← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

كراهة اجتماع الأمثال، وبقيت الكسرة تدل عليها، ولأن النداء باب حذف وتغيير، وقيل: بل حذفت لالتقاء الساكنين هي والراء بعدها. وقرئ: بفتحها (١) على قلب ياء النفس ألفًا بعد إبدال الكسرة فتحة، فبقي يا بنيا، ثم حذفت الألف، كما حذفت الياء مع الكسرة؛ لأنها أصلها، فكره اجتماع الأمثال نظرًا إلى الأصل دون اللفظ، أو لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبلها تدل عليها، وقد أجريت الألف مجرى الياء في الحذف في مواضع شتى اكتفاء بالفتحة والكسرة عنهما، ألا ترى أنهم قالوا: أصاب الناس جهدٌ ولو تر أهل مكة، فحذفوا الألف من (ترى)، كما ترى، كما حذفوا الياء من نحو: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ (٢)، و ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ (٣)، والأمثلة كثيرة، وما ذكرت فيه كفاية لمن له قلب ويعرف العربية. ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾: قوله : ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (لا عاصم) يحتمل أن يكون مبنيًّا مع لا على الفتح في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الخبر، فيكون متعلقًا بمحذوف، وهو كائن أو مستقر، و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف لهذا المحذوف. ولا يجوز أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرفًا لأمر الله عينه، كما زعم بعضهم؛ لأنه مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. ولا يجوز أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ صفة لعاصم، كما زعم بعضهم؛ لأن

стр. 1822

عاصمًا جثة، وظرف الزمان كما لا يكون خبرًا عن الجثة كذلك لا يكون وصفًا لها ولا حالًا منها، ولا أن يكون خبرًا عنه كما زعم بعضهم لما ذكرت آنفًا. ولا يجوز أن يتعلق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بعاصم، ولا أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ معمولًا له، لأنه لو كان كذلك لكان مُنونًا، كقولك: لا مرورًا بزيد، ولا نزولًا على عمرو، فاعرفه. وأن يكون معربًا منصوبًا بـ ﴿لَا﴾ مُضارعًا للمضاف، كقولك: لا حافظًا للقرآن عندك، فعلى هذا يكون التنوين فيه مقدرًا، وإنما حذف لالتقاء الساكنين، لأن اللام بعده ساكن، كقراءة من قرأ: (أحدُ اللهُ) (١) بطرح التنوين من أحد، لالتقاء الساكنين وهو أبو عمرو (٢)، فيكون خبر ﴿لَا﴾ على هذا محذوفًا، ويكون ﴿الْيَوْمَ﴾، و ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ معموليه، أي: لا عاصم اليوم من أمر موجود أو حاضر أو نحو ذلك، فاعرفه فإنه موضع. والأول أمتن؛ لأن حذف التنوين على هذا الحد لا يكون في حال السعة والاختيار في الأمر العام، وأيضًا فإنه في "الإمام" بغير ألف. واختلف في ﴿عَاصِمَ﴾: فقيل: هو اسم فاعل على بابه بمنزلة ضارب وقاتل. وقيل: هو بمعنى معصوم، كماءٍ دافق، أي: مدفوق. وقيل: هو على معنى النسب بمعنى: لا ذا عصمة (٣). فإذا فهم هذا، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ على الوجه الأول: فيه وجهان:

стр. 1823

أحدهما: أنه في موضع رفع على البدل من ﴿عَاصِمَ﴾ على المحل، وهو بمعنى الراحم، أي: لا مانع اليوم من عذاب الله إلّا الراحم وهو الله عزّ وعلا، والاستثناء على هذا متصل. والثاني: أنه في موضع نصب، وهو بمعنى المرحوم، أي: لا مانع اليوم من عذاب الله إلّا من ﵀، والاستثناء على هذا منقطع، لأن المفعول ليس من جنس الفاعل. وعلى الثاني: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل، والاستثناء متصل، أي: لا معصوم من أمر الله إلّا مَن ﵀، أي: لا معصوم إلّا المرحوم. وعلى الثالث: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، والاستثناء متصل، أي: لا ذا عصمة إلّا مَن ﵀. ولا مقال في أن ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ من جنس المعصوم، وهذا الوجه في الإعراب كالوجه الذي قبله. وبعد ... فإن الاستثناء متى جعلته متصلًا كان ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل من ﴿عَاصِمَ﴾ على المحل، أو نصب على الوجه الثاني، وهو أن يكون معربًا منصوبًا بلا، على ما ذكر قبيل، ومتى جعلته منقطعًا كان ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب وتقدر إلّا بـ (لكن). وقرئ: (إلّا من رُحِمَ) على البناء للمفعول (١)، و ﴿مَنْ﴾ على هذه القراءة أيضًا يحتمل أن يكون متصلًا، وأن يكون منقطًا. وقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: حال بين نوح وابنه (٢). والثاني: بين ابنه وبين الجبل الذي قصده حين قال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ (٣).

стр. 1824

﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ أي: اشربي ما عليك من الماء، أي: أدخليه في أجزائك بسرعة شيئًا فشيئًا، يقال: بَلِعتُ الماء أبلَعه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر بلعًا، إذا أدخلتَهُ في حلقك. وعن الفراء: بلَعته بالفتح (١). وقوله: ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي عن إنزال المطر، والإقلاع: الإمساك والكف عن الشيء، يقال: أقلع المطر، وأقلع فلان عما كان عليه، وأقلعتْ عنه الحمّى. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: نقص، يقال: غضت الماء، إذا نقصته، وغاض الماء يغيض غيضًا، إذا قلّ ونضب، يتعدى ولا يتعدى. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ منه، وهو إنجاز ما وعد الله نوحًا ﵇ من إهلاك من هلك من قومه، وإنجاء من نجا منهم. وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الجمهور على تشديد ياء الجودي على الأصل، وقرئ: بالتخفيف (٢) كراهة التضعيف. والمعنى: استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل. وقوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا﴾ انتصابه على المصدر، يقال: بعِد يبعَد - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - بُعْدًا وبَعَدًا، إذا أرادوا البعد البعيد من

стр. 1825

حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، فهو باعد. وهو على وجه الدعاء عليهم، كما تقول: بعدًا لفلان، وتبًا له، إذا دعوتَ عليه. واللام في ﴿لِلْقَوْمِ﴾ من صلة البعد. ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ﴾ الضمير في (إنه) لأحد أربعة أشياء: - إما لابن نوح ﵇ وفيه وجهان: أحدهما: في الكلام حذف مضاف، أي: إنه ذو عمل غير صالح وهو الكفر وكونه مع الكافرين. والثاني: ليس في الكلام حذف، وإنما جعلت ذاته عملًا غير صالح مبالغة في ذمه، ولكثرة وقوعه منه. وكلا الوجهين شائع مستعمل في كلام القوم نظمهم ونثرهم. - وإما لنداء نوح ﵊ أي: إن نداءك هذا عمل غير صالح. - وإما للسؤال، أي: إن سؤالك إياي تخليصه بعد كفره عمل غير صالح. - وإما لما دل عليه قوله: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، أي: إن كونك مع الكافرين، وتركك الركوب معنا عمل غير صالح، فهذا وحده من قول نوح ﵇ لابنه. والوجه: أن يكون الضمير لابنه، تعضده قراءة من قرأ: (إنه عَمِلَ غَيْرَ

стр. 1826

صالحٍ) - بكسر الميم - على الفعل الماضي، أي: عمل عملًا غير صالح، وهو الكسائي (١)؛ لأن الضمير للابن ليس إلّا، فالأَولى أن تجمع بين القراءتين في المعنى وإن اختلفا في اللفظ. وقوله: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قرئ: (فلا تسألْنِي) بإسكان اللام وكسر النون وإثبات الياء بعدها في الوصل على الأصل (٢)، لأن سأل فعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: سألت زيدًا كذا، فأحد المفعولين هنا ياء النفس، والثاني (ما) الموصول بعدها. وبحذفها في الحالين اجتزاء بالكسرة عنها (٣)، إذ قد علم أن المفعول مراد في المعنى. وقرئ: بفتح اللام وتشديد النون مكسورة مع إثبات الياء بعدها في الوصل (٤). وبحذفها في الحالين (٥)، على أنها النون الشديدة الداخلة لتأكيد النهي، وفتحت اللام قبلها لأجل البناء؛ لأن الفعل مع هذه النون مبني على الفتح، وحذفت النون المتصلة بياء النفس كراهة اجتماع ثلاث نونات. وقرئ: بفتح اللام والنون مشددة (٦) على تعدية الفعل إلى مفعول واحد

стр. 1827

في اللفظ، وهو ﴿مَا﴾ الموصول، والمعنى على التعدي إلى ثان، وحسن تعديه إلى مفعول واحد؛ لأنه ليس من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر فيمتنع أن يتعدى إلى مفعول واحد، فالفعل مع إسكان اللام معرب، ومع فتحها مبني، فاعرفه. و﴿عِلْمٌ﴾: اسم ليس، و ﴿لَكَ﴾ الخبر، وكلاهما متعلق بالاستقرار. ولك أن تجعل ﴿بِهِ﴾ للتبيين، كقوله: ٣٠١ - * كان جَزائي بالعصا أن أُجْلَدا (١) * إذا قدمت (بالعصا) للتبيين، فيتعلق بمضمر يفسره الظاهر وهو ﴿عِلْمٌ﴾. والمعنى: فلا تلتمس مني ملتمسًا، أو التماسًا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب حتى تقف على كُنهه؟ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾: قوله : ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ إنْ: حرف شرط، وجُزم الفعل به، ولا النافية بعده كجزء من الفعل، ولذلك لم تبطل عمله، أعني عمل حرف الشرط. فإن قلت: لم لا تدخل إن الشرطية على (ما) النافية، كما تدخل على (لا) النافية؟ .

стр. 1828

قلت: لأن (ما) تنفي ما في الحال، ولا تنفي ما في المستقبل، وإن الشرطية تختص بالمستقبل دون الحال، فلذلك تدخل على (لا) دون (ما) فاعرفه. ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾: قوله : ﴿قِيلَ يَانُوحُ﴾ اختلف في فاعل ﴿قِيلَ﴾ فقيل: ﴿يَانُوحُ﴾، وقيلَ: مضمر، والنداء مفسر له، أي: قيل قول، أو قيل هو يا نوح (١). وقوله: ﴿اهْبِطْ﴾ الجمهور على كسر باء (اهبِط)، وقرئ: (اهبُط) بضمها (٢)، وهما لغتان. وقوله: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿اهْبِطْ﴾، أي: انزل من السفينة مسلَّمًا محفوظًا من جهتنا، أو مُسلَّمًا عليك مكرمًا. و(بركاتٍ): عطف عليه، وحكمها في الإعراب حكمه، أي: ومباركًا عليك. والبركات: الخيرات النامية. وقوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ عطف على الكاف بإعادة الجار، لأن المضمر المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة العامل. وقوله: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ في موضع جر على النعت لأمم. و (مِن) هنا تحتمل أن تكون للتبعيض، يعضده قول ابن عباس ﵄ يريد: من ولدك (٣). وأن تكون للبيان، أي: وعلى أمم مؤمنين ينشؤُون من الذين معك، أي من

стр. 1829

ذراري مَن معك مِن الأولاد. وأن تكون لابتداء الغاية، أي: وعلى أمم ناشئة ممن معك، قيل: وهي الأمم إلى آخر الدهر، وهو الوجه (١). وقوله: ﴿وَأُمَمٌ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: نعت لـ (أمم)، والخبر محذوف دل عليه قوله: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾، أي: وممن معك أمم متمتعون بالدنيا منقلبون إلى النار. وأجاز الفراء: و (أممًا) بالنصب على تقدير: ونمتع أممًا؛ لأن الجملة الأولى فعلية كقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٢). والرفع أجود، بل هو الوجه؛ لأن الأول فجل الأمر، والثاني خبر، بخلاف قوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، فكان الاختيار الرفع لذلك، ليدل اختلاف الإعرابين على اختلاف اللفظين. وقد جوز أن يكون: ﴿وَأُمَمٌ﴾ عطفًا على المنوي في ﴿اهْبِطْ﴾، وقد أغنى الفصل بينهما عن التأكيد (٣)، والوجه هو الأول. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ تلك) في موضع رفع بالابتداء ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ الخبر. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، و ﴿نُوحِيهَا﴾ خبر بعد خبر، وكذا ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾. والإشارة في ﴿تِلْكَ﴾ إلى قصة نوح ﵇. أي: تلك القِصَّةُ التي سبقت

стр. 1830

بعضُ أخبارِ الغيب، وهو ما غبت عنه (١) موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك. ولك أن تجعل ﴿نُوحِيهَا﴾ خبر ﴿تِلْكَ﴾، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من صلة ﴿نُوحِيهَا﴾ و ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ مستأنفة، أو حالًا من الهاء والألف في ﴿نُوحِيهَا﴾ أو من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ أي: مجهولة، والعامل (نوحي) في كلا التقديرين. ولك أن تجعل ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ الخبر، و ﴿نُوحِيهَا﴾ حالًا من المنوي في الجار، والعامل الجار، أي: تلك القصة كائنة أو مستقرة من أخبار الغيب موحاة إليك، ثم حَذَفْتَ اسم الفاعل وأخذتَ الضمير الذي فيه جعلته في الظرف لقيامه مقامه، فصار رافعًا للضمير ناصبًا للحال، فاعرفه. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قيل من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها، أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت، أو من قبل القرآن (٢). ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾: قوله : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (٣) أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم، وسماه أخاهم؛ لأنه واحد منهم، وكلهم من ولد آدم ﵇، وانتصابه بالعطف على ﴿نُوحًا﴾ على التقدير المذكور آنفًا. و ﴿هُودًا﴾: بدل منه أو عطف بيان له.

стр. 1831

وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قرئ: بالرفع على أنه صفة على المحل، وبالجر على اللفظ، وقد ذكر في الأعراف (١). وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ أي: ما أنتم إلّا مفترون على الله الكذب بجعلكم الأوثان له شركاء. ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾: قوله : ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ المدرار: الكثير الدرور، كالمغزار، وانتصابه على الحال من ﴿السَّمَاءَ﴾، أي: دارّة، وذُكِّر لأحد ثلاثة أوجه: إما على أن المراد بالسماء المطر، كقوله: ٣٠٢ - إذا سَقَطَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... ................. (٢) يعني المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، أو على تأويل السحاب أو السقف، أو لأن مفعالًا للمبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث، كفَعُول وفَعِيلٍ نحو: صبور وبغيٍّ، وكفاك دليلًا: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٣). وقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (إلى) هنا تحتمل أن تكون من صلة (يزدكم) وأن تكون في موضع الصفة لقوة، بمعنى: ويزدكم قوة مضافة إلى قوتكم، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب.

стр. 1832

وقوله: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ انتصاب ﴿مُجْرِمِينَ﴾ على الحال من الواو في ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾، أي: ولا تعرضوا عن الإيمان مصرين على الشرك. ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾: قوله : ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ (ببينة) من صلة (جئتنا) أي: بحجة واضحة تبين صحة ما تقول، ولك أن تجعلها في موضع الحال، أي: ما أتيتنا ومعك حجة واضحة، أي: أتيتنا عاريًا منها. وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (عن) من صلة (تاركي)، أي: بسبب قولك، أو عن جهته. وقيل: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ في موضع الحال من الضمير في (تاركي ألهتنا)، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك (١). ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾: قوله : ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ (اعتراك) فعل ماض في موضع نصب بـ ﴿نَقُولُ﴾، و ﴿إِلَّا﴾ لغو، و ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما، أي: ما نقول إلّا قولنا: أصابك بعض آلهتنا بسوء، أي: ما نذكر إلّا هذا القول، يقال: عراه الشيء يعروه، واعتراه يعتريه، إذا أصابه وغشيه. وقوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ انتصاب قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال من الواو في ﴿فَكِيدُونِي﴾. ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: لا تمهلون. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ

стр. 1833

وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾: قوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن تتولوا، فحذفت إحداهما تخفيفًا وهي الثانية على المذهب المنصور (١). والمعنى: فإن تعرضوا عن الإيمان لم أُعاتَبْ فيما أُمِرتُ به من الإبلاغ. وقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ الجمهور على رفع هذا الفعل وفيه وجهان: أحدهما: مستأنف، بمعنى: ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفوفكم في دياركم وأموالكم. والثاني: عطف على ما يجب أن يكون بعد الفاء، لأن الفاء تمنع (إن) من العمل فيما بعدها. وقرئ: بالجزم (٢). وكذلك ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ (٣) عطفًا على محل الفاء وما بعدها. والمعنى: فإن تعرضوا عن الإيمان يُعْذِرُني ويستخلف قومًا غيركم؛ ولا تضروا إلّا أنفسكم؛ لأن ضرر كفركم عائد عليكم. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ (٥٩)﴾: قوله : ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾: الإشارة إلى القبيلة. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا

стр. 1834

بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾: قوله : ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: في الكلام حذف مضاف، أي: كفروا نعمة ربهم، فحذف المضاف. والثاني: محمول على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أنكروا ربهم وجحدوه. والثالث: على حذف الجار وهو الباء، أي: كفروا بربهم. وقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿بُعْدًا﴾ على المصدر، على معنى: أبعدهم الله من رحمته فبعدوا منها بعدًا. وقيل: هو واقع موقع إبعاد، كما وقع ﴿نَبَاتًا﴾ موقع إنباتًا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١). و﴿قَوْمِ هُودٍ﴾: عطف بيان لعاد، أو بدل منه. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾: قوله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم، و ﴿صَالِحًا﴾: عطف بيان. وقوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قيل: إنشاؤهم منها: خلق آدم من التراب (٢)، والإنشاء: ابتداء الخلق من غير إعانة معين.

стр. 1835

و (استعمركم فيها): جعلكم عُمَّارها. وقيل: استعمركم من العُمر، نحو استبقاكم من البقاء (١). ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾: قوله : ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ﴾ أي: عن أن نعبد، والاستفهام بمعنى الإنكار. و﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: حكاية حالة ماضية، و ﴿مَا﴾: موصول في موضع نصب بقوله: ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾. وقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ المريب: الموقع في الريبة، يقال: أرابه، إذا أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس، وانتفاء الطمأنينة باليقين. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾: قوله : ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مفعول ثان لـ ﴿تَزِيدُونَنِي﴾، أي: فما تزيدونني باحتجاجكم إلّا تخسيرًا، وفيه وجهان: أحدهما: أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم إنكم خاسرون، كقولك: فسّقت الرجل وَزَنّيْتُهُ، إذا نسبته إلى الفسق والزنا. والثاني: تخسرون أعمالي وتبطلونها. ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾:

стр. 1836

قوله : ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ انتصاب قوله: ﴿آيَةً﴾ على الحال: إمَّا من الناقة والعامل فيها ما في (هذه) من معنى التنبيه أو الإشارة، بمعنى: انتبهوا لها، أو أنبهكم عليها وأشير إليها في هذه الحال، والآية: العلامة. أو من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾ على أن تجعل ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ عطف بيان لـ ﴿هَذِهِ﴾، أو بدلًا منها، و ﴿لَكُمْ﴾ خبر هذه، والعامل فيها على هذا ﴿لَكُمْ﴾. وعلى الوجه الأول: ﴿لَكُمْ﴾ حال من ﴿آيَةً﴾ لتقدمه عليها، إذ لو تأخر لكان وصفًا لها، وقد ذكر نظير هذا فيما سلف من الكتاب في غير موضع. وقوله: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ أي: قريب من عقرها، لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلّا يسيرًا، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم. ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾: قوله : ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (ثلاثة) ظرف للتمتع، أي: استمتعوا بالعيش في منازلكم وبلدكم. وقوله: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ قيل: غير مكذوب فيه، فاتّسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله: ٣٠٣ - ويومٍ شَهِدْناهُ سُلَيمًا ... ................... (١) أي: شهدنا فيه. وقيل: المكذوب: مصدر كالمعقول والمجلود، أي: وعد غير كذب (٢)، وقيل: هو مفعول بمعنى الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ

стр. 1837

مَأْتِيًّا﴾ (١)، أي: آتيًا. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ قرئ: بكسر الميم (٢) على أن يومًا معرب أضيف إليه الخزي، فانْجَرَّ بالإضافة إجراء له مجرى سائر الأسماء اتساعًا فيه، كما اتسع في قوله عز وعلا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣)، فأضيف المكر إليهما كما ترى، وإنما هو فيهما، فكذلك الخزي أضيف إلى اليوم وهو فيه من جهة المعنى. وقرئ: بفتحها (٤) على أنه مبني؛ لأنه مضاف إلى إذ، وهو غير متمكن فبني لذلك، كقوله: ٣٠٤ - على حِينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... .................... (٥) والتنوين فيه عوض عن جملة محذوفة. و(من خزي يومئذ): عطف على ﴿نَجَّيْنَا﴾ أي: ونجيناهم من خزي ذلك اليوم، وهو الفضيحة والعار والذل. ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾: قوله : ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ذُكّر الفعل لأحد ثلاثة أوجه: إما للفصل، أو لأن الصيحة والصياح واحد، أو لأن التأنيث غير حقيقي.

стр. 1838

وقوله: ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (جاثمين) خبر أصبح، و ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ من صلة الخبر. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾: قوله : ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ قد مضى الكلام عليه في "الأعراف" (١). وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ﴾، و ﴿ثَمُودَ﴾ كلاهما قرئ بالتنوين على أنه اسم مذكر ذهابًا إلى الأب، أو إلى الحي، وبتركه (٢) على أنه اسم للقبيلة، والمانع له من الصرف التعريف والتأنيث. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾: قوله : ﴿بِالْبُشْرَى﴾ هي البشارة، مصدر كالقربى والزلفى، في موضع الحال من الرسل، أي: مبشرات بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط (٣). وقوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ اختلف في نصبه على وجهين: أحدهما: مصدر وفيه وجهان: أحدهما - سلموا سلامًا، فأقيم ﴿قَالُوا﴾ مقام سلموا؛ لأن التسليم قول. والثاني - قالوا سَلَّم الله عليك سلامًا.

стр. 1839

والثاني: هو مفعول قالوا على المعنى، كأنه قيل: ذكروا سلامًا؛ لأن القول ذِكر، كما أن الذكر قول، وهو اسم واقع موقع التسليم، كالكلام موقع التكليم. وأما قوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ﴾ فارتفاعه على أحد وجهين: إمَّا على الابتداء، والخبر محذوف، أي: سلامٌ عليكم، أو بالعكس، أي: أمري أو شأني سلامٌ. وقرئ: (قال سِلْم) (١)، وفيه وجهان: أحدهما: بمعنى سلام، كحِرْمٍ وحَرَام. والثاني: بمعنى المسالمة التي هي خلاف الحرب، كأنهم لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه فنكرهم وأوجس الخيفة منهم. قال ﵇: أنا سلم لكم ولست بحرب لكم، فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يُمتنَع من طعام العدو (٢)، يقال: فلان سِلْم لفلان، أي مسالم له. وقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (ما) نافية، و ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب لعدم الجار، وهو عن، أو جر على إرادته. وفي ﴿لَبِثَ﴾ ذكر يعود على إبراهيم ﵊، أي: فما مكث عن أن جاء. واللَبْث واللَبَاث: المكث.

стр. 1840

أو رفع على الفاعلية، ولا ذكر على هذا في ﴿لَبِثَ﴾، أي: فما لبث مجيئه. وقيل: (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، وعائدها محذوف، وخبره ﴿أَنْ جَاءَ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، والتقدير: فالذي لبثه إبراهيم ﵇ قَدْرُ مجيئه (١). وقيل: مصدرية، أي فلبث مقدار مجيئه (٢). والوجه هو الأول، وهو أن تكون (ما) نافية، لسلامته من الحذف والتقدير، وعليه الأكابر (٣). والعجل: ولد البقرة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). ﴿حَنِيذٍ﴾ قيل: مشوي بالرضف في أخدود (٥)، يقال: حنذت الشاة أحنذها حنذًا، إذا شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها، فهي حنيذ ومحنوذ. وقيل: حنيذ يقطر دسمه (٦)، من حنذت الفرس أحنذه حنذًا، وهو أن تحضره شوطًا أو شوطين، ثم تلقي عليه الجُلّ (٧) حتى يقطر عَرَقًا، يعضده: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (٨). ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾:

стр. 1841

قوله : ﴿لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي إلى العجل. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم، يقال: نكر الشيء وأنكره واستنكره بمعنى (١). وأنشد للأعشى: ٣٠٥ - وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلَّا الشَّيْبَ والصَّلَعَا (٢) غير أن (نكر) أشد مبالغة، عن ابن عباس ﵄. وقوله: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي: أحس وأضمر منهم خوفًا. ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾: قوله : ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿أُرْسِلْنَا﴾ (٣) القائم مقام الفاعل، أي: أرسلنا إليهم في حال قيام امرأته. قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم (٤). وقوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ الجمهور على كسر الحاء، وهو اللغة المشهورة، يقال: ضحِك يضحَك بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ضحْكًا،

стр. 1842

وضِحْكًا، وضِحِكًا، وضَحِكًا، أربع لغات في مصدره (١). واختلف في معناه (٢): فقيل: فضحكت سرورًا بزوال الخيفة عنها؛ لأنها كانت خافت كما خاف إبراهيم ﵇. وقيل: فضحكت بهلاك أهل الخبائث. وقيل: فضحكت من غفلة قوم لوط وقد أظلهم العذاب. وقيل: كانت تقول لإبراهيم ﵇: اضمم لوطًا ابن أخيك، فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سرورًا لمّا أتى الأمر (٣). وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: فبشرناها بإسحاق فضحكت تعجبًا من الولد على كبر السن. وقيل: فضحكت فحاضت، قال أبو الفتح (٤): قال ابن مجاهد (٥): قال أبو عبد الله يعني ابن الأعرابي: الضحك هو الحيض، وأنشد: ٣٠٦ - ضِحْكُ الأرانِبِ فوقَ الصَّفَا ... مِثلُ دَمِ الجَوْفِ يَومَ اللِّقا (٦)

стр. 1843

قيل: وسارة حاضت في ذلك الوقت لما بشرت بالولد، ولم تكن حاضت قبل ذلك (١). وقرئ: (فضحَكت) بفتح الحاء (٢)، وأنكر أبو الفتح ذلك، وقال: ليس في اللغة ضَحَكت، وإنما هو ضَحِكت، أي: حاضت (٣). قلت: ولعله لْغَيَّةٌ لم تبلغ أبا الفتح؛ لأن قارئه محمد بن زياد الأعرابي وهو هو (٤). وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قرئ: (يعقوبُ) بالرفع (٥) على أنه مبتدأ، والظرف قبله خبره على المذهب المنصور، أو على أنه فاعل بالظرف على المذهب المعروف. ومحل الجملة النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿فَبَشَّرْنَاهَا﴾، أي: فبشرناها بإسحاق متصلًا به يعقوب، فيعقوب داخل في البشارة. وقيل: ارتفع (يعقوبُ) بفعل مضمر، أي: يحدث من وراء إسحاق يعقوبُ، فيكون غير داخل في البشرى على هذا (٦).

стр. 1844

وقرئ: (يعقوبَ) بالفتح (١)، وفيه وجهان: أحدهما: أن الفتحة للجر، وهو معطوف على لفظ ﴿إِسْحَاقَ﴾، وكلاهما لا ينصرف للعجمة والتعريف، وليس بالمتين عند صاحب الكتاب ﵀ وموافقيه إلا بإعادة الجار لأجل الفصل بين الجار والمجرور بالظرف، وحق المجرور أن يكون ملاصقًا للجار، والواو نابت مناب الجار، لو قلت: مررت بزيد وفي الدار عمرو، لم يحسن حتى تقول: مررت بزيد وعمرو في الدار، وبشرها بإسحاق ويعقوب من ورائه (٢). والثاني: أن الفتحة للنصب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على موضع قوله: ﴿بِإِسْحَاقَ﴾، لأن موضعه نصب، كقوله: ٣٠٧ - ............. ... إذا ما تَلاقَيْنَا من اليومِ أو غَدَا (٣) وقوله: ٣٠٨ - .................... ... فَلَسْنا بالجِبالِ ولا الحَديدا (٤)

стр. 1845

وكقراءة من قرأ: (وحورًا عينًا) بالنصب بعد قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (١) وليس بالمتين أيضًا، لأجل الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بالظرف، وهو خبيث عند صاحب الكتاب وأبي الحسن وموافقيهما (٢). والثاني: أنه منصوب بفعل مضمر، كأنه قيل: فبشرناها بإسحاق ووهبنا لها من بعده يعقوب؛ لأن البشارة بالولد تتضمن معنى الهِبَة، فلذلك أَضْمَرَ وهبنا دون غيره، فلا يكون على هذا داخلًا في البشرى. وقيل: الوراء ولد الولد (٣)، تقول العرب: هذا ابني من الوراء، أي: ابن ابني. وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟ فقال: نعم من الوراء، وكان ولدَ ولدِه (٤). قيل: ووجه ذلك أن يقال: سمي وِلْدُ إسحاق وراء؛ لأنهم وراءها، أي: أولاد أولادها، وإنما بشرت بيعقوب وحده من أولاد إسحاق؛ لأنها رأته ولم تر غيره. ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾

стр. 1846

قوله : ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ الألف في (يا ويلتا) بدل من ياء الإضافة. والأصل: يا ويلتي، وبه قرأ بعض القراء (١)، وإنما أبدلت منها لكونها أخف، وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء والاستكبار له، وعند ورود الأمر الفظيع. وقوله: ﴿أَأَلِدُ﴾ الهمزة للاستفهام وفيه وجهان: أحدهما: بمعنى التعجب. والثاني: هو سؤال استعلام، أي: أألد في حال تعجيزي أم أُرد إلى حالة الشباب؟ وقوله: ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ في موضع الحال من المنوي في (أألد). وقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ انتصاب قوله: ﴿شَيْخًا﴾ على الحال من المشار إليه وهو ﴿بَعْلِي﴾، والعامل فيها ما في ﴿هَذَا﴾ من معنى الفعل، وهو التنبيه أو الإشارة. وبعلها معروف عند من أشارت إليه، ولذلك جاز وقوع الحال منه، [ولو كان غير معروف لما جاز وقوع الحال منه] (٢)؛ لأنه إذا كان غير معروف عند من أشارت إليه لم يكن بعلها إلّا في حال الشيخوخة، فإذا زالت عنه الشيخوخة لم يكن بعلها، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإن كان المخاطب يعرف زيدًا جاز أن ينتصب قائمًا على الحال منه، وتكون فائدة الإخبار في الحال، وإن كان لا يعرف زيدًا لم يجز أن تقول: هذا زيد قائمًا بنصب قائم؛ لأنك تخبر أن المشار إليه هو زيد ما دام قائمًا، فإذا زال عن القيام فليس بزيد، إذ فائدة الإخبار منوطةٌ بمعرفة ذي الحال، وإنما تقول: هذا زيد قائمًا، لمن يعرف زيدًا، وتكون فائدة الإخبار منوطة بالحال،

стр. 1847

فاعرفه فإنه من غوامض النحو وأسراره (١). والجمهور على نصبه، وهو الوجه، لأجل الإمام مصحف عثمان ﵁؛ لأنه بالألف فيه ووجهه ما ذكرت. وقرئ: (شيخٌ) بالرفع (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ، والوقف على هذا ﴿بَعْلِي﴾؛ لأن الجملة قد تمت، أو ﴿بَعْلِي﴾ بدل من المبتدأ الذي هو ﴿هَذَا﴾، و (شيخ) هو الخبر، أو (شيخ) بدل من ﴿بَعْلِي﴾، كأنه قيل: هذا شيخ، كما أن التقدير فيما قبله: بعلي شيخ، أو يكونان معًا خبرين عن ﴿هَذَا﴾، كما تقول: هذا حلو حامض، أي قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذا ﴿هَذَا﴾ قد جمع البعولة والشيخوخة، فهذه أربعة أوجه ذكرهن صاحب الكتاب في الكتاب (٣). ولا يجوز أن يكون ﴿بَعْلِي﴾ عطف بيان لـ ﴿هَذَا﴾ و (شيخ) الخبر كما زعم بعضهم (٤)، لأن ﴿بَعْلِي﴾ لا يجوز أن يكون وصفًا لـ ﴿هَذَا﴾؛ لأن أسماء الإشارة لا توصف بالمضاف، وذلك أن النحاة لم يجيزوا: مررت بهذا ذي المال، على الوصف، كما أجازوا مررت بهذا الرجل؛ لأجل أن المبهم إذا احتاج إلى الصفة كان اتصالها به أشد من اتصالها بزيد ونحوه. وإذا كان كذلك كنت جعلت ثلاثة أشياء: المبهم، والمضاف، والمضاف إليه شيئًا واحدًا، وذلك لا يجوز. ويوضح ذلك: أنه لا يقع الفصل بين المبهم وصفته بحال، فلا يقول

стр. 1848

أحد: مررت بهذا والله الرجل، كما وقع بين الموصوف وصفته في غير المبهم نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (١) ففصل بينهما كما ترى. وإذا لم يجز أن يكون وصفًا لـ ﴿هَذَا﴾ للعلة المذكورة، لم يجز أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان صورة الصفة، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. ويقال: عجوز بغير هاء، قال ابن السكيت: ولا تقل عجوزة (٢). وعن يونس أنه قال: سمعت عجوزة (٣)، ويقال: شيخ، والمرأة شيخة. ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾: قوله : ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كلام مستأنف وفيه وجهان: أحدهما: دعاء من الملائكة لهم. والثاني: إخبار عن ثبوت ذلك لهم. وقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قيل: نصب على النداء، أو على التخصيص (٤)؛ لأن ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ مدح لهم، إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن ﵇. فإن قلت: هل يجوز جر ﴿أَهْلَ﴾ على البدل من الكاف والميم في ﴿عَلَيْكُمْ﴾؟ قلت: لا، لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه، إذ كان في غاية البيان والوضوح، بخلاف إبدال المظهر من ضمير الغائب، نحو: رأيته زيدًا،

стр. 1849

ومررت به زيدٍ؛ لأن ضمير الغائب ليس فيه من البيان ما يستغنَى به عن الإيضاح، كما كان ذلك في ضمير المخاطب. وقوله: ﴿حَمِيدٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول. والثاني: بمعنى فاعل، ومثله: ﴿مَجِيدٌ﴾. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ اختلف في جواب (لمّا): فقيل: محذوف دل عليه ﴿يُجَادِلُنَا﴾، أي: أخذ أو أقبل أو شرع، و ﴿يُجَادِلُنَا﴾ على هذا حال من المستكن في إحدى هذه المذكورات (١). وقيل: يجادلنا كلامٌ مستأنف دال على الجواب، والتقدير: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا أو قال: كيت وكيت، ثم ابتدأ فقال: يجادلنا في قوم لوط. والمعنى يجادل رسلنا (٢). وقيل: (يجادلنا) هو الجواب، وإنما جيء به مضارعًا لحكاية الحال، كقوله: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٤). وقيل: إن (لَمَّا) تَرُدُّ المضارعَ إلى معنى الماضي، كما ترد (إِنْ) الماضي

стр. 1850

إلى معنى الاستقبال، كأنه قيل: جادلنا (١). وفي (جاءته البشرى) وجهان: أحدهما: عطف على ﴿ذَهَبَ﴾. والثاني: حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وقد معه مرادة. والرَّوْعُ بالفتح: الفزع، ومنه قولهم: أَفْرَخَ رَوْعُهُ، أي: ذهب فزعُهُ وسَكَنَ (٢): وهو ما أوجس من الخيفة حين نكر أضيافه. والرُّوع بالضم: القلب والعقل، يقال: وقع ذلك في رُوعي، أي: في خَلَدي وبالي، وفي الحديث: "إن الروح الأمين نفث في روعي" (٣)، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ﴾ الأواه: الكثير التأوه خوفًا وإشفاقًا من الذنوب، وهو فعَّال من أوَّهَ فلانٌ تَأْوِيهًا وتَأَوَّهَ تأَوُّهًا، إذا قال: أوَّهْ. ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن والحديث، وما بعده مفسر له. وقوله: ﴿آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (آتيهم) خبر إن، و ﴿عَذَابٌ﴾ مرفوع به، لأن اسم الفاعل إذا جرى خبرًا لمبتدأ، أو صفةٍ لموصوف، أو صلة

стр. 1851

لموصول، أو حالًا لذي حال، أو معتمدًا على حرف النفي أو همزة الاستفهام رَفَع ما بعده. وقيل: ﴿عَذَابٌ﴾ رفع بالابتداء، والخبر ﴿آتِيهِمْ﴾ (١)، وجاز الابتداء به وإن كان نكرةً لكونِهِ موصوفًا. والوجه الأول لما ذكرت. و ﴿آتِيهِمْ﴾ في حكم الانفصال، إذ المراد به الاستقبال، أي: وإنهم يأتيهم. ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾: قولٌ : ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ (بهم) من صلة ﴿سِيءَ﴾، وسيء مسند إلى ضمير لوط ﵇. وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ انتصاب قوله: ﴿ذَرْعًا﴾ على التمييز، قيل: والمعنى وضاق بسببهم صدره، وضيق الذرع يستعمل في موضع ضيق الصدر، وأصله من عدم القدرة والاستطاعة؛ لأنَّ طول الذراع والباع عبارة عن القدرة، فقولهم: ضاق ذرعًا بهذا الأمر، إذا عجز عنه، هذا هو الأصل (٢). وقوله: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي: شديد، يقال: هذا يوم عصيب وعَصبصَبٌ، إذا كان شديدًا من قولهم: عَصَبه، إذا شده. ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾: قوله : ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ في موضع نصب على الحال من

стр. 1852

القوم، وماضيه أهرع، والإهراع: الإسراع، أي: يسرعون كأنهم يدفعون دفعًا. قال أبو عبيدة: يُسْتَحَثُّونَ إليه (١). كأنه يحث بعضهم بعضًا. وأُهرع الرجل على البناء للمفعول يهرع فهو مُهْرَعٌ، إذا كان يرعد من غضب أو فزع أو حُمَّى. وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: ومن قبل ذلك الوقت. وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ هؤلاء) مبتدأ، و (بناتي) عطف بيان، أو بدل، و (هن) فصل، و (أطهر) الخبر، أو (هن) مبتدأ ثان، وخبره (أطهَرُ)، والجملة في موضع خبر المبتدأ الأول. ولك أن تجعل ﴿بَنَاتِي﴾ خبر ﴿هَؤُلَاءِ﴾، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبر ﴿هُنَّ﴾. والجمهور على رفع ﴿أَطْهَرُ﴾، ورفعه على أحد الأوجه الثلاثة المذكورة آنفًا. وقرأ محمد بن مروان وغيره: (أطهرَ) بالنصب (٢). وأنكر صاحب الكتاب هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتَبى ابن مروان في لحنه (٣). وعن أبي عمرو بن العلاء ﵀ من قرأ: (هن أطهرَ لكم) بالنصب فقد تربَّعَ في لحنه (٤)، وذلك أنه نصبه على الحال بلا مقال، على أنَّ تجعل

стр. 1853

﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿بَنَاتِي﴾ خبره، و (أطهرَ) حالًا من ﴿بَنَاتِي﴾، والعامل فيها ما في ﴿هَؤُلَاءِ﴾ من معنى الفعل. أو تجعل ﴿هَؤُلَاءِ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر، على تقدير: خذوا [أ] والزموا هؤلاء، و ﴿بَنَاتِي﴾ عطفَ بيان أو بدلًا، والعامل فيها على هذا: المقدر، وتجعل ﴿هُنَّ﴾ فصلًا على كلا التقديرين، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ الفصل مختص بالوقوع بين أحد الجزأين اللذين هما مبتدأ وخبره ونحو ذلك، كقولك: كان زيد هو القائم، وحسبت زيدًا هو خيرًا منك، ولا يقع بين الحال وذي الحال، اللهم إلَّا أن تجعل ﴿هُنَّ﴾ أحد جزأي الجملة لا فصلًا، وهو أن تجعل ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿بَنَاتِي﴾ مبتدأ ثانيًا، و ﴿هُنَّ﴾ خبره، والجملة في موضع خبر المبتدأ، و (أطهرَ) حالًا إمَّا من ﴿هُنَّ﴾ أو من ﴿بَنَاتِي﴾ قد عمل فيها ما في ﴿هَؤُلَاءِ﴾: من معنى الفعل، كقولك: هذا زيد هو قائمًا. واختلف في معنى ﴿أَطْهَرُ﴾: فقيل: أَحَلُّ، وقيل: أنظفُ فعلًا، وقيل: أَعَفُّ (١). والهمزة في ﴿أَطْهَرُ﴾ للمبالغة لا للتفضيل والترجيح (٢). والضيف: مصدر في الأصل وُصف به، فلذلك لَمْ يُثَنَّ ولم يجمع في الأمر العام. ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾: قوله: ﴿مَا نُرِيدُ﴾ ما موصول في موضع نصب بتعلم، أي: لتعرف ما نريده من إتيان المذكور: ويجوز أن يكون استفهامًا، فيكون منصوبًا بـ (نريد) لا بتعلم.

стр. 1854

﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾: قوله : ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لدفعتكم، أو لفعلت بكم كيت وكيت، أو نحو ذلك. و﴿بِكُمْ﴾ حال من ﴿قُوَّةً﴾ لتقدمه عليها، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بها؛ لأنَّها مصدر ومعمول المصدر لا يتقدم عليه. وقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ الجمهور على إسكان ياء (آويْ) على أنه في موضع رفع بخبر ﴿أَنَّ﴾ على تقدير: لو أن لي بكم قوة، أو أني آوي. وقرئ: (أو آويَ) بنصبها (١) عطفًا على ﴿قُوَّةً﴾، ونصبها بإضمار أن، أي: أو أن آويَ، ليكون مع الفعل بتأويل المصدر، فيعطف مصدر على مصدر، كأنه قيل: لو أن لي بكم قوة، أو أُوِيًّا، كقولها - أعني المرأة التي قالت -: ٣٠٩ - لَلُبْسُ عَبَاءةٍ وَتَقَرَّ عَينِي ... أحبُّ إليَّ من لُبس الشُّفُوفِ (٢) أي: لَأن ألبسَ عباءةً وأَنْ تَقَرَّعيني، فاعرفه. يقال: أويت إليك آوي أُوِيًّا، أي: صرت إليك وانضممت. ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ

стр. 1855

اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾: قوله : ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾؛ قرئ: بالقطع والوصل (١)، وهما لغتان فاشيتان، يقال: أسريتُ وسريتُ، أي: سرت ليلًا. والإسراء والسُّرَى: سير الليل. وقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: بطائفة منه. وقوله: (إلَّا امرأتُك) قرئ: بالرفع (٢) على البدل من أحد، وأنكر هذه القراءةَ جماعةٌ منهم أبو عبيد (٣)، وقال: لا يصِح الرفع في قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ على البدل إلَّا برفع (يلتفت) ويكون نفيًا؛ لأنَّ المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت (يلتفت) إلى أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك، ولا يصح عنده البدل إلَّا برفع يلتفت (٤). ولا أعرف أحدًا قرأ به فيما اطلعت عليه. وقال أبو العباس: وجه الرفع أن المراد بالنهي المخاطب ولفظه لغيره،

стр. 1856

كما تقول لخادمك: لا يخرج فلان، فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب، أي: لا تدعه يخرج، وكذا هنا النهي في اللفظ لأحد وهو في المعنى للوط ﵇ (١). والمعنى: لا تمكِّن أحدًا من الالتفات وانههم عنه ولا تنهها، أي: لنزول العذاب بها، يعضده: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. وقرئ: بالنصب (٢) على الاستثناء من الأهل، تعضده قراءة من قرأ: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلَّا امرأتك) وهو عبد الله بن مسعود وأبَيّ بن كعب ﵄ (٣)، أو من ﴿أَحَدٌ﴾ على أصل الاستثناء؛ لأنَّ الكلام قد تم عنده، وهو الوجه؛ لأنَّ ذلك يمنع من الإسراء بها، وقد أسرى بها بشهادة قراءة الرفع. وقوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا﴾ الضمير في (إنه) ضمير الشأن والحديث. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾: قوله : ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (عاليها) مفعول أول، و ﴿سَافِلَهَا﴾ ثان، أي: صيرنا عالي قراهم سافلها. وقوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ في موضع نصب على النعت لـ ﴿حِجَارَةً﴾، قيل:

стр. 1857

وهو فارسي معرب من "سنْكٍ" و"كلّ" (١) بدليل قوله: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ (٢). وقيل: هو فعيل من أَسْجَلَهُ، إذا أرسله؛ لأنه مرسل عليهم، ومنه السَّجْلُ وهو الدلو (٣)، وقيل: من السِّجِلّ وهو الكتاب؛ لأنَّ الله تعالى كتب أن يعذبهم بها (٤). و﴿مَنْضُودٍ﴾ نعت لسجَّيل وفيه وجهان: أحدهما: نُضد بعضُه على بعضٍ في السماء نضدًا مُعدًّا للعذاب. والثاني: نضدت حين أمطرت، يعني: جُعلت كالمطر قطرة بعد قطرة (٥). و﴿مُسَوَّمَةً﴾ نعت للحجارة، أي: معلمة بعلامة يعلم بها أنَّها ليست من حجارة الأرض، عن أبي إسحاق (٦). وقيل: كانت معلمة ببياض وحُمْرة عن الحسن (٧). وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿مُسَوَّمَةً﴾، وأن يكون نعتًا لها. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هي): اسم ما، والخبر ﴿بِبَعِيدٍ﴾ و ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ من صلة الخبر، وهي ضمير الحجارة أو العقوبة، فإن قلت: لَمْ

стр. 1858

ذكّر الخبر؟ قلت: قيل فيه وجهان: أحدهما: أن فعيلًا يقع على المذكر والمؤنث، كما يقع على الواحد والجمع. والثاني: أنه نعت لمكان محذوف، أي: وما هي بمكان بعيد؛ لأنَّها وإن كانت في السماء، وهي مكان بعيد، إلّا أنَّها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقًا بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه، فحذف المنعوت، أو لأنَّ العقوبة والعقاب بمعني، كما أن الصيحة والصوت، والموعظة والوعظ كذلك. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾: قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين، أو إلى أهل مدين، و ﴿مَدْيَنَ﴾ لا تنصرف للتعريف والتأنيث، و ﴿شُعَيْبًا﴾ بدل أو عطف بيان، وقد ذكر نظيره قبيل في السورة (١). وقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ﴾ أي: ولا تنقصوا الناس المكيال، أو منه؛ لأنَّ نَقَصَ فعل يتعدى إلى مفعولين، ومصدره النقص، تقول: نقصت فلانًا حقه، ومن حقه، ولا يتعدي، ومصدره النقصان. وقوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾ يحتمل أن يكون من صلة أري، وأن يكون في موضع نصب على الحال من الكاف والميم، أي: ملتبسين به. وقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ محيط: نعت لليوم في اللفظ، وللعذاب في المعنى، أي: مهلك، من قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (٢). وأصله من إحاطة العدو، وإنما وصف اليوم بذلك لاشتماله عليه.

стр. 1859

﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ انتصاب ﴿مُفْسِدِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن العِثِيَّ والعَيْثَ أشد الفساد، وأن يقال: عَثِيَ يَعْثَي، وعاث يعيث (١). قيل: والعُثِيُّ في الأرض: نحو السرقة، والغارة، وقطع السبيل (٢). وقد جوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيًا منهم في الأرض (٣). ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (بحفيظ) في موضع نصب بخبر (ما) على لغة أهل الحجاز. و (عليكم) من صلته، ولا يجوز أن يكون في موضع رفع على لغة أهل تميم؛ لأنَّ الباء لا تدخل على خبر المبتدأ. ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾: قوله : ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أن وما اتصل بها في موضع نصب بتأمر لعدم الجار وهو الباء، أي: بأن نترك ما يعبد آباؤنا من الأصنام، أو جرٍّ على إرادته. وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (أن نفعل) في موضع نصب بالعطف على ﴿مَا يَعْبُدُ﴾، أي: أَوْ تأمرُكَ بأن نترك فعلنا في أموالنا من البخس والتطفيف فإنا تراضينا بذلك. ولا يجوز أن يكون معطوفًا على معمول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما عملت

стр. 1860

فيه كما زعم بعضهم (١)، إذ ليس المعنى: أصلاتك تأمرك بأحد هذين، وإنما المعنى: تأمرك بأن نترك هذين، وهما عبادة الأصنام وفعلهم في أموالهم ما يشاؤون (٢). و﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة، أو بمعنى الواو. وقرئ: (أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) بتاء الخطاب فيهما (٣). ولك أن تعطف أن في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾ على هذه القراءة على مفعول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما عملت فيه، وعلى مفعول ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والإقتناع بالحلال القليل، من الحرام الكثير. وقرئ أيضًا: (أو أن نفعل) بالنون، (ما تشاء) بتاء الخطاب (٤)، فأن في (أو أن نفعل) عطف على مفعول ﴿تَأْمُرُكَ﴾ وهو أن وما اتصلت بها. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾: قوله : ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ جواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: أخبروني إن كنت على حجة واضحة وبصيرة من ربي، وكنت مرسلًا على الحقيقة، أفأعدل عما أنا عليه من التوحيد مع هذه الحال الداعية إليه الموجبة له؟ أو أيصح لي أن أترككم على
следующие страницы →