← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قيل: والمعنى: ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه، أو فضله في الثواب، والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات (١). وقيل: الضمير في (فضله) لله على: ويعط كل ذي عمل صالح تفضله، أي: ثوابه الجزيل (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: وإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المثلين في صدر الكلمة. وقرئ: (وإن تُولُوْا) بضم التاء واللام (٣) من وَلَى. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾: قوله : ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الجمهور على فتح الياء وضم النون، وماضيه ثَنَى، من ثنيت الشيء ثنيًا، إذا عطفته، بمعنى: يطوون صدورَهم ويعطفونها على عداوة رسول الله ﷺ (٤). وقيل: على الكفر (٥). وقيل: على حديث النفس (٦). أو من ثنيت عِناني، إذا كففته، يقال: جاء ثانيًا من عنانه (٧)، بمعنى: يَزْوَرُّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن مَن أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازْوَرَّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كَشْحَه (٨).

стр. 1787

وقرئ: (يُثْنُون) بضم الياء والنون (١)، وماضيه أثنى، ولم يحكِ أحدٌ من أهل اللغة فيما اطلعت عليه أثنيت الشيء، بمعنى ثنيته، اللهم إلّا أن يحمل على باب أبخلت الرجل وأحمدته، إذا وُجد كذلك، بمعنى: يجدونها منثنية. وقرئ: (تَثْنَوْنِي) بالتاء والياء مفتوحتين وسكون الثاء ونون مفتوحة وبعدها واو ساكنة بعدها نون مكسورة وبعدها ياء، ورفع الصدور على الفاعلية (٢)، وهو يفعوعل من ثنيت، وهو من أمثلة المبالغة لتكرير العين، كقولهم: أعشَب البلد، فإذا كثر ذلك فيه قيل: اعشوشب. وقرئ كذلك إلّا أنه بحذف الياء الأخيرة (٣) تخفيفًا لأجل طول الكلمة. وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بفتح التاء وإسكان الثاء وفتح النون وكسر الواو وبعدها نون مضمومة مشددة ورفع الصدور (٤)، وأصله تثنونِنُ، تَفعَوعِلُ من لفظ الثِنّ ومعناه، والثِنُّ بالكسر: ما هش وضعف من الكلأ، قال: ٢٩٧ - * تَكْفِي اللَّقُوحَ اكْلَةٌ من ثِنِّ (٥) *

стр. 1788

فلزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق، فأسكنت النون الأولى بأن نقلت كسرتها على الواو، وأدغمت النون في النون فبقي (تَثْنَوِنُّ) كما ترى. والمعنى: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات لضعفه فهو سريع إلى طالبه، وكذلك صدورهم مطاوعة لهم إلى أن يثنوها ليستخفوا من الله جل ذكره. وقرئ: كذلك إلّا أنه جعل مكان الواو همزة مكسورة (١)، وهي مبدلة من الواو، كما أبدلت في وسادة، ووعاء، فقيل: إسادة وإعاء لانكسارها. وذهب أبو إسحاق: في قولهم مصائب بالهمز إلى أن أصلها مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء (٢). وقيل: (تثنئن) تفعال منه، يعني من الثنّ، وأصله: تثنان فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى فانقلبت همزة، كما قيل: أبيأضت وادهأمت، وأصلهما: ابياضت وادهامت (٣). وقرئ: (يَثْنَوُنَّ) بالياء والنون مفتوحتين بينهما ثاء ساكنة وبعد النون همزة مضمومة بعدها نون مفتوحة مشددة ونصب الصدور (٤). قال أبو الفتح: وأما (يثنؤُن صدورهم) بالنصب وبالهمزة المضمومة فوهم

стр. 1789

من حاكيه، أو من قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تثنيته (١). قلت: يحتمل أن يكون من ثنيت، إلّا أنه لما دخلت النون المشددة للتأكيد، وحذفت نون الإعراب للبناء، وحركت الواو بالضم لسكونها وسكون أول النون المشددة، همزت الواو لانضمامها وإن كانت حركتها عارضة إجراء للحركة العارضة مجرى الحركة الأصلية، كما أجريت الألف المزيدة في النسب مجرى الأصلية في القلب، فقيل: دنيوي، كما قيل: مَرمويٌّ، وأجريت الأصلية مجرى المزيدة في الحذف فقيل: موسيّ، كما قيل: دُنِيٌّ وحُبلى، فاعرفه فإنّ فيه أدنى غموض. وقوله: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ اللام من ﴿يَثْنُونَ﴾، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ لله جل ذكره، وقيل: للنبي ﷺ (٢). وقيل: اللام من صلة محذوف دل عليه المعنى، أي: ويريدون ليستخفوا منه، ونظير إضمار يريدون لقود المعنى إلى إضماره، الإضمارُ في قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾، أي: فضرب فانفلق (٣). وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾ في عامل (حين) وجهان: أحدهما: محذوف، أي: ألا حين يستغشون ثيابهم، ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضًا كراهةً لاستماع كلام الله تعالى، أي: يلبسونها ويتغطون بها، يقال: استغشى بثوبه وتغشى، أي: تغطى به. والثاني: ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾:

стр. 1790

قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قد مضى الكلام على إعراب هذه الآية في سورة الأنعام (١). ﴿عَلَى﴾ هنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على بابها - وهو الوجه - قيل: وإنما قال: ﴿عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ بلفظ الوجوب، وهو تفضل منه؛ لأنه لما تكفل برزق العباد، وضمن أن يتفضل به عليهم رجع التفضل واجبًا كنذور العباد (٢). والثاني: بمعنى مِن، أي: من الله رزقها (٣). والثالث: بمعنى إلى، أي: إلى الله رزقها إن شاء وسعه، وإن شاء ضيقه (٤). قال أبو إسحاق: الدابة: اسم لكل حيوان مميز وغيبره بني على هاء التأنيث، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذَكَرًا كان أو أنثى (٥). وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ قيل: المستقر مكانه من الأرض ومسكنه، والمستودع حيث كان مُودعًا قبل الاستقرار من صُلْب أو رَحْم أو بيضةٍ (٦). وهما على هذا مكانان، ويحتمل أن يكونا مصدرين بمعنى الاستقرار والاستيداع. وقوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ﴾ أي: كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح المحفوظ. والمعنى: أن ذلك ثابت في علم الله تعالى لا يعزب عنه شئ. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى

стр. 1791

الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾: قوله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ من صلة ﴿خَلَقَ﴾. قال أهل التأويل: والمعنى: خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه (١). ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، يريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون؟ وانتصاب قوله: ﴿عَمَلًا﴾ على التمييز. وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ اللام في (لئن) لام لتوطئة القسم، والقسم محذوف، وليست للقسم كما زعم بعضهم، و (إن) للشرط، و ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسم، وقد سد أيضًا [مسد] جواب الشرط، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢). ونظيره: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾ (٣)، وجواب القسم ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾. والجمهور على كسر الهمزة في قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ لأنها بعد القول، وحكى صاحب الكتاب ﵀ فتحها (٤)، على تضمين ﴿قُلْتَ﴾ معنى ذكرت، كما يضمن ذكرت معنى قلت. فإن قلت: لم فُتِحَت اللام في الفعل الأول في قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وضُمن في الثاني في قوله ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ (٥)؟ .

стр. 1792

قلت: لأن الأول فعل متقدم على الفاعل خال عن الذكر، والثاني متأخر عنه فيه ذكر، والفاعل جمع، فاعرفه وقس عليه ما يَرِدُ عليك في الكتاب العزيز. ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾ ما: استفهام في موضع رفع بالابتداء و (يحبسه) الخبر، يعني: أي شيء يحبس العذاب عنا؛ أي: يمنعه من النزول، استعجالًا له على وجه التكذيب والاستهزاء. وقوله: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ يوم: منصوب بخبر (ليس) وهو (مصروفًا) وظرف له، وهذا يعضد قول من جوز تقديم خبر ليس على ليس، وذلك أنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها، كان ذلك دليلًا على جواز تقديم خبرها، إذ المعمول تابع للعامل، فلا يقع إِلّا حيث يقع، وقد مضى الكلام على هذا في البقرة عند قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بأشبع من هذا (١)، واسم ليس مضمر فيها، والمعنى ليس العذاب مصروفًا عنهم في ذلك اليوم. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾: قوله : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الإنسان للجنس، بشهادة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ (٢) على قول من جعلها متصلًا، والمستثنى منه الإنسان (٣)، ومن قال: المراد بالإنسان الوليد بن المغيرة، كان الاستثناء عنده

стр. 1793

منقطعًا بمعنى: ولكن الذين صبروا، وهم أصحاب رسول الله ﷺ على ما فسر (١) و (الذين) في كلا التقديرين في موضع نصب. ﴿رَحْمَةً﴾: نعمة، من صِحَّةٍ وأَمْنٍ وَجِدَةٍ. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾: ثم سلبناه تلك النعمة. ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، يقال: يئس من كذا ييئس يأسًا فهو يائس ويؤوس على التكثير، وفيه لغة أخرى يئِس ييئِس بالكسر فيهما: إذا قنط. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾: قوله : ﴿نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ﴾ الضعفاء والضراء مصدران بمنزلة المسرة والمضرة، وهما لا ينصرفان، لأن الهمزة فيهما منقلبة عن ألف التأنيث، وفيه كلام وتفصيل لا يليق ذكر ذلك هنا. والنعماء: النعمة، والضراء: الفقر المضر بالبدن لعدم المال و ﴿مَسَّتْهُ﴾: أصابته. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أشِر بطِرٌ، والجمهور على كسر الراء، وقرئ: بضمها (٢). قيل: وهما لغتان، كيقِظ ويقُظ، وحذِر وحذُر. ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل الكسرة والضمة.

стр. 1794

﴿فَخُورٌ﴾: على الناس بما إذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر، والفَرَحُ إذا كان بمعنى البطر فهو مذموم. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ [هود: ١٢]: قوله : ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (بعض) نصب بـ ﴿تَارِكٌ﴾، و (ضائق) عطف على ﴿تَارِكٌ﴾. وصُرف عن ضيق إلى ضائق لوجهين: أحدهما: ليدل على أنه ضِيق عارض غير لازم؛ لأن رسول الله ﷺ كان أفسح الناس صدرًا (١). والثاني: ليشاكل تاركًا، إذ التشاكل في كلام القوم مطلوب (٢). و﴿صَدْرُكَ﴾ مرفوع بـ (ضائق)؛ لأنه قد اعتمد على ما قبله، وقيل: ﴿صَدْرُكَ﴾ مرفوع بالابتداء و (ضائق) خبره (٣). والضمير في ﴿بِهِ﴾ للبعض، أو لـ ﴿مَا﴾، أو للتبليغ، أو للتكذيب (٤)، أي: ضائق صدرك بتكذيبهم إياك، ويدل عليه ما بعده. وقيل: هو مضمر (٥) مجهول يفسره ما بعده، والتقدير على هذا التقدير: وضائق صدرك بأن يقولوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾. وعلى الأوجه المذكورة مفعول له، والمعنى: لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم

стр. 1795

مخافة ردهم له وتهاونهم به، وضائق صدرك بأن تتلوه عليهم. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ مخافة أن يقولوا: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة (١). ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾: قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (أم): منقطعة، والضمير في ﴿افْتَرَاهُ﴾ للمُوحَى، أي: بل أيقولون: اختلقه محمد ﷺ . وأتى به من جهة نفسه. وقوله: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (مثله) صفة للسور على سبيل الانفصال، لأن مثلًا لا يتعرف وإن أضيف إلى المعرفة لتوغله في الإبهام، وهو هنا بمعنى أمثاله، ذهابًا إلى مماثلة كل واحدة منها له. ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: صفة لعشر سور. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾: قوله : ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ في موضع الحال من المستكن في ﴿أُنْزِلَ﴾ بمعنى: أنزل ملتبسًا بما لا يعلمه إلّا الله من نظم معجز للناس، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه. ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أن: مخففة من الثقيلة، أي: واعلموا عند ذلك أنه لا إله إلّا الله وحده. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾:

стр. 1796

قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ (مَن) شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿نُوَفِّ﴾ جواب الشرط. وقرئ: (نُوفي) بالتخفيف وإثبات الياء (١)؛ لأن الشرط وقع ماضيًا، وإذا كان الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا يجوز الجزم والرفع: أما الجزم: فعلى الظاهر لأجل أن الأصل أن تجزم، وإنما لم تجزم الشرط، لامتناع الجزم في الماضي. وأما الرفع: فلأجل أن الجزاء تابع للشرط، فلما لم يظهر الجزم في الشرط حيث كان ماضيًا حمل الجواب عليه، فلم يجزم، وترك على أول أحواله وهو الرفع، فهو موفوع في اللفظ مجزوم في المعنى، وقد ذكر في "آل عمران" عند قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ (٢)، وعليه أُنشد قول زهير: ٢٩٨ - وإن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (٣) والتوفية والإيفاء بمعنى. وقرئ أيضًا: (يُوفِّ) بالياء النقط من تحته (٤) على أن الفعل لله جل ذكره، وفي الكلام حذف. والمعنى: نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق على ما فسر (٥). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾:

стр. 1797

قوله : ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، و ﴿فِيهَا﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بحبط، والضمير فيها للآخرة، وأن يكون متعلقًا بصنعوا والضمير للدنيا. والمعنى: وحبط في الآخرة ما صنعوا في الدنيا، أو صنيعهم، يعني لم يكن له ثواب؛ لأنهم لم يريدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا، وقد وُفِّي إليهم ما أرادوا، أو حبط في الآخرة ما صنعوا فيها، أي: في الدنيا، على ما ذكرت آنفًا من التعلق. وقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما: موصولة، أي: ما كانوا يعملونه في الدنيا، أو مصدرية، أي: عملهم. والمعنى: كان عملهم في نفسه باطلًا؛ لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. وقرئ: (وبَطَلَ) على الفعل (١)، لقوله: ﴿وَحَبِطَ﴾، و: (باطلًا) بالنصب (٢) على أن ﴿مَا﴾ صلة جيء بها للتأكيد، و (باطلًا) منصوب بيعملون، أي: وباطلًا كانوا يعملون، وفي هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها كقولك: قائمًا كان زيد، ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، وباطلًا منصوب بيعملون، فالموضع إذًا ليعملون، لوقوع معموله متقدمًا، فكأنه قال: ويعملون باطلًا كانوا. ومثله قول الله : ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٣)، استدل الشيخ أبو علي بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها لأن (إياكم) معمول (يعبدون)، وهو خبر كان، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع

стр. 1798

العامل على ما ذكرت فيما سلف من الكتاب (١). ولا يجوز أن يقع المعمول حيث لا يقع العامل، لأجل أن المعمول تابع للعامل، فلا يكون له تصرف لا يكون لعامله، وأجمل أحواله أن يقع في موقعه، فأما أن يفوقه في التصرف والوقوع حيث لا يقع هو فلا، وقد ذكر في "البقرة" (٢). وعلى نحو ذلك ما استدل الشيخ أبو علي ﵀ على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ (٣): ٢٩٩ - كِلا يَوْمَيْ طُوَالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ... ظَنُونٌ آنَ مُطَّرَحُ الظنونِ (٤) فقال: كِلا: ظرف لقوله: ظنون، وظنون خبر المبتدأ الذي هو وصل أروى، فدل هذا على جواز تقديم ظنون على وصل أروى، كأنه قال: ظنون في كلا هذين اليومين وصل أروى أي: هو مُتّهم فيهما كليهما، فاعرفه فإنه أصل من الأصول (٥). ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ

стр. 1799

فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾: قوله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الهمزة للاستفهام، والفاء جواب ما أخبر به عن مريدي الحياة الدنيا. و(مَن) موصول في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: أفمن كان على بينة من ربه مع ما ذكر من الأوصاف، كمن هو خال منها، لا وربّ الكعبة إن بينهما تفاوتًا بعيدًا، وتباينًا بَيِّنًا. والمراد به النبيّ ﷺ في قول الجمهور، والضمير في ﴿رَبِّهِ﴾ له (١). وقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ اختُلِف في الشاهد: فقيل: جبريل ﵇ وهو التالي، إمّا من التلو بمعنى: يتبعه ويؤيده، أو من التلاوة بمعنى: يقرأ عليه شاهد منه، أي من الله جل ذكره يشهد له بالصدق. فالضمير في (يتلوه) المفعول لـ (من)، وهو النبيّ ﷺ ، وفي ﴿مِنْهُ﴾ لله . وقيل: الشاهد لسان رسول الله ﷺ وهو التالي، وهو من التلاوة، بمعنى: ويقرأ القرآن شاهد منه، أي من النبي ﷺ . وقيل: الشاهد الإنجيل، فالضمير في (يتلوه) على هذا للقرآن، وفي ﴿مِنْهُ﴾ لله عز وعلا، بمعنى: يتبع القرآن بالتصديق. وقيل: الشاهد القرآن، فالضمير في (يتلوه) على هذا للبينة، وفي ﴿مِنْهُ﴾ لله تعالى، بمعنى: يتبع ذلك البرهان شاهد من الله يشهد بصحته. وقيل: غير ذلك، والله تعالى أعلم بكتابه (٢).

стр. 1800

وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ الجمهور على رفع ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾، وفي رفعه وجهان: أحدهما: معطوف على الشاهد، بمعنى: ويتلو ذلك أيضًا من قبل النبيّ ﷺ ، أو من قبل القرآن، أو من قبل الإنجيل كتاب موسى. والثاني: مرفوع بالابتداء على رأي صاحب الكتاب، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، على أن الكلام قد تَمَّ عند قوله: ﴿مِنْهُ﴾. و﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾: حالان من الكتاب إن رفعته بالعطف على الشاهد، أو بالظرف أو من المنوي في الظرف إن رفعته بالابتداء. وقرئ: (كتابَ موسى) بالنصب (١)، على أنه معطوف على الهاء في (يتلوه)، على معنى: ويقرأ كتابَ موسى على موسى جبريل ﵇ كذا روي عن ابن عباس ﵄ قال: المعنى ومن قبله تلا جبريل كتابَ موسى على موسى (٢). قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، وقيل: بمحمد ﷺ (٣). واختلف في ﴿أُولَئِكَ﴾ فقيل: هم أصحاب موسى ﵇، وقيل: أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: يعني من كان على بيّنة (٤). وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن، وقيل: بالنبيّ ﵊ (٥). وقوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الجمهور على كسر (مِرية)، وقرئ: (مُرية)

стр. 1801

بالضم (١)، وكلاهما لغتان بمعنىً واحد وهو الشك. والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للقرآن، وقيل: للموعد (٢). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ الأشهاد: جمع شاهد، كأنصار وأصحاب في جمع ناصر وصاحب، أو شهيد، كأشراف في جمع شريف. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) ولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ فعل مستأنف والوقف على ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ تام. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ (ما): هنا تحتمل أن تكون نافية، أي: لفرط تصامِّهم عن استماع الحقِّ وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون السمع، كما تقول: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان، إذا كان يثقل عليه ذلك لشدَّة بغضه له: وأن تكون مصدرية، أي: يضاعف لهم العذاب بسبب كون استطاعتهم السمع.

стр. 1802

وأن تكون ظرفية بمعنى مدة دوام ذلك، أو وقت دوام ذلك، أي: مدة أو وقت استطاعتهم السمع والإبصار، وجاء في التفسير: أن الله تعالى يجعلهم في جَهَنَّم مستطيعي ذلك أبدًا (١). ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ عطف عليها، وحكمها في الأوجه حكمها. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ جرم: مبني مع لا على الفتح، واختلف في معناه، فقيل: لا بد ولا محالة، وقيل: لا حَقَّ (٢)، فهو اسم على هذا مبني مع لا في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿أَنَّهُمْ﴾. ويجوز على قول من قال معناه حق: أن يكون في موضع رفع على أنه فاعل حقٍّ بمعنى: حقٌّ خسرانهم. وقال أبو إسحاق: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، وهو ما أصروا عليه، وأصل معنى جرم: كسب، من قولهم: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، فكأن المعنى عنده لا ينفعهم ذلك، ثم ابتدأ فقال: جرم أنهم في الآخرة لهم الأخسرون، فجرم على قوله فعل ماض معناه كسب، وفاعله مستكن فيه، وأَنَّ في موضع نصب والتقدير: جرم ذلك الفعل لهم الخسران في الآخرة (٣). وقيل: أَنَّ: في موضع نصب لعدم الجار (٤)، أو جر على إرادته، إذ التقدير والمعنى: لا محالة في خسرانهم (٥).

стр. 1803

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: واطمأنوا إليه، وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، من الخَبْت، وهي الأرض المطمئنة. والإخبات: الخشوع، يقال: أَخْبَت لله، وفيه خَبْتَةٌ، أي: تواضع. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ رفع بالابتداء، والخبر ﴿كَالْأَعْمَى﴾، أي: كمثل الأعمى، قاله أبو الحسن (١). شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، والتقدير: مثل الفريق الكافر كمثل الأعمى والأصم، ومثل الفريق المؤمن كمثل السميع والبصير. وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾: يعني الفريقين، ﴿مَثَلًا﴾ أي: في المثل، يعني في الشبه، وانتصابه على التمييز. والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يستويان. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ قرئ بكسر الهمزة (٢) على إرادة القول، أي: أرسلناه إليهم فقال لهم: إني. وقرئ: بفتحها (٣) على إرادة الجار وهو الباء، أي: أرسلناه بأني لكم نذير، ومعناه: أرسلنَاه ملتبسًا بهذا الكلام، وهو قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بالكسر، فلما اتصل به الجار فتح، كما فتح

стр. 1804

في كأن، والمعنى على الكسر، وهو قولك إنَّ زيدًا كالأسد، قاله: الزمخشري (١). وكان القياس: بأنه لهم؛ لأن نوحًا اسم للغيبة، فالراجع إليه ينبغي أن يكون على لفظ الغيبة دون لفظ الخطاب، ولكنه على الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ونظيره قوله : ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ (٢)، ثم قال: ﴿فَخُذْهَا﴾، فخرج من الغيبة إلى الخطاب كما ترى، ونحو هذا كثير شائع في كلام القوم نثرهم ونظمهم. فإن قلت: لم سمي نوحًا؟ قلت: قيل: لأنه كان ينوح على نفسه (٣). وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بدل من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾، أي: أرسلناه بألا تعبدوا إلّا الله، وقد جوز أن تكون مفسرة متعلقة بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، أو بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ (٤)، وقد مضى الكلام على نظيرها في أول السورة بأشبع من هذا (٥). وقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وُصفَ اليوم بأليم لوقوع الألم فيه، ونظيره قولهم: نهارك صائم، وليلك نائم، لوقوع الصوم والنوم فيهما (٦). والمعنى: عذاب يوم مؤلم، أي موجع. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾:

стр. 1805

قوله : ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ (بشرًا) مفعول ثان؛ لأن الرؤية من رؤية القلب، وقال أبو جعفر: ﴿بَشَرًا﴾، منصوب على الحال (١). وقوله: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ الجملة في موضع المفعول الثاني، وعلى قول أبي جعفر تكون في موضع الحال و (قد) تكون مرادة معها. و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع فاعل ﴿اتَّبَعَكَ﴾. والأراذل: يحتمل أن يكون جمع الأرذَل - بفتح الذال - كالأكبر والأكابر، والأحسن والأحاسن، والأسوأ والأساوئ، وفي التنزيل: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (٢). وفي الحديث: "أحاسنكم أخلاقًا الموطِّئُون أكنافًا، أساوئكم أخلاقًا الثرثارون المتفيقهون" (٣). وأن يكون جمع الأرذُل - بضم الذال - والأرذُل جمع رَذْلٍ، فيكون جمع الجمع كَكَلْبٍ وأَكْلُبٍ وأكالبٍ. وقيل: الأراذل جمع أرذال، وأرذال جمع رذل (٤)، وليس بالمتين؛ لأن فَعْلًا إذا كان ساكن العين صحيحًا لا يجمع على أفعال في الأمر العام. والأراذل: الأَخِسّاء.

стр. 1806

وقوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرئ: (بادئ) بهمزة بعد الدال (١)، وهو من بدأ يبدأ بدءًا فهو بادئ، إذا ابتدأ في الشيء وفَعَلَه أولًا. وقرئ: (بادىَ) بياء مفتوحة بعد الدال (٢)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون من بدأ، وخففت الهمزة على مذاق العربية. والثاني: أن يكون من بدا يبدو فهو بادٍ، إذا ظهر. وانتصابه أو انتصابهما على الظرف لأن (في) مقدرةٌ فيهما. وجاز أن يأتي الظرف على فاعل، كما أتى على فَعيل نحو: قريب وبعيد، لأن فاعلًا وفعيلًا يتعاقبان كثيرًا، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، وراحم ورحيم وما أشبه ذلك. والعامل في هذا الظرف أحد الشيئين: إمَّا ﴿اتَّبَعَكَ﴾، أي: اتبعك الأراذل في أول رأيهم، أو فيما ظهر منه، بمعنى: أن اتباعهم لك إنَّما هو شيء عَنَّ لهم بديهة من غير رويَّة ونظر. وإما ﴿نَرَاكَ﴾، أي: ما نراك في أول رأينا - أو فيما ظهر منه - اتبعك إلّا أراذلنا، ثم أخر الظرف وأوقع بعد إلّا. ولو كان بدل الظرف غيره من المفاعيل لم يجز بإجماعٍ من النحاة، كقولك: ما أعطيت أحدًا إلّا زيدًا دينارًا؛ لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء لا يصل بإلّا إلى مفعولين، وإنما يصل إلى مفعول واحد كغيره من الحروف، نحو: الباء في مررت بزيد، والواو في باب المفعول معه، ألا ترى أنك لو قلت: مررت بزيد عمرو، فتوصل الفعل إليهما بحرف واحد لم يجز، وكذلك لو قلت: استوى الماء والخشبة الحائط، فتنصبهما بواو

стр. 1807

واحدة، لم يجز إلّا أن تأتي في جميع ذلك بواو العطف، فكذلك المستثنى إذا لحقته إلّا لم يجز أن تتبعه اسمًا آخر؛ لأن (إلّا) تُعَدِّي الفعل، ولا تعديه إلّا إلى واحد كالمذكورين آنفًا وهما الباء والواو. وجاز ذلك في الظرف لأن الظروف قد اتسع فيها ما لا يتسع في المفاعيل، ألا ترى أنهم قد قالوا: كم في الدار رجلًا، ففصلوا بينهما في الكلام، وقالوا: إن بالزعفران ثوبك مصبوغ. ولو قلت: إن زيدًا عمرًا ضاربٌ، تريد: إن عمرًا ضاربٌ زيدًا لم يجز، وفي المسائل كثرة، وفيما ذكرت فيه كفاية لمن كان له قلب ويعرف العربية (١). وقيل: انتصابه على المصدر لإضافته إلى المصدر، كقولك: ضربته أولى الضرب (٢). وقيل: على الحال من الكاف في ﴿اتَّبَعَكَ﴾ بمعنى: اتبعوك ظاهرًا أو بادئًا رؤيتك لهم (٣). والوجه هو الأول، وهو أن يكون منصوبًا على الظرف على ما أوضحت قبيل، أو على أن يكون أصله وقت حدوث أولى رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، وعليه الأكابر كأبي علي وغيره (٤). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾:

стр. 1808

قوله : ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ (من عنده) من صلة (أتاني)، ولك أن تجعله صفة لرحمة. وقوله: (فَعَمِيَتْ) (١) الفاء جواب الشرط، ومعنى عَمِيَتْ: خفيت، والمنوي فيه للرحمة، أي: خفيت عليكم نبوتي؛ لأن الله تعالى منعكم عِلْمَها، وحَرَمَكُم التوفيق لعرفانها وفهمها، لما أصررتم عليه من العناد والكفر. وقد جوز الشيخ أبو علي ﵀ أن يكون من المقلوب، أي: عميتم عنها؛ لأن الرحمة لا تعمى وإنَّما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وما أشبه هذا مما يقلب إذا لم يكن فيه لبس (٢). وقرئ: (فعُمِّيت) بضم العين وتشديد الميم (٣)، بمعنى أُخْفِيَتْ عليكم عقوبة لكم، أي: عماها الله عليكم، ويعضد هذه القراءة قراءة من قرأ: (فعمَّاها عليكم) وهما أُبي ﵁ والأعمش (٤). قال أهل التأويل: وحقيقة هذا أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء؛ لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدِي غيره، والمعنى: فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد (٥). وقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ الهمزة للاستفهام ومعناه النفي، أي: لا نلزمكم

стр. 1809

قبولها، لكراهتكم لها، وماضيه ألزمت، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: ألزمت فلانًا كذا، فالكاف والميم مفعول أول، ودخلت الواو تتمة للميم، وهو الأصل في ميم الجمع، وإنما تحذف تخفيفًا وللعلم بها. والهاء والألف مفعول ثان، وجيء بهما متصلين جميعًا، ويجوز أن يكون الثاني منفصلًا، كقولك: أنلزمكم إياها، ونحوه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ (١)، ويجوز: فسيكفيك إياهم. وفي ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ثلاثة ضمائر: ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير الغائب، وهي على ترتيب ما يجب لها، المتكلم أول؛ لأنه أخص بالفعل، ثم المخاطب، ثم الغائب (٢). وقرئ: بإسكان الميم الأولى (٣) هربًا من توالي الحركات، والحركة الإعرابية لا يجوز طرحها عند صاحب الكتاب وشيخه الخليل وموافقيهما في حال السعة والاختيار، وأجازه غيرهم (٤). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ الواو للحال، و ﴿لَهَا﴾ من صلة ﴿كَارِهُونَ﴾ وجيء باللام وإن كان الفعل متعديًا بنفسه لتقدم المفعول، كقولك: لزيد ضربت، وقوله تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٥). ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ

стр. 1810

الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للتبليغ، دل عليه ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١). وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجمهور على ترك التنوين في ﴿بِطَارِدِ﴾ تخفيفًا، وقرئ: بالتنوين (٢) على الأصل. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ كسرت ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ لأنها مستأنفة، ويجوز فتحها في الكلام بمعنى لأنهم، على صريح التعليل، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به؛ لأنه لم يثبت به رواية. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾: قوله : ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، والتقدير: ولا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أقول أنا أعلم الغيب. وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ عطف أيضًا، أي: لا أقول ذلك حتى تقولوا لي ما أنت إلّا بشر مثلنا. وقوله: ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ تفتعل من الزراية، يقال: زرى عليه يزري زرايةً، إذا عابه وأنكر عليه فعله، وأزرى به يزري إزراء، إذا قصَّر به، وازدرته عينه، إذا احتقرته، أي: تحتقرهم وتستصغرهم عيونكم.

стр. 1811

وأصله: تزتري، والدال بدل من التاء؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، وهما ضدان، والضدان لا يجتمعان، فلما كان كذلك أبدل منها الدال؛ لأنها مجهورة لتؤاخي الزاي في الجهر، والتاء في المخرج. ومفعوله محذوف، أي: تزدريهم أعينكم. ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ﴾ قيل: معناه: أردت جدالنا وشرعت (١) فيه فأكثرته. وقرئ: (فأكثرت جَدَلنا) (٢). قال أبو الفتح: هو اسم بمعنى الجدال والمجادلة، وأصل (ج د ل) في الكلام للقوة (٣). ومعناه: القدرة على الخصم بالقوة، ومنه الجدل وهو شدة الفتل، ومنه قيل للصقر أَجدَلُ؛ لأنه من أشد الطير، والجدال والمجادلة كلاهما مصدر جادلت. ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾: قوله : ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هذا على التقديم والتأخير، أي: إن أراد الله إغواءكم لم ينفعكم نصحي. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾:

стр. 1812

قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون؟ وقوله: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ الفاء جواب الشرط. والجمهور على كسر همزة ﴿إِجْرَامِي﴾، والإجرام: مصدر قولك: أجرم فلان يجرم إجرامًا، إذا جنى وكسب سيئة، والمعنى: إن صح وثبت أني اختلقته فعليَّ وبال إجرامي. وقرئ: (أجرامي) بفتحها (١)، وهو جمعُ جُرم، كقفل وأقفال، وجَرَمَ بمعنى أجرم، لُغَيَّةٌ، وأنشد: ٣٠٠ - طَرِيدُ عَشيرةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ ... بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَاني (٢) ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾: قوله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ﴾ أن ما اتصل بها في موضع رفع بـ (أوحي)، ولذلك فتحت. والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والحديث. وقرئ: (إنه) بكسر الهمزة (٣) على تقدير: قيل إنه، وأوحي على هذا مسند إلى ﴿نُوحٍ﴾ ﵇. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ مَن: موصول ومحله رفع؛ لأنه فاعل ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ وهو من غير جنسٍ في المعنى. والمعنى: إلّا من وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، و (قد) للتوقع.

стр. 1813

وقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا﴾ (تبتئس) تفتعل من البؤس وهو الحزن مع استكانة، و (ما) موصولة. وقيل: إنه لما دعا عليهم حزن واغتم، فقيل له: لا تبتئس بما كانوا يفعلون، أي: دع بسبب ما كانوا يفعلونه من الكفر الحزنَ عليهم، فإنهم كفرة فلا تحزن لهلاكهم. ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (بأعيننا) في موضع الحال من المنوي في (اصنع)، أي: اصنعها محفوظًا. قيل: وحقيقته ملتبسًا بأعيننا، كأن لله معه أعينًا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وألّا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه (١). ﴿وَوَحْيِنَا﴾ عطف على ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بما أوحينا إليك من صفتها، لأنه لم يعلم كيف صَنْعَتُها؟ فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، عن ابن عباس ﵄ (٢). ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾: قوله : ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ (كلما) ظرف لـ ﴿سَخِرُوا﴾، و ﴿قَالَ﴾ استئنتاف على تقدير سؤال سائل. وقد جوز أن يكون ﴿سَخِرُوا﴾ بدلًا من ﴿مَرَّ﴾، أو صفة لـ ﴿مَلَأٌ﴾، و ﴿قَالَ﴾ عاملًا في (كلما). وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال ماضية.

стр. 1814

وقوله: ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ محل الكاف نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي: سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، يقال: سَخِرْت منه أَسْخَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر سَخَرًا وسُخْرًا وسخْرية وسُخْريًا ومَسْخَرًا بمعنى. وعن أبي زيد: سَخِرتُ به. قال الجوهري: وهو أردأ اللغتين (١). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾: قوله : ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ من: تحتمل أن تكون موصولة، ومهما النصب بتعلمون، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يفضحه ويهلكه، ويعني به إياهم. وأن تكون استفهامية، فيكون محلها الرفع بالابتداء، والخبر ﴿يَأْتِيهِ﴾. وقوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أي: ويجب عليه، يقال: حل العذاب يحِلّ - بالكسر - أي: وجب، ويحُلّ - بالضم - أي: نزل، وبهما قُرِئ قوله : ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (٢). ﴿مُقِيمٌ﴾: دائم، وهو عذاب الآخرة، والأول عذاب الدنيا، وهو الغرق على ما فسر (٣). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في (حتى) وجهان: أحدهما: أنها غاية لقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ (٤)، بمعنى: وكان يصنعها

стр. 1815

إلى أن جاء وقت الموعد، وما بينهما حال من (يصنع)، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه. والثاني: أنها غاية لقوله: ﴿قُلْنَا﴾، بمعنى: لَمَّا جاء أمرنا بنزول العذاب وفار التنور الذي جعلناه علامة لمجيء العذاب، قلنا لنوح احمل في السفينة. وقوله: (من كُلِّ زوجين اثنين) قرئ: بترك التنوين في (كلِّ) (١) على الإضافة على تقدير: احمل فيها اثنين من كل زوجين، فـ ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول ﴿احْمِلْ﴾، و ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ صفة له، فلما قُدِّم عليه نصب على الحال. قال الشيخ أبو علي: ويجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون الجار والمجرور في موضع نصب، وتكون (من) زائدة في الإيجاب، كما تكون زائدة في غير الإيجاب (٢). يعني أن مفعول ﴿احْمِلْ﴾: ﴿كُلٍّ﴾، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيد لـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾. وقرئ: بالتنوين في (كلٍّ) (٣) على أن مفعول ﴿احْمِلْ﴾: ﴿زَوْجَيْنِ﴾، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والتقدير: احمل فيها زوجين اثنين من كل شيء، ثم حذف المضاف إليه ونَوّن، كما حذف وَنَوّن في قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٤). و(أَهْلَكَ): عطف على مفعول احمل، وهو ﴿اثْنَيْنِ﴾، أو ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾، أو ﴿زَوْجَيْنِ﴾ على ما ذكر آنفًا. وكذلك ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾: عطف على أحد المذكورات، أي: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم.

стр. 1816

وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (مَن) في موضع نصب على الاستثناء من الأهل، وهو متصل، استثنى سبحانه مِن أهله مَن سبق عليه القول أنه مِن أهل الهلاك. وَمِنْ بِدَعِ الأقاويلِ قول من قال: إن (أهلك) فعل ماض مسند إلى الله جل ذكره، أي: أهلك الله كلهم إلّا من سبق عليه القول (١). ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾: قوله : ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ جعل السفينة مركوبًا لهم؛ لأنها تحملهم فجرت لذلك مجرى المركوب من الدواب، فهي مفعول اركبوا. وقيل: المفعول محذوف وهو الماء، أي: اركبوا الماء فيها، فحذف للعلم به (٢). وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: لك أن تجعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ حالًا من الواو في ﴿ارْكَبُوا﴾ بمعنى: اركبوا فيها قائلين بسم الله، أو متبركين باسمه، ففي اسم الله ذكر يعود على المأمورين. والمجرى والمرسى: يصلحان أن يكونا مصدرين، وأن يكونا وقتين، وأن يكونا مكانين، وهما ظرفا ما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أي: اركبوا فيها قائلين أو متبركين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أو وقت جريها ورسوها، على قدر القراءتين (٣) ثم حذف منهما الوقت، كما حذف من قولهم: آتيك مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان (٤). أو مكانهما.

стр. 1817

ولا يجوز أن يكونا ظرفي ﴿ارْكَبُوا﴾؛ لأنه لم يُرِد اركبوا فيها وقت الإجراء والإرساء أو الجري والرسو، إنما يريد اركبوا الآن فيها قائلين، أو متبركين باسمه في الوقتين. ولك أن تجعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ خبر مبتدأ، والمبتدأ هو ﴿مَجْرَاهَا﴾ هذا على رأي صاحب الكتاب، ولك أن ترفع ﴿مَجْرَاهَا﴾ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ على رأي أبي الحسن. وعلى المذهبين محل الجملة: النصب على الحال من الضمير الذي في ﴿فِيهَا﴾، وهو ضمير السفينة، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراة مرساة بسم الله، أي: جامعة بينهما، وهي حال مقدرة كالتي في قوله : ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ (١). وجاز انتصاب هذه الحال عن ضمير السفينة، لما فيها من الذكر العائد إلى ذي الحال وهو الهاء في ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، والعامل في الحال: اركبوا. ولا يجوز أن تكون حالًا من الواو في ﴿ارْكَبُوا﴾ كما زعم بعضهم (٢)، لعدم العائد من الحال إلى ذي الحال؛ لأن الجملة إذا وقعت حالًا لا بد أن يكون فيها إما ذكر عائد، أو واو رابط، نحو: كلمته فُوْهُ إلى فِيَّ، وأتيتك وزيد قائم، فإذا خلت من ذلك لم تكن حالًا. ولا يجوز أن ترفع ﴿مَجْرَاهَا﴾ بالظرف وتجعل الظرف حالًا من الواو في ﴿ارْكَبُوا﴾ كما زعم بعضهم (٣)، كما تجعله حالًا إذا لم ترفع به؛ لأنه لا ذكر فيه يرجع منها إلى ذي الحال، كما كان فيه في الوجه الأول، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (٤).

стр. 1818

فموضع ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ نصب على الظرف على الوجه الأول، وعاملهما ما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، وقد ذكر آنفًا، وعلى الوجه الثاني: موضعهما رفع إمّا بالابتداء، أو بالظرف. والمُجرى والمُرسى - بضم الميم فيهما - من أجرى وأرسى، وقرئ أيضًا: بالفتح فيهما (١) من جرى ورسا، وهما أيضًا يصلحان أن يكونا مصدرين، وأن يكونا وقتين، وأن يكونا مكانين، والتقدير فيهن على ما ذكر قبيل. وقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بضم الميم فيهما وكسر الراء والسين مع ياء بعدهما (٢)، وهما اسما الفاعلين من أجرى وأرسى. ومحلهما إما الجر على النعت لاسم الله ، أو الرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو مجريها ومرسيها. وأجاز أبو إسحاق: (مجريَها ومرسيَها) منصوبين إمَّا على الحال من اسم الله تعالى بمعنى التقدير، كقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٣)، أي: اركبوا فيها مسمين الله مجريًا لها ومرسيًا لها، كقولك: مررت بزيد ضاربها، أو على المدح، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به؛ لأنه لم يثبت به رواية، والقراءة سُنَّةٌ متبعة يأخذها الخلف عن السلف، رحمة الله عليهم أجمعين (٤). ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي

стр. 1819

مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾: قوله : ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ قيل: متصل بمحذوف، كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم الله وهي تجري. و﴿بِهِمْ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿تَجْرِي﴾، أي: تجري وهم فيها، كقولك: جرى بي الفرس، أي: جرى وأنا عليه. وقوله: ﴿كَالْجِبَالِ﴾: الكاف في موضع جر على النعت لموج. والموج: جمع موجة، وهي حركة الماء الكثير بدخول الرياح الشديدة في خلاله. ﴿كَالْجِبَالِ﴾ في عظمه وارتفاعه على الماء. وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فيه خمس قراءات: (ابنهُو) بضم الهاء مع صلتها بواو على الأصل، وهي القراءة المشهورة (١)، والضمير لنوح ﵇. و(ابنهْ) بإسكانها (٢) على إجراء الوصل مجرى الوقف. و(ابنَها) بفتح الهاء وألف بعدها (٣)، والضمير لامرأته، وقد جرى ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ (٤). و(ابنهَ) بفتح الهاء من غير ألف (٥) اجتزاء بالفتحة عن الألف، كقراءة من

стр. 1820

قرأ: (يا أبتَ) بفتح التاء (١) في قول من قال: إن أصله يا أبتا، فحذف الألف تخفيفًا؛ لأن الفتحة تدل عليها. و(أَبناه) بهمزة مفتوحة قبل الباء وألف بعد النون (٢) على الندبة والترثي. قال أبو الفتح: يريد - يعني السدِّي قارئها - بها الندبة، وهو معنى قولهم: الترثي، وهو على الحكاية، أي: قال له: يا أبناه، على النداء، ولو أراد حقيقة الندبة لم يكن بد من أحد الحرفين: يا أبناه، أو وا أبناه، كقولك فيها: يا زيداه، أو وازيداه (٣)، يريد أن الندبة لا تكون بالهمزة. وقوله: ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ المعزِل - بكسر الزاي - الموضع، وهو مَفْعِل من عزله عنه، إذا نحاه وأبعده، وفيه وجهان: أحدهما: وكان في مكان بعيد عَزَلَ فيه نفسه عن أبيه؛ لأنه فارقه حين دعاه إلى الدين القيم. والثاني: كان في معزل عن دين أبيه. وبفتحها المصدر، كالعزل، ولم يثبت به رواية فيما اطلعت عليه. وقوله: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ﴾ قرئ: (يا بُنَيِّ) بكسر الياء (٤)، والأصل: يا بُنَيِّي - بثلاث ياءات - الأولى منها ياء التصغير، والثانية لام الكلمة وهي واو أو ياء على الخلاف المذكور فيما سلف من الكتاب (٥)، والثالثة ياء النفْس، فأدغمت الأولى في الثانية وكسرت لأجل ياء النفس، وحذفت ياء النفس

стр. 1821

كراهة اجتماع الأمثال، وبقيت الكسرة تدل عليها، ولأن النداء باب حذف وتغيير، وقيل: بل حذفت لالتقاء الساكنين هي والراء بعدها. وقرئ: بفتحها (١) على قلب ياء النفس ألفًا بعد إبدال الكسرة فتحة، فبقي يا بنيا، ثم حذفت الألف، كما حذفت الياء مع الكسرة؛ لأنها أصلها، فكره اجتماع الأمثال نظرًا إلى الأصل دون اللفظ، أو لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبلها تدل عليها، وقد أجريت الألف مجرى الياء في الحذف في مواضع شتى اكتفاء بالفتحة والكسرة عنهما، ألا ترى أنهم قالوا: أصاب الناس جهدٌ ولو تر أهل مكة، فحذفوا الألف من (ترى)، كما ترى، كما حذفوا الياء من نحو: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ (٢)، و ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ (٣)، والأمثلة كثيرة، وما ذكرت فيه كفاية لمن له قلب ويعرف العربية. ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾: قوله : ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (لا عاصم) يحتمل أن يكون مبنيًّا مع لا على الفتح في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الخبر، فيكون متعلقًا بمحذوف، وهو كائن أو مستقر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف لهذا المحذوف. ولا يجوز أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرفًا لأمر الله عينه، كما زعم بعضهم؛ لأنه مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. ولا يجوز أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ صفة لعاصم، كما زعم بعضهم؛ لأن

стр. 1822

عاصمًا جثة، وظرف الزمان كما لا يكون خبرًا عن الجثة كذلك لا يكون وصفًا لها ولا حالًا منها، ولا أن يكون خبرًا عنه كما زعم بعضهم لما ذكرت آنفًا. ولا يجوز أن يتعلق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بعاصم، ولا أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ معمولًا له، لأنه لو كان كذلك لكان مُنونًا، كقولك: لا مرورًا بزيد، ولا نزولًا على عمرو، فاعرفه. وأن يكون معربًا منصوبًا بـ ﴿لَا﴾ مُضارعًا للمضاف، كقولك: لا حافظًا للقرآن عندك، فعلى هذا يكون التنوين فيه مقدرًا، وإنما حذف لالتقاء الساكنين، لأن اللام بعده ساكن، كقراءة من قرأ: (أحدُ اللهُ) (١) بطرح التنوين من أحد، لالتقاء الساكنين وهو أبو عمرو (٢)، فيكون خبر ﴿لَا﴾ على هذا محذوفًا، ويكون ﴿الْيَوْمَ﴾، و ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ معموليه، أي: لا عاصم اليوم من أمر موجود أو حاضر أو نحو ذلك، فاعرفه فإنه موضع. والأول أمتن؛ لأن حذف التنوين على هذا الحد لا يكون في حال السعة والاختيار في الأمر العام، وأيضًا فإنه في "الإمام" بغير ألف. واختلف في ﴿عَاصِمَ﴾: فقيل: هو اسم فاعل على بابه بمنزلة ضارب وقاتل. وقيل: هو بمعنى معصوم، كماءٍ دافق، أي: مدفوق. وقيل: هو على معنى النسب بمعنى: لا ذا عصمة (٣). فإذا فهم هذا، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ على الوجه الأول: فيه وجهان:

стр. 1823

أحدهما: أنه في موضع رفع على البدل من ﴿عَاصِمَ﴾ على المحل، وهو بمعنى الراحم، أي: لا مانع اليوم من عذاب الله إلّا الراحم وهو الله عزّ وعلا، والاستثناء على هذا متصل. والثاني: أنه في موضع نصب، وهو بمعنى المرحوم، أي: لا مانع اليوم من عذاب الله إلّا من ﵀، والاستثناء على هذا منقطع، لأن المفعول ليس من جنس الفاعل. وعلى الثاني: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل، والاستثناء متصل، أي: لا معصوم من أمر الله إلّا مَن ﵀، أي: لا معصوم إلّا المرحوم. وعلى الثالث: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، والاستثناء متصل، أي: لا ذا عصمة إلّا مَن ﵀. ولا مقال في أن ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ من جنس المعصوم، وهذا الوجه في الإعراب كالوجه الذي قبله. وبعد ... فإن الاستثناء متى جعلته متصلًا كان ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل من ﴿عَاصِمَ﴾ على المحل، أو نصب على الوجه الثاني، وهو أن يكون معربًا منصوبًا بلا، على ما ذكر قبيل، ومتى جعلته منقطعًا كان ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب وتقدر إلّا بـ (لكن). وقرئ: (إلّا من رُحِمَ) على البناء للمفعول (١)، و ﴿مَنْ﴾ على هذه القراءة أيضًا يحتمل أن يكون متصلًا، وأن يكون منقطًا. وقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حال بين نوح وابنه (٢). والثاني: بين ابنه وبين الجبل الذي قصده حين قال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ (٣).

стр. 1824

﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ أي: اشربي ما عليك من الماء، أي: أدخليه في أجزائك بسرعة شيئًا فشيئًا، يقال: بَلِعتُ الماء أبلَعه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر بلعًا، إذا أدخلتَهُ في حلقك. وعن الفراء: بلَعته بالفتح (١). وقوله: ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي عن إنزال المطر، والإقلاع: الإمساك والكف عن الشيء، يقال: أقلع المطر، وأقلع فلان عما كان عليه، وأقلعتْ عنه الحمّى. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: نقص، يقال: غضت الماء، إذا نقصته، وغاض الماء يغيض غيضًا، إذا قلّ ونضب، يتعدى ولا يتعدى. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ منه، وهو إنجاز ما وعد الله نوحًا ﵇ من إهلاك من هلك من قومه، وإنجاء من نجا منهم. وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الجمهور على تشديد ياء الجودي على الأصل، وقرئ: بالتخفيف (٢) كراهة التضعيف. والمعنى: استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل. وقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ انتصابه على المصدر، يقال: بعِد يبعَد - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - بُعْدًا وبَعَدًا، إذا أرادوا البعد البعيد من

стр. 1825

حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، فهو باعد. وهو على وجه الدعاء عليهم، كما تقول: بعدًا لفلان، وتبًا له، إذا دعوتَ عليه. واللام في ﴿لِلْقَوْمِ﴾ من صلة البعد. ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾ الضمير في (إنه) لأحد أربعة أشياء: - إما لابن نوح ﵇ وفيه وجهان: أحدهما: في الكلام حذف مضاف، أي: إنه ذو عمل غير صالح وهو الكفر وكونه مع الكافرين. والثاني: ليس في الكلام حذف، وإنما جعلت ذاته عملًا غير صالح مبالغة في ذمه، ولكثرة وقوعه منه. وكلا الوجهين شائع مستعمل في كلام القوم نظمهم ونثرهم. - وإما لنداء نوح ﵊ أي: إن نداءك هذا عمل غير صالح. - وإما للسؤال، أي: إن سؤالك إياي تخليصه بعد كفره عمل غير صالح. - وإما لما دل عليه قوله: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، أي: إن كونك مع الكافرين، وتركك الركوب معنا عمل غير صالح، فهذا وحده من قول نوح ﵇ لابنه. والوجه: أن يكون الضمير لابنه، تعضده قراءة من قرأ: (إنه عَمِلَ غَيْرَ
следующие страницы →