلف في الضمير، فقيل: للقرآن، وقيل: للعذاب الموعود، وقيل: للبعث والجزاء، وقيل: للنصر على الكفار (٢).
والمعنى: ويستخبرونك عن القرآن أحقٌّ هو؟ أي: أنه من عند الله. أو عن العذاب، هل هو نازل؟ أو عن البعث، هل هو كائن على ما تقول وتعدنا به؟ أو عن النصر على الكفار، هل هو كائن؟ .
стр. 1740
وقرئ: (آلحق هو) (١) قيل: وهو داخل في الاستهزاء لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل، وذلك أن اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو: أهو الذي سميتموه الحق (٢)؟
وهذه القراءة كقراءة الجمهور في المعنى؛ لأن الأجناس تتساوى فائدتا معرفتها ونكرتها، تقول: هذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق، ومنه: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد وَوَضْعُ اللفظِ مختلفٌ، وسبب ذلك كون الموضع جنسًا، قاله أبو الفتح (٣).
وقوله: ﴿إِي وَرَبِّي﴾ قيل: (إي) بمعنى نعم في القسم خاصة، كما كان (هل) بمعنى قد في الاستفهام خاصة، وسُمع يقولون في التصديق: (إيْوَ) فيصلون بواو القسم (٤). و (ربي) قسم، و ﴿إِنَّهُ﴾ جوابُ القسم، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لأحد الأربعة الأشياء المذكورة آنفًا.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (أن) في موضع رفع بفعل مضمر، وقد ذكر في غير موضع (٥). ﴿ظَلَمَتْ﴾ في موضع جر على أنه صفة لنفس. و ﴿مَا﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾، و ﴿لِكُلِّ نَفْسٍ﴾ خبرها. أي: ولو أن
стр. 1741
لكل نفس ظالمة ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها.
﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ لجعلته فدية لها. والافتداء: إيقاع الشيء بدل غيره، يقال: فداه، وافتداه، وفاداه، إذا أعطى فداءه، وفداه بنفسه، وفدَّاه تفدية، إذا قال له: جُعِلت فداءك.
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ مستأنف، وهو حكاية ما يكون في الآخرة، وأسررت الشيء: كتمته وأعلنته أيضًا، وهو من الأضداد، وبهما فسر هنا فقيل: كتم رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخهم. وقيل: أظهروها إذ ليس ثَمَّ تجلُّدٌ (١).
وفي قول امرئ القيس:
٢٨٦ - ..................... ... لو يُسِرُّونَ مَقْتَلِي (٢)
وكان الأصمعي يرويه (لو يُشِرُّون) بالشين معجمة، أي: يظهرون (٣).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾:
قوله : ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ هو مصدر قولك: شفاه الله
стр. 1742
من مرضه شفاء، وجعله نفس الشفاء للمبالغة، واللام من صلته.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾:
قوله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ اختلف فيما يتعلق به الباء في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿فبَذَلِكَ﴾، فقيل: الباء الأولى متعلقة بقوله: ﴿جَاءَتْكُمْ﴾ أي: جاءتكم المذكورات بفضل الله وبرحمته، والثانية متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١). والفاء مزيدة كالتي في قوله:
٢٨٧ - .......................... ... وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزعي (٢)
أي: اجزعي؛ لأن الظرف معلق بقوله: (فاجزعي)، وقوله : ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ (٣) على مذهب الخليل ﵀، لأن اللام في قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾ (٤) عنده متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾. أي: فبمجيئهما ليفرحوا.
وقيل: الباء الأولى متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾، وقوله: ﴿فَبِذَلِكَ﴾ بدل من قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾. وذلك: إشارة إلى الفضل والرحمة، وهو يصلح للاثنين بشهادة قوله : ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٥) أي: بين الفارض والبكر.
وقيل: الباء الأولى متعلقة بفعل محذوف دل عليه هذا الظاهر وهو
стр. 1743
﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾، والثانية به، كأنه قيل: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه (١).
والجمهور على الياء في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ النقط من تحته؛ لأنه أمر للغائب، واللام إنَّما تدخل على فعل الغائب في الأمر العام؛ لأن المواجه استغنى فيه عن اللام بقولهم: افعل، وهو رجوع من الخطاب، وهو قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ﴾ (٢) إلى الغيبة، أو ردٌّ إلى قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وقرئ: (فلتفرحوا) بالتاء النقط من فوقه (٤) لأجل الخطاب الذي قبله وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله ﷺ فيما روي، وعثمان بن عفان، وأبيّ بن كعب وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين (٥).
وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قُم لتقُم، كما تقول للغائب: ليقم زيد، ولتضرب دَعْدٌ، لكن لما كَثُرَ أمرُ الحاضر نحو: قم واقعد حذفوا حرف المضارعة تخفيفًا، ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فلمَّا حذفوا حرف المضارعة، بقي ما بعده ساكنًا في أكثر المواطن، فاحتيج إلى همزة الوصل
стр. 1744
ليقع الابتداء بها، فقيل: اضرب، اقعد وما أشبه ذلك (١).
فإن ألحقتَ المخاطبَ المأمور اللامَ، لكنتَ مستعملًا لما هو كالمرفوض، وإن كان الأصل والقياس (٢).
وعنه أيضًا ﷺ : "لِتأخذوا مَصَافَّكُم" قالها في بعض الغزوات (٣).
وفي قراءة أُبي ﵁: (فافرحوا) (٤)، هو راجع إلى ذلك.
قيل: فإن قيل: ولم كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت الحال إلى تخفيفه لكثرته؟ قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإن أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر ليؤدي إليه أنك تأمره، فتقول: يا زيد قل لعمرو: قم، ويا محمد قل لجعفر: اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدي إليه أمرك إياه.
والحاضر لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن يتحمل إليه أمرك له.
ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل في الأمر نحو: صه، ومَه، ودونك، وعندك وما أشبه هذا.
لا تقول: دونه زيدًا، ولا عليه جعفرًا، كما تقول: دونك وعليك عمروًا.
وقد شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلًا ليسَني، قاله أبو الفتح، ثم
стр. 1745
قال: وكأن الذي حَسَّنَ التاء هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء؛ لأنها أذهب في قوة الخطاب، فاعرفه (١).
وقرئ: (خير مما يجمعون) بالياء النقط من تحته إجراءً على الإخبار عن الكفار، على معنى: أن ما أوتيتم من الموعظة والشفاء والهُدَى والرحمة خير مما يجمعه غيركم من أعراض الدنيا.
وبالتاء النقط من فوقه (٢) على الخطاب حملًا على ما قبله وعلى ما بعده من لفظ الخطاب، وهو يعم الفريقين المؤمنين والكافرين على وجه التغليب، غُلِّب الحُضرُ على الغُيَّب، كما غلِّب المذكرُ على المؤنث.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾:
قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (أرأيتم) يحتمل أن يكون من رؤية العين بمعنى: أرأيتم بأعينكم، وأن يكون من رؤية القلب بمعنى: أعرفتم. و ﴿مَا﴾ موصول، ومحله النصب بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾.
وقال أبو إسحاق: ما: في موضع نصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ (٣)، فتكون ﴿مَا﴾ عنده بمعنى أي. والوجه أن يكون موصولًا منصوبًا بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (٤).
وقوله: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ في (أم) هنا وجهان:
أحدهما: متصلة بمعنى: أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه؟
стр. 1746
والثاني: منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله؟ تقريرًا للافتراء.
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿ظَنُّ الَّذِينَ﴾، و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف للظن، لأنه واقع فيه، بمعنى: أي شيء ظَنُّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم؟
وقرئ: (وما ظَنَّ الذين) على لفظ الماضي (١)، و (ما) على هذه القراءة في موضع نصب به، بمعنى: وأيّ ظن ظنّوا يوم القيامة (٢).
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾:
قوله : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ (ما) نافية، والخطاب لرسول الله ﷺ ، وأمته داخلون فيه؛ بشهادة قوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبر تكون.
والشأن: الأمر يقصد له، يقال: شأنت شأنه، أي: قصدت قصده.
قال الحسن: الشأن ها هنا: الأمر من أمور الدنيا وحوائجها (٣).
وقال أبو إسحاق: المراد به العبادة (٤).
стр. 1747
وقوله: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ (ما) نافية أيضًا، واختلف في الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ فقيل: لله جل ذكره (١)، بمعنى: وما تقرأ أنت يا محمد من الله، أي: مما أنزله من قرآن، وقيل: للشأن (٢)؛ لأن تلاوة القرآن شأنٌ من شأنِ رسول الله ﷺ ، [وهو معظم شأنه ﷺ ]. أو للتنزيل (٣)، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأن كل جزء منه قرآن، وجاز ذلك - وإن لم يجر له ذكر - على وجه التفخيم؛ لأن الإضمار قبل الذكر تفخيم له.
و﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ مفعول ﴿تَتْلُو﴾، و ﴿ومِنْ﴾ توكيد.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: عملًا، أيّ عمل كان من خير أو شر. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ شاهدين رقباء نحصي عليكم.
وقوله: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (إذ) ظرف لقوله: ﴿شُهُودًا﴾ و ﴿تُفِيضُونَ﴾ من أفاض في الحديث إذا اندفع فيه، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ للعمل.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾. (ما) نافية أيضًا، أي: وما يبعد وما يغيب، يقال: عَزَبَ عني فلان يَعْزُبُ ويَعْزِبُ بالضم والكسر عُزوبًا، إذا بعد وغاب، وعزبت الإبل، إذا بعدت في المرعى، ومنه: الكلأ العازب.
وقوله: ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الجار والمجرورد في موضع رفع بـ ﴿يَعْزُبُ﴾. ومثقال الشيء ما وازنه من مثله. والذرة: واحدة الذرّ، والذرُّ: صغار النمل.
وقوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾: قرئ بفتح الراء فيهما، وبالرفع (٤) فالفتح من وجهين:
стр. 1748
أحدهما: على نفي الجنس، كقولك: لا رجل، ولا إله إلّا الله.
والثاني: على العطف على لفظ ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾، أو على ﴿ذَرَّةٍ﴾ فتحًا في موضع الجر لامتناع الصرف (١).
والرفع من وجهين أيضًا:
أحدهما: على الابتداء، والخبر قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
والثاني: على العطف على محل ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾.
والاختيار: الوجه الأول من كلا الوجهين؛ لأدن العطف على اللفظ أو على المحل فيه إشكال؛ لأدن قولك: لا يعزب عنه شيء إلّا في كتاب مشكلٌ، اللهم إلّا أن تجعل ﴿إِلَّا﴾ منقطعة بمعنى لكن.
والمعنى: وما يعزب عن علم ربك من مثقال ذرة، ولا أصغر منها ولا أكبر، لكن هو مثبت في اللوح المحفوظ معلوم عنده غير خاف عليه، فاعرفه.
فإن قلتَ: قد ذكرتَ فيمن قرأ: ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾ بالفتح على الوجه الثاني أنه عطف على لفظ ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾، أو على ﴿ذَرَّةٍ﴾، وذكرت فيمن رفع على الوجه الثاني أنه عطف على محل ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾، ولم تتعرض لذرة، فهل ثَمَّ فرقٌ بينهما في الحكم والتقدير؟ .
قلت: نعم إذا فتحت وعطفت على ﴿مِثْقَالِ﴾ كان التقدير: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة، ولا من أصغر من مثقال، وإذا عطفت على ﴿ذَرَّةٍ﴾ كان التقدير: ولا يعزب عن ربك مثقال ذرة، ولا مثقال أصغر. والرفع على محل ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾، لأن محله الرفع، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة
стр. 1749
للتوكيد، ولا يجوز عطفه على ﴿ذَرَّةٍ﴾؛ لأن الذرة لا محل لها غير لفظها، بخلاف ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾؛ لأن له محلًا غير لفظه، فاعرف ما بينهما من الفرقان.
والذي في "سبأ" يُذْكَر ثَمَّ إن شاء الله (١).
و﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾:
قوله : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ (ألا) افتتاح كلام، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٢).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الذين) إمّا موصول باسم ثم ﴿إِنَّ﴾ على أنه بدل منه، أو صفة له إمَّا على اللفظ، وإمّا على الموضع؛ لأن معنى الابتداء مراعى في اسم إنَّ ولكنَّ دون سائر أخواتهما، أو منصوب على المدح، أو مرفوع إمَّا على الابتداء، والخبر ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾، أو على: هم الذين، أو مجرور على البدل من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من صلة ﴿الْبُشْرَى﴾، ويجوز أن يكون حالًا إمَّا من ﴿الْبُشْرَى﴾، أو من المنوي في ﴿لَهُمُ﴾.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوصف والإخبار.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ الجمهور على كسر (إن) على الاستئناف.
стр. 1750
قيل: وهو استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: مالي لا أحزن، فقيل: إن العزةَ لله جميعًا، أي: إن الغلبة والقهر له، فهو ناصرك وناصر دينه (١).
و﴿جَمِيعًا﴾ حال من المنوي في ﴿لِلَّهِ﴾ (٢).
وقرئ: (أن العزة) بفتحها (٣)، بمعنى: لأن العزة على صريح التعليل (٤).
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ في (ما) ثلاثة أوجه:
أحدهما: موصولة منصوبة بالعطف على ﴿مِنْ﴾ وعائدها محذوف وهو مفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، والتقدير: ألا إن لله مَن في السماوات مِن الملائكة، ومَن في الأرض مِن الثقلين، والذي يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، بمعنى: وله شركاؤهم كالمذكورين يفعل بهم ما يشاء.
والثاني: نافية، ومفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ
стр. 1751
إِلَّا الظَّنَّ﴾ و ﴿شُرَكَاءَ﴾ نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله علمًا ويقينًا بل يتبعون ظنهم، أو بالعكس وهو أن يكون مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفًا، ومفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾: ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون الآلهة من دون الله شركاء، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن كانوا يسمونها شركاء؛ لأن شركة الله في الربوبية محال، ما يتبعون إلّا ظنهم أنها شركاء.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: وما هم إلّا يخرصون، أي: وما هم إلّا يحزرون ذلك ويقدرون، والخرص: الحَزْرُ، والخرص: الكذب.
والثالث: استفهامية منصوبة بـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ بمعنى: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟ بمعنى أنهم لا يتبعون شيئًا، وأن معبودهم لا يستحق العبادة.
و﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿يَدْعُونَ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿شُرَكَاءَ﴾ لتقدمه عليها.
الزمخشري: وقرأ علي بن أبي طالب ﵁: (تدعون) بالتاء (١)، ووجهه أن يحمل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين؟ يعني أنهم يتبعون الله ويطيعونه فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢)، ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال: إن يتبع هؤلاء المشركون إلّا الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبيون من الحق (٣).
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾:
стр. 1752
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: انتصاب قوله تعالى: ﴿مُبْصِرًا﴾ على أحد وجهين: إما على الحال إن جعلت ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى خلق، أي: وخلق النهار مضيئًا، يقال: أبصر النهار، إذا أضاء، ومنه قوله جل ذكره ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ (١) أي: مضيئة.
وقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: مبصرًا فيه (٢)، كقولهم: نهارُك صائم وليلك نائم، أو على أنه مفعول ثان لجعل بمعنى: وصير النهار مبصرًا.
فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت، فأين المفعول الثاني لجعل الأول؟ قلت: محذوف تقديره: جعل لكم الليل مظلمًا، وحذف لدلالة الثاني عليه.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ إنْ: بمعنى ما النفي، و (مِن) لتعميم النفي، والباء يحتمل أن تكون من صلة السلطان، وأن تكون من صلة الاستقرار، أي: ما عندكم من حجة بهذا القول.
والسلطان: الحجة، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يتسلط به المحق على المبطل، أي يتقوّى.
وقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ لهم والإنكار عليهم.
стр. 1753
الزمخشري: لما نفى عنهم البرهان، جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله، فذاك جهل وليس بعلم (١).
﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك متاع في الدنيا، أي: افتراؤهم منفعة قليلة في الدنيا، والمتاع: المنفعة وما يتمتع به.
والثاني: مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فلهم منفعة قليلةٌ يتمتعون بها في الدنيا، أو لهم تمتع فيها، فيكون بمعنى المصدر، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (إذ) ظرف ومعمول للنبأ، أي: اقرأ على قومك خبر نوح ﵇ حين قال لقومه كيت وكيت.
وقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في: الفاء جواب الشرط، أي: فوضت أمري إلى الله.
وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ الفاء للعطف، عطفت على جواب الشرط المذكور آنفًا.
стр. 1754
والجمهور على قطع الألف وكسر الميم في (فأَجمِعوا)، من أجمع الأمر وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه، وفي التنزيل: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (١). وقال الشاعر:
٢٨٨ - أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فلمّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضَاءُ (٢)
وأمر مجمع، قال:
٢٨٩ - يا ليتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنفَعُ ... هل أَغْدُوَنْ يومًا وأَمرِي مُجْمَعُ (٣)
وقوله: ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ الجمهور على نصب الشركاء، وفي نصبه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون مفعولًا معه، أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم. فإن قلت: لم حمل على هذا دون أن يكون معطوفًا على لفظ ﴿أَمْرُكُمْ﴾؟ قلت: قيل: لأجل أن الإجماع لا يقع على الشركاء، لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت شركائي، وأجمعت أمري.
وحرف العطف يقوم مقام الفاعل، فلا تقول: ضربت زيدًا العِلْمَ؛ لأنه لا يصلح أن تقول: ضربت العِلم، فلما لم يجز في الواو العطف جُعل بمنزلة مع، كجاء البرد والطيالسة.
فإن قلت: فقد شرط النحاة أن يكون الفعل في باب المفعول معه لازمًا للفاعل غير متعد إلى مفعولٍ؛ لأنه لو كان متعديًا التبس المفعول معه
стр. 1755
بالمعطوف إذا قلتَ: ضربتُ زيدًا وعمرًا، وزعمت أن عمرًا مفعول معه.
قلت: أجل الأمر كما زعمت، إلّا أن الإجماع لَمَّا لم يقع على الشركاء كان بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى، فلما كان كذلك حمل على هذا، وجعلت الواو بمنزلة مع فاعرفه.
والثاني: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر حملًا على المعنى، كأنه - والله أعلم - فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، تعضده قراءة من قرأ: (فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم) وهو أُبي بن كعب ﵁ (١).
ومثله في الحمل على المعنى لدلالة الناصب عليه قول الشاعر - أنشده الشيخ أبو علي -:
٢٩٠ - علفتُها تِبْنًا وماءً باردًا ... .................... (٢)
ومثله:
٢٩١ - * شَرَّابُ أَلْبَانٍ وتَمْرٍ وأَقِطْ (٣) *
ومثله:
٢٩٢ - .................... ... مُتَقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا (٤)
والثالث: أن يكون معطوفًا على ﴿أَمْرُكُمْ﴾ على تقدير حذف مضاف،