إِلَّا الظَّنَّ﴾ و ﴿شُرَكَاءَ﴾ نصب بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله علمًا ويقينًا بل يتبعون ظنهم، أو بالعكس وهو أن يكون مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفًا، ومفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾: ﴿شُرَكَاءَ﴾، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون الآلهة من دون الله شركاء، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن كانوا يسمونها شركاء؛ لأن شركة الله في الربوبية محال، ما يتبعون إلّا ظنهم أنها شركاء.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: وما هم إلّا يخرصون، أي: وما هم إلّا يحزرون ذلك ويقدرون، والخرص: الحَزْرُ، والخرص: الكذب.
والثالث: استفهامية منصوبة بـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ بمعنى: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟ بمعنى أنهم لا يتبعون شيئًا، وأن معبودهم لا يستحق العبادة.
و﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿يَدْعُونَ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿شُرَكَاءَ﴾ لتقدمه عليها.
الزمخشري: وقرأ علي بن أبي طالب ﵁: (تدعون) بالتاء (١)، ووجهه أن يحمل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين؟ يعني أنهم يتبعون الله ويطيعونه فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٢)، ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال: إن يتبع هؤلاء المشركون إلّا الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبيون من الحق (٣).
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾:
стр. 1752
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: انتصاب قوله تعالى: ﴿مُبْصِرًا﴾ على أحد وجهين: إما على الحال إن جعلت ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى خلق، أي: وخلق النهار مضيئًا، يقال: أبصر النهار، إذا أضاء، ومنه قوله جل ذكره ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ (١) أي: مضيئة.
وقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: مبصرًا فيه (٢)، كقولهم: نهارُك صائم وليلك نائم، أو على أنه مفعول ثان لجعل بمعنى: وصير النهار مبصرًا.
فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت، فأين المفعول الثاني لجعل الأول؟ قلت: محذوف تقديره: جعل لكم الليل مظلمًا، وحذف لدلالة الثاني عليه.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ إنْ: بمعنى ما النفي، و (مِن) لتعميم النفي، والباء يحتمل أن تكون من صلة السلطان، وأن تكون من صلة الاستقرار، أي: ما عندكم من حجة بهذا القول.
والسلطان: الحجة، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يتسلط به المحق على المبطل، أي يتقوّى.
وقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ لهم والإنكار عليهم.
стр. 1753
الزمخشري: لما نفى عنهم البرهان، جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله، فذاك جهل وليس بعلم (١).
﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾:
قوله : ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك متاع في الدنيا، أي: افتراؤهم منفعة قليلة في الدنيا، والمتاع: المنفعة وما يتمتع به.
والثاني: مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فلهم منفعة قليلةٌ يتمتعون بها في الدنيا، أو لهم تمتع فيها، فيكون بمعنى المصدر، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (إذ) ظرف ومعمول للنبأ، أي: اقرأ على قومك خبر نوح ﵇ حين قال لقومه كيت وكيت.
وقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في: الفاء جواب الشرط، أي: فوضت أمري إلى الله.
وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ الفاء للعطف، عطفت على جواب الشرط المذكور آنفًا.
стр. 1754
والجمهور على قطع الألف وكسر الميم في (فأَجمِعوا)، من أجمع الأمر وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه، وفي التنزيل: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (١). وقال الشاعر:
٢٨٨ - أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فلمّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضَاءُ (٢)
وأمر مجمع، قال:
٢٨٩ - يا ليتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنفَعُ ... هل أَغْدُوَنْ يومًا وأَمرِي مُجْمَعُ (٣)
وقوله: ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ الجمهور على نصب الشركاء، وفي نصبه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون مفعولًا معه، أي فأجمعوا أمركم مع شركائكم. فإن قلت: لم حمل على هذا دون أن يكون معطوفًا على لفظ ﴿أَمْرُكُمْ﴾؟ قلت: قيل: لأجل أن الإجماع لا يقع على الشركاء، لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت شركائي، وأجمعت أمري.
وحرف العطف يقوم مقام الفاعل، فلا تقول: ضربت زيدًا العِلْمَ؛ لأنه لا يصلح أن تقول: ضربت العِلم، فلما لم يجز في الواو العطف جُعل بمنزلة مع، كجاء البرد والطيالسة.
فإن قلت: فقد شرط النحاة أن يكون الفعل في باب المفعول معه لازمًا للفاعل غير متعد إلى مفعولٍ؛ لأنه لو كان متعديًا التبس المفعول معه
стр. 1755
بالمعطوف إذا قلتَ: ضربتُ زيدًا وعمرًا، وزعمت أن عمرًا مفعول معه.
قلت: أجل الأمر كما زعمت، إلّا أن الإجماع لَمَّا لم يقع على الشركاء كان بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى، فلما كان كذلك حمل على هذا، وجعلت الواو بمنزلة مع فاعرفه.
والثاني: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر حملًا على المعنى، كأنه - والله أعلم - فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، تعضده قراءة من قرأ: (فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم) وهو أُبي بن كعب ﵁ (١).
ومثله في الحمل على المعنى لدلالة الناصب عليه قول الشاعر - أنشده الشيخ أبو علي -:
٢٩٠ - علفتُها تِبْنًا وماءً باردًا ... .................... (٢)
ومثله:
٢٩١ - * شَرَّابُ أَلْبَانٍ وتَمْرٍ وأَقِطْ (٣) *
ومثله:
٢٩٢ - .................... ... مُتَقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا (٤)
والثالث: أن يكون معطوفًا على ﴿أَمْرُكُمْ﴾ على تقدير حذف مضاف،
стр. 1756
أي: فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقوئ: (فاجْمَعُوا) بوصل الألف مع فتح الميم (١)، من جمعت الشيء المتفرق، و ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ عطف على المفعول على هذه القراءة، أي: فاجمعوا أمركم المتفرق، بمعنى: ضموا بعضه إلى بعض وشركاءكم المتفرقين.
وقيل التقدير: فأجمعوا ذوي أمركم، أي: رؤساءكم ووجوهكم، فحذف المضاف وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت (٢).
وقد جوز أن تكون الواو أيضًا بمعنى مع على هذه القراءة (٣)، وهو ضعيف لما ذكرت آنفًا من أن الشرط في هذا الباب أن يكون الفعل لازمًا، وجَمَعَ متعدٍّ نافذٌ إلى الشركاء.
وقرئ: (فأجمعوا أمركم وشركاؤُكم) بالرفع (٤) عطفًا على الضمير المتصل في ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، وساغ عطفه عليه من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام به، وهو أمركم، كما تقول: قم إلى أخيك وأبو محمد، اضرب زيدًا وعمرو، فتعطف على الضمير من غير تأكيد بالمنفصل وإن كان مرفوعًا ومتصلًا لما ذكرت من طول الكلام بالفاصل بينهما، فاعرفه (٥).
стр. 1757
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ (لا) نهى، وعلى من صلة ﴿غُمَّةً﴾ كل. والغمة: السُّترة، من غم الشيء، إذا ستره.
قال أبو إسحاق: واشتقاقها من الغمامة التي تستر (١).
وفي الحديث: "ولا غُمَّةَ في فرائضِ اللهِ" (٢)، أي: لا تُسْتَرُ ولكن يُجَاهَرُ بها، أي: لا يكن أمركم معي ملتبسًا، ولكن ظاهرًا منكشفًا فيما تريدون مني من إهلاكي وعداوتي وغير ذلك.
وقيل: لا يكن أمركم غمة، أي: غمًّا (٣). يقال: غُمَّةٌ وغَمٌّ، كما يقال: كُربةٌ وكَرْبٌ، والمعنى على هذا: افعلوا بي ما شئتم لئلا يكون عيشكم بسببي غصةً، وحالكم عليكم غمةً، أي: غمًّا وهمًّا.
وقوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ الجمهور على القاف والضاد في ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ إمَّا من قضيت الأمر إذا أَحْكَمْتَهُ وأمضيتَه، بمعنى: امضوا ما في نفوسكم مني من الإهلاك وغيره، كقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٤)، أي: فامض ما أنت ممضٍ، والقضاء: إحكامُ الأمر وإمضاؤه.
أو من قضيت حاجتي، إذا فرغت منها، بمعنى: افرغوا مني واستريحوا، والقضاء: الفراغ من الأمر.
أو مِن قَضَى إليه وعليه، إذا قَتَله، بمعنى: اقتلوني، ومنه سُمٌّ قاضٍ، أي: قاتل.
стр. 1758
أو من قضيت ديني، إذا أديته، بمعنى: أدوا إليّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي، كما يقضي الرجل غريمه، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (١)، أي: أنهيناه إليه، وأبلغناه ذلك، والقضاء: الأداء والإنهاء؛ وهذا الوجه أجود الأوجه لقوله: ﴿إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾، أي: ولا تؤخرون، يقال: أنظرت فلانًا، إذا أخرته وأمهلته.
وقرئ: (ثم أَفْضُوا إليَّ) بالفاء مع قطع الهمزة (٢)، إما من أفضى الرجل إلى حليلته، إذا انتهى إليها، وهو كناية عن الجماع والوصول إليها، بمعنى: انمهوا إليَّ بشرّكم وصِلُوا إليَّ بما في نفوسكم، أو من أفضى الرجل، إذا خرج إلى الفضاء؛ لأنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع على ما يقدر عليه مع السعة، بمعنى: أصحروا (٣) به إليّ وأبرزوه لي، يعني ما يريدون به من المكروه والشر.
قال أبو الفتح: لام أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو، لقولهم: فضا الشيء يفضوا فضوًا، إذا اتسع (٤).
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أي: من بعد نوح ﵇. والهاء والميم في ﴿قَوْمِهِمْ﴾ للرسل، وهم هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب ﵇ على ما فسر (٥).
стр. 1759
وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فما كان قوم الرسل الذين بعثوا بعد نوح ليؤمنوا بعد مجيء الرسل بما كذبوا به قبل مجيئهم، أي: أصروا على الكفر بعد المجيء كما كانوا عليه قبله، ولم يقع فصل بين حالتيهم، كأن لم يبعث إليهم أحد.
والشماني: ما كان قوم الرسل بعد نوح ليؤمنوا بما كذب به قوم نوحٍ قبلهم، أي: كانوا مثلهم في الكفر والعتو.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾:
قوله : ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد الرسل.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الجمهور على حذف الألف وكسر السين في قوله: ﴿لَسِحْرٌ﴾ لأن الإشارة إلى الفعل الواقع ثَمَّ: من قلب العصا حية وما أشبه ذلك، وقرئ: (لساحر) بالألف (١)، فالإشارة على هذه القراءة إلى موسى ﵇.
﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾:
قوله : ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ اختلف في مَحْكِيّ القول ومعموله هنا، فقيل: محذوف، وهو ما دل عليه قولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كأنه قيل: أتقولون للصدق الذي لا شبهة فيه: هو سحر، ثم قيل على وجه الاستئناف: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ موبخًا لهم ومنكرًا عليهم (٢).
стр. 1760
وقيل: هو هذه الجملة (أسحر هذا) (١)، فهذا: مبتدأ و (أسحر) الخبر.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾:
قوله : ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ أي: لتصرفنا وتعدلنا، يقال: لَفَتَه يلفته لفتًا، إذا صرفه، واللفت: الصرف، وقيل: هو مقلوب فتل (٢).
وقيل: اللفت والفتل أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال (٣).
وقوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ عطف على قوله: ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾. و ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ اسم تكون، و ﴿لَكُمَا﴾ الخبر.
و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يكون من صلة الاستقرار، وهو ما تعلق به ﴿لَكُمَا﴾، وأن يكون حالًا من المنوي في ﴿لَكُمَا﴾، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ (٤).
والكبرياء: المُلْك والعظمة؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر والعظمة. والكبر، والكبرياء، والعظمة، نظائر في اللغة.
قال أبو إسحاق: وإنَّما سميت الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا (٥).
والجمهور على التاء في ﴿وَتَكُونَ﴾ النقط من فوقه، لأجل تأنيث ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾، وقرئ: بالياء (٦)؛ لأن التأنيث غير حقيقي، أو للفصل.
стр. 1761
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾:
قوله : ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ قرئ: (السِّحْرُ) (١) على الخبر، وفي (ما) وجهان:
أحدهما: موصول ومحله الرفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ صلته وعائده، وخبره: ﴿السِّحْرُ﴾، والمعنى: الذي جئتم به هو السحر، لا الذي سمَّاهُ فرعون وقومه سحرًا من آيات الله، تعضده قراءة من قرأ: (ما جئتم به سِحْرٌ) بالتنوين من غير ألف ولام، وهم: أُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود ﵄ ومعاذ القارئ (٢).
والثاني: استفهام وفي محله وجهان:
أحدهما: الرفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ الخبر، أي: أيُّ شيءٍ جئتم به؟ وارتفاع ﴿السِّحْرُ﴾ على هذا على إضمار مبتدأ، أي: هو السحر.
والثاني: النصب بفعل مضمر بعده يفسره هذا الظاهر، بمعنى: أيُّ شيء أتيتم أو جئتم؟ دل عليه هذا الظاهر.
فإن قلت: لم أضمرت له فعلًا، ولولا نصبته بهذا الظاهر؟ قلت: لأن هذا الظاهر قد استوفى مفعوله وهو (به)، وهو ضميره، والفعل إذا تعدى إلى
стр. 1762
ضمير الشيء لم يتعدَّ إليه، إذ لا يعمل مرتين، أَلَا ترى أنك إذا قلت: زيدًا مررت به، كان منصوبًا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، لما ذكرت آنفًا، فاعرفه.
﴿السِّحْرُ﴾: خبر ابتداء محذوف أيضًا كما في الوجه الأول، أي: هو السحر.
وقرئ: (آلسحْرُ) على الاستفهام (١)، فـ (ما) على هذه القراءة استفهام ليس إلّا، والدليل على ذلك: استقلال الكلام بقوله: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾، إذ لو كان موصولًا لاحتاج إلى جزء آخر ينضم إليه، وفي محله وجهان:
أحدهما: الرفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ في موضع الخبر. ويرتفع ﴿السِّحْرُ﴾ على أحد شيئين: إمّا غلى إضمار مبتدأ، أيْ: أيّ شيء جئتم به أهو السحر؟ أو بالعكس، أي: السحر هو، أو على البدل من ﴿مَا﴾، وخبره على هذا الوجه خبر المبدل منه، ولذلك لحقه الاستفهام، إذ هو بدل من استفهام، ليستوي البدل والمبدل منه في لفظة الاستفهام.
وعلى هذا قالوا: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلوا (العشرون والثلاثون) بدلًا من كم، وألحقوا حرف الاستفهام (العشرون)؛ لأن المبدل منه وهو (كم) استفهام.
فأما الاستفهام مع علم موسى ﵇ أنه سحر: فعلى وجه التقرير والتوبيخ، كقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٣)، ونحو هذا كثير في كلام القوم نظمهم ونثرهم.
وعن الفراء: أنه أجاز نصب ﴿السِّحْرُ﴾ على المصدر، وجعل ﴿مَا﴾
стр. 1763
شرطًا، و ﴿جِئْتُمْ﴾ في موضع جزم به، والفاء محذوفة عنده، أي: فإن الله سيبطِله (١). وهو ضعيف؛ لأن ذلك يكون في النظم دون النثر نحو:
٢٩٣ - من يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... ..................... (٢)
وقد أجاز بعضهم (٣) في النثر أيضًا مستدلًا بقوله : (وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم) (٤) بحذف الفاء، وهي قراءة نافع وابن عامر، فاعرفه (٥).
﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ويثبته بأوامره وقضاياه. وقرئ: (بكلمته) على التوحيد (٦)، أي: بأمره وحُكمه.
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾:
قوله : ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: آمن له وبه، وآمنه، بمعنى [واحدٍ، وقد مر كثير منه] (٧).
стр. 1764
واختلف في الضمير في قوله: ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ فقيل: لموسى ﵇، على معنى: فما آمن لموسى في أول أمره ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ إلّا طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل: إلّا أولاد من أولادِ قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفًا من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف على ما فسر (١).
وقيل: الضمير لفرعون (٢)، وذلك أنه آمن بموسى سبعون أهل بيت من القبط من آل فرعون، كانت أمهاتهم من بني إسرائيل، وكان الرجل منهم يتبع أمه وأخواله (٣).
قال الفراء: وإنَّما سموا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط ولم يؤمنوا، وآمن الأبناء تبعًا لأخوالهم (٤).
وآمن أيضًا من آل فرعون: آسيةُ امرأته، وخازُنه، وامرأةُ خازنه، وماشطته، ومؤمن آل فرعون على ما فسر (٥).
وقوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ (على) يحتمل أن يكون من صلة آمن، وأن يكون حالًا من الذرية.
واختلف في الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾: فقيل: راجع إلى
стр. 1765
الذرية (١)، أي: على خوف من فرعون، وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، يعضده قوله: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قيل: يريد أن يعذبهم فرعون، وقيل: أن يهلكهم، وقيل: أن يردَّهم إلى الكفر. والفتنة: الكفر، وأُسند الفعل إليه وحده؛ لأنه هو الفاعل والآمر في الحقيقة، وغيره تبع له.
وقيل: راجع إلى فرعون وإنما جمع لوجهين:
أحدهما: أن فرعون لما كان جبارًا عظيمًا عندهم أخبر عنه بلفظ الجمع.
والثاني: أنه صار اسمًا لأتباعه، كما أن ربيعة ومضر وثمود أسماء للقبائل، أو لأنه ذو أصحاب وأتباع يأتمرون له، فعاد الضمير عليه وعليهم وإن لم يجر لهم ذكر للعلم بهم (٢).
وقيل: راجع إلى مضاف محذوف (٣)، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، ثم حذف المضاف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤)، وهذا الوجه ليس بشيء على قياس قول صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمة الله عليهما، لأنهما لم يجيزا: زيد خرجوا، على تقدير: أخوة زيد خرجوا، أو أصحابه (٥).
وقيل: راجع إلى القوم، أي: على خوف من فرعون، وخوف من أشراف قومه، فاعرفه (٦).
стр. 1766
وقوله: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في موضع جر على البدل من (فرعون) وهو بدل الاشتمال.
والثاني: في موضع نصب بـ ﴿خَوْفٍ﴾، أي: على خوف فتنة فرعون.
وقوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: لَغالبٌ فيها قاهر، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) والمراد بالأرض أرض مصر، عن ابن عباس ﵄ (٢).
وقوله: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (فتنة) مفعول ثان، وفي الكلام حذف، أي: موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا، من فتنت الذهب، إذا أحرقته بالنار لتظهر الخلاص منه، ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٣)، أو يفتنوننا عن ديننا، أو فتنةً لهم يفتنون بنا ويقولون: لو كان هؤلاء على الحقِّ لما أصيبوا.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أن: هنا تحتمل أن تكون المفسرة خالية من المحل والإِعراب، وأن تكون مصدرية، فتكون في موضع نصب بأوحينا.
وتبوأ: فعل يتعدى إلى مفعولين، كَبَوَّأَ، وتفعَّل وفعَّل قد يأتيان متعديين بمعنىً، نحو: تَعَلَّقْتُهُ وعلقته، وتَقَطَّعْتُهُ وقطعته.
وكذلك بوأت فلانًا منزلًا، وبوأت له منزلًا، وتبوأته منزلًا، وتبوأت له منزلًا، وفي التنزيل: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٤)، وفيه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا
стр. 1767
لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (١)، أي: اتّخذا لقومكما بمصر بيوتًا، فأحد مفعوليه ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾، والثاني: ﴿بُيُوتًا﴾.
والباء في قوله: ﴿بِمِصْرَ﴾ من صلة ﴿تَبَوَّآ﴾ وقد جوز أن يكون حالًا من بيوت.
والقراء كلهم على همز قوله: ﴿تَبَوَّآ﴾ في الحالين ما عدا حمزة فإنه يسهلها في الوقف (٢) على مذاق العربية، وحفصًا عن عاصم فإنه رُوي عنه أنه كان يقف: (تَبَوَّيَا) بياء من غير همز (٣) بدلًا منه تخفيفًا؛ لأن الهمزة قد تبدل منها حروف اللين نحو قولهم: هذا الكَلْو في الرفع في حال الوقف، ومن الكلي في الجر، ورأيت الكلا في النصب.
قال الشيخ أبو علي: وإنما فعلوا ذلك بالهمزة عند الوقف؛ لأنها تَخْفَى فيه، كما تَخْفَى الألف، فَأَبْدَلَ منها حرف اللين - يعني حفصًا - كما أبدلوا من الألف في قولهم: أَفْعَوْ واوًا، وأَفْعي ياءً؛ لأن هذين الحرفين. أظهر من الألف والهمزة، وأبين للسمع.
ثم قال: فإن قلت: فإنما يُفعل ذلك بالهمزة إذا كانت آخر الكلمة، وليست الهمزة آخرًا في ﴿تَبَوَّآ﴾، قيل: يجوز أن يكون لم يعتدَّ بالألف لما كانت للتثنية، والتثنية غير لازمة للكلمة، فلما لم تلزم لم يعتد بها، وصار الوقف كأنه على الهمزة، انتهى كلامه (٤).
وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ الجعل هنا بمعنى التصيير، فلذلك تعدّى إلى مفعولين، قيل: وإنما نُوِّعَ الخطابُ فثُنِّيَ أولًا، فقيل: ﴿أَنْ تَبَوَّآ﴾، ثم جُمِعَ ثانيًا فقيل: ﴿وَاجْعَلُوا﴾، ﴿وَأَقِيمُوا﴾، ثم وُحِّدَ آخرًا،
стр. 1768
فقيل: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه خوطب موسى وهارون ﵇ أن يتبوءا لقومهما بيوتًا، ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ﵇، ثم سيق الخطاب عامًّا لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها؛ لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خُصَّ موسى صلوات الله على نبينا وعليه بالبشارة التي هي الغرض تعظيمًا لها وللمُبَشِّرِ بها.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾:
قوله : ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ اختلف في هذه اللام:
فقيل: هي لام كي (١) متعلقة بـ ﴿آتَيْتَ﴾ بمعنى: جعلت ما آتيتهم سببًا للضلال؛ لأنهم بطروا بها فاستكبروا عن الإِيمان، وطغوا في الأرض.
وقيل: هي لام الأمر (٢)، وهو على سبيل الدعاء، وهو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ .... وَاشْدُدْ﴾، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضُلالا، وذلك حين يئس من إيمانهم، ولم يبق له طمع فيهم، إمَّا من جهة الوحي، أو بما شاهد منهم من الكفر والعناد.
وقيل: هي لام العاقبة (٣)، كالتي في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٤).
стр. 1769
وقيل التقدير: آتيتهم ذلك لئلا يضلوا (١)، وهذا قوي من جهة المعنى ضعيف من جهة العربية؛ لأن (لا)، لا تحذف إلّا مع أن خاصة نحو: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٢).
وقيل: في الكلام حذف وهو حرف الاستفهام، والتقدير [أَ] لِيضلوا عن سبيلك آتيتهم ذلك؟ فاعرفه (٣).
وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: أهلكها وامح أثرها، والطمس في اللغة: إذهاب الأثر.
﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قيل: معنى الشد على القلوب: الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإِيمان، يعضده قول ابن عباس ﵄: امنعهم عن الإِيمان (٤).
وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ اختلف في محله:
فقيل: محله النصب إمّا على جواب الدعاء الذي هو اشدد، بمعنى: إن تشدد على قلوبهم لا يؤمنوا، أو بالعطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ على قول من جعل اللام لام كي، وما بينهما على هذا الوجه اعتراض.
وقيل: محله الجزم؛ لأنه دعاء عليهم، أي: لا آمنوا (٥).
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾:
قوله : ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الجمهور على إفراد الدعوة،
стр. 1770
وهي في الأصل للمرة الواحدة، يقال: دعوت الله له وعليه دعاء، والدعوة: المرة الواحدة، وقرئ: (دعواتكما) على الجمع (١).
قال أبو الفتح: وبهذه القراءة يُعْلَمُ أن قراءة الجماعة (قد أجيبت دعوتكما) يراد فيها بالواحد معنى الكثرة، وساغ ذلك؛ لأن المصدر جنس والجنس يقع على القليل والكثير (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: (ولا تتبعانّ) بتشديد النون (٣)، وهي نون التأكيد دخلت على النهي، والفعل مبني معها، وحَذْفُ النونِ التي هي علم للرفع في فعل الاثنين كحذف الضمة التي هي علم للرفع في فعل الواحد، وكسرت النون لوقوعها بعد ألف التثنية تشبيهًا بها، أعني نون التأكيد بنون التثنية، وشبهها بها في كونها مزيدة مثلها وداخلة لمعنىً كدخولها.
وقرئ: (ولا تتبعانِ) بتخفيف النون مع كسرها (٤)، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن الفعل معرب مرفوع، والنون علم الرفع، ولفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، كقوله: (لا تُضارُّ والدة بولدها) (٥) على قراءة أبي عمرو، وابن كثير (٦). ولك أن تجعله حالًا من الضمير في (استقيما)، أي: استقيما غير متَّبعين طريق الجهلة.
стр. 1771
والثاني: أنه مبني والنون نون التأكيد الداخلة على النهي، كما هي في قراءة الجماعة إلّا أنه استثقل التضعيف فخففت بحذف إحدى النونين وهي الأولى دون الثانية، فإن قلت: لم حذفت الأولى دون الثانية؟ قيل: لأنك لو حذفت الثانية التقى ساكنان، فكنت تحتاج إلى الحذف أو التحريك، فلذلك حذفت الأولى دون الثانية (١).
وإلثالث: أنه مبني والنون نون التأكيد الخفيفة، وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيهًا بنون التثنية، وهو مذهب يونس (٢).
والذي جوز ذلك ما في الألف من فرط مَدٍّ، والمد يقوم مقام الحركة، وأَبَى ذلك صاحب الكتاب وشيخه الخليل (٣) وذلك أن فعل الاثنين إذا أسقطت منه التي هي علم الرفع لأجل النهي، وجيء بالنون الخفيفة لم يخل من ثلاثة أوجه:
إمَّا أن تكسر لالتقاء الساكنين، أو تحذف الألف، أو تُقَرَّ النونُ ساكنة، فالأول لا يجوز؛ لأنه لا يعلم حينئذ نون إعراب هي أم نون تأكيد، والثاني: ممنوع لأجل التباس فعل الاثنين بفعل الواحد، والثالث: مردودٌ؛ لأنهم لا يجمعون بين ساكنين مظهرين في الإِدراج، وإنما يكون ذلك إذا كان الثاني منهما مدغمًا نحو: دَابَّة، ومُدَيْق (٤).
وأجاز ذلك يونس، وَوَجْهُهُ ما ذكرتُ آنفًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، والله أعلم.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا
стр. 1772
وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾:
قوله : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ الباء هنا للتعدية كالهمزة، يقال: جاوزت بفلان البحر، وأجزته البحر، أي: صيرته إلى الجانب الآخر. وجاء في التفسير: أن الله تعالى فلق البحر فعبروا فيه حتى تجاوزوا إلى الشطِّ الآخر (١).
وقرئ: (وَجَوَّزنَا) (٢)، وهو بمعنى جاوزنا.
وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ أي: فلحقهم، يقال: اتبعت القوم، إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، وتبعتهم، وأتبعتهم، أي: مشيت خلفهم حتى أدركتهم، وأتبعتهم أيضًا غيري.
وقوله: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ كلاهما مصدر في موضع الحال إمَّا من ﴿فِرْعَوْنُ﴾، أي: باغيًا وعاديًا، أو منه ومن جنوده، أي: باغين وعادين، أو مفعول له، أي: للبغي والعدو.
وقرئ: (وعدُوًّا) (٣)، والعَدْوُ، والعَدُوُّ، والعدَاءُ مصادر بمعنى.
والبغي: طلب التطاول، والعَدْوُ: تجاوز الحدِّ إلى ما ليس بحقٍّ، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤).
وقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قرئ: (أنه) بالفتح (٥) على حذف الباء التي
стр. 1773
هي صلة الإيمان؛ لأن هذا الفعل يتعدى بها، بشهادة قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، فلما حذف الجار وصل الفعل إلى (أنّ) فصار في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
و(إنَّه) بالكسر (٢) على الاستئناف بدلًا من ﴿آمَنَتْ﴾؛ لأن قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ﴾ في المعنى إيمان، أو على إضمار القول، أي: آمنت فقلت إنه، وإضمار القول في هذا النحو كثير، والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والحديث.
﴿الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾:
قوله : ﴿الْآنَ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت على (الآن) الذي يراد به الوقت الحاضر على وجه التوبيخ والتقريع، وعامله محذوف، أي: أتؤمن الآن؟ أو آلآن تؤمن؟ وقد مضى الكلام على ما فيه من وجوه العربية فيما سلف من الكتاب (٣).
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾:
قوله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ اليوم: ظرف للتنجية، و ﴿بِبَدَنِكَ﴾: في موضع الحال من الكاف، أي: نخلصك ونبعدك مما وقع فيه أتباعك من قعر البحر عاريا لست إلّا بدنًا من غير لباس، أو كاملًا سويًا لم يأكله شيء من دواب الماء ولم يتغير، أو فريدًا وحيدًا مجردًا من ملكه وجيشه.
стр. 1774
وقيل: بجسدك لا روح فيه (١)، أي في الحال التي لا روح فيك، وإنما أنت بَدَنٌ.
وقيل: بدرعك.
وقيل: المعنى نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل (٢).
وقرئ: (نُنْجِيك) بالتخفيف (٣)، والإِنجاء والتنجية بمعنىً.
وقرئ أيضًا: (نُنَحِّيك) بالحاء (٤)، أي: نجعلك في ناحية مما يلي البحر، يقال: نحيته عن مكانه تنحية فتنحى، أي: باعدته فتباعد، قال الحطيئة (٥) لأمه:
٢٩٤ - تنحِّي فاقعُدِي منِّي بعيدًا ... أَرَاحَ الله مِنْكِ العالَمِينَا (٦)
وقد جاء في التفسير أنه طُرِحَ بعد الغرق بجانب البحر (٧).
وقرئ: (بأبدانك) (٨) كقولهم: هوى بأجرامه، أي: ببدنه كله وافيًا بأجزائه.
стр. 1775
﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾:
قوله : ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ جوز أن يكون مكانًا مثل قوله: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (١)، أي: أنزلناهم منزل صدق، أي: مسكنًا مرضيًا، قيل: وهو مصر والشام (٢)، وأن يكون مصدرًا والمفعول الثاني محذوف، وهو القرية المذكورة في قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣)، أو هو المفعول الثاني اتساعًا وإن كان مصدرًا.
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ إن: شرطية، وجوابه ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ﴾، واختلف في معناه:
فقيل: هو بمعنى الفرض والتمثيل، كأنه قيل: فإن وقع لك شَكٌّ مثلًا وخَيَّلَ لك الشيطانُ خيالًا منه تقديرًا، فاسأل علماء أهل الكتاب، فإنهم يعرفونك كما يعرفون أبناءهم.
وقيل: الخطاب له ﵇، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)، ومعناه: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله:
стр. 1776
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (١).
وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز فيه الشك.
وقيل: (إِنْ) هاهنا للنفي لا للشرط، أي: فما كنت في شك، ومع كونك غير شاك فاسأل مؤمني أهل الكتاب حتى لا يبقى ريبٌ لمرتاب.
وقيل: المعنى ما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينًا، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينة إحياء الموتى (٢).
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾:
قوله : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ (لولا) هنا بمعنى هلا، تعضده قراءة من قرأ: (فهلا كانت) وهما أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ﵄ (٣)، ومعناه النفي، أي: فما كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها إلّا قوم يونس، والاستثناء منقطع في اللفظ، بمعنى: ولكن قوم يونس؛ لأن المستثنى منه القرية وليست من جنس القوم متصل في المعنى؛ لأن المراد أهلها، فانتصاب القوم على هذا على أصل الاستثناء، وقد ذكرت آنفًا أن معناه النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلّا قوم يونس.
وقرئ: (إلّا قومُ) بالرفع (٤)، إمَّا على البدل نظرًا إلى المعنى، إذ معنى الكلام النفي محمولًا على المعنى إذ المراد أهل القرية، وإمّا على الصفة نظرًا
стр. 1777
إلى اللفظ دون المعنى وجعل إلّا بمعنى غير، وهو صفة لأهل قرية المقدَّر، أي: هَلّا كان أهل قرية غيرُ قوم يونس آمنوا حين ينفعهم الإِيمان.
فإن قلت: قد شرطتِ النحاةُ أَنَّ (إلّا) إذا حمل على (غير) وجعل وصفًا لما قبله أن يكون بعد كلام موجب، نحو: جاءني القوم إلّا زيدٍ، ومررت بالقوم إلّا زيدٍ، وأنت قد ذكرت أن معناه النفي، فكيف يستقيم هذا؟ .
قلت: قد نبهت على ذلك بقولي: نظرًا إلى اللفظ دون المعنى.
و﴿يُونُسَ﴾: اسم أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف، وعن الأعمش: كسر نونه (١) على أنه عربي، وهو مستقبل آنسَ، والمانع له على هذا من الصرف التعريف والوزن المختص به الفعل، وقد حُكي أيضًا فتح نونه (٢) على أنه فعل مستقبل مبني للمفعول.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾:
قوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ارتفاع قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ على التأكيد لقوله: ﴿مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.
و﴿جَمِيعًا﴾ حال إمّا مِن ﴿مَنْ﴾، أو من المنوي ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، أي: لآمن مَن في الأرض كلهم على وجه الإِحاطة والشمول، ﴿جَمِيعًا﴾: مجتمعين على الإِيمان مُطْبقين عليه لا يختلفون فيه.
стр. 1778
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) خبر الابتداء بمعنى الذي.
ولك أن تجعل (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا في موضع رفع بالابتداء أيضًا، و ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الخبر، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (١).
وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ (ما) هنا تحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون نافية، فإن كانت استفهامية كان محلها النصب بقوله: ﴿تُغْنِي﴾، وإن كانت نافية كان مفعول ﴿تُغْنِي﴾ محذوفًا، أي: وما تغني تلك عنهم شيئًا من عذاب الله.
﴿وَالنُّذُرُ﴾: يحتمل أن يكون جمع نذير، وهو الرسول المنذِرُ، وأن يكون مصدرًا بمعنى الإِنذار.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله: ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢) كأنه قيل: نُهلِك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية
стр. 1779
الأحوال الماضية (١). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومن آمن معهم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ محل الكاف الرفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: محذوف، وهو ناصب قوله: ﴿حَقًّا﴾، أي: مثل ذلك الإِنجاء يحق علينا حقًّا ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين.
والثاني: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ اعتراض وتأكيد للكلام، أي: حق ذلك حقًّا، والإِشارة بذلك إلى الإِنجاء.
أو النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ننجي المؤمنين منكم إنجاء مثل ذلك الإِنجاء، و ﴿حَقًّا﴾ بدل منه، أو مصدر وفعله محذوف، أي: يحق ذلك علينا، أو حق حقًّا.
وقرئ: (نُنْجِي) و (نُنَجِّي) بالتخفيف والتشديد (٢). والإِنجاء والتنجية لغتان فصيحتان بمعنىً.
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾:
قوله : ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ (٣).
و(أن) مصدرية موصولة فيهما، ومحله النصب لعدم الجار وهو الباء، أو الجرِّ على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
стр. 1780
والأصل في ﴿أَقِمْ﴾: أَقْوِم، استثقلت الحركة على الواو فنقلت إلى القاف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
واختلف في معنى قوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، فقيل: استقم إليه ولا تلتفت يمينًا ولا شمالًا (١). وقيل: أقم عملك (٢). وقيل: نفسك (٣).
و﴿حَنِيفًا﴾: منصوب على الحال إمّا من الوجه بمعنى: مائلًا عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام، أو من الدين بمعنى: مستقيمًا.
هذا آخر إعراب سورة يونس ﵇ والحمد لله رب العالمين
стр. 1781
إعراب سُوَرَةِ هُود ﵇ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن جعلت (هودًا) اسمًا للسورة لم تصرفه عند صاحب الكتاب ﵀ للتعريف والتأنيث، كامرأة سميتها بزيدٍ أو عمروٍ (١). وأما على مذهب عيسى بن عمر فأنت مخير فيه: إن صرفته فلسكون أوسطه كهند وجُمْل، وإن لم تصرفه فللعلة المذكورة آنفًا (٢).
وإن جعلته على حذف المضاف وأردت سورة هود، فالصرف ليس إلّا؛ لأن فيه التعريف فقط لكونه عربيًا، تقول: هذه هودٌ، تريد: هذه سورة هود. قال صاحب الكتاب: والدليل على هذا أنك تقول: هذه الرحمن، فلولا أنك تريد سورة الرحمن ما قلت: هذه (٣).
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾:
قوله : ﴿الر﴾ اختلف فيه:
فقيل: اسم لهذه السورة، وقيل: اسم للقرآن (٤).
وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾، لك أن ترفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب، ولك أن ترفعه على خبر ﴿الر﴾ على قول من جعله اسمًا للقرآن، أو اسمًا
стр. 1782
للسورة على تقدير: هذه السورة سورة كتاب من شأنه كيت وكيت (١).
ويجوز في إعراب ﴿الر﴾ غير ما ذكرت، وقد أوضحت ذلك في أول "البقرة".
وقوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ محلها الرفع على الصفة للكتاب، وفي ﴿أُحْكِمَتْ﴾ وجهان:
أحدهما: من أحكمت الأمر، إذا أتقنته، بمعنى: نُظِمت نظمًا رصينًا محكمًا لا يقع فيه نقص ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف.
والثاني: أنه منقول بالهمزة من حَكُم بضم الكاف، إذا صار حكيمًا، قال النمر بن تولب (٢):
٢٩٥ - وابغض بغيضَكَ بُغضًا رُوَيدًا ... إذا أنتَ حاولتَ أن تحكُما (٣)
قال الأصمعي: أي إذا حاولت أن تكون حكيمًا (٤).
بمعنى: جُعِلتْ حكيمةً، كقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٥).
وقيل: منعت من الفساد، من قولهم: أحكمتُ الدابةَ، إذا وَضَعْتَ عليها الحَكَمَةَ (٦) لتمنعها من الجماح (٧).
стр. 1783
ويقال أيضًا: حَكَمْتُ السَّفِيه، وأَحْكَمْتُهُ، إذا أخذتَ على يده، قال جرير:
٢٩٦ - أَبَني حنيفةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُم ... إنِّي أَخَافُ عَلَيكُمُ أَنْ أَغْضَبَا (١)
وقوله: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: بينت بالفوائد من دلائل التوحيد والأحكام، والحلال والحرام، وغير ذلك من الأحكام.
وقيل: فصلت جعلت فصولًا سورة سورة، وآية آية (٢)، من فَصَّل القَصَّابُ الشاةَ، إذا عَضَّاها (٣)، أو فرقت في التنزيل، ولم تنزل جملة واحدة (٤).
وقرئ: (ثم فَصَلت) بفتح الفاء والصاد مع تخفيفهما (٥)، بمعنى: صدرت وانفصلت عنه، من قولهم: فصل الأمير عن البلد، إذا سار عنه (٦).
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: صفة ثانية للكتاب كـ ﴿أُحْكِمَتْ﴾، أي: كتاب محكم كائن من عند الله.
والثاني: خبر بعد خبر له.
стр. 1784
والثالث: صلة لـ ﴿أُحْكِمَتْ﴾ و ﴿فُصِّلَتْ﴾ بمعنى: من عنده إحكامها وتفصيلها.
و﴿لَدُنْ﴾ ظرف غير متمكن مبني، وسبب بنائه قلة تمكنه وتصرفه لفظًا ومعنى:
أما اللفظ: فكونه لا يستعمل إلّا مضافًا، ولا يدخل عليه شيء من حروف الجر إلّا (مِن) وحده، ونظيره في قلة التصرف والتمكن مذ ومنذ إذا كانتا اسمين؛ لأنهما لا تكونان إلّا مبتدأين وهو سبب بنائهما.
وأما المعنى: فكونه خارجًا عن نظيره وهو (عند)؛ لأنه مخصوص بملاصقة الشيء وشدة مقاربته، و (عند) ليس كذلك بل هو للقريب وما بَعُد عنه، وبمعنى الملك فاعرفه.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾:
قوله : ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أن ثلاثة أوجه:
أحدها: الناصبة للفعل، وفي محلها ثلاثة أوجه:
أحدها: النصب وفيه وجهان: أحدهما: مفعول له، على معنى: فصّلت لئلا تعبدوا. والثاني: آمركم بألّا تعبدوا، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب، فمحلها النصب لعدم الجار.
والثاني: الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع.
والثالث: الرفع على إضمار: هو ألّا تعبدوا إلّا الله.
والثاني: المفسرة بمعنى أي؛ لأن في تفصيل الآيات معنى القول، ولا تعبدوا نهي، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلّا الله، ولا محل لها من الإِعراب على هذا الوجه.
стр. 1785
والثالث: المخففة من الثقيلة، ومحلها الرفع بمعنى: هو أنه لا تعبدوا إلّا الله.
وقيل التقدير: في الكتاب ألا تعبدوا إلّا الله، فتكون أن في موضع رفع بالابتداء، وفي الكتاب الخبر.
وقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: اللامُ ومِنْ كلاهما من صلة ﴿نَذِيرٌ﴾، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ لله جل ذكره، أي: أنذركم من الله ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم.
ولك أن تجعل ﴿مِنْهُ﴾ في موضع الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿نَذِيرٌ﴾، والأصل: نذير منه، أي: كائن منه، فلما قُدِّمَ نصب على الحال.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾:
قوله : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ عطف على ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ (١)، أي: آمركم بالتوحيد والاستغفار، وما بينهما اعتراض، وهو: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ مجزوم على جواب الأمر، وهو في الحقيقة جواب شرط محذوف، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢).
و﴿مَتَاعًا﴾: اسم واقع موقع المصدر الذي هو التمتيع.
وِقوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: (ويؤت) عطف على ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾، و ﴿فَضْلَهُ﴾ مفعول ثان لـ ﴿وَيُؤْتِ﴾.
стр. 1786
قيل: والمعنى: ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه، أو فضله في الثواب، والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات (١).
وقيل: الضمير في (فضله) لله على: ويعط كل ذي عمل صالح تفضله، أي: ثوابه الجزيل (٢).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: وإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة.
وقرئ: (وإن تُولُوْا) بضم التاء واللام (٣) من وَلَى.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾:
قوله : ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الجمهور على فتح الياء وضم النون، وماضيه ثَنَى، من ثنيت الشيء ثنيًا، إذا عطفته، بمعنى: يطوون صدورَهم ويعطفونها على عداوة رسول الله ﷺ (٤). وقيل: على الكفر (٥). وقيل: على حديث النفس (٦).
أو من ثنيت عِناني، إذا كففته، يقال: جاء ثانيًا من عنانه (٧)، بمعنى: يَزْوَرُّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن مَن أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازْوَرَّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كَشْحَه (٨).
стр. 1787
وقرئ: (يُثْنُون) بضم الياء والنون (١)، وماضيه أثنى، ولم يحكِ أحدٌ من أهل اللغة فيما اطلعت عليه أثنيت الشيء، بمعنى ثنيته، اللهم إلّا أن يحمل على باب أبخلت الرجل وأحمدته، إذا وُجد كذلك، بمعنى: يجدونها منثنية.
وقرئ: (تَثْنَوْنِي) بالتاء والياء مفتوحتين وسكون الثاء ونون مفتوحة وبعدها واو ساكنة بعدها نون مكسورة وبعدها ياء، ورفع الصدور على الفاعلية (٢)، وهو يفعوعل من ثنيت، وهو من أمثلة المبالغة لتكرير العين، كقولهم: أعشَب البلد، فإذا كثر ذلك فيه قيل: اعشوشب.
وقرئ كذلك إلّا أنه بحذف الياء الأخيرة (٣) تخفيفًا لأجل طول الكلمة.
وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بفتح التاء وإسكان الثاء وفتح النون وكسر الواو وبعدها نون مضمومة مشددة ورفع الصدور (٤)، وأصله تثنونِنُ، تَفعَوعِلُ من لفظ الثِنّ ومعناه، والثِنُّ بالكسر: ما هش وضعف من الكلأ، قال:
٢٩٧ - * تَكْفِي اللَّقُوحَ اكْلَةٌ من ثِنِّ (٥) *
стр. 1788
فلزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق، فأسكنت النون الأولى بأن نقلت كسرتها على الواو، وأدغمت النون في النون فبقي (تَثْنَوِنُّ) كما ترى.
والمعنى: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات لضعفه فهو سريع إلى طالبه، وكذلك صدورهم مطاوعة لهم إلى أن يثنوها ليستخفوا من الله جل ذكره.
وقرئ: كذلك إلّا أنه جعل مكان الواو همزة مكسورة (١)، وهي مبدلة من الواو، كما أبدلت في وسادة، ووعاء، فقيل: إسادة وإعاء لانكسارها.
وذهب أبو إسحاق: في قولهم مصائب بالهمز إلى أن أصلها مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء (٢).
وقيل: (تثنئن) تفعال منه، يعني من الثنّ، وأصله: تثنان فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى فانقلبت همزة، كما قيل: أبيأضت وادهأمت، وأصلهما: ابياضت وادهامت (٣).
وقرئ: (يَثْنَوُنَّ) بالياء والنون مفتوحتين بينهما ثاء ساكنة وبعد النون همزة مضمومة بعدها نون مفتوحة مشددة ونصب الصدور (٤).
قال أبو الفتح: وأما (يثنؤُن صدورهم) بالنصب وبالهمزة المضمومة فوهم
стр. 1789
من حاكيه، أو من قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تثنيته (١).
قلت: يحتمل أن يكون من ثنيت، إلّا أنه لما دخلت النون المشددة للتأكيد، وحذفت نون الإعراب للبناء، وحركت الواو بالضم لسكونها وسكون أول النون المشددة، همزت الواو لانضمامها وإن كانت حركتها عارضة إجراء للحركة العارضة مجرى الحركة الأصلية، كما أجريت الألف المزيدة في النسب مجرى الأصلية في القلب، فقيل: دنيوي، كما قيل: مَرمويٌّ، وأجريت الأصلية مجرى المزيدة في الحذف فقيل: موسيّ، كما قيل: دُنِيٌّ وحُبلى، فاعرفه فإنّ فيه أدنى غموض.
وقوله: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ اللام من ﴿يَثْنُونَ﴾، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ لله جل ذكره، وقيل: للنبي ﷺ (٢).
وقيل: اللام من صلة محذوف دل عليه المعنى، أي: ويريدون ليستخفوا منه، ونظير إضمار يريدون لقود المعنى إلى إضماره، الإضمارُ في قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾، أي: فضرب فانفلق (٣).
وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾ في عامل (حين) وجهان:
أحدهما: محذوف، أي: ألا حين يستغشون ثيابهم، ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضًا كراهةً لاستماع كلام الله تعالى، أي: يلبسونها ويتغطون بها، يقال: استغشى بثوبه وتغشى، أي: تغطى به.
والثاني: ﴿يَعْلَمُ﴾.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾:
стр. 1790
قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قد مضى الكلام على إعراب هذه الآية في سورة الأنعام (١).
﴿عَلَى﴾ هنا فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: على بابها - وهو الوجه - قيل: وإنما قال: ﴿عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ بلفظ الوجوب، وهو تفضل منه؛ لأنه لما تكفل برزق العباد، وضمن أن يتفضل به عليهم رجع التفضل واجبًا كنذور العباد (٢).
والثاني: بمعنى مِن، أي: من الله رزقها (٣).
والثالث: بمعنى إلى، أي: إلى الله رزقها إن شاء وسعه، وإن شاء ضيقه (٤).
قال أبو إسحاق: الدابة: اسم لكل حيوان مميز وغيبره بني على هاء التأنيث، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذَكَرًا كان أو أنثى (٥).
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ قيل: المستقر مكانه من الأرض ومسكنه، والمستودع حيث كان مُودعًا قبل الاستقرار من صُلْب أو رَحْم أو بيضةٍ (٦). وهما على هذا مكانان، ويحتمل أن يكونا مصدرين بمعنى الاستقرار والاستيداع.
وقوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ﴾ أي: كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح المحفوظ. والمعنى: أن ذلك ثابت في علم الله تعالى لا يعزب عنه شئ.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى